المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مهارة الكتابة العربية=12


أ.د. محمد جمال صقر
11-06-2012, 10:17 AM
خاتِمَةٌ
[44] يَرى أبناؤنا المدارس والجامعات وأهلَها، ونُغريهم؛ فَتَتَعَلَّقُ أفئدتهم. يدخلون مع الداخلين، ويخوضون مع الخائضين، وغايتُهم التي يرونها غاية أهل المدارس والجامعات ونغريهم بها، أن يختطفوا شهادة تؤهلهم لعمل مُريح مُربح يضمن لهم حياة ناعمة!
تَطْبَعُهم هذه الغايةُ (نَعيمُهُمْ) من مُبتدئهم إلى مُنتهاهم، بطابعها الذي يُصَرِّفُ شؤونهم، فيمضون إليها على مَنهجٍ مُرَبَّعٍ واضح لا يزيغ عنه إلا أحمق:
لا عُذْرَ لتَعَبٍ لا عُذْرَ لخَسارَةٍ
لا ذَنـْبَ لراحَةٍ لا ذَنـْبَ لرِبْحٍ
ولما كانوا في أصولهم مختلفين طاقة فطرة الله التي فطرهم عليها، صاروا في أعمالهم مختلفين درجة، ولكن بقي كلٌّ منهم يحسد الآخر على نصيبه من النعيم!
[45] ويَرى أبناؤنا المدارس والجامعات وأهلَها، ونُغريهم؛ فتتعلَّقُ أفئدتهم. يُداخلون ويُمازجون، وغايتُهم التي يرونها غايةَ أهل المدارس والجامعات ونغريهم بها، أن يستوعبوا حضارتهم على الوجه الذي يَكْفُلُ لها حياة ناعمة!
تَطْبَعُهُمْ هذه الغايةُ (نَعيمُ حَضارَتِهِمْ) من مبتدئهم إلى منتهاهم، بطابعها الذي يصرف شؤونهم، فيمضون إليها على مَنهجٍ مُرَبَّعٍ لا يزيغ عنه إلا أحمق:
لا عُذْرَ لراحَةٍ لا عُذْرَ لرِبْحٍ
لا ذَنـْبَ لتَعَبٍ لا ذَنـْبَ لخَسارَةٍ
ولما كانوا في أصولهم مختلفين طاقةً فِطرةَ الله التي فطرهم عليها، صاروا في أعمالهم مُتعاونين خِدمةً، ولكن بقي كل منهم يغبط الآخر على نصيبه من خدمة الحضارة.
[46] تلك الأولى حال الغفلة حين تضرب أطنابها على الناس فتُرْديهم، وهذه الآخرة حال الوعي حين يبسط حُلَلَهُ للأمة فيُنْجيها. فإن كانت هذه حالنا وجب أن نتمسك بها، وإن كانت الأخرى وجب أن نَتَحَوَّلَ عنها، وإن اجتمعت في حالنا صفات منهما وجب أن نصطنع من الدواء ما نعالجها به؛ فإن غلبت عليها صفات الغفلة، استخلصنا صفات الوعي وحميناها حتى تشتد، وإن غلبت عليها صفات الوعي، انتزعنا صفات الغفلة وحبسناها حتى تضمر.
