أ.د. محمد جمال صقر
11-06-2012, 05:48 PM
وسائل البردوني
اتخذ البردوني لرسائله المتداخلة، ثلاث وسائل متداخلة مثلها، متفاوتة الأداء هي: السخرية، والحوار، والتصوير.
{8} أما السخرية فشرْط الأدب فيما أرى، لابد من أن يشتمل شاديه على مقدار منها في طبيعته، فإن منزلته تكون عند منتهى سخريته. وما ذلك إلا لما تتسرب إليه السخرية من مفارقات في الحياة، هي أعمق ما يطمح الأدب إلى تناوله.
لقد فُطر البردوني على السخرية، وأشعلها لديه ضيق حاله وهو المبدع الموهوب، وسعة حال غيره من المترفين الغُلف- كما قال في مقدمة أعماله الكاملة-، وهي أول ما اطلع عليه من مفارقات، ثم زادها اشتعالا غرامه بالاطلاع على تراث الهجاء، يتعزى به- كما قال- عن الحرمان.
لقد سخر من قومه مُرّ السخرية ، في قصيدته "من حماسيات يعرب الغازاتي"، فقال:
"نحن أحفاد عنتره نحن أولاد حيدره
كلنا نسل خالد والسيوف المشهره
يعربيون إنما أمـنا الـيوم لنـدره
أمراء وفـوقـنا عـين ريجنْ مؤمره
وسكاكيننا على أعين الشعب مخبِره
نحن للمعتدي يد وعلى الشعب مجزره
كلنا سادة الرمـاح* والـفتوح المعطره
كل ثقب لنا به خـبرة الديك بـالذره
في الملاهي لنا الأمام* في الحروب المؤخره
حين صهيون يعتدي يصبح الكل مقبره". ص230 – 231
* هكذا ، وقد انكسر منه ، ولو قال : ( سادة الشرى ، لنا الذرى ) مثلا ، لانجبر .
وسخر من وطنه مر السخرية ، في قصيدته "ترجمة رملية لأعراس الغبار"، فقال:
"أيا التي سميتها بلادي بلاد مـن يا زيـف لا تقـل لي
بلاد من يا عاقرا وأما ويا شـظايا تصـطلي وتُصْـلي
يا ظبية في عصـمة ابن آوى يا ثعلبا تحت قميص مِشْلي
يا طفلة في أسرها تغني ويا عـجوزا في الـدجى تفـلي
يا حلوة دوديـة التشـهي يا بهرجـا من أشنع التحلي
همست للقواد هـا صدري وقلت للسكين هاك طفلي
وللغراب البس فمي وكفي وللجراد اسكن جذور حقلي
فهل تبقى الآن مـنك مـني شيء سـوى لعلّها لعـلي". ص25 – 26
وسخر من علاقة الفقراء بالأغنياء والرعية بالأمراء، مر السخرية ، في قصيدته "بنوك وديوك"، فقال:
"لنا بطون ولديكم بنوكْ هـذي المآسي نصـبتكم ملـوكْ…
يا ضعفنا تبدو لهم سافرا يا ضعفهم هيهـات أن يدركـوك
لكـم سجـون ولنـا عنـكم تجـادل مثـل نقار الديوك
عنـا تـلوكون اللـغات الـتي نعني سواها أي همس نلوك
ظنونكم عنـا يقينـية يقيـننا عنـكم كخـوف الشـكوك
لنا مناقير حمامـية لكـم مـدى عطشى وجبن سَفوك". ص150، 152
بل قد سخر من نفسه مر السخرية، في قصيدته "لعينيك يا موطني"، فقال:
"لأني رضيـع بـيان وصرفْ أجوع لحرف وأقتات حرفْ
لأني ولدت ببـاب النـحاة أظـل أواصـل هرفا بهرف
أنوء بوجه كأخبار كان بجنبين من حـرف جـر وظـرف
أعندي لعينيك يا موطني سوى الحرف أعطيه سكبا وغرف".ص7
فبعد أن سخر من الجعجعة العربية بالقوة والجرأة والنخوة، والمجعجعون جميعا أسرى الضعف والجبن والذل، وسخر من الجعجعة اليمنية بالأمن والحماية والرَّغَد، وما ثم إلا الخوف والأسر والخراب، وسخر من بطر الأغنياء وضعف الفقراء وطغيان الأمراء واستكانة الرعية- تفكر في نفسه وما يفعله لتغيير الواقع الحزين إلى أفضل منه، فلم يجد نفسه تجاوز الكلام، فسخر من صنعته المحدودة مهما حاول سكب الهرف بغرف الحرف.
ويبدو لي أن من سخريته، عزوفه عن العشق والغزل والتشبيب والنسيب، ولسان حاله يقول: أنى لي وأنا السجين الحزين المسكين، أن أتطلع إلى خواطر الطلقاء السعداء ونزغات المترفين!
ومن سخريته الوثيقة الصلة بعماه، إنطاقه الجوامد والمجردات، بالفلسفة الملائمة، وكأنه يستأنس بها وهي التي تشاركه دون غيرها، حله وترحاله، وصحوه ونومه، في حين أن الناس مهما جالسوه، منفضون عنه- لا محالة- في وقت ما.
إنه متى اقترنت بعماه وحدته، سلط عقله على ما حوله، وتلبسه، ثم جعل يتكلم عنه، فتجد عندئذ للجبل فلسفة (جبليَّة)، وللرصيف فلسفة (رصيفيَّة)، وللجدار فلسفة (جداريَّة)، ولليل فلسفة (ليليَّة)!
قال في قصيدته (حوارية الجدران والسجين):
" هيا يا جدران الغرفة قـولي شيـئا خـبرا طـرفه
تاريخا منسيا حلمـا ميـعادا ذكـرى عـن صـدفه
أشعارا سجعا فلســفة بغـبار الدهــشة ملتـفه
في قلبي ألسنة الدنيا لكــن لــفمي عنـها عـفه
الصمت حوار محتمل والهجــس أدل مـن الــزفه
إطلاق الأحرف حرفتكم اخــترت الصمت أنا حرفه
أو قل ما اخترت ولا اخترتم طبـعتنا العــادة والألفه
حسنا ألديك سوى هذا إجهادي مـن طـول الـوقفه
من صـف ركـامي لا يـدري أني أوجـاع مصطـفه". ص103/ 107- 108
كأنه في أول كلامه يُدل بقدرته السحرية على إنطاق الجوامد بالفلسفة الملائمة، فتنطق الجدران بأنها تشتمل على أسئلة الدنيا وتعف عنها معتمدة بلاغة الصمت، ثم تبدو لها دعواها أعرض مما ينبغي، فترى الصمت طبيعتها والنطق طبيعة غيرها، فيستحسن الشاعر السجين بينها منطقها، فيستزيدها، فتبوح بتعبها من طول الوقفة، وبأن إضافة اللبنة الى اللبنة فيها، كانت منذ البدء إضافة الوجع إلى الوجع.
وينبغي لي أن أذكر أنه خطر لي كلام للدكتور إبراهيم السامرائي سمعته منه في مجلس أستاذي أبي فهر محمود شاكر في مبتدأ التسعينيات، يصف فيه شعر البردوني بالركاكة، فرغبت هنا في بيان أنه ربما تعمد ذلك عفة منه عن دلالة الجزالة، وخشية لتهمتها، وأن ذلك من تمام سخريته التي لن تؤديها له على أقسى ما تكون، إلا تعابير صحفية أو لهجية دارجة، فارقا بين هذه اللغة وبين العروض الذي تمسك بعموديه، لتستمر في كل قصيدة المفارقة التي هي مبعث السخرية، ثم أقبلت أفتش المجموعة المختارة ذهابا وإيابا، عن شواهد لتلك الفكرة الخاطرة، فما وجدت لها شيئا، إلا أن أتكلف الحديث عن الأسماء اللهجية والأعجمية، أو الاقتباسات من الأغاني أو العبارات الخاصة اللهجية، وهو ما لا مغمز فيه ولا مؤاخذة به.
بل ازداد عجبي من البردوني، حينما عثرت بقصيدته "زَوّار الطواشي" أي زوار الحي الصنعاني القديم ذي الحمام التركي الشهير، واستبشرت أن تشهد للركاكة شهادة عليا، لفكرتها التي ينبغي أن تجر الشاعر الساخر إلى الركاكة، فما شهدَتْ. يقول فيها:
"كان يرتاد الطـواشي راكبـا بغلا وماشي
تارة يلبس طمرا تـارة أزهـى التـواشي
كان يخشى من يراه كــل راء منه خاش
لي هنا حام كأهل وحمى يبــغي انتهاشي
ما لهم يكسون جذعي أعينا تحسو مشاشي
هل دروا أوطار قلبي من ضموري وانتفاشي
ألفوا الدهشة مني وأنا طــال انـدهاشي
جاوزوا دور التوقي كيف أجتاز انكماشي". ص208 – 209
وهكذا يستمر فيها بالجزالة لا الركاكة، غير أن سهولة كلامه وتحدره وتدفقه قريبا من المتلقي ممتزجا به، يوهم من لم يطلع على حقيقة الجزالة في الكلام العربي، بركاكته.
{9} أما الحوار فباب البردوني إلى أنس الحرية، الذي هرب به من وحشة أسر العمى والحزن والوحدة، باب انفتح له بمفتاح الموروث القليل، وبمفتاح حب التقرب من الناس، فلما انتبه إليه أولع به، حتى هدم الجدران كلها ليدخل إلى قصائده الحوار من كل جهة.
لقد كان الحوار وما زال لدى غيره، وسيلة عارضة لبناء القصيدة العمودية، فصار لديه كالسخرية، أساس كل قصيدة. وكان وما زال لدى غيره تقليديا ساذجا بقال فلان وتقول فلانة، فصار لديه عجيبا غريبا خفيا متقنا لا يدرك أحيانا إلا بفضل تفكير، حتى إنه ليرحم المتلقي عنه فينبهه إليه بالترقيم أو التحديد الصريح، ولو لم يفعل لكان أوقع وأشد تأثيرا وإعجابا. وكان وما زال لدى غيره حوارا لمن يستطيعه أو كأنه يستطيعه، فصار لديه حوارا لكل شيء مُدْرَك بأية حاسة من الحواس مادية أو معنوية، وفيما سبق نماذج صالحة لحواره لنفسه ولغيره من الناس، وللجدران، وللريح ولموطنه، غير أن في قوله في قصيدته "وردة من دم المتنبي":
"البراكين أمه صار أمـا للبراكــين للإرادات عـزما
كم إلى كم تفنى الجيوش افتداء لقرود يفنون لثما وضما
ما اسم هذا الغلام يا ابن معاذ إسمه لا من أين هذا المسمى
إنه أخطر الصعاليك طرا إنه يعـشق الخـطورات جـما". ص48 – 49
نموذجا، لمدى خصب الحوار لديه وعظم طاقته فيه واقتداره عليه في القصيدة العمودية؛ إذ تكثر الأصوات ليختلط في هذا المضيق، صوت البردوني وصوت المتنبي وصوت راعي المتنبي وصوت صاحب راعي المتنبي.
{10} أما التصوير الذي أصابه عمى البردوني في مقتله، فصار عنده ممتحنه الذي يجتهد له ويستنفر كل ما تسرب إليه من علم وما وُهب من فن- وكل ذي عاهة جبار- ليصنع منه ما يعلو به على غيره من المبصرين، فإذا كان التصوير وما زال لدى غيره وسيلة من وسائل بناء القصيدة أو وسيلة الوسائل التي يمكن أن تُترك إلى غيرها، فقد صار لديه مع السخرية والحوار، أساس كل قصيدة، وصار أعظم توفيقه فيه، حين يجمع بينه وبين السخرية والحوار في وقت واحد معا- وهو الاجتماع الذي يجلو الوسائل الثلاث ويرتفع بها إلى سماء الإبداع- فإذا ما فرق بينه وبينهما، صار إلى نمط من التشبيه أو الاستعارة أو المجاز، لا يخلو من طرافة، غير أنه لا يخلو أيضا من تكلفٍ مقصور.
أما النمط الموفق فقد سبقت نماذج صالحة له، وأما النمط الآخر فكما في مثل قوله في قصيدته "غير كل هذا":
"مثلما تهرم في الصلب الأجنه تأسن الأمطار في جوف الدُّجُنَّه
يحبل الرعد ويحسو حمله ثم يســتمني غبــارا وأســنه
تمطر الأعماق نفطا ودمــا يــحلم الغيث بأرض مطمئنه
يعشب الرمل رمالا وحصى يستحيــل الغيم بيدا مرجحنه
ينطـوي البرق على إيماضه كتغـاضـي عمة عن طيش كَنَّه
ينشد الحلـم البكارات التي لا يعي النخـاس من ذا باعهنه
تأكل العفـة من أثدائها يغتدي القتل على المقـتول مـنه". ص179 – 180
لقد أراد أن يعبر عن فساد العالم الواقع وطموحه إلى غيره، فاحتطب بعض الظواهر، وتكلف لها بعض الصور الطريفة المقصورة العاجزة، فتمنينا أن لو فعل (غير كل هذا)!
رحم الله سيدنا عبدالله بن صالح البردوني، أبا بصير اليمني، الذي كان نسيج وحده في هذا الزمان العربي الإسلامي المتهرِّئ، وتجاوز عن سيئاته، ولم يحرمنا أجره، ولم يفتنا بعده. آمين!
اتخذ البردوني لرسائله المتداخلة، ثلاث وسائل متداخلة مثلها، متفاوتة الأداء هي: السخرية، والحوار، والتصوير.
{8} أما السخرية فشرْط الأدب فيما أرى، لابد من أن يشتمل شاديه على مقدار منها في طبيعته، فإن منزلته تكون عند منتهى سخريته. وما ذلك إلا لما تتسرب إليه السخرية من مفارقات في الحياة، هي أعمق ما يطمح الأدب إلى تناوله.
لقد فُطر البردوني على السخرية، وأشعلها لديه ضيق حاله وهو المبدع الموهوب، وسعة حال غيره من المترفين الغُلف- كما قال في مقدمة أعماله الكاملة-، وهي أول ما اطلع عليه من مفارقات، ثم زادها اشتعالا غرامه بالاطلاع على تراث الهجاء، يتعزى به- كما قال- عن الحرمان.
لقد سخر من قومه مُرّ السخرية ، في قصيدته "من حماسيات يعرب الغازاتي"، فقال:
"نحن أحفاد عنتره نحن أولاد حيدره
كلنا نسل خالد والسيوف المشهره
يعربيون إنما أمـنا الـيوم لنـدره
أمراء وفـوقـنا عـين ريجنْ مؤمره
وسكاكيننا على أعين الشعب مخبِره
نحن للمعتدي يد وعلى الشعب مجزره
كلنا سادة الرمـاح* والـفتوح المعطره
كل ثقب لنا به خـبرة الديك بـالذره
في الملاهي لنا الأمام* في الحروب المؤخره
حين صهيون يعتدي يصبح الكل مقبره". ص230 – 231
* هكذا ، وقد انكسر منه ، ولو قال : ( سادة الشرى ، لنا الذرى ) مثلا ، لانجبر .
وسخر من وطنه مر السخرية ، في قصيدته "ترجمة رملية لأعراس الغبار"، فقال:
"أيا التي سميتها بلادي بلاد مـن يا زيـف لا تقـل لي
بلاد من يا عاقرا وأما ويا شـظايا تصـطلي وتُصْـلي
يا ظبية في عصـمة ابن آوى يا ثعلبا تحت قميص مِشْلي
يا طفلة في أسرها تغني ويا عـجوزا في الـدجى تفـلي
يا حلوة دوديـة التشـهي يا بهرجـا من أشنع التحلي
همست للقواد هـا صدري وقلت للسكين هاك طفلي
وللغراب البس فمي وكفي وللجراد اسكن جذور حقلي
فهل تبقى الآن مـنك مـني شيء سـوى لعلّها لعـلي". ص25 – 26
وسخر من علاقة الفقراء بالأغنياء والرعية بالأمراء، مر السخرية ، في قصيدته "بنوك وديوك"، فقال:
"لنا بطون ولديكم بنوكْ هـذي المآسي نصـبتكم ملـوكْ…
يا ضعفنا تبدو لهم سافرا يا ضعفهم هيهـات أن يدركـوك
لكـم سجـون ولنـا عنـكم تجـادل مثـل نقار الديوك
عنـا تـلوكون اللـغات الـتي نعني سواها أي همس نلوك
ظنونكم عنـا يقينـية يقيـننا عنـكم كخـوف الشـكوك
لنا مناقير حمامـية لكـم مـدى عطشى وجبن سَفوك". ص150، 152
بل قد سخر من نفسه مر السخرية، في قصيدته "لعينيك يا موطني"، فقال:
"لأني رضيـع بـيان وصرفْ أجوع لحرف وأقتات حرفْ
لأني ولدت ببـاب النـحاة أظـل أواصـل هرفا بهرف
أنوء بوجه كأخبار كان بجنبين من حـرف جـر وظـرف
أعندي لعينيك يا موطني سوى الحرف أعطيه سكبا وغرف".ص7
فبعد أن سخر من الجعجعة العربية بالقوة والجرأة والنخوة، والمجعجعون جميعا أسرى الضعف والجبن والذل، وسخر من الجعجعة اليمنية بالأمن والحماية والرَّغَد، وما ثم إلا الخوف والأسر والخراب، وسخر من بطر الأغنياء وضعف الفقراء وطغيان الأمراء واستكانة الرعية- تفكر في نفسه وما يفعله لتغيير الواقع الحزين إلى أفضل منه، فلم يجد نفسه تجاوز الكلام، فسخر من صنعته المحدودة مهما حاول سكب الهرف بغرف الحرف.
ويبدو لي أن من سخريته، عزوفه عن العشق والغزل والتشبيب والنسيب، ولسان حاله يقول: أنى لي وأنا السجين الحزين المسكين، أن أتطلع إلى خواطر الطلقاء السعداء ونزغات المترفين!
ومن سخريته الوثيقة الصلة بعماه، إنطاقه الجوامد والمجردات، بالفلسفة الملائمة، وكأنه يستأنس بها وهي التي تشاركه دون غيرها، حله وترحاله، وصحوه ونومه، في حين أن الناس مهما جالسوه، منفضون عنه- لا محالة- في وقت ما.
إنه متى اقترنت بعماه وحدته، سلط عقله على ما حوله، وتلبسه، ثم جعل يتكلم عنه، فتجد عندئذ للجبل فلسفة (جبليَّة)، وللرصيف فلسفة (رصيفيَّة)، وللجدار فلسفة (جداريَّة)، ولليل فلسفة (ليليَّة)!
قال في قصيدته (حوارية الجدران والسجين):
" هيا يا جدران الغرفة قـولي شيـئا خـبرا طـرفه
تاريخا منسيا حلمـا ميـعادا ذكـرى عـن صـدفه
أشعارا سجعا فلســفة بغـبار الدهــشة ملتـفه
في قلبي ألسنة الدنيا لكــن لــفمي عنـها عـفه
الصمت حوار محتمل والهجــس أدل مـن الــزفه
إطلاق الأحرف حرفتكم اخــترت الصمت أنا حرفه
أو قل ما اخترت ولا اخترتم طبـعتنا العــادة والألفه
حسنا ألديك سوى هذا إجهادي مـن طـول الـوقفه
من صـف ركـامي لا يـدري أني أوجـاع مصطـفه". ص103/ 107- 108
كأنه في أول كلامه يُدل بقدرته السحرية على إنطاق الجوامد بالفلسفة الملائمة، فتنطق الجدران بأنها تشتمل على أسئلة الدنيا وتعف عنها معتمدة بلاغة الصمت، ثم تبدو لها دعواها أعرض مما ينبغي، فترى الصمت طبيعتها والنطق طبيعة غيرها، فيستحسن الشاعر السجين بينها منطقها، فيستزيدها، فتبوح بتعبها من طول الوقفة، وبأن إضافة اللبنة الى اللبنة فيها، كانت منذ البدء إضافة الوجع إلى الوجع.
وينبغي لي أن أذكر أنه خطر لي كلام للدكتور إبراهيم السامرائي سمعته منه في مجلس أستاذي أبي فهر محمود شاكر في مبتدأ التسعينيات، يصف فيه شعر البردوني بالركاكة، فرغبت هنا في بيان أنه ربما تعمد ذلك عفة منه عن دلالة الجزالة، وخشية لتهمتها، وأن ذلك من تمام سخريته التي لن تؤديها له على أقسى ما تكون، إلا تعابير صحفية أو لهجية دارجة، فارقا بين هذه اللغة وبين العروض الذي تمسك بعموديه، لتستمر في كل قصيدة المفارقة التي هي مبعث السخرية، ثم أقبلت أفتش المجموعة المختارة ذهابا وإيابا، عن شواهد لتلك الفكرة الخاطرة، فما وجدت لها شيئا، إلا أن أتكلف الحديث عن الأسماء اللهجية والأعجمية، أو الاقتباسات من الأغاني أو العبارات الخاصة اللهجية، وهو ما لا مغمز فيه ولا مؤاخذة به.
بل ازداد عجبي من البردوني، حينما عثرت بقصيدته "زَوّار الطواشي" أي زوار الحي الصنعاني القديم ذي الحمام التركي الشهير، واستبشرت أن تشهد للركاكة شهادة عليا، لفكرتها التي ينبغي أن تجر الشاعر الساخر إلى الركاكة، فما شهدَتْ. يقول فيها:
"كان يرتاد الطـواشي راكبـا بغلا وماشي
تارة يلبس طمرا تـارة أزهـى التـواشي
كان يخشى من يراه كــل راء منه خاش
لي هنا حام كأهل وحمى يبــغي انتهاشي
ما لهم يكسون جذعي أعينا تحسو مشاشي
هل دروا أوطار قلبي من ضموري وانتفاشي
ألفوا الدهشة مني وأنا طــال انـدهاشي
جاوزوا دور التوقي كيف أجتاز انكماشي". ص208 – 209
وهكذا يستمر فيها بالجزالة لا الركاكة، غير أن سهولة كلامه وتحدره وتدفقه قريبا من المتلقي ممتزجا به، يوهم من لم يطلع على حقيقة الجزالة في الكلام العربي، بركاكته.
{9} أما الحوار فباب البردوني إلى أنس الحرية، الذي هرب به من وحشة أسر العمى والحزن والوحدة، باب انفتح له بمفتاح الموروث القليل، وبمفتاح حب التقرب من الناس، فلما انتبه إليه أولع به، حتى هدم الجدران كلها ليدخل إلى قصائده الحوار من كل جهة.
لقد كان الحوار وما زال لدى غيره، وسيلة عارضة لبناء القصيدة العمودية، فصار لديه كالسخرية، أساس كل قصيدة. وكان وما زال لدى غيره تقليديا ساذجا بقال فلان وتقول فلانة، فصار لديه عجيبا غريبا خفيا متقنا لا يدرك أحيانا إلا بفضل تفكير، حتى إنه ليرحم المتلقي عنه فينبهه إليه بالترقيم أو التحديد الصريح، ولو لم يفعل لكان أوقع وأشد تأثيرا وإعجابا. وكان وما زال لدى غيره حوارا لمن يستطيعه أو كأنه يستطيعه، فصار لديه حوارا لكل شيء مُدْرَك بأية حاسة من الحواس مادية أو معنوية، وفيما سبق نماذج صالحة لحواره لنفسه ولغيره من الناس، وللجدران، وللريح ولموطنه، غير أن في قوله في قصيدته "وردة من دم المتنبي":
"البراكين أمه صار أمـا للبراكــين للإرادات عـزما
كم إلى كم تفنى الجيوش افتداء لقرود يفنون لثما وضما
ما اسم هذا الغلام يا ابن معاذ إسمه لا من أين هذا المسمى
إنه أخطر الصعاليك طرا إنه يعـشق الخـطورات جـما". ص48 – 49
نموذجا، لمدى خصب الحوار لديه وعظم طاقته فيه واقتداره عليه في القصيدة العمودية؛ إذ تكثر الأصوات ليختلط في هذا المضيق، صوت البردوني وصوت المتنبي وصوت راعي المتنبي وصوت صاحب راعي المتنبي.
{10} أما التصوير الذي أصابه عمى البردوني في مقتله، فصار عنده ممتحنه الذي يجتهد له ويستنفر كل ما تسرب إليه من علم وما وُهب من فن- وكل ذي عاهة جبار- ليصنع منه ما يعلو به على غيره من المبصرين، فإذا كان التصوير وما زال لدى غيره وسيلة من وسائل بناء القصيدة أو وسيلة الوسائل التي يمكن أن تُترك إلى غيرها، فقد صار لديه مع السخرية والحوار، أساس كل قصيدة، وصار أعظم توفيقه فيه، حين يجمع بينه وبين السخرية والحوار في وقت واحد معا- وهو الاجتماع الذي يجلو الوسائل الثلاث ويرتفع بها إلى سماء الإبداع- فإذا ما فرق بينه وبينهما، صار إلى نمط من التشبيه أو الاستعارة أو المجاز، لا يخلو من طرافة، غير أنه لا يخلو أيضا من تكلفٍ مقصور.
أما النمط الموفق فقد سبقت نماذج صالحة له، وأما النمط الآخر فكما في مثل قوله في قصيدته "غير كل هذا":
"مثلما تهرم في الصلب الأجنه تأسن الأمطار في جوف الدُّجُنَّه
يحبل الرعد ويحسو حمله ثم يســتمني غبــارا وأســنه
تمطر الأعماق نفطا ودمــا يــحلم الغيث بأرض مطمئنه
يعشب الرمل رمالا وحصى يستحيــل الغيم بيدا مرجحنه
ينطـوي البرق على إيماضه كتغـاضـي عمة عن طيش كَنَّه
ينشد الحلـم البكارات التي لا يعي النخـاس من ذا باعهنه
تأكل العفـة من أثدائها يغتدي القتل على المقـتول مـنه". ص179 – 180
لقد أراد أن يعبر عن فساد العالم الواقع وطموحه إلى غيره، فاحتطب بعض الظواهر، وتكلف لها بعض الصور الطريفة المقصورة العاجزة، فتمنينا أن لو فعل (غير كل هذا)!
رحم الله سيدنا عبدالله بن صالح البردوني، أبا بصير اليمني، الذي كان نسيج وحده في هذا الزمان العربي الإسلامي المتهرِّئ، وتجاوز عن سيئاته، ولم يحرمنا أجره، ولم يفتنا بعده. آمين!