أ.د. محمد جمال صقر
11-09-2012, 02:59 PM
حادي عشر: كلمة القافية المقيدة على العموم
{32} ربما بدا لكثير من الناظرين في القافية، أن يكون تقييدها سدا لباب شر عظيم يفتحه على الشاعر إطلاقها، فجرى لديهم هنا أيضا المثل المولد "سكّنْ تسْلمْ" ، وكأن الشاعر المطلق القافية وحده يعاني اصطياد الكلمة الملائمة، لأنه وحده يراعي أن تكون مفتوحة كالمفتوحة آخر البيت السابق، أو مضمومة كالمضمومة، أو مكسورة كالمكسورة، فأما الشاعر المقيّدها ففي راحة ودعة وسعة، يجمع المفتوحة إلى المضمومة إلى المكسورة، والمنونة إلى غير المنونة، والمعربة إلى المبنية، ما دام آخر كل منها الحرف المختار رويا. وهو ما سبقت الإشارة إليه في الفقرة الحادية عشرة.
{33} لقد بيّن الجدول الرابع إلحاح شعراء عُمان على أبواب نحوية بعينها، فإذا ما تفقدت قصيدة من شعرهم، كميمية الستالي التي يقول في أولها:
"يا دمن الحي عليك السلام وجاد أطلالك صوب الغمام
ما فعــل الحي عهدناهـم جيرتنا بين ربــوع المقام
عجنا على الأطلال أنضاءنا حيث توهمنا رسـوم الخيام
عجنا نحييها ونقضي بهــا حفيظة العهد وحق الذمـام
فاستعجم الربـع ولما يجب وكيف للعـافي برجع الكلام
وزودتنا بين آياتها وساوس الشـوق وبــرح الغـرام
وطال ما هاجت رسوم الحمى صبابـة للعاشق المستهـام
وربما هيــج أشواقـــه تألق البرق ونـوح الحمام " 76
وجدت هذه الأبيات مثلا تتتابع دون أن تدخل إليها كلمات قوافيها إلا من باب نحوي واحد "اسم مجرور بالمضاف"، وحين تغير الباب تدخل من باب "اسم تابع اسم" نعت مجرور، حتى إنه لو أطلق القافية لسلمت له كلماتها مجرورة، وإن خرجت له صورة بيت شاذة. وهو أمر معروف من قديم 77 ، ربما رجع إلى تمكن نمط من تركيب الكلام من عقل الشاعر، فهو يذهب إليه ويلح عليه . وكذلك وضح لي بطول النظر في أغاني الأصفهاني، أن عيوب كلمة القافية، النحوية العلاميّة- ولا سيما الإقواء- غير نادرة في الشعر العربي الذي استوعبه الكتاب وهو مقدار ضخم، وكأن الشاعر كان يعالجها بإخضاعها ضرورة لحركة القافية، ولكن سيطرة النظر العلمي، باعدت بينها وبين الشعراء ومتلقي شعرهم جميعا فندرت.
ليس الإشكال في كلمة القافية الموحدة إذن من جهة حركة آخرها فقط، ليكون في التقييد درؤه، كما أنه ليس النحو علامات الإعراب والبناء فقط، ليكون في التسكين فناؤه.
{34} إن الشاعر يدخل إلى أية قصيدة، من البيت الأول (بابها العروضي)، وجملته (بابها اللغوي)، وادعا آمنا، حتى إذا ما مضى يقيم بنيانها باللبنة بعد اللبنة منهما، ذهبت دعته، واستحال أمنه خوفا؛ إذ يتصارع بين يديه العروض واللغة معا، ويتنازعانه، فيلين لهذه مرة ولذاك أخرى، وتظل القافية وكلمتها، أشد مواضع البيت وجملته اصطراعا مهما تغير العروض من عمودي إلى موشح أو حر، ما بقي الشاعر حريصا على اختيارهما من أبرز عناصر عروض قصيدته ولغتها تأثيرا في توصيل رسالتها، وما بقي الناقد حريصا على مراعاة ذلك في ذوق القصيدة.
{35} في هذا الموضع من البيت وجملته (القافية وكلمتها)، تتجلى مجاهدات الشاعر الناجحة أو الفاشلة جميعا، فنراه قد اختار صيغة كلمة دون أخرى، وقدم كلمة على أخرى، وزاد كلمة دون أخرى، ونقص كلمة دون أخرى، وكل ذلك لا يخرج عن أن يكون في منزلة من هذه المنازل الأربعة المرتبة ترتيبا منطقيا :
الأولى: إكمال نقص السابق.
الثانية: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه.
الثالثة: إضافة بعض اللاحق.
الرابعة: إضافة كل اللاحق.
إن القصيدة نص أي جمل متتابعة مترابطة المبنى والمعنى، وإن الجملة مركب لغوي من عنصرين أساسين، بينهما علاقة إسناد، وربما انضافت إليهما عناصر أخرى غير أسس، وإن كلمة القافية جزء من هذه الجملة، ربما كانت أساسا، فعلا أو فاعلا في الفعلية، أو مبتدأ أو خبرا في الاسمية، وربما كانت فرعا غير أساس، متعلقا بأساس أو بفرع آخر. وليس يمتنع أن تشتد حاجة الجملة إلى جزئها الفرع، غير أنها حاجة مؤقتة، وحاجتها إلى أساسيها دائمة.
