أ.د. محمد جمال صقر
11-09-2012, 02:50 PM
فى الشعر العمانى وشعر أبى سرور
}14 {لقد جَرَتْ على الشعر العمانى ، سنة المعارضة العربية بما تعلق بذيلها من التخميس ، غير أن بعض الباحثين حمل على الشعر العمانى مراحل الركود ثم البعث ثم التجديد والابتكار التى تناول بها النقاد الشعر فى سائر بلاد العرب ، فصنـع فصـلا فـى
" المعارضات الأدبية : قيمتها ودورها فى بعث الشعر العمانى" ذكر فيه أنها مثلت " جانبا له أهميته فى حركة إحياء الشعر " (35 ) ، وأن من شعرائها أبا سرور (36) وفى خلال ذلك عرض للتخميس ، فرآه محاولة " لمجاراة أسلوب فحول الشعراء " (37) ، ثم رآه " لا يصلح دليلاً في مجال بعث الشعر العربى ونهضته ، بقدر ما كان معوقًا ومضعفًا لهذه الحركة " (38).
أما إكراه الشعر العمانى على قبول تلك المراحل ، فمسألة فرغتُ مـن نقدهـا مـن
قبل (39) ، وأما نسبة أبى سرور إلى " الإحيائيين " - على تكلف المرحلة والمذهب - فعجيبة الحصول له وهو ابن سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف ، العائش بيننا فتيًّا ، وأدق منها نسبته إلى " المحافظين " مثلا ، وأما قوله الأول فى التخميس فمنقوض بقوله الآخر الذى كاد يسلم لولا شوبه بزعم المرحلة . وربما كان من مساوي هذه الفَعْلة تضليلُ بعض الباحثين ؛ إذ نسب أبا سرور إلى الإحيائيين مرة (40) ، ثم أخلاه منها أخرى (41)!
}15 {وخلال حديث الدكتور أحمد درويش عن مظاهر معاصرة الجيلين القديم والحديث فى شعر الخليلى العمانى ، يرد ذكر " جانب آخر من الأغراض التى طرقها الشيخ الخليلى يندرج فى ترويض القول وإثبات العلاقة الدائمة المتجددة بالتراث وإثبات المقدرة الشعرية … فى هذه الظاهرة كثير من شعر المعارضات والتخميس ، والموشحات ، وجانب كبير من شعر الحكمة " (42) ، ورغم ما فى ضم الحكمة إلى ما قبلها من خلط لرسالة الشعر بوسائله ، أستحسن نسبة المعارضة والتخميس إلى " تَرْويض القَوْل " (43 ) الذى يلائم فهمنا السابق فى الفقرة السابعة .
}16 {وفى ختام دراسته لأبى سرور قال أبو همام : " سبق أن ذكرنا رأينا فى التخميس أثناء حديثنا عن الخليلي ، وما قلناه هنالك يقال هنا " (44) ، وكان قال هنالك " هو أيضًا يضاف إلى الأبواب الأخرى المثبتة قدرة الشاعر إلى أقرانه من القدامى ، وينبئ كذلك عن مدى إعجاب شاعر بما يخمسه ، وإلا ما كان أغناه عن طرق هذا الموضوع جملة ، والقدامى عندنا عرفوا هذا الطريقة ... فالتخميس والتشطير مثل المعارضة ، جوادان يتسابقان ، ولكن الثانى ينسج على منوال الأول ، ويحاول أن يبزه ويسبقه " (45) ، ثم يقول في أبي سرور : " في الديوان معارضة لنونية ابن زيدون ... وحسنًا فعل الجيل اللاحق أن لم يحصر نفسه في آصار الجيل السابق عليه فامتاحوا من ذواتهم ، ووسعوا قراءتهم لولا أن بعضهم فر إلى الفوضى والتسيب " (46) .
وفيما قاله نظر أغرانى بذكر كلامه على طوله ، أعرضه فيما يأتى :
أولاً - أما أن التخميس كالمعارضة ، علامة إعجاب الخالف بالسالف ، فمما لا ريب فيه ، وقد سبق فى الفقرة الحادية عشرة بيانه .
