المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مهارة الكتابة العربية=11


أ.د. محمد جمال صقر
11-06-2012, 10:15 AM
الفصل الثامن: الرِّسالَةُ
[35] إن النص ولا سيما القصيدة، بيتٌ مُغلق يمر به القارئ فيراه أو ينبَّه إليه فيتعلق بوصفه أو يُعلَّق به، فهو إما أن يدخله ويجول بطَوابقه وغُرفه فيتأمَّلَ مَرافِقَه ودَقائِقَه، ثم يَضَعَ في رسالته بيانَه، وإما أن يَطَّلِعَ عليه من خارج ويجتهد أن يجد ما يكتبه 105. هما إذن منهجان عامان لتناول النص، حملا على وصف البيت المغلق: المُساكَنَةُ (مِنْ داخِلٍ)، والمُلاحَظَةُ (مِنْ خارِجٍ). ولقد كان ما تناوله الطلاب، النَّصَّيْنِ المذكورين في الفقرة السابعة.
مُساكَنَةُ النَّصَّيْنِ
[36] جرى من الورق على منهج المساكنة، أربعٌ {1، 5، 20، 22} من ست وعشرين ورقةً، بنسبة {15.38%}، وهي قليلة جدا إِزاءَ البقية التي ستجري على منهج الملاحظة.
لقد كان من علامات هذا المنهج عدمُ الخضوع للمقدمة التي مهدت بها للنص الأول ثم أشرت إلى نَظَرِ النص الآخر إليه وعدم انخلاعه منه، وذكرتها في الفقرة السابعة. وكان من علامات هذا المنهج كذلك تبادل الناقد والمنقود السكنى: يسكن المَنْقودُ قَلْبَ الناقد فيسكن الناقِدُ قَلْبَ المَنْقودِ ويتأمله؛ فتنكشف له الحقيقة: إن صاحب النص الأول مُنتقمٌ سعيدٌ بانتقامه، وصاحب النص الآخر ظالمٌ نادمٌ، تقدَّمت للأول أسباب حَفَزَتْه إلى فعلته، وامتنع عن الآخر ما يهجم به على جريمته، وفي نص كل منهما شواهدُ بَيِّنَةٌ.
أما الورقات الأربعُ الْمُنْتَهِجاتُهُ، فقد كان لكل منها مَأْخَذٌ لَطيفٌ:
أما الورقة {1} فاشتملت على طَرَفٍ من السُّخرية اللازمة مُثيرٍ؛ إذ سخرت بسيادة الظن والمداواة بالقتل في النص الأول، وبدعوى الظالم الألم في النص الآخر!
وأما الورقة {5} فتتبعت النصين، وأمسكت بتلابيب تعابير كثيرة تثبت رؤيتها، من مثل " يا طَلعةً طَلَعَ الحِمامُ عليها"، و" جَنى لها ثَمَرَ الرَّدى بيديها " , " قَدْ باتَ سيفي في مجال وِشاحها " في النص الأول، و" كأنيَ أَخْلَعُ جِلْدي"، و" قد لَفَظَتْني الأماكنُ في هُوَّةٍ يَتَصايَحُ فيها الهُمود"، و" حينَ قَتَلْتُكِ أَشْعَلَ قَلْبي نَزيفُ دَمِكْ " في النص الآخر.
وأما الورقة {20} فقدمت تقسيما طريفا للنص الأول؛ إذ جعلت نصفه الأول مما قبل اطلاع صاحبه على حقيقة الخدعة، ونصفه الآخر مما بعد ذلك.
وأما الورقة {22} فضعفت تعبير النص الآخر " كما يُشْعِلُ الثَّورةَ المُستَنيمةَ رَعْدُ النَّشيدْ"، لعدم مناسبته للندم والحسرة السارِيَيْنِ فيه. وقد فسرت " الغبار " في الأول، بأنه رَمْزٌ إلى الفَجَرَةِ أصدقاء الزوجة من قديم، وإن أساءت فهم قوله: "ما كان قتليها لأنيَ لم أكن أبكي إذا سقط الغبار عليها"؛ فظنَّتْه لم يكن يعبأُ بما يصيبها به أولئك الفَجَرَةُ، ثم عجبت منه كيف يقتلها بعد ذلك انتقاما!

