أ.د. محمد جمال صقر
11-09-2012, 02:44 PM
ثانِيًا الْوَزْنُ
حاجَةُ كُلِّ صائِغٍ إِلَى الْوَزْنِ
[13] يحتاج الصائغ قبل أن يعالج صنع عقد من الذهب لفتاة يعرفها ، أن يستعين بالوزن دائما ليصنع ما يناسبها ؛ فيزن الذهب من قبل أن يمسه ومن بعد أن يصير بين يديه حبات متلائمة ، بل بعد هذا أيضا ليقدر ثمن العقد !
وما هذا الوزن إلا اختبار ثقل الذهب وخفته ، باستعمال أداة مناسبة تقابله ، ليحكم بنصيبه من الثقل أو الخفة أو الاعتدال ، بالقياس إليها .
كان ذلك الصائغ يقابل المثقال من الذهب بمقدار من النحاس ، فيعرف هو ومعامله جميعا معا عندئذ ، الوزن ، لأنهما قد تعارفا على كون قطعة من النحاس أداة مناسبة لوزن الذهب ، ثم صار يستعمل جهازا خاصا يقابل ذلك المثقال بعدد حسابي ، فيعرف هو ومعامله جميعا معا عندئذ ، الوزن ، كما عرفاه من قبل ، بل معرفة أدق .
اللُّغَةُ الْمَوْزونَةُ الشّاعِرَةُ
[14] إن من يوشك أن يستعمل الكلمة ، يشبه ذلك الصائغ - بل قد سُمِّيَ باسمه كثيرا ، وسُمِّيَتْ بنية الكلمة صيغة - يحتاج أن يعرف وزنها ، وسواء في هذا أن يريدها لبيت من الشعر وأن يريدها لعبارة من النثر ؛ إذ ليست الكلمة سوى مقطع من الأصوات أو أكثر ، وعلى حسب نوع هذه المقاطع وعددها وترتيبها ، يكون لتلك الكلمة قيمتها التي إذا عرفها مستعملها ، وضعها موضعها ، قال العقاد في كلمة جامعة : " حسبنا أن نلاحظ في تركيب المفردات من الحروف أن الوزن هو قوام التفرقة بين أقسام الكلم في اللغة العربية ، وأن اللغات السامية التي تشارك هذه اللغة في قواعد الاشتقاق لم تبلغ مبلغها في ضبط المشتقات بالموازين التي تسري على جميع أجزائها وتوفق أحسن التوفيق المستطاع بين مبانيها ومعانيها . فالفرق بين يَنْظُر ، وناظِر ، ومَنْظور ، ونَظير ، ونَظائِر ، ونَظّارَة ، ومُناظَرَة ، ومَنْظَر ، ومِنْظار ، ومُنْتَظر ، وما يتفرع عليها هو فرق بين أفعال وأسماء وصفات وأفراد وجموع ، وهو كله قائم على الفرق بين وزن ووزن ، أو قياس صوتي وقياس مثله ، يتوقف على اختلاف الحركات والنبرات ، أي على اختلاف النغمة الموسيقية في الأداء . وحكم الأسماء الجامدة كحكم المشتقات في هذه الخصلة ؛ فإنها تجري جميعا على أوزان معلومة تشملها بأقسامها على تفاوت قوتها " .
ولهذا كانت اللغة العربية ، في أصلها ، عنده ، لغة شاعرة ، لانبنائها على نسق الشعر وكونها بنثرها وشعرها ، فَنًّا منظوما منسق الأوزان والأصوات .
طَبيعَةُ أَداةِ الْوَزْنِ
[15] كما ابتكر علماء المادة الطبيعية أدوات وزنها في البدء ، مما يشغل حيزا مثلها - رصد علماء العربية لمقاطع أية كلمة ، مقاطع معينة تناسبها وتصلح مِنْ ثَمَّ لوزنها ، تتجمع لتكون كلمة جُرِّدَتْ من المعنى وأُخْلِصَتْ لتكون مثالا تُحْذى عليه الكلم إن لم تكن قد صيغت بعد ، ويكشفها ويبينها إن تكن قد صيغت ، " واستعمل ذلك اللفظ في معرفة أوزان جميع الكلمات ، فقيل : ( ضَرَبَ ) على وزن ( فَعَلَ ) ، وكذا ( نَصَرَ ) ، و( خَرَجَ ) ، أي هو على صيغة يتصف بها ( فَعَلَ ) ، وليس قولك ( فَعَلَ ) ، هي - كذا والصواب هو - الهيئة المشتركة بين هذه الكلمات ، لأنا نعرف ضرورةً أن نفس الفاء والعين واللام غير موجودة في شيء من الكلمات المذكورة ؛ فكيف تكون الكلمات مشتركة في ( فَعَلَ ) ؟ بل هذا اللفظ مصوغ ليكون محلا للهيئة المشتركة فقط ، بخلاف تلك الكلمات ؛ فإنها لم تصغ لتلك الهيئة بل صيغت لمعانيها المعلومة " .