{36} في المنزلة الأولى تكون كلمة القافية العنصر الأساس الآخر الذي يكمل العنصر الأساس الأول من الجملة، أو العكس متى قدم الشاعر وأخّر. إنها المنزلة التي جعلها المرزوقي من عمود الشعر ووصفها بشدة اقتضاء اللفظ والمعنى للقافية ثم جعل معيارها "أن تكون كالموعود به المنتظر يتشوفها المعنى بحقه واللفظ بقسطه " 78 ، ونصح للشعراء غيره من النقاد، ألا يدخلوا بيتا لا يعرفون قافيته 79 ، فصار الشعراء يصعدون بالبيت وجملته من أولهما إلى تاج رأسيهما وقنة جبليهما (القافية وكلمتها)، ليعلقوا الأعجاز بالصدور 80 ، حتى فخر منهم الفاخر بحيازة قصيدته تلك المنزلة الأولى قائلا:
"خذها إذا أنشدت للقوم من طرب صدورها علمت منها قوافيها" 81
لقد بين الجدول الثالث حصول هذه المنزلة، للنوع الخامس من كلمة القافية (فاعل أو اسم نائبه) بنسبة (4.51%)، وللنوع السادس (اسم خبر مبتدأ أو ناسخ) بنسبة (3.72%)، وللنوع السابع (مبتدأ أو اسم ناسخ مؤخر) بنسبة (1.70%).
مثال ذلك قول الستالي:
" شـرف الأزد اليمانون به وتمنت أنها منه مضر…
أنت بالألسن محمود وفي كل قطر من أياديك أثر" 82
لقد شغل العجز في كل منهما بما عطفه على الصدر، ثم شد آخر العجز إلى أوله بجعل كلمة القافية أحد أساسي جملتها، (فمضر) فاعل (تمنى)، الذي قدَّم عليه المفعول به، و(أثر) مبتدأ الخبر شبه الجملة (في كل) الذي أخره عنه.
إنها منزلة عزيزة، تظهر بها مُنّة الشاعر وقدرته واستطالته وشجاعته؛ فأما منته وقدرته فبكبحه جماح بيته وجملته المتصارعين بين يديه، بحيث وافق تمام هذه تمام ذاك، وأما استطالته وشجاعته فباستعماله التقديم والتأخير مطمئنا إلى فهم المعني 83 .
وينبغي هنا ذكر قول ابن رشيق: "من الشعراء من يضع كل لفظة موضعها لا يعدوه، فيكون كلامه ظاهرا غير مشكل، سهلا غير متكلف، ومنهم من يقدم ويؤخر: إما لضرورة وزن، أو قافية وهو أعذر، وإما ليدل على أنه يعلم تصريف الكلام، ويقدر على تعقيده، وهذا هو العي بعينه، وكذلك استعمال الغرائب والشذوذ التي يقل مثلها في الكلام... ورأيت من علماء بلدنا من لا يحكم للشاعر بالتقدم، ولا يقضي له بالعلم، إلا أن يكون في شعره التقديم والتأخير، وأنا أستثقل ذلك من جهة ما قدمت، وأكثر ما تجده في أشعار النحويين" 84 .
لقد أثبت ابن رشيق دلالة استعمال الشاعر التقديم والتأخير على استطالته وشجاعته، من حيث أراد أن ينفيها، ثم ذهب يخوض في الشاذ ظانا أنه يعينه على النفي، وليس يمتنع أن يكون ذو التقديم والتأخير، سهلا غير متكلف ولا شاذ، ومثال الستالي مثاله.
{37} في المنزلة الثانية تكون كلمة القافية العنصر الفرع الذي يتعلق بأساس أو بفرع آخر من جملته. إن الجملة تنتهي قبل أن تأتي القافية كمالة البيت، فيضطر الشاعر إلى أن يحتال ليزيد الكلمة التي تؤدي القافية وتزيد معنى الجملة نوعا من الزيادة، كأن تخصصه أو تعممه أو تغمضه أو توضحه أو تبالغ فيه نوعا من المبالغة، فإذا نجح كان عمله هذا من "الإيغال" الذي وصفه التبريزي بأنه يزيد تجويد البيت 85 ، وجعله ابن رشيق ضربا من المبالغة "إلا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها، والحاتمي وأصحابه يسمونه التبليغ، وهو تفعيل من بلوغ الغاية، وذلك يشهد بصحة ما قلته" 86 ، ثم روى عن الأصمعي قبل ذلك بزمان، قوله في نعوت أشعر الناس: إنه الذي "ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى… نحو ذي الرمة بقوله :
قف العيس في أطلال مية واسأل رسوما كأخلاق الرداء المسلسل
فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية (المسلسل) فزاد شيئا، وقوله:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها دموعا كتبديد الجمـان المفـصل
فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال (المفصل) فزاد شيئا أيضا " 87 .