ثانيًا - أما أن التخميس كالمعارضة ، باب الخالف إلى إثبات قدرة كالتى للسالف ، فمما فيه ريب ؛ إذ أين ذلة المخمِّس ولعبته من مجاراة المعارض ومباراته ؟!
ثالثًا - أما أن القدامى عرفوا التخميس ، فغير صحيح إذا عنى تخميس قصائد السالفين - وهو دون غيره مجال كلامه - إذ الذى عرفوه حتى نحلوا امرأ القيس شيئًا منه، طريقة فى إخراج القصيدة على أشطر منظمة بالقافية ، سبق فى الفقرة الثانية عشرة بيانها.
رابعًا - إطلاق الحكم على أبى سرور وغيره ، منهج أبى همام المطرد فى كثير مما كتب ، يقتحمه بفضل خبرته ، واعتماد تطبيق المقارنة التمثيلى التفصيلى أسد وأولى ، ويكفى دليلاً أن علّة ما رآه من أن نونية أبى سرور " ليس فيها ما ننتظره من التنفس من رئتى ابن زيدون " (47) ، أنها لا تعارضها أصلاً بل تعارض نونية شوقى !
لقد كتب ابن زيدون وهو مكروب نونيته فى الأسف للفراق ، والشوق للقاء ، والغزل بالمحاسن وأرسلها إلى ولادة (48) ، وكتب شوقى وهو مكروب منفى إلى بلد كان لابن زيدون وولادة فصار لخوليو وكرستين ،نونيته فى الأسف لتبدل الحال ، وتمجيد الوطن ، والشوق إليه ، والفخر بنفسه وبرفاق أَزْمته ، وأرسلها إلى مصر (49) ، وكتب أبو سرور متمثلاً حال شوقي ، نونيته فى الشوق إلى الماضى العزيز ، والأسف لتبدل الحال ، والتهديد بالعودة ، والفخر بالمسلمين عامة والعمانيين خاصة ، وألقاها فى المؤتمر الذى أقيم لذكرى ابن زيدون بالمغرب (50)
وربما كان من مساوي فعلة أبى همام اتباعُها ؛ إذ أطلق بعض الباحثين الحكم على أبى سرور قائلاً : " قارئ شعره يلحظ مدى تأثره بالشعراء السابقين فى مجاراتهم فى كثير من قصائده ومعارضتهم والاقتباس من شعرهم ، والاستفادة من طرائقهم ، وهذا ما سوف تكشفه لنا هذه الدراسة " (51) ، ثم لم يف بما وعد !
خامسًا - رؤية المعارضة قيدًا تقيد به جيل أبى سرور ، واستحسان انفكاك الجيل التالى له منه ، مما لم نقبله وقدمنا تفنيده فى الفقرة الثالثة ، ويكفى دليلاً اعترافه بخروج بعض هذا الجيل التالى ، إلى الفوضى والتسيب ، ولو تعلم المعارضة ما أخرجته إليهما .
}17 {ليطلق الباحثون فى الشعر العمانى بعامة وشعر أبى سرور بخاصة ، القول فى المعارضة والتخميس ما شاؤوا ، دون أن يشفع واحد منهم ذلك بتطبيق المقارنة التمثيلى التفصيلى ، رغم أنه وحده الفيصل (52) .
وليقل أبو سرور نفسه : " لم أقرأ ديوان شعر كاملاً عن شاعر ولكنى كنت أكثر من مطالعتى من ديوان البارودى حتى عزمت أن أجعله شاعرى الوحيد ، لما فيه من شهامة ورجولة وبطولة ، حتى وصلت إلى قصيدة يمدح فيها ويتزلف ، فثنيت عنانى عنه ، ولم أكمله ، ولم أعد إليه ، وأتصفح أحيانًا من شعر عنتر وشعر المتنبى " (53) .
فلن يثنينا شىء عن تطبيق المقارنة التمثيلى التفصيلى المبنى على مقدمة مُجَدْوَلةٍ مِنْ إحصاء العناصر الدالة ، ولا عن اعتماد نتائجه وحدها .
