المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الْقافِيَةُ الْمُوَحَّدَةُ الْمُقَيَّدَةُ وَكَلِمَتُها في الشِّعْرِ الْعُمانيِّ=1


أ.د. محمد جمال صقر
11-09-2012, 02:56 PM
الْقافِيَةُ الْمُوَحَّدَةُ الْمُقَيَّدَةُ وَكَلِمَتُها في الشِّعْرِ الْعُمانيِّ
بَحْثٌ فيما بَيْنَ الْعَروضِ وَاللُّغَةِ

مقدمة

{1} مضطرا أعبأ بالنظر في تاريخ الشعر العماني على وفق تاريخ الحكم العماني ؛ فقد حمل عليه بعض الباحثين ما خرج به من نتائج نظره في تاريخ الشعر على وفق تاريخ الحكم في سائر بلاد العرب، من التردي في مآزق الركاكة والتكلف ، الذي طبع على شعر العصر الوسيط بين زمان نهضة العباسيين وزمان نهضة المحدثين 1 . وهو الأمر الذي دعا إلى النظر في سر ذلك التردي الوسيط في سائر بلاد العرب ، ثم إلى النظر في كونه في عُمان ، فظهر أنه إذا كان الحكم في سائر بلاد العرب للأتراك والمماليك حوالي ستة قرون من القرن الهجري السابع ، وهم من العجمة والعي عن البيان العربي فهما وإفهاما ، بحيث كسدت لديهم سوق الشعر ، وراجت لدى العامة الذين عُرفوا من قديم إلى حديث ، بالإعراض عن حقائق الشعر والإقبال على أباطيله ، فصنع لهم الشعراء من الركاكة والتكلف ، ما أرضاهم - فإن الحكم في عُمان ظل للعرب ، وإن شعراء عُمان ظلوا على طريقة شعراء العرب في الزمان الأول ، من انتجاع الحكام وامتداحهم واصطناع فاخر الشعر لهم 2 ، بل كان أكثر الأئمة والحكام أنفسهم حريصا على الشعر سماعا وقولا 3 .
{2} لقد كان محقق ديوان الشعر العماني من ذلك العصر، ينبه على متانة لغته ولا يزيد ، وكأنه يخشى أن تدرك شاعرَه وصمة العصر الوسيط 4 ، أو يبوح بتميزه على تخوف من أن يرمى باجتزاف القول 5 ، ثم كان دارس شعراء النهضة الحديثة العمانيين يلح على ذكر " دورهم الريادي "، و" فكرهم التجديدي " ، وعلى قرن " دورهم " في ذلك " بدور " محمود سامي البارودي الذي عاد إلى الينابيع الثرة ليمتاح منها ما يحيي به موات الشعر 6 ، وكلا صنيعي المحقق والدارس أقرب إلى إثبات تردي الشعر العماني فيما تردى فيه شعر سائر بلاد العرب آنئذ ، منه إلى نفيه !
{3} لقد حاول الدكتور أحمد درويش عرض نماذج لإفلات الشعر العماني من أن تشمله تلك الظاهرة ، ثم ذكر الحاجة إلى دراسات أخرى تحمل هذا العبء 7 . وينبغي لي أن أذكر أنه على رغم كون هذه المسألة على النحو الآنف عرضه ، سبب ولوجي حمى الشعر العماني ، فضلا عن شهرة بقائه خصبا لم يقض له البحث حقه - لم أر المنهج التماس النماذج الكثيرة وبيان نجاتها من وصمة العصر الوسيط ؛ إذ هو أشبه شيء بالصراخ في الخلاء ، لا أَثَرَ ولا سَمْعَ ، و" كُلُّ مُجْرٍ في الخَلاء يُسَرُّ " ! بل المنهج التماس النماذج الكثيرة من عصور الشعر العماني كلها ، وموازنة بعضها ببعض .
إن الناقد الألمعي الشيخ الآمدي ، لما وجد في شعر أبي تمام والبحتري ، اختلافا شديدا ، لم ير الفصل فيه أن ينظر في شعر كل منهما وحده ، بل أن يضع شعر كل منهما بإزاء الآخر ، بل قد خلص إلى استحسان حصر النظر في القصيدتين المتفقتين في المعنى وفي العروض 8 ، وبه قال القرطاجني 9 ، واستمر اعتقاده إلى عصرنا هذا 10 .