أراد (باحتاج إليها) رغبته في أن يشتمل عليها الكلام المنقضي، ومحاولته ذلك. والمُسَلْسَل الرديء النسج، والمُفَصَّل المفرق، وفي الزيادة الأولى مبالغة في وصف ديار الحبيبة بالبلى، وفي الزيادة الثانية تدقيق في تشبيه الدموع بالجمان.
والإيغال قديم ليس من اختلاف في أن امرأ القيس أول من نهجه 88 .
وإذا فشل الشاعر كان عمله ذلك من "الاستدعاء" الذي جعل له ابن رشيق بابا قال في أوله: "هو ألا يكون للقافية فائدة إلا كونها قافية فقط فتخلو حينئذ من المعنى … وما أعجب السيد الحميري في قوله:
أقسم بالفجر وبالعشر والشفع والوتر ورب لقمان…
محمد وابن أبي طالب والـوتر رب العـزة البـاني…
فانظر إلى قوله (رب لقمان) ما أكثر قلقه وأشد ركاكته!!! وأما قوله (الباني) فقد خرج فيه من حد اللين والبرد، وتجاوز فيه الغاية في ثقل الروح، والله حسبه " 89 . فرب لقمان رب كل شيء ومليكه، الباني والهادم، وليس في إضافة هذا أو ذاك من فائدة، بل نقص يفسد ما ربما استقام له قبله، فتستحق كلمة القافية أن تكون كما وصفها المرزوقي "قلقة في مقرها، مجتلبة لمستغن عنها" 90 .
في الإيغال إذن زيادة كمال السابق، وفي الاستدعاء زيادة نقصه، في الأول نجاح الشاعر، وفي الآخر فشله، وهما وجها منزلة واحدة بين الجدول الثالث حصولها للنوع الأول (اسم مجرور بالمضاف أو بالحرف) بنسبة (35.12%)، وللنوع الثالث (اسم تابع اسم) بنسبة (23.94%)، وللنوع الرابع (اسم مفعولٌ أو نائبه) بنسبة (4.94%)، وللنوع الثامن (اسم حال أو تمييز نسبة) بنسبة (0.59%).
مثال ذلك قول الحبسي:
"خليفة الهادي النبي الذي هدى ذوي الإسلام طرق الرشـاد
ملك زرى عدلا بكسرى وفي الملك زرى ملكا بملك ابن عاد
من مثل سلطان إمامٌ فتى مجاهــد في الله حـق الــجهاد
مهذب الطبـع حليـف الـذكا مغني البرايا خيره المستفاد
عــدل كريم مستقيم له مـكارم لم يحصـها ذو فـؤاد
حفت به أسد بني يعرب كالأسد فوق الصـافنات الجيـاد...
وليـدم الحـاسـد في ذلـة قريـنه الغـم وداء الكُـباد…
يا بلدة الحزم اشكري ذا العلا شكرا على نيل المنى والمراد" 91 .
لقد دخل بكلمة القافية في الأبيات الأول والثاني والثالث والخامس والسابع، من باب (اسم مجرور بالمضاف)، فنجح في الأولى والثانية والثالثة والخامسة وأوغل، حتى إننا لنتوقعها ، وفشل في السابعة واستدعى، حتى إننا لنرى الحاسد محظوظاً (بالكباد) وجع المعدة الهين لكثرة شرب الماء!
ودخل بكلمة القافية في الأبيات الرابع والسادس والثامن، من باب (اسم تابع اسم)، فنجح في الرابعة والسادسة وأوغل، حتى إننا لنتوقعهما، وفشل في الثامنة واستدعى، حتى إنه ليخيِّل أن المنى غير مرادة!
إنها المنزلة المسيطرة الطاغية التي ترفع وتخفض، فتدهش بهذا وذاك جميعا متلقي الشعر.
{38} في المنزلة الثالثة تكون كلمة القافية العنصر الأساس الأول في جملة جديدة، على أن يكون العنصر الأساس الآخر منها، في البيت التالي، وهذا هو "التضمين".
لقد كان القدماء يستحسنون أن تخرج أبيات القصيدة الواحدة، مخرج الأمثال السائرة، تامة المبنى والمعنى، غير مفتقر بيت منها إلى غيره، وكأنه قصيدة وحده 92 ، ويستحسنون مع ذلك أن تكون القصيدة كلها كالكلمة الواحدة "تقتضي كل كلمة ما بعدها، ويكون ما بعدها متعلقا بها مفتقرا إليها " 93 ، دون أن يكون بين الاستحسانين من تناقض- على رغم ما يجوز من اختلاف الأذواق - إذ المقصود أن يكون البيت كاللبنة في الجدار، لها شأنها الذي نستطيع أن نتحدث عنه ونعامله، وللجدار في الوقت نفسه شأنه الحاصل من اجتماع اللبنات بعضها إلى بعض وارتباطها 94 . لهذا كان عيبهم أن يشتد افتقار بناء البيت النحوي إلى ما في البيت التالي له، بحيث ينقض استقلاله، ويصير كأنه كائن ضمنه 95 .