مُلاحَظَةُ النَّصَّيْنِ
[37] جرى ما بقي من الورق على منهج الملاحظة بنسبة {84.61%}، وهي الكثرة الطاغية.
لقد كان من علامات هذا المنهج الخضوعُ للمقدمة التي مهدت بها للنص الأول ثم أشرت بعدها إلى نظر النص الآخر إليه وعدم انخلاعه منه، وذكرتها في الفقرة السابعة. وكان من علامات هذا المنهج كذلك تبادل الناقِدِ والمَنْقودِ النَّظَرَ. ينظر المَنْقودُ إلى قالَبِ النّاقِدِ؛ فينظر النّاقِدُ إلى قالَبِ المَنْقودِ؛ فيذهَلُ عن الحقيقة، ويتكلف الشَّرْحَ والتَّمثيلَ والاحْتِجاج.
لقد انقسم الوَرَقُ الْمُنْتَهِجُهُ، فيما بينه، أقساما خمسة:
[38] الأَوَّلُ = حُسْنُ الشَّرْحِ: جرى من الورق عليه، أربعٌ {10، 13، 18، 21}، بنسبة {15.38%}.
وفيه اطُّرِحَتْ معالجةُ اختلاف المقدمة والحقيقة واختلاف النصين، بمَرَّةٍ من البِداءة، ثم محاولة تَنْزيل المقدمة على النصين أو إرجاعهما إليها بأقصى الوسع.
ولقد كان من محاسن الشرح، استظهار الورقة {13} أن الحبيبين في النص الآخر كانا بنيانا واحدا فانهدم، أو شخصا واحدا فانتزع بعضه من بعضه - وتفتيش الورقة {21} عن المفردات المفاتيح، واكتشافها مفردةَ (الغبار / الثرى) التي يدور عليها النص الأول بأوجه مختلفة ويتخذها الشاعر خصما، والتي تجاريها مفردة (الزمان / المكان) الخصمُ، في النص الآخر.
[39] الثّاني = مُجاراةُ الإِبْداعِ: جرى من الورق عيه، ثلاثٌ {7، 17، 24}، بنسبة {11.53%}.
وفيه اطُّرِحَتْ معالجةُ اختلاف المقدمة والحقيقة واختلاف النصين كذلك، ثم اطُّرِحَ حسن الشرح، ثم اصْطُنِعَ نَصٌّ ثالث باستيحاء المقدمة والنصين جميعا، يضاف إليهما.
ولقد كان طبيعيا من مجاراة الإبداع، الخُضوعُ للمقدمة ودعواها وحدة المأساة؛ إذ يحتاج اصطناع نص آخر إلى توفير الجهد له خشيةَ بَغْتَةِ الوقت.
[40] الثّالِثُ = انْتِباهُ الشَّرْحِ: جرى من الورق عليه، خمسٌ {4، 6، 9، 12، 16}، بنسبة {19.23%}.
وفيه اطُّرِحَتْ معالجةُ اختلاف المقدمة والحقيقة واختلاف النصين وحسن الشرح كذلك. ولكنِ انْتُبِهَ إلى مخالفة حال الشاعر في النص الآخر بظهور ندمه على جريمة لا سبب لها، لحال الشاعر في النص الأول بخفاء ندمه على جريمة واضحة السبب.
ولقد كانت للورقة {9} منها، طرافة الانتباه إلى مخالفة النص الآخر باعتنائه بالمحب، للأول باعتنائه بالمحبوبة، وطرافة فهم خلع الجلد على أنه خلع العاطفة. وإن عجزت عن فهم معنى بكائه " إِذا سَقَطَ الغُبارُ عَلَيْها"!
[41] الرّابِعُ = اخْتِصارُ الشَّرْحِ: جرى من الورق عليه، سِتٌّ {2، 3، 11، 15، 19، 26}، بنسبة {23.07%}.
وفيه اطُّرِحَتْ معالجةُ اختلاف المقدمة والحقيقة واختلاف النصين وحسن الشرح كذلك، ثم تُطُوِّعَ بالمبالغة فيه!