}14 {لقد جَرَتْ على الشعر العمانى ، سنة المعارضة العربية بما تعلق بذيلها من التخميس ، غير أن بعض الباحثين حمل على الشعر العمانى مراحل الركود ثم البعث ثم التجديد والابتكار التى تناول بها النقاد الشعر فى سائر بلاد العرب ، فصنـع فصـلا فـى
" المعارضات الأدبية : قيمتها ودورها فى بعث الشعر العمانى" ذكر فيه أنها مثلت " جانبا له أهميته فى حركة إحياء الشعر " (35 ) ، وأن من شعرائها أبا سرور (36) وفى خلال ذلك عرض للتخميس ، فرآه محاولة " لمجاراة أسلوب فحول الشعراء " (37) ، ثم رآه " لا يصلح دليلاً في مجال بعث الشعر العربى ونهضته ، بقدر ما كان معوقًا ومضعفًا لهذه الحركة " (38).
أما إكراه الشعر العمانى على قبول تلك المراحل ، فمسألة فرغتُ مـن نقدهـا مـن
قبل (39) ، وأما نسبة أبى سرور إلى " الإحيائيين " - على تكلف المرحلة والمذهب - فعجيبة الحصول له وهو ابن سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف ، العائش بيننا فتيًّا ، وأدق منها نسبته إلى " المحافظين " مثلا ، وأما قوله الأول فى التخميس فمنقوض بقوله الآخر الذى كاد يسلم لولا شوبه بزعم المرحلة . وربما كان من مساوي هذه الفَعْلة تضليلُ بعض الباحثين ؛ إذ نسب أبا سرور إلى الإحيائيين مرة (40) ، ثم أخلاه منها أخرى (41)!
}15 {وخلال حديث الدكتور أحمد درويش عن مظاهر معاصرة الجيلين القديم والحديث فى شعر الخليلى العمانى ، يرد ذكر " جانب آخر من الأغراض التى طرقها الشيخ الخليلى يندرج فى ترويض القول وإثبات العلاقة الدائمة المتجددة بالتراث وإثبات المقدرة الشعرية … فى هذه الظاهرة كثير من شعر المعارضات والتخميس ، والموشحات ، وجانب كبير من شعر الحكمة " (42) ، ورغم ما فى ضم الحكمة إلى ما قبلها من خلط لرسالة الشعر بوسائله ، أستحسن نسبة المعارضة والتخميس إلى " تَرْويض القَوْل " (43 ) الذى يلائم فهمنا السابق فى الفقرة السابعة .
}16 {وفى ختام دراسته لأبى سرور قال أبو همام : " سبق أن ذكرنا رأينا فى التخميس أثناء حديثنا عن الخليلي ، وما قلناه هنالك يقال هنا " (44) ، وكان قال هنالك " هو أيضًا يضاف إلى الأبواب الأخرى المثبتة قدرة الشاعر إلى أقرانه من القدامى ، وينبئ كذلك عن مدى إعجاب شاعر بما يخمسه ، وإلا ما كان أغناه عن طرق هذا الموضوع جملة ، والقدامى عندنا عرفوا هذا الطريقة ... فالتخميس والتشطير مثل المعارضة ، جوادان يتسابقان ، ولكن الثانى ينسج على منوال الأول ، ويحاول أن يبزه ويسبقه " (45) ، ثم يقول في أبي سرور : " في الديوان معارضة لنونية ابن زيدون ... وحسنًا فعل الجيل اللاحق أن لم يحصر نفسه في آصار الجيل السابق عليه فامتاحوا من ذواتهم ، ووسعوا قراءتهم لولا أن بعضهم فر إلى الفوضى والتسيب " (46) .
وفيما قاله نظر أغرانى بذكر كلامه على طوله ، أعرضه فيما يأتى :
أولاً - أما أن التخميس كالمعارضة ، علامة إعجاب الخالف بالسالف ، فمما لا ريب فيه ، وقد سبق فى الفقرة الحادية عشرة بيانه .