ولم تحصل هذه المنزلة- فيما بين الجدول الثالث- إلا للنوع الحادي عشر ( مبتدأ مضمن الخبر) بنسبة (0.04%).
مثال ذلك قول الصقلاوي:
"واصل طريقك فالشرف
أن تبق حلما لا يـجف" 96
لقد شد البيت الأول إلى البيت الثاني، بجعله كلمة قافية الأول (الشرف)، مبتدأ خبره المصدر المؤول الذي في الثاني، فمنع كلا من البيتين من أن ينفرد بشأنه عن الآخر. وهي منزلة عارضة نادرة.
{39} في المنزلة الرابعة تكون كلمة القافية، العنصر الأساس الأول من الجملة، على أن يكون مستغنيا عن ذكر العنصر الأساس الآخر، باستتاره فيه أو حذفه بعده، أو تكون كلمة القافية فرعا متعلقا بالأساسين المحذوفين بعده.
إنها لمنزلة قريبة الشبه بالمنزلة الأولى، تكاد تظهر مُنَّة الشاعر وقدرته مثلما أظهرتهما، غير أنها أشد منها إظهارا لاستطالته وشجاعته. فأما منته وقدرته فبإنشائه جملة جديدة كاملة المبنى والمعنى في المأزق الضنك، حين تكون كلمة القافية أساسا أول استتر فيه الآخر، وأما شدة استطالته وشجاعته، فبإنشائه جملة جديدة كاملة المعنى دون المبنى، في المأزق الضنك نفسه، حين تكون كلمة القافية أساسا أول انحذف بعده الآخر، أو فرعا انحذف بعده الأساسان جميعا" 97 .
لقد بين الجدول الثالث حصول هذه المنزلة للنوع الثاني (فعل مستتر الفاعل) بنسبة (24.74%)، وللنوع التاسع (مبتدأ أو اسم ناسخ محذوف الخبر) بنسبة (0.50%)، وللنوع العاشر (حرف معنى محذوف المدخول الجملة) بنسبة (0.13%).
مثال ذلك قول البهلاني في إحدى مقصورتيه:
"وفي الصبا معتبة وزاجر فكيف بالشيـب إذا العود انحنى…
ما سرني من الثراء وفره إن كـان بين اللـؤم والحرص نما
إذا نفته هكـذا وهـكذا صنـائع في أهـلها فقد زكـا…
إلى متى ُنهْرَع في أذنابهم لا ملتـجى لا منتـهى لا منتـحى…
يسومنا الخسف خسيس ناقص لادين لا حكمة لا فضل ولا " 98 .
لقد أنشأ بكلمة القافية وحدها جملة كاملة المبنى والمعنى في الأبيات الأول والثاني والثالث، من فعل ماض استتر فيه فاعله الذي يعود إلى العود في الأول، والى الثراء في الثاني والثالث، فيربط هذه الجملة الصغيرة بالجملة الكبيرة المستولية على البيت، وأنشأ جملة كاملة المعنى دون المبنى في البيتين الرابع والخامس ؛ إذ حذف منها آخر أساسيها في الرابع، وأساسيها جميعا في الخامس، اعتمادا على دلالة السياق، وربَطها بما قبلها بالعاطف المذكور في الخامس، والمحذوف في الرابع. لقد بلغ من شجاعته أن يقول: "ولا"، تاركا لنا أن نقدر المحذوف بالمذكور، مطمئنا إلى فهمنا ما لم يقله ، وهو السحر الذي رآه في الحذف شيخنا الجرجاني، ولم يبالغ 99 ، إذ يُخَيِّل الحاذف بكون كلامه مفهوما رغم حذف بعضه أو أكثره، أنه قد أكمله ولم يحذف منه شيئا، كما خيل الساحر للناس أن الحبل الجماد (المحذوف الروح)، حية تسعى !
{40} إن المنزلة الأولى (إكمال نقص السابق)، مقياس عادل لإحكام الشعراء شعرهم، وإن المنزلة الثانية (زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه)، مقياس عادل لمجاهدة الشعراء في شعرهم، وإن المنزلة الثالثة (إضافة بعض اللاحق)، مقياس عادل لإغراب الشعراء بشعرهم، وإن المنزلة الرابعة الأخيرة (إضافة كل اللاحق)، مقياس عادل لشجاعة الشعراء في شعرهم، فإذا كنت قد خضعت في الحديث عن تلك المنازل في الشعر العماني، لذلك الترتيب المنطقي، فالآن أستطيع أن أرتبها ترتيبا استعماليا، على النحو التالي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (64.64%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (25.36%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (9.94%).
الرابعة: إضافة بعض اللاحق، بنسبة (0.04%).