أما الورقات {15، 19، 26}، فأذابت حديثها عن النص الآخر، في حديثها عن النص الأول، وكأنها تؤكد تاريخية المأساة الأَزَليَّة الأَبَديَّة.
وأما الورقتان {2، 3}، فانحصرتا في النص الأول لفضل السبق.
وأما الورقة {11}، فانحصرت في النص الآخر لفضل الطرافة.
[42] الْخامِسُ الأَخيرُ = سَذاجَةُ الشَّرْحِ: جرى من الورق عليه، أربعٌ {8، 14، 23، 25}، بنسبة {15.38%}.
وفيه وقوف عند أَوَّليّاتِ الشرح في خلال الخضوع المضجر للمقدمة ودعواها وحدة المأساة.
لقد ادعت الورقة {23} اختلاف أسلوبي النصين، ثم نَسِيَتْ دعواها وكأن لم تكن، وأقبلت تتحدث عن اتفاقهما، بل أَكْرَهَتْ بعض العبارات على أن تؤدي ذلك الذي توحي به المقدمة المسيطرة، من مثل دعواها: "عندما قال " قد بات " يظهر لنا ندمه وحسرته على فراق محبوبته، وكأنه يقول ليتني لم أقدم على تلك الفعلة، فمنذ وقع سيفي على مجال وشاحها وأنا أشعر بالندم، ومدامعي لا تنقطع عن الجريان"، في حين كان ينبغي لها الانتباه إلى أن هذا البيتَ المشيرةَ إلى بعضه، أَزْمَةُ الاصْطِراعِ؛ إذ فيه امتزاجُ مشاعرَ مُضطربةٍ: راحةِ المُنتقمِ وأَسَفِ المُحبّ .
[43] هذا إذن الذي تؤديه ملاحظات المنهج:
مُلاحَظَةُ النَّصَّيْنِ مُساكَنَةُ النَّصَّيْنِ
سَذاجَةُ الشَّرْحِ اخْتِصارُ الشَّرْحِ انْتِباهُ الشَّرْحِ مجاراةُ الإبْداع حُسْنُ الشَّرْحِ
4/26
15.38% 6/26
23.07% 5/26
19.23% 3/26
11.53% 4/26
15.38% 4/26
15.38%
22/26=84.61%
لا ريب عندي في أن أكثر صواب النقد، هو في منهج المساكنة، غير أنني لا أخفي إعجابي بالقسم الثاني من منهج الملاحظة، فأما القسم الأول منه فأدنى ما يمكن قبوله ممن اشتغل بالملاحظة عن المساكنة.
أما تصويبي لمنهج المساكنة وحده، فَمِنْ أننا أيـُّها المشتغلون بالأدب، ما زلنا نرى النقد كشفا للحقيقة، وأنها تُلْتَمَسُ هناك داخل النص المنقود، دون انخداع بحكاية تطلي جسمه، وإن حكاها صاحبه.
وأما إعجابي بمجاراة الإبداع من منهج الملاحظة، فَمِنْ أن صاحب هذا القسم عندئذ فنّانٌ: شاعرٌ كالشاعر، أو ناثرٌ كالناثر، وليس رسالةٌ أكثر استيلاء على المتلقي من رسائل النصوص الفنية.
وأما قبولي لحسن الشرح من منهج الملاحظة، فَمِنَ اجتهاد صاحب هذا القسم في توظيف مُعْطَيات العلم والفن، بحيث لا أملك لاجتهاده إلا رِفْقَ القبول.
منهج المساكنة مفتقر إلى تَأَتٍّ (تَجَهُّزٍ وتَهَيُّؤٍ) وتَأَنٍّ (تَصَبُّرٍ وتَلَطُّفٍ)، تدل قلة الورق فيه، على حاجة الطلاب إلى أن يتدربوا بالتأتي والتأني. ومنهج الملاحظة غير مفتقر إلى مثل ذلك، تدل كثرة نسبة الورق فيه، على غفلة الطلاب عن جدوى التَأَتّي والتَّأَنّي.