{4} من ثم نظرت في عصر النباهنة ( 549- 809هـ/ 1154- 1456م ) ، فاخترت الستالي أبابكر أحمد بن سعيد الخروصي (584 – 676هـ) ، معاصر مبتدأ العصر الوسيط ، وأشهر مذكور بالاقتدار مع النبهاني 11 ، ثم نظرت في عصر اليعاربة (1622- 1741م) ، فاخترت الحبسي راشد بن خميس بن جمعة بن أحمد (المولود سنة 1089هـ المجهول سنة الوفاة) ، معاصر معمعة العصر الوسيط، والمذكور المشهور بكثرة الشعر والتصرف فيه 12 ، ثم نظرت في عصر البوسعيديين (1741م إلى الآن) ، فاخترت البهلاني ناصر بن سالم بن عديم الرواحي (1273- 1339هـ/ 1860- 1920م) ، معاصر معمعة النهضة الحديثة في سائر بلاد العرب ، وثورة رادة مدرسة إحياء الشعر ، والمذكور في ذروة شعراء عمان 13 ، ثم أضفت الصقلاوي سعيد بن محمد الجنيبي، العائش بيننا معاصرا لطفرات الحداثة ، وهو المذكور " بخلاصة الشعر العماني النقية الآن " ، و" السلفية العصرية " أو " العصرية السلفية " 14 ، عسى أن أبين ما بلغته هذه المدرسة الشعرية العمانية من خلال وارثها المعاصر، وأستبين ما تبلغه ضحى الغد .
{5} تتناول الموازنة أجزاء أطرافها كلها حين تكون من الانحصار والاقتصار بحيث تمكنها من ذلك ، كأن تكون قصيدتين أو ثلاثا ، فأما إذا كانت أطرافها دواوين كاملة ، كحالها معي هنا ، فينبغي للباحث أن يختار للمقارنة العناصر التي تقفه على مواطن تميز أطرافها ، معتمدا في هذا على الظن الغالب ، ومستعينا بما سبقه من دراسات 15 .
لقد اخترت لموازنة شعر أولئك الشعراء بعضه ببعض، القافية وكلمتها ، قاصدا بالقافية آخر ساكنين في البيت مع ما بينهما من متحركات متى كانت ، ومع المتحرك الذي قبلهما 16 - إنها إذن مجموعة من الأصوات المجردة في آخر البيت ، ربما كانت تفعيلته الأخيرة ، أو أكثر ، أو جزءا منها - وقاصدا بكلمة القافية ما قام من عناصر الجملة بأداء تلك القافية . إنها إذن مجموعة من الأصوات الحية ، لا تحديد لموقعها من الجملة ، وربما كانت كلمة واحدة منها ، أو أكثر ، أو جزءا من كلمة . ومن ثم يبدو إطلاق مصطلح (كلمة) على كل حال من تلك الأحوال ، توسعا ، وهو من أعراف العروضيين 17 .
{6} قال المعري على لسان الحصان للبغل : " أَمّا دَعْواكَ نِظامَ الشِّعْرِ ، فَخَلَّةٌ لا تُفْتَقَدُ مَعَها زَلَّةٌ . إِذا جاءَ الرَّويُّ فُضِحَ الْغَويُّ . وَلَوْ قيلَ إِنَّ الْقافِيَةَ سُمِّيَتْ قافِيَةً لِأَنَّها تَقْفو الْجاهِلَ بِها أَيْ تَعيبُه ، لَكانَ ذلِكَ مَذْهَبًا مِنَ الْقَوْلِ . وَالْقَريضُ مُشابِهٌ أُمَّ أَدْراصٍ، وَمَنْ سَلَكَها غَيْرَ خَبيرٍ ، فَكَأَنَّما سَقَطَ مِنْ ثَبيرٍ " 18 .
ولكل ساقطة لاقطة : شاعر خصم لا يرحم ، أو عالم ناقد لا يكتم ! وإنما كان للقافية وكلمتها صفة المهوى أي المكان الذي يسقط منه فتندق عنقه من لا علم له به ، بأمرين :
أولهما : بروز هذا الموضع من البيت وجملته ، للشاعر والناقد جميعا ، فأما الشاعر الواعي فإنه يختار له أبرز عناصر جانبي قصيدته العروضي واللغوي تأثيرا في توصيل رسالتها ، وأما الناقد الواعي فإنه يراعي ذلك في ذوقه للقصيدة .
والآخر : توحيد قوافي أبيات القصيدة الواحدة ، فتكرار مجموعة من الأصوات كلما جاء هذا الموضع من البيت وجملته ، يزيده خصوصية تستولي على الانتباه ، بما يجتمع فيه من عناصر " مختلفة في ذاتها متشابهة في مواقعها ومواضعها من العمل ، بغية التسوية بين ما ليس بمتساو ، أو بهدف الكشف عن الوحدة من خلال التنوع، وقد تعني تكرار المتشابه بغية الكشف عن الحد الأدنى لهذا التشابه، أو حتى إبراز التنوع من خلال الوحدة " 19 .
إنه يغري الناظر في القصيدة بملاحظته قبل غيره ، ليوازن بين (كلمات القافية ) التي كان توحيد القافية سبب اشتباهها صوتا ، في حين أن كلا منها في واد 20 . ولقد كان من فطنة بعض كبار الأسلوبيين العرب في زماننا هذا ، لكون هذا الموضع من البيت وجملته مجتمع أبرز مميزات الشعر العربي ، أنه صار كلما استعصت عليه العلل والأحكام يحتكم إليه وإلى خصائصه 21 .
{7} ولا يقل عن ذلك كله إغراء باختيار القافية وكلمتها ، انحصار هذا الموضع بحيث يمكنني التمهيد للنظر فيه بالإحصاء . لقد رضيت منذ زمان ، جدوى اعتماد الإحصاء ، وصرت كلما مضيت في طريقي أزداد به رضا ونفرة ممن يلقي الأحكام غفلا منه . ولست في ذلك بمنبتٍّ من طريقة علمائنا القدماء ؛ فما الاستيعاب الأولي الذي التزموه مدخلا إلى علومهم ، إلا نمط منه تمسكوا به 22 .
ولقد خرجت أبحاث زعمت اعتماد الإحصاء ، نفر الباحثون منها وساء به ظنهم ، والحق أن الذي زعموه عد لا إحصاء ؛ إذ يقف عند حصر عنصر يغلب أن يكون اختياره تقليدا محضا أو خبط عشواء ، فأما الإحصاء فيتجاوز ذلك إلى إعطاء " البيانات القابلة للتوظيف في مجال الكشف عن أدق خواص النص على المستويات التحليلية المختلفة كافة " 23 لينظر بها الباحث في إحكام عمله .
{8} وينبغي درء تهمة ( الشكلانية ) عن هذا النمط من الأبحاث بالتمسك بالشكل نفسه لا التبرؤ منه ؛ إذ هو في الحقيقة مضمون محض ؛ فالفكر والعبارة عنه شيء واحد 24 ، أو هو على الأقل ، القسم الفني من المضمون ، الذي يعول عليه في تمييز الأساليب 25 ، وكفى بتقديس الشكل دلالة على تعلقه بأصول التفكير 26 .
{9} أقدم دراسة القافية الموحدة ، لما لتوحيدها من أثر في قيمتها سبق بيانه ، ولانحصار القافية المعددة في بعض شعر الحبسي والصقلاوي . وعلى رغم كون توحيد القافية تكرارا لمجموعة الأصوات التي تكونها آخر كل بيت من أبيات القصيدة الواحدة ، ينبغي التنبيه على خطر حرف الروي دون غيره من تلك الأصوات في توحيد القافية وتعديدها .