وبيِّن جليّ غلبة المجاهدة على شعراء عُمان، والحق أنها حال الشاعر أبدا، أن يجاهد ثم أن يخفي المجاهدة، منذ قال سُوَيد بن كُراعَ العُكْليّ:
"أبيت بأبواب القوافي كأنما أُصادي بها سربا من الوحش نُزَّعا
أكالئها حتى أعرِّس بعدما يكون سُحَيرا أو بعيـد فاهجـعا" 100 .
ثم تأتي الشجاعة بعد المجاهدة عندهم، ثم الإحكام، ثم الإغراب، ولا أستطيع أن أفتي في هذا حتى أصنع بالشعر في سائر بلاد العرب مثلما صنعت بالشعر العماني، غير أنني أستطيع أن أقارن الشعر العماني بعضه ببعض فيما يلي .
خاتمة
ثاني عشر: كلمة القافية المقيدة على الخصوص
{41} بين الجدول الثالث نسبة كل نوع من أنواع كلمة القافية في شعر كل شاعر من شعراء البحث، حتى إنه لييسر ترتيب منازلها في شعر كل منهم ترتيبا استعماليا على النحو التالي:
• أولا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر الستالي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (80.87%).
الثانية: إكمال نقص السابق، بنسبة (10.92%).
الثالثة: إضافة كل اللاحق، بنسبة (8.19%).
• ثانيا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر الحبسي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (67.59%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (22.58%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (9.81%).
• ثالثا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر البهلاني:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (60.62%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (29.37%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (10%).
• رابعا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر الصقلاوي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (68.36%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (22.44%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (8.16%).
الرابعة: إضافة بعض اللاحق، بنسبة (1.02%).
لقد صحت غلبة المجاهدة على شعراء عمان جميعا، غير أن أوجها كان قديما في زمان الستالي، ثم قلت بعده كثيرا، وصحت ندرة الإغراب في الشعر العماني جميعه، وانحصر في شعر الصقلاوي المعاصر، ثم اختلف الأمر فيما سواهما؛ فظهر أن عناية شعراء عُمان بإحكام شعرهم بلغت أوجها قديما في زمان الستالي حتى تقدمت الشجاعةَ، ثم صارت تقل بعد ذلك، ولا ذكر للفارق (0.19%) بين الحبسي والبهلاني، وظهر أن شجاعة شعراء عُمان في شعرهم بلغت أوجها حديثا، إذ كانت قديما في زمان الستالي، أقل ما كانت، ثم صارت تكثر بعد ذلك حتى بلغت ذروتها عند البهلاني لتقل قليلا عند الصقلاوي غير أنها بقيت أكثر منها عند الستالي الذي شغلته المجاهدة عن الشجاعة .
{32} ربما بدا لكثير من الناظرين في القافية، أن يكون تقييدها سدا لباب شر عظيم يفتحه على الشاعر إطلاقها، فجرى لديهم هنا أيضا المثل المولد "سكّنْ تسْلمْ" ، وكأن الشاعر المطلق القافية وحده يعاني اصطياد الكلمة الملائمة، لأنه وحده يراعي أن تكون مفتوحة كالمفتوحة آخر البيت السابق، أو مضمومة كالمضمومة، أو مكسورة كالمكسورة، فأما الشاعر المقيّدها ففي راحة ودعة وسعة، يجمع المفتوحة إلى المضمومة إلى المكسورة، والمنونة إلى غير المنونة، والمعربة إلى المبنية، ما دام آخر كل منها الحرف المختار رويا. وهو ما سبقت الإشارة إليه في الفقرة الحادية عشرة.
{33} لقد بيّن الجدول الرابع إلحاح شعراء عُمان على أبواب نحوية بعينها، فإذا ما تفقدت قصيدة من شعرهم، كميمية الستالي التي يقول في أولها:
"يا دمن الحي عليك السلام وجاد أطلالك صوب الغمام
ما فعــل الحي عهدناهـم جيرتنا بين ربــوع المقام
عجنا على الأطلال أنضاءنا حيث توهمنا رسـوم الخيام
عجنا نحييها ونقضي بهــا حفيظة العهد وحق الذمـام
فاستعجم الربـع ولما يجب وكيف للعـافي برجع الكلام
وزودتنا بين آياتها وساوس الشـوق وبــرح الغـرام
وطال ما هاجت رسوم الحمى صبابـة للعاشق المستهـام
وربما هيــج أشواقـــه تألق البرق ونـوح الحمام " 76
وجدت هذه الأبيات مثلا تتتابع دون أن تدخل إليها كلمات قوافيها إلا من باب نحوي واحد "اسم مجرور بالمضاف"، وحين تغير الباب تدخل من باب "اسم تابع اسم" نعت مجرور، حتى إنه لو أطلق القافية لسلمت له كلماتها مجرورة، وإن خرجت له صورة بيت شاذة. وهو أمر معروف من قديم 77 ، ربما رجع إلى تمكن نمط من تركيب الكلام من عقل الشاعر، فهو يذهب إليه ويلح عليه . وكذلك وضح لي بطول النظر في أغاني الأصفهاني، أن عيوب كلمة القافية، النحوية العلاميّة- ولا سيما الإقواء- غير نادرة في الشعر العربي الذي استوعبه الكتاب وهو مقدار ضخم، وكأن الشاعر كان يعالجها بإخضاعها ضرورة لحركة القافية، ولكن سيطرة النظر العلمي، باعدت بينها وبين الشعراء ومتلقي شعرهم جميعا فندرت.