وفضلا عن حاجة العروضي والصرفي جميعا ، إلى وزن الكلمة ، واتفاقهما في فكرة أداته ، لا يكادان يختلفان في الأداة نفسها كذلك ، قال الدماميني : " اختار العروضيون للأجزاء الدائرة بينهم في وزن الشعر ، الفاء والعين واللام ، اقتفاءً لأهل الصرف في عاداتهم وزن الأصول بهذه الحروف ؛ فحذوا حذوهم في مطلق الوزن لما كان على ثلاثة أحرف مع قطع النظر عن الأصالة والزيادة ، وأضافوا إلى ذلك من الحروف الزوائد سبعة وهي الألف والياء والواو والسين والتاء والنون والميم" .
وعلى رغم ظهور ذلك الاقتفاء الذي رآه من العروضيين للصرفيين ، لا يمتنع أن يكونوا جميعا مقتفين مقتضى الحاجة الواحدة .
تَطْويرُ أَداةِ الْوَزْنِ
[16] وكما صار صائغ الذهب يستعمل في وزنه جهاز الحساب العددي ، صار بعض الدارسين المحدثين لعلمي العروض والصرف ، يستعملون في وزن الكلمة ، أدوات علمي الأصوات والموسيقا الحديثين ، ويدعون إلى ترك الأداة القديمة البالية .
ولم يعد أحد يستطيع أن يطرح عنه منجزات علمي الأصوات والموسيقا الحديثين في دراسته لعلمي العروض والصرف ؛ ففي الأخذ بها كشف كثير من الدقائق الخفية المعضلة التي تعترض طريق الدراسة .
ولكن ينبغي أن نثبت لأداة الوزن القديمة ، صفتها العليا التي لا تنازعها إياها أداة أخرى ، وهي وَظيفيَّتُها ؛ فإن المتعلم متى وعى تلك الأداة وفكرتها ، استطاع دائما أن يميز في التَّوِّ ما يلقى عليه ، بل أقول مع الأستاذ محمد العلمي الذي حَصَرَ قوله في علم العروض - وأنا أضيف إليه علم الصرف - : إن تلك الأداة القديمة نفسها ، بما لها من خصائص كخصائص موزونها ، تبين لنا الوزن سمعيا وبصريا ، أي بالصوت والصورة ، إذا جاز هذا التعبير .
حاجَةُ كُلِّ صائِغٍ إِلَى الْوَزْنِ
[13] يحتاج الصائغ قبل أن يعالج صنع عقد من الذهب لفتاة يعرفها ، أن يستعين بالوزن دائما ليصنع ما يناسبها ؛ فيزن الذهب من قبل أن يمسه ومن بعد أن يصير بين يديه حبات متلائمة ، بل بعد هذا أيضا ليقدر ثمن العقد !
وما هذا الوزن إلا اختبار ثقل الذهب وخفته ، باستعمال أداة مناسبة تقابله ، ليحكم بنصيبه من الثقل أو الخفة أو الاعتدال ، بالقياس إليها .
كان ذلك الصائغ يقابل المثقال من الذهب بمقدار من النحاس ، فيعرف هو ومعامله جميعا معا عندئذ ، الوزن ، لأنهما قد تعارفا على كون قطعة من النحاس أداة مناسبة لوزن الذهب ، ثم صار يستعمل جهازا خاصا يقابل ذلك المثقال بعدد حسابي ، فيعرف هو ومعامله جميعا معا عندئذ ، الوزن ، كما عرفاه من قبل ، بل معرفة أدق .
اللُّغَةُ الْمَوْزونَةُ الشّاعِرَةُ
[14] إن من يوشك أن يستعمل الكلمة ، يشبه ذلك الصائغ - بل قد سُمِّيَ باسمه كثيرا ، وسُمِّيَتْ بنية الكلمة صيغة - يحتاج أن يعرف وزنها ، وسواء في هذا أن يريدها لبيت من الشعر وأن يريدها لعبارة من النثر ؛ إذ ليست الكلمة سوى مقطع من الأصوات أو أكثر ، وعلى حسب نوع هذه المقاطع وعددها وترتيبها ، يكون لتلك الكلمة قيمتها التي إذا عرفها مستعملها ، وضعها موضعها ، قال العقاد في كلمة جامعة : " حسبنا أن نلاحظ في تركيب المفردات من الحروف أن الوزن هو قوام التفرقة بين أقسام الكلم في اللغة العربية ، وأن اللغات السامية التي تشارك هذه اللغة في قواعد الاشتقاق لم تبلغ مبلغها في ضبط المشتقات بالموازين التي تسري على جميع أجزائها وتوفق أحسن التوفيق المستطاع بين مبانيها ومعانيها . فالفرق بين يَنْظُر ، وناظِر ، ومَنْظور ، ونَظير ، ونَظائِر ، ونَظّارَة ، ومُناظَرَة ، ومَنْظَر ، ومِنْظار ، ومُنْتَظر ، وما يتفرع عليها هو فرق بين أفعال وأسماء وصفات وأفراد وجموع ، وهو كله قائم على الفرق بين وزن ووزن ، أو قياس صوتي وقياس مثله ، يتوقف على اختلاف الحركات والنبرات ، أي على اختلاف النغمة الموسيقية في الأداء . وحكم الأسماء الجامدة كحكم المشتقات في هذه الخصلة ؛ فإنها تجري جميعا على أوزان معلومة تشملها بأقسامها على تفاوت قوتها " .