[47] لا ريب في أن أبناءنا أصغر أحيانا من أن يدركوا جلال الغاية الجليلة، ولكن لا ريب في أنهم بذور المدركين التي إن أُهملت عَطِبَتْ وفَسَدَ الزرع، وإن رُعيت سَلِمَتْ وصَلَحَ الزرع. إن أبناءنا ينابيع التَّخَيُّل الثَّرَّةَ، إن خَيَّلْنا لهم ثمرةَ الغاية الجليلة تَخَيَّلوها وطلبوها وتمسكوا بها، فلم لا نفعل؟
حَضارتنا كغيرها، شجرة حية، جذرها المعنويات (الثقافة) وفرعها الماديات، ولا حياة للفرع إلا بالجذر، ولا سُطوع للجذر إلا بالفرع، ولا يخرج ما يعرض لنا نحن وأبنائنا كل يوم (خبر، هاتف، مقال، صحيفة، حديث، مذياع، خطبة، تلفاز، قصيدة، كتاب...) - عن أن يكون من معنويات الحضارة أو من مادياتها، فلم لا نحفز أبناءنا كل يوم بالأعمال المُوفَّقة إلى أن يعملوا مثلها، وبالعمال المُوَفَّقين إلى أن يكونوا مثلهم، وبافتقار الماديات والمعنويات كلٍّ منهما إلى الأخرى، إلى ألا يحقروا منها شيئا أو ينسوا بشيء منها شيئا؟
[48] لم أنشأ على هذا الذي صرت أعيه وأنشئ عليه أبنائي، ولكنني رُزِقْتُ أبـًا فَقيهًا حافظًا نَديًّا شاعرًا لغةً ولهجةً مُزَخْرفًا خَطّاطًا، حَمَلَني – أَحْسَنَ اللهُ إليه! – على حفظ القرآن، وتسرَّبت إليَّ من هذا الذي وُهِبَه ولم يكتمه، لطائفُ إشاراتٍ دَبَّ بها فيَّ العلمُ والفنُّ العَرَبيّانِ، ورُزقتُ من أفاضل المدرسين – ولا سيما الأستاذ محمد عثمان بالابتدائي، والأستاذ عبد القادر إسكاف بالثانوي، والأستاذة منى عبد الحميد (أختي) بمدى العمر – مَنْ رَعى ذلك حتى اخْتَلَطَ بنفسي.
ولما لم أنشأ على ذلك الذي صرت أعيه وأنشئ عليه أبنائي، تَلَعَّبَتْ بي أحوال الحياة فارتفعتْ وانخفضتْ غيرَ مُستثنيةٍ ما اختلط بنفسي، ثم ارتفعتْ؛ فانتصحتُ بنصيحة من أشار عليَّ بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة، حَرَسَها الله!
في هذه الكلية تفرح اللغة العربية بطلابها (الأساتذة والتلامذة) الذين يَتَتَبَّعونها منذ أن هَلْهَلَها عَديٌّ إلى أن هَلْهَلَها صَلاحٌ، لا يَفْتُرون! فَرَجَعْتُ حاليَ الأولى، وَرَعَيْتُها، وهَذَّبْتُها؛ حتى أخذتْ بيدي إلى مجلس الأستاذ محمود محمد شاكر، رحمه الله!
في هذا المجلس تجول الحضارة العربية الإسلامية، وتصول بلسان أستاذنا على غيرها مما كان ويكون؛ فعرفتُ غايتي وطلبتُها وتمسكتُ بها.
لقد وُفِّقْتُ عَفْوًا إلى الوجهة الصحيحة، حتى لأراها لم تكن تصلح إلا لي ولم أكن أصلح إلا لها. فكيف لو لم أوفَّقْ إليها؟ لَكَأَنّي بِيَ عندئذ أُعادي عملي ويعاديني؛ فأضيع لديه ويضيع لديّ.
[49] مَشْغَلَةُ الحياة التي نَشِبَتْ فينا، أَبْخَلُ من أن تسمح لنا بأن نَتَعاهد أبناءنا كما ينبغي، ولكنها أضعف من أن تمنعنا توجيههم إلى ما يلائمهم، وتَيْسير سُبُلِهِ لهم، أو عدم تعسيرها عليهم، وهذا أضعف الإيمان!
وتلامذتنا أبناؤنا، أَسْرارُنا التي ستَفْتَضِحُ. من رآهم ورأى أعمالهم رآنا ورأى أعمالنا. ينبغي أن نَتَأَتّى:
1 بحسن صُحبتهم = ليرتاحوا لنا؛ فيَوَدّونا،
2 وبتَحَرّي مصلحتهم = ليثقوا بنا؛ فينتصحوا بنصحنا،
3 وبرعاية إنجازهم أعمالهم = ليستوعبونا؛ فيزيدوا علينا.
لا سَبيلَ غَيرُ ذلك.
[50] أَثَرُ وَعْيِ غايَةِ التَعَلُّمِ (اسْتيعابِ الحَضارة العربية الإسلامية على الوجه الذي يَضْمَنُ لها حَياةً ناعِمَةً) ثم لُزومِ مَعالمِ مَنْهَجِ التعليم الآنف ذكرُها، في مهارة الكتابة عند طلاب قسم اللغة العربية، شَديدٌ بالغٌ يَنْبَغي ألا يُنْكَرَ فَيُغْفَل، أو يُهْمَلَ فَيَبْلى.
وما هذا البحث إلا محاولة لذلك، أَفْضَتْ إلى ثمانية فُصول من التَّنْبيهات المُنَظَّمة، تَناوَلَتْ مُفردات التَّعبير الكِتابيِّ، ثم رِسالتَهُ، قَبْلَها وبَعْدَها إِلْمامٌ بأُصولٍ يَنبغي أَنْ تُراعى وخِبْرةٍ يَنبغي أَنْ تُعْتَبَر.
ولقد اضطرتني تنبيهات التعبير إلى أن أقول: "إن موازنة وجوه استعمال مفردات التعبير الكتابي (الإملاء، والتشكيل، والترقيم، والأصوات، والمعجم، والصرف، والنحو) لَتُطلعنا على أن النحو أَزْيَغٌ عن الطريقة فيه منها، وإن موازنة وجوه استعمال النحو (نظم الكلام) (الترتيب، والإبدال، والحذف، والإضافة) لَتُطلعنا على أن الإبدال أَزْيغ عن الطريقة فيه منها؛ ومن ثم نخلص إلى أن كَسَلَ الطلاب (مَرْجِعَ زَيـْغِ الإِبْدالِ) هو الذي يمنعهم على وجه العموم، من تدقيق استعمال مفردات التعبير الكتابي".
واضطرتني تنبيهات الرسالة إلى أن أقول: "منهج المُساكَنَةِ (مُداخَلَةِ النَّصَّيْنِ) مفتقر إلى تَأَتٍّ (تَجَهُّزٍ وتَهَيُّؤٍ) وتَأَنٍّ (تَصَبُّرٍ وتَلَطُّفٍ)، تدل قلة نسبة الورق فيه، على حاجة الطلاب إلى أن يَتَدَرَّبوا بالتَّأَتّي والتَّأَنّي. ومنهج المُلاحَظَةِ (مُخالَسَةِ النَّصَّيْنِ) غير مفتقر إلى ذلك، تدل كثرة نسبة الورق فيه، على غفلة الطلاب عن جَدوى التَّأَتّي والـتّأَنّي".
وفي الإِعْراضِ عَنْ الاهْتِمامِ (سِرِّ عَدَمِ تَدْقيقِ اسْتعمالِ مُفْرداتِ التَّعبيرِ الكِتابي)، وعَنِ التَّأَتّي والتَّأَنّي (سِرِّ عَدَمِ مُداخَلَةِ النَّصَّيْنِ)، الكَسَلُ نَفْسُهُ. ولا عَجَبَ؛ فَمِنْ قَبْلُ ما ذَكَرْتُ أَنَّ الرّسالَةَ ومُفْرداتِ التَّعْبيرِ الكِتابيِّ التي تُؤدّيها، تَكونُ مَعًا.
ربما كانت هذه النتيجةُ شائعةً مُتَداوَلَةً في مجالات أخرى من العمل الماديِّ، لاسْتيلاءِ نَمَطٍ ما مِنَ العيش على الناس. ولكنَّها غَيرُ شائعةٍ ولا مُتَداوَلَةٍ في مجالات العمل المعنويِّ. فإذا ذَكَرْنا مَنْزِلَةَ المَعْنَويِّ مِنْ شَجَرَةِ الحَضارَةِ، كانَ هذا البحثُ النَّذيرَ العُرْيان!