ليس الإشكال في كلمة القافية الموحدة إذن من جهة حركة آخرها فقط، ليكون في التقييد درؤه، كما أنه ليس النحو علامات الإعراب والبناء فقط، ليكون في التسكين فناؤه.
{34} إن الشاعر يدخل إلى أية قصيدة، من البيت الأول (بابها العروضي)، وجملته (بابها اللغوي)، وادعا آمنا، حتى إذا ما مضى يقيم بنيانها باللبنة بعد اللبنة منهما، ذهبت دعته، واستحال أمنه خوفا؛ إذ يتصارع بين يديه العروض واللغة معا، ويتنازعانه، فيلين لهذه مرة ولذاك أخرى، وتظل القافية وكلمتها، أشد مواضع البيت وجملته اصطراعا مهما تغير العروض من عمودي إلى موشح أو حر، ما بقي الشاعر حريصا على اختيارهما من أبرز عناصر عروض قصيدته ولغتها تأثيرا في توصيل رسالتها، وما بقي الناقد حريصا على مراعاة ذلك في ذوق القصيدة.
{35} في هذا الموضع من البيت وجملته (القافية وكلمتها)، تتجلى مجاهدات الشاعر الناجحة أو الفاشلة جميعا، فنراه قد اختار صيغة كلمة دون أخرى، وقدم كلمة على أخرى، وزاد كلمة دون أخرى، ونقص كلمة دون أخرى، وكل ذلك لا يخرج عن أن يكون في منزلة من هذه المنازل الأربعة المرتبة ترتيبا منطقيا :
الأولى: إكمال نقص السابق.
الثانية: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه.
الثالثة: إضافة بعض اللاحق.
الرابعة: إضافة كل اللاحق.
إن القصيدة نص أي جمل متتابعة مترابطة المبنى والمعنى، وإن الجملة مركب لغوي من عنصرين أساسين، بينهما علاقة إسناد، وربما انضافت إليهما عناصر أخرى غير أسس، وإن كلمة القافية جزء من هذه الجملة، ربما كانت أساسا، فعلا أو فاعلا في الفعلية، أو مبتدأ أو خبرا في الاسمية، وربما كانت فرعا غير أساس، متعلقا بأساس أو بفرع آخر. وليس يمتنع أن تشتد حاجة الجملة إلى جزئها الفرع، غير أنها حاجة مؤقتة، وحاجتها إلى أساسيها دائمة.
{36} في المنزلة الأولى تكون كلمة القافية العنصر الأساس الآخر الذي يكمل العنصر الأساس الأول من الجملة، أو العكس متى قدم الشاعر وأخّر. إنها المنزلة التي جعلها المرزوقي من عمود الشعر ووصفها بشدة اقتضاء اللفظ والمعنى للقافية ثم جعل معيارها "أن تكون كالموعود به المنتظر يتشوفها المعنى بحقه واللفظ بقسطه " 78 ، ونصح للشعراء غيره من النقاد، ألا يدخلوا بيتا لا يعرفون قافيته 79 ، فصار الشعراء يصعدون بالبيت وجملته من أولهما إلى تاج رأسيهما وقنة جبليهما (القافية وكلمتها)، ليعلقوا الأعجاز بالصدور 80 ، حتى فخر منهم الفاخر بحيازة قصيدته تلك المنزلة الأولى قائلا:
"خذها إذا أنشدت للقوم من طرب صدورها علمت منها قوافيها" 81
لقد بين الجدول الثالث حصول هذه المنزلة، للنوع الخامس من كلمة القافية (فاعل أو اسم نائبه) بنسبة (4.51%)، وللنوع السادس (اسم خبر مبتدأ أو ناسخ) بنسبة (3.72%)، وللنوع السابع (مبتدأ أو اسم ناسخ مؤخر) بنسبة (1.70%).
مثال ذلك قول الستالي:
" شـرف الأزد اليمانون به وتمنت أنها منه مضر…
أنت بالألسن محمود وفي كل قطر من أياديك أثر" 82
لقد شغل العجز في كل منهما بما عطفه على الصدر، ثم شد آخر العجز إلى أوله بجعل كلمة القافية أحد أساسي جملتها، (فمضر) فاعل (تمنى)، الذي قدَّم عليه المفعول به، و(أثر) مبتدأ الخبر شبه الجملة (في كل) الذي أخره عنه.
إنها منزلة عزيزة، تظهر بها مُنّة الشاعر وقدرته واستطالته وشجاعته؛ فأما منته وقدرته فبكبحه جماح بيته وجملته المتصارعين بين يديه، بحيث وافق تمام هذه تمام ذاك، وأما استطالته وشجاعته فباستعماله التقديم والتأخير مطمئنا إلى فهم المعني 83 .