لقد أراد الدكتور أحمد كشك كفكفة غلواء زعم الشعراء المحدثين أنهم حرروا القافية ؛ " لأن ترخصا في قيمة الروي ليس ترخصا في القافية كلها . فقد علمنا أن الوصل والتأسيس والردف والخروج أجزاء قافية ووجود هذه القيم مع ضياع الروي لا يثبت أن القافية قد ضاع أمرها في شعرنا المعاصر تماما . على دارس الشعر إذ عن له أن يدرك التطور في القافية أو قل التحرر فيها ، أن يقيس هذا التحرر بمنظور القافية الأشمل بحروفها وحركاتها ، وكل ما تلتزمه من قيم لغوية تتمم حدها الإيقاعي ؛ ومعنى ذلك - كما قلت - نفي تصور القافية من خلال حرف واحد من حروفها فحسب " 27 ، فأوحى بأنه لا أثر لتعديد الروي في توحيد القافية ، وهو رأي له شيعته من نقاد الشعر الحديث المتعصبين له، أثار شاعرا عموديا فاستنكره وذكر أن القافية لا تقوم بغير الروي، وتمسك بما رواه ابن كيسان من جعل القافية هي حرف الروي نفسه 28 .
والحقيقة في غير تعصب ، أن حرف الروي ركن مؤثر وجودا وعدما ، في توحيد القافية وتعديدها، وليس أدل على ذلك من تفقد سيرة القافية الخالية منه. إننا نظرنا في قصيدة الحبسي " أنيسة الوحيد " أسبق ما عدّد قافيتَه ورودا ، فوجدناها تبدأ بقافية مطلقة مردفة بالألف موصولة بالياء، رائية :
" الحمد لله الوهوب الباري الخالق المهيمن الجبارِ " 29
وتثني بها كذلك في البيت الثاني ، ما دام الراء رويا ، حتى إذا ما صارت دالية ، صارت مطلقة مجردة موصولة بالياء ، ثم غير ذلك :
" مدبر الأمر المليك الصمد المستعان الواحد المنفردِ " 30
ونظرنا في قصيدة الصقلاوي " لو كنت معي " ، أسبق ما عدّد قافيته ورودا، فوجدناها تبدأ مقيدة مجردة، رائية :
" لو كنت معي يا فتنة من زمن
لتحول كل الأصفر أخضر " 31 ،
وتثني بها وتثلث كذلك، ما دام الراء رويا، حتى إذا ما صارت تائية، صارت مطلقة مردفة بالألف موصولة بالياء ، ثم غير ذلك :
" لو كنت معي..
لعشقت بصوتك أحلى النغمات " 32 .
إن القافية عندئذ تتعدد من جهة كل جزء منها، وكأن حرف الروي سلك عقدها الذي انقطع فانفرطت حباته .
أقدم بحث القافية الموحدة لأهميتها ، وأقدم بحث المقيدة منها لانحصارها ، معتمدا معطيات إحصاء العناصر الدالة أفكارا يدور عليها البحث، مجتهدا في تفصيلها وتفسيرها ، مستعينا بالله على سَلْسَلَةِ الأبحاث فيما بقي .
الجدول الأول
المجموع المقصورة المؤسسة المجردة المردفة القافية المقيدة
4.08 صفر 16.66 66,66 16.66 في شعر الستالي
14.65 صفر 11.76 25.49 62.74 في شعر الحبسي
15.46 13.33 صفر 66,66 20 في شعر البهلاني
11.90 صفر 40 40 20 في شعر الصقلاوي
12.14 2.59 11.68 37.66 48.05 المجموع
تنبيهات :
• راعيت في ترتيب الجداول نسب استعمال الأنواع في مادة البحث ، فإذا اتفقت النسب راعيت الترتيب العروضي العلمي .
• اُلمقَيَّدة هي الساكنة الرَّوِيّ الذي هو الصوت الصامت الثابت دون غيره من أصوات القافية .
• اُلمرْدَفة هي التي قبل رويها ألف أو واو أو ياء ساكنة تسمى ( رِدْفا ) .
• اُلمؤَسَّسة هي التي قبل الحرف الذي قبل رويها ألف تسمى ( تأسيسا ) .
• اُلمجَرَّدَة هي الخالية من الردف والتأسيس .
• اَلمقْصورة هي التي رويها ألف أصلية .
• مجموع القصائد المقيدة القافية الموحدة ، من قصائد الدواوين كلها ، 6 من 147 للستالي ، و 51 من 348 للحبسي ، و 15 من 97 للبهلاني ، و 5 من 42 للصقلاوي ؛ فهي إذن 77 من 634 .