المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سأقص عليكم ..


صالح الصعب
06-23-2014, 10:37 PM
سأقص عليكم !

عده ابن سلام من فحول الشعراء ومن الطبقة الأولى من الشعراء ، شعراء الجاهلية ، وقرنه بامرئ القيس والنابغة و زهير ، إنه صناجة العرب وعند هذا اللقب يقف الحديث عن التعريف عن الأعشى ، وبما أن الأعشى قد استقر في أذهان الناس من حيث المكانة الإعلامية و الأدبية ، كانت النفوس تزدلف إلى مديحه وتنأى بنفسها بعيداً بعيداً عن ذمه و استجلاب سخطه ومايُدْني من ذلك ، فما مدح أحداً إلا رفعه و ماهجا أحداً إلا وضعه ومزقه كل ممزق ؛ ليسهل مضغه في أفواه الوضاعيين ، وعلى هذاالذي هاج في فكر الناس كان يطوف - الأعشى - متبخترا في أوساط الناس وثاني عطفه ، عالماً بحالهم كما هو عالماً بنفسه ومكانته .
ومن ذلك أنه مر مرةً على أحد أحياء العرب ، يقود خطام ناقته غلامه ، ومن مجرى العادة أن يستقبل صناجة العرب بالحفاوة والإستقبال الحار ، وأيهم يظفر بإقراءهِ فإنه معرضٌ للمديح والثناء ، وكان من أحد بؤساء ذلك الحي رجل يقال له : المحلِّقْ الكلابي ، رجل خامل الذكر ، لا يعرف له حالٌ في سجلات الشرف والسؤدد ولا المكانة الإجتماعية التى تصعّده ليتطلع بها لمراتب المفاخرة والتعرض للمديح ، ومن رزء الزمن أن لديه بنات قد عنسن عليه ، فقالت له امرأته : ما يمنعك من التعرض لهذا الشاعر لعلك تظفر بثناءٍ عطر تصوّح به فتعرفك الناس فما رأيت أحدا اقتطعه لنفسه إلا أكسبه خيراً ، - وهذه من عادة الأعشى - .
فقال المحلق : ويحك ماعندي إلا ناقتي وعليها الحمل ، قالت : الله يخلفها عليك .
فتلقاه المحلق من بعيد خوفا أن يسبقه عليه أحد ، فوجد غلامه الذي يقود ناقته فأخذ الخطام ! فقال الأعشى : من الذي غلبنا على خطامنا ؟ فقال الغلام : المحلق ! فقال : شريف كريم - رغم أنه ليس بذاك - .
فأنزله داره ونحر له ناقته - الوحيدة - فكشط عن سنامها وسلب له كبدها وشوى له وسقاه خمراً فأكل الأعشى وشرب وماجت في أحشائه الخمر والشواء ، وأحاطت به بناته الكُنّس فجعلن يمسحن الأعشى و يغمزنه فقال : ماهذه الجواري حولي ؟ فقال : بنات أخيك ، فخرج من بيت المحلق إلى سبيله إلى أن وصل سوق عكاظ فاجتمعت له الناس ،
فأنشد قافيته والتي مطلعها :
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة .. إلى ضوء النار في يفاع تحرق
تُشبّ لمقرورين يصطليانها .. وبات على النار الندى و ( المحلّق )
فتسابق الناس إليهن ولم يمض عليهن الحول حتى تزوجن عن آخرهن واستغنى المحلق من بعد فقره .
انتهت القصة ..

وتبدأ قصتنا ، يتبين لنا أولا أنَّ حب المديح كان يرزح أزلًا بعيداً في نفوس العرب مما سمح له بتشكيل الإطار العام لتركيبة المجتمع بل وتقسيماته على حسب ثقافة المجتمع توجهها بضع أبيات من شاعرٍ فحل ، تتناكص أمام أبياته حتى بيض الصقول ، لأن الشجاعة هي مطلب آخر تطلب تخليد الشجاعة نفسها ، وكذلك الجود لا لأجل الجود فقط بل لأجل جيد المديح فبذلك نرجع للدائرة التي رسمتها فلسفة المجتمع العربي السابق وأظن اللاحق في بعض الأحايين .
حسناً ، يبقى السؤال المنشود والذي يزاحم القصة منذ استهلالها :
مالذي جنتهُ هذه الثقافة على مجتمعاتنا العربية ؟
سأنفض عني تباريح الهوى لحظات وسأُنْطِق الحروف بلا مماحكات - زعمتُ أنا - :
متى ما جزعنا من مناوشات المجتمع بالكر والفر جزعاً من نقْد المجتمع الباطل فلن نتقدم خطوة واحدة نحو التتقدم بمفهومه العام !
متى ما رسمنا العمل لنقمصه مديح المجتمع ونُحليه كسوة الثناء فلن ننتهض بمشاريعنا وستصبح خاويةً على عروشها !
بل ستبدد حتى طيف أحلامنا ، وهل لنا غير أحلامنا ؟
متى ما صفقنا لأولي العاهات الفكرية نزعم أنهم حملة شعارات التنمية النهضوية وقادحي شرارتها فلن نتجاوز صوت تصفيقنا ، لأن التحاملُ سيكون على عقلية المجتمع و سنذوق وبال أمرها .
متى ما نفضنا عنا غبار التهم ولم نفق من سُبات النكير ؛ سنموت أحياءً ، والأحياء لا يعيشون كالأموات ..
لابد من حواجز في بداية مشوار الهدايات ، تكون محازيز للقلب ولا بد من طعنات تذبل - قليلاً - لها طلائع كتائب المصلحين ولكنها لا تهون ، ولأنها ترمي في البدايات بشرر كالقصر وعلى حسب الإصابة تؤلم وقد تعيق المسير وقد تكون القاضية على مشروع الداعية أو على حتى على حياته ..
ولكن هيهات تموت الأجساد ولاتموت الأبعاد ، وكل ذاك في البدايات ولا تكون في النهايات . عندها ستسكن القلوب الصدور وتدور عجلة الإصلاح مرة أخرى وليس ذلك بعزيز ..
قبل انقطاع وحي القلم تذكرت أننا هذه الأيام نعيش وهماً شاعراً يسمى الأعشى ومقرئاً يسمى المحلق !
وعند التحقيق تبين الأعشى ليس بأعشى ، ولا المحلِّق محلقاً ..

عبدالله جابر
06-24-2014, 10:47 AM
بارك الله فيك، موضوع شيّق، وقصة أجمل، استمتعت بها .

صالح الصعب
07-06-2014, 03:08 AM
وفيك يبارك الحمد لله أني أدخلت على قلبك الفرح