وينبغي هنا ذكر قول ابن رشيق: "من الشعراء من يضع كل لفظة موضعها لا يعدوه، فيكون كلامه ظاهرا غير مشكل، سهلا غير متكلف، ومنهم من يقدم ويؤخر: إما لضرورة وزن، أو قافية وهو أعذر، وإما ليدل على أنه يعلم تصريف الكلام، ويقدر على تعقيده، وهذا هو العي بعينه، وكذلك استعمال الغرائب والشذوذ التي يقل مثلها في الكلام... ورأيت من علماء بلدنا من لا يحكم للشاعر بالتقدم، ولا يقضي له بالعلم، إلا أن يكون في شعره التقديم والتأخير، وأنا أستثقل ذلك من جهة ما قدمت، وأكثر ما تجده في أشعار النحويين" 84 .
لقد أثبت ابن رشيق دلالة استعمال الشاعر التقديم والتأخير على استطالته وشجاعته، من حيث أراد أن ينفيها، ثم ذهب يخوض في الشاذ ظانا أنه يعينه على النفي، وليس يمتنع أن يكون ذو التقديم والتأخير، سهلا غير متكلف ولا شاذ، ومثال الستالي مثاله.
{37} في المنزلة الثانية تكون كلمة القافية العنصر الفرع الذي يتعلق بأساس أو بفرع آخر من جملته. إن الجملة تنتهي قبل أن تأتي القافية كمالة البيت، فيضطر الشاعر إلى أن يحتال ليزيد الكلمة التي تؤدي القافية وتزيد معنى الجملة نوعا من الزيادة، كأن تخصصه أو تعممه أو تغمضه أو توضحه أو تبالغ فيه نوعا من المبالغة، فإذا نجح كان عمله هذا من "الإيغال" الذي وصفه التبريزي بأنه يزيد تجويد البيت 85 ، وجعله ابن رشيق ضربا من المبالغة "إلا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها، والحاتمي وأصحابه يسمونه التبليغ، وهو تفعيل من بلوغ الغاية، وذلك يشهد بصحة ما قلته" 86 ، ثم روى عن الأصمعي قبل ذلك بزمان، قوله في نعوت أشعر الناس: إنه الذي "ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى… نحو ذي الرمة بقوله :
قف العيس في أطلال مية واسأل رسوما كأخلاق الرداء المسلسل
فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية (المسلسل) فزاد شيئا، وقوله:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها دموعا كتبديد الجمـان المفـصل
فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال (المفصل) فزاد شيئا أيضا " 87 .
أراد (باحتاج إليها) رغبته في أن يشتمل عليها الكلام المنقضي، ومحاولته ذلك. والمُسَلْسَل الرديء النسج، والمُفَصَّل المفرق، وفي الزيادة الأولى مبالغة في وصف ديار الحبيبة بالبلى، وفي الزيادة الثانية تدقيق في تشبيه الدموع بالجمان.
والإيغال قديم ليس من اختلاف في أن امرأ القيس أول من نهجه 88 .
وإذا فشل الشاعر كان عمله ذلك من "الاستدعاء" الذي جعل له ابن رشيق بابا قال في أوله: "هو ألا يكون للقافية فائدة إلا كونها قافية فقط فتخلو حينئذ من المعنى … وما أعجب السيد الحميري في قوله:
أقسم بالفجر وبالعشر والشفع والوتر ورب لقمان…
محمد وابن أبي طالب والـوتر رب العـزة البـاني…
فانظر إلى قوله (رب لقمان) ما أكثر قلقه وأشد ركاكته!!! وأما قوله (الباني) فقد خرج فيه من حد اللين والبرد، وتجاوز فيه الغاية في ثقل الروح، والله حسبه " 89 . فرب لقمان رب كل شيء ومليكه، الباني والهادم، وليس في إضافة هذا أو ذاك من فائدة، بل نقص يفسد ما ربما استقام له قبله، فتستحق كلمة القافية أن تكون كما وصفها المرزوقي "قلقة في مقرها، مجتلبة لمستغن عنها" 90 .
في الإيغال إذن زيادة كمال السابق، وفي الاستدعاء زيادة نقصه، في الأول نجاح الشاعر، وفي الآخر فشله، وهما وجها منزلة واحدة بين الجدول الثالث حصولها للنوع الأول (اسم مجرور بالمضاف أو بالحرف) بنسبة (35.12%)، وللنوع الثالث (اسم تابع اسم) بنسبة (23.94%)، وللنوع الرابع (اسم مفعولٌ أو نائبه) بنسبة (4.94%)، وللنوع الثامن (اسم حال أو تمييز نسبة) بنسبة (0.59%).
مثال ذلك قول الحبسي:
"خليفة الهادي النبي الذي هدى ذوي الإسلام طرق الرشـاد
ملك زرى عدلا بكسرى وفي الملك زرى ملكا بملك ابن عاد
من مثل سلطان إمامٌ فتى مجاهــد في الله حـق الــجهاد
مهذب الطبـع حليـف الـذكا مغني البرايا خيره المستفاد
عــدل كريم مستقيم له مـكارم لم يحصـها ذو فـؤاد
حفت به أسد بني يعرب كالأسد فوق الصـافنات الجيـاد...
وليـدم الحـاسـد في ذلـة قريـنه الغـم وداء الكُـباد…
يا بلدة الحزم اشكري ذا العلا شكرا على نيل المنى والمراد" 91 .
لقد دخل بكلمة القافية في الأبيات الأول والثاني والثالث والخامس والسابع، من باب (اسم مجرور بالمضاف)، فنجح في الأولى والثانية والثالثة والخامسة وأوغل، حتى إننا لنتوقعها ، وفشل في السابعة واستدعى، حتى إننا لنرى الحاسد محظوظاً (بالكباد) وجع المعدة الهين لكثرة شرب الماء!
ودخل بكلمة القافية في الأبيات الرابع والسادس والثامن، من باب (اسم تابع اسم)، فنجح في الرابعة والسادسة وأوغل، حتى إننا لنتوقعهما، وفشل في الثامنة واستدعى، حتى إنه ليخيِّل أن المنى غير مرادة!
إنها المنزلة المسيطرة الطاغية التي ترفع وتخفض، فتدهش بهذا وذاك جميعا متلقي الشعر.
{38} في المنزلة الثالثة تكون كلمة القافية العنصر الأساس الأول في جملة جديدة، على أن يكون العنصر الأساس الآخر منها، في البيت التالي، وهذا هو "التضمين".
لقد كان القدماء يستحسنون أن تخرج أبيات القصيدة الواحدة، مخرج الأمثال السائرة، تامة المبنى والمعنى، غير مفتقر بيت منها إلى غيره، وكأنه قصيدة وحده 92 ، ويستحسنون مع ذلك أن تكون القصيدة كلها كالكلمة الواحدة "تقتضي كل كلمة ما بعدها، ويكون ما بعدها متعلقا بها مفتقرا إليها " 93 ، دون أن يكون بين الاستحسانين من تناقض- على رغم ما يجوز من اختلاف الأذواق - إذ المقصود أن يكون البيت كاللبنة في الجدار، لها شأنها الذي نستطيع أن نتحدث عنه ونعامله، وللجدار في الوقت نفسه شأنه الحاصل من اجتماع اللبنات بعضها إلى بعض وارتباطها 94 . لهذا كان عيبهم أن يشتد افتقار بناء البيت النحوي إلى ما في البيت التالي له، بحيث ينقض استقلاله، ويصير كأنه كائن ضمنه 95 .
ولم تحصل هذه المنزلة- فيما بين الجدول الثالث- إلا للنوع الحادي عشر ( مبتدأ مضمن الخبر) بنسبة (0.04%).
مثال ذلك قول الصقلاوي:
"واصل طريقك فالشرف
أن تبق حلما لا يـجف" 96
لقد شد البيت الأول إلى البيت الثاني، بجعله كلمة قافية الأول (الشرف)، مبتدأ خبره المصدر المؤول الذي في الثاني، فمنع كلا من البيتين من أن ينفرد بشأنه عن الآخر. وهي منزلة عارضة نادرة.
{39} في المنزلة الرابعة تكون كلمة القافية، العنصر الأساس الأول من الجملة، على أن يكون مستغنيا عن ذكر العنصر الأساس الآخر، باستتاره فيه أو حذفه بعده، أو تكون كلمة القافية فرعا متعلقا بالأساسين المحذوفين بعده.
إنها لمنزلة قريبة الشبه بالمنزلة الأولى، تكاد تظهر مُنَّة الشاعر وقدرته مثلما أظهرتهما، غير أنها أشد منها إظهارا لاستطالته وشجاعته. فأما منته وقدرته فبإنشائه جملة جديدة كاملة المبنى والمعنى في المأزق الضنك، حين تكون كلمة القافية أساسا أول استتر فيه الآخر، وأما شدة استطالته وشجاعته، فبإنشائه جملة جديدة كاملة المعنى دون المبنى، في المأزق الضنك نفسه، حين تكون كلمة القافية أساسا أول انحذف بعده الآخر، أو فرعا انحذف بعده الأساسان جميعا" 97 .
لقد بين الجدول الثالث حصول هذه المنزلة للنوع الثاني (فعل مستتر الفاعل) بنسبة (24.74%)، وللنوع التاسع (مبتدأ أو اسم ناسخ محذوف الخبر) بنسبة (0.50%)، وللنوع العاشر (حرف معنى محذوف المدخول الجملة) بنسبة (0.13%).
مثال ذلك قول البهلاني في إحدى مقصورتيه:
"وفي الصبا معتبة وزاجر فكيف بالشيـب إذا العود انحنى…
ما سرني من الثراء وفره إن كـان بين اللـؤم والحرص نما
إذا نفته هكـذا وهـكذا صنـائع في أهـلها فقد زكـا…
إلى متى ُنهْرَع في أذنابهم لا ملتـجى لا منتـهى لا منتـحى…
يسومنا الخسف خسيس ناقص لادