المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التَّوافُقُ أَحَدُ مَظاهِرِ عَلاقَةِ عِلْمِ الْعَروضِ بِعِلْمِ الصَّرْفِ=1


أ.د. محمد جمال صقر
11-09-2012, 02:40 PM
التَّوافُقُ أَحَدُ مَظاهِرِ عَلاقَةِ عِلْمِ الْعَروضِ بِعِلْمِ الصَّرْفِ
للدكتور محمد جمال صقر
مُقَدِّمَةٌ
عَلاماتٌ أَوَّليَّةٌ
[1] بين العروض وعلم العروض والصرف وعلم الصرف ، من الفرق مثل الذي بين الموسيقا وعلم الموسيقا والنحو وعلم النحو ؛ فالأول من هذه الأزواج ، هو الكائن الطبيعي ، والآخر هو كاشفه وضابطه وقانونه ؛ فما علم العروض إلا جملة القواعد التي تحكم بناء البيت المفرد من الشعر ، وما علم الصرف إلا جملة القواعد التي تحكم بناء الكلمة المفردة من اللغة .
فإذا كان قد ثبت أنه ينضاف إلى علم العروض بعض الظواهر التي تتعلق بتتابع الأبيات لا البيت المفرد ، فقد ثبت أنه ينضاف إلى علم الصرف بعض الظواهر التي تتعلق بتتابع الكلم لا الكلمة المفردة . وإذا كان تَفْعيل البيت والأبيات ( تَقْطيعها ) ، هو التطبيق المقبول لعلم العروض ، فإن تَصْريف الكلمة والكلم ، هو التطبيق المقبول لعلم الصرف .
وُجوهُ رُؤْيَةِ الْعَلاقَةِ
[2] لا يخفى ما في طريقة العرض السابق ، من إيحاء بأن بين علمي العروض والصرف علاقة ما ، وهو ما عرض له بعض الباحثين من جهات شتى على حسب منطلقاتهم وآرائهم :
فمنهم من رأى تلك العلاقة لا تجاوز حدود الشكل ، بل يكاد " علم الصرف لا يلتقي به إلا في ( الميزان الصرفي ) بشكل ظاهري واه " .
ومنهم من دقق النظر في تلك المشابهة الشكلية ، ونبه على أهميتها ؛ فما الوزن الذي هو أساس في عمل الخليل ، إلا تطوير لمفهوم الميزان الصرفي ، بحيث يتناول البنية السطحية للكلمة لا البنية العميقة ، ويتجاوز الكلمة الواحدة إلى الكلم التي تمتزج فيه معا .
ومنهم من سما إلى سماء الإنتاج العقلي ، فكشف أنه لا ريب في رسوخ أسس معينة طبعت العقل العربي ، فانبنى عليها واتصف بها كل ما أنتجه من علوم ؛ " فالثقافة الإسلامية القديمة وظفت نفس الأدوات في جميع حقول المعرفة . وهنا يكمن تماسك عميق لم يُكْشَفْ عنه بعد بما فيه الكفاية " .
اجْتِماعُ الْعِلْمَيْنِ
[3] كذلك نجد الإيحاء بتلك العلاقة ، في جمع العلماء والمعلِّمين جميعا - وإن بطرق مختلفة - بين علمي العروض والصرف :
من طائفة العلماء يبرز لنا شيخنا الخليل بن أحمد نفسه ، ثم الأخفش الأوسط ، مثالا واضحا ؛ فأولهما واضع علم العروض الذي لم يصلنا كتابه فيه ، والمفكر المدقق في علم الصرف الذي أثبت تلميذه سيبويه في كتابه كثيرا من آرائه ، والآخر وارث ذلك كله الذي لم يكفَّ عن إعمال رأيه فيه في خلال كتابيه في العروض والقافية ، وتعليمه الذي نثر آراءه في كتب علم الصرف ، بل إنه يُلْزِمُ طالب علم العروض بأن يتعلم أولا شيئا من علم العربية ( الصرف والنحو ) ؛ " فَإِنَّه أَقْوى لَه عَلَيْهِ " .
ومن الجدير بالذكر هنا أن أصحاب معاجم العلوم والفنون العربية ، كانوا يجمعون في قَرَنٍ واحد ما يخص علم العروض ، وما يخص علمي الصرف والنحو ، من ظواهر ومصطلحات ، فهمًا منهم لتلك العلاقة ، يوحي به عملهم .
وأما طائفة المعلِّمين فقد أدركتنا طريقتهم في الجمع في كتاب تعليمي واحد ، بين علمي العروض والصرف ، مما كان مثار معارضة مُنْكِري أَصالة تلك العلاقة .
وليس أدل على عمل العلماء والمعلمين جميعا ، من أقسام " النحو والصرف والعروض " المنتشرة في جامعاتنا العربية المعاصرة منذ زمن غير قريب .
دَواعِي الْبَحْثِ
[4] إن صنوف الإيحاء بتلك العلاقة التي لم يُكْشَفْ عنها " بما فيه الكفاية " كما سبق من بعض الباحثين ، لجديرة بالاهتمام والبحث ، ولا سيما أن الباحثين وبخاصة قدماؤهم ، كانوا يعجبون من استواء علم العروض للخليل ، حتى إن منهم من قال بقِدَمِه وأن الخليل إنما وَجَدَه فَنَقَلَه .
إنه إذا ما تجلت وثبتت علاقة علم العروض بعلم الصرف ، وتبددت تلك الشبهة ، وَضَحَ أن المُفَكِّرَ العَروضي كالمُفَكِّرِ الصَّرفي أَصالَةً .
مَظاهِرُ الْعَلاقَةِ
[5] إذا تَتَبَّعنا العلمين تَقعيدًا وتَطْبيقًا ، فوجدنا من الأفكار ما يندرج ضمن واحد أو أكثر من المظاهر الثلاثة التالية :
1 التَّوافُقُ ، وفيه تَتَوَحَّدُ الأفكار وتتردد هي نفسها في كل من العلمين .
2 التَّوازي ، وفيه تَتَشابَهُ الأفكار ؛ فتَرِدُ في أحد العلمين فكرة مُضارِعَةٌ مُجارِيَةٌ لفكرة في الآخر .
3 التَّقابُلُ ، وفيه تَنْعَكِسُ الأفكار وتَتَضادُّ ؛ فَتَرِدُ في أحدهما فكرة مُضادَّةٌ مُقابِلَةٌ لفكرة في الآخر .
إذا كان ذلك لم نملك إلا أن نحكم بوجود العلاقة ، وربما حكمنا بوثاقتها . أما دلالة المظهرين الأول والثاني على ذلك فواضحة ، وأما دلالة المظهر الثالث فمن أن الأفكار حين تتقابل تدل على حضور العِلْمين في ذهن العالم في وقت معا على نحو ما ، فكأنه يضع فكرته هنا بحيث تقابل الفكرة التي هناك ، لسبب ينبغي كشفه ، وسواء أكان هو المفكر هنا وهناك أم كان أمامه غَيْرُه .
ومن الجدير بالذكر هنا أن الفكرة الواحدة ربما كان لتناولها في العلمين عدة أوجه ، منها ما يندرج ضمن مظهر وما يندرج ضمن آخر ، فيجوز للباحث أن يكرر النظر فيها والتعرض لها .
كِلَا الْعِلْمَيْنِ مُؤَثِّرانِ مُتَأَثِّرانِ
[6] إن علم الصرف بلاريب أسبق نشأة ، غير أن طريقة التفكير العربية آصَلُ من علمي الصرف والعروض جميعا ، وأَرْسَخُ جذرا وأَسْبَقُ عملا ؛ ومن ثم نستطيع أن نفسر كل مظهر للعلاقة حين يظهر ، بتأثير أحد العلمين في الآخر ، دون ضرورة أن يقتصر التأثير على الأسبق نشأة ، وأن نفسره بخروج العلمين جميعا من عقل واحد طبعهما بطابَعه .
عَجْزُ هذَا الْمَقالِ عَنِ اسْتيعابِ الْمَظاهِرِ كُلِّها
[7] لقد كانت أفكار مظهر التوافق والمسائل التي أثارها ، من الخصب بحيث شَغَلَتْ هذا المقال كله ، ولم يُمْكِنّي أن أهمل منها ما أضع مكانه أفكار المظهرين الآخرين ومسائلهما .
وإنني لأرجو أن أتمكن أنا أو غيري من الباحثين ، من الوفاء بمظاهر تلك العلاقة ، لما له من خَطَرٍ في الدلالة على تآخذ علوم ثقافتنا الجليلة وأصالتها .
مَنْهَجُ الْبَحْثِ
[8] أعتمد في هذا المقال - والله المستعان ! - على كتب من علم العروض ، وعلم الصرف ، وعلم الموسيقا ، قديمة وحديثة ، وأستأنس بكتب من علوم أخرى مختلفة ، قديمة أيضا وحديثة ، غير أن أهم ما أعتمد عليه وأستأنس به ، عِشْقٌ ودُرْبَةٌ مستمران لعلوم العربية وآدابها ، أَحْسَنَ الله إلى مَنْ أَنْبَتَ في قلبي زَهْرَتَهما !
وأنتهج منهج تتبع علمي العروض والصرف ، تقعيدا وتطبيقا ، لأجمع الأفكار المتوحدة فيهما المُتَرَدِّدَة بينهما ، فأعرضها وأنقدها ، استيضاحا لحقيقة دلالة هذا التوافق .
ثم أرتب إيراد هذه الأفكار ترتيبا منطقيا ، وأجعل مصطلح الفكرة عنوانا ، وسواء أكان متداولا أم وضعته لمّا لم أجد مثله ، ولا أخلي هذا ولا ذاك من إيضاح .