ولهذا كانت اللغة العربية ، في أصلها ، عنده ، لغة شاعرة ، لانبنائها على نسق الشعر وكونها بنثرها وشعرها ، فَنًّا منظوما منسق الأوزان والأصوات .
طَبيعَةُ أَداةِ الْوَزْنِ
[15] كما ابتكر علماء المادة الطبيعية أدوات وزنها في البدء ، مما يشغل حيزا مثلها - رصد علماء العربية لمقاطع أية كلمة ، مقاطع معينة تناسبها وتصلح مِنْ ثَمَّ لوزنها ، تتجمع لتكون كلمة جُرِّدَتْ من المعنى وأُخْلِصَتْ لتكون مثالا تُحْذى عليه الكلم إن لم تكن قد صيغت بعد ، ويكشفها ويبينها إن تكن قد صيغت ، " واستعمل ذلك اللفظ في معرفة أوزان جميع الكلمات ، فقيل : ( ضَرَبَ ) على وزن ( فَعَلَ ) ، وكذا ( نَصَرَ ) ، و( خَرَجَ ) ، أي هو على صيغة يتصف بها ( فَعَلَ ) ، وليس قولك ( فَعَلَ ) ، هي - كذا والصواب هو - الهيئة المشتركة بين هذه الكلمات ، لأنا نعرف ضرورةً أن نفس الفاء والعين واللام غير موجودة في شيء من الكلمات المذكورة ؛ فكيف تكون الكلمات مشتركة في ( فَعَلَ ) ؟ بل هذا اللفظ مصوغ ليكون محلا للهيئة المشتركة فقط ، بخلاف تلك الكلمات ؛ فإنها لم تصغ لتلك الهيئة بل صيغت لمعانيها المعلومة " .
وفضلا عن حاجة العروضي والصرفي جميعا ، إلى وزن الكلمة ، واتفاقهما في فكرة أداته ، لا يكادان يختلفان في الأداة نفسها كذلك ، قال الدماميني : " اختار العروضيون للأجزاء الدائرة بينهم في وزن الشعر ، الفاء والعين واللام ، اقتفاءً لأهل الصرف في عاداتهم وزن الأصول بهذه الحروف ؛ فحذوا حذوهم في مطلق الوزن لما كان على ثلاثة أحرف مع قطع النظر عن الأصالة والزيادة ، وأضافوا إلى ذلك من الحروف الزوائد سبعة وهي الألف والياء والواو والسين والتاء والنون والميم" .
وعلى رغم ظهور ذلك الاقتفاء الذي رآه من العروضيين للصرفيين ، لا يمتنع أن يكونوا جميعا مقتفين مقتضى الحاجة الواحدة .
تَطْويرُ أَداةِ الْوَزْنِ
[16] وكما صار صائغ الذهب يستعمل في وزنه جهاز الحساب العددي ، صار بعض الدارسين المحدثين لعلمي العروض والصرف ، يستعملون في وزن الكلمة ، أدوات علمي الأصوات والموسيقا الحديثين ، ويدعون إلى ترك الأداة القديمة البالية .
ولم يعد أحد يستطيع أن يطرح عنه منجزات علمي الأصوات والموسيقا الحديثين في دراسته لعلمي العروض والصرف ؛ ففي الأخذ بها كشف كثير من الدقائق الخفية المعضلة التي تعترض طريق الدراسة .
ولكن ينبغي أن نثبت لأداة الوزن القديمة ، صفتها العليا التي لا تنازعها إياها أداة أخرى ، وهي وَظيفيَّتُها ؛ فإن المتعلم متى وعى تلك الأداة وفكرتها ، استطاع دائما أن يميز في التَّوِّ ما يلقى عليه ، بل أقول مع الأستاذ محمد العلمي الذي حَصَرَ قوله في علم العروض - وأنا أضيف إليه علم الصرف - : إن تلك الأداة القديمة نفسها ، بما لها من خصائص كخصائص موزونها ، تبين لنا الوزن سمعيا وبصريا ، أي بالصوت والصورة ، إذا جاز هذا التعبير .