ثانيًا - أما أن التخميس كالمعارضة ، باب الخالف إلى إثبات قدرة كالتى للسالف ، فمما فيه ريب ؛ إذ أين ذلة المخمِّس ولعبته من مجاراة المعارض ومباراته ؟!
ثالثًا - أما أن القدامى عرفوا التخميس ، فغير صحيح إذا عنى تخميس قصائد السالفين - وهو دون غيره مجال كلامه - إذ الذى عرفوه حتى نحلوا امرأ القيس شيئًا منه، طريقة فى إخراج القصيدة على أشطر منظمة بالقافية ، سبق فى الفقرة الثانية عشرة بيانها.
رابعًا - إطلاق الحكم على أبى سرور وغيره ، منهج أبى همام المطرد فى كثير مما كتب ، يقتحمه بفضل خبرته ، واعتماد تطبيق المقارنة التمثيلى التفصيلى أسد وأولى ، ويكفى دليلاً أن علّة ما رآه من أن نونية أبى سرور " ليس فيها ما ننتظره من التنفس من رئتى ابن زيدون " (47) ، أنها لا تعارضها أصلاً بل تعارض نونية شوقى !
لقد كتب ابن زيدون وهو مكروب نونيته فى الأسف للفراق ، والشوق للقاء ، والغزل بالمحاسن وأرسلها إلى ولادة (48) ، وكتب شوقى وهو مكروب منفى إلى بلد كان لابن زيدون وولادة فصار لخوليو وكرستين ،نونيته فى الأسف لتبدل الحال ، وتمجيد الوطن ، والشوق إليه ، والفخر بنفسه وبرفاق أَزْمته ، وأرسلها إلى مصر (49) ، وكتب أبو سرور متمثلاً حال شوقي ، نونيته فى الشوق إلى الماضى العزيز ، والأسف لتبدل الحال ، والتهديد بالعودة ، والفخر بالمسلمين عامة والعمانيين خاصة ، وألقاها فى المؤتمر الذى أقيم لذكرى ابن زيدون بالمغرب (50)
وربما كان من مساوي فعلة أبى همام اتباعُها ؛ إذ أطلق بعض الباحثين الحكم على أبى سرور قائلاً : " قارئ شعره يلحظ مدى تأثره بالشعراء السابقين فى مجاراتهم فى كثير من قصائده ومعارضتهم والاقتباس من شعرهم ، والاستفادة من طرائقهم ، وهذا ما سوف تكشفه لنا هذه الدراسة " (51) ، ثم لم يف بما وعد !
خامسًا - رؤية المعارضة قيدًا تقيد به جيل أبى سرور ، واستحسان انفكاك الجيل التالى له منه ، مما لم نقبله وقدمنا تفنيده فى الفقرة الثالثة ، ويكفى دليلاً اعترافه بخروج بعض هذا الجيل التالى ، إلى الفوضى والتسيب ، ولو تعلم المعارضة ما أخرجته إليهما .
}17 {ليطلق الباحثون فى الشعر العمانى بعامة وشعر أبى سرور بخاصة ، القول فى المعارضة والتخميس ما شاؤوا ، دون أن يشفع واحد منهم ذلك بتطبيق المقارنة التمثيلى التفصيلى ، رغم أنه وحده الفيصل (52) .
وليقل أبو سرور نفسه : " لم أقرأ ديوان شعر كاملاً عن شاعر ولكنى كنت أكثر من مطالعتى من ديوان البارودى حتى عزمت أن أجعله شاعرى الوحيد ، لما فيه من شهامة ورجولة وبطولة ، حتى وصلت إلى قصيدة يمدح فيها ويتزلف ، فثنيت عنانى عنه ، ولم أكمله ، ولم أعد إليه ، وأتصفح أحيانًا من شعر عنتر وشعر المتنبى " (53) .
فلن يثنينا شىء عن تطبيق المقارنة التمثيلى التفصيلى المبنى على مقدمة مُجَدْوَلةٍ مِنْ إحصاء العناصر الدالة ، ولا عن اعتماد نتائجه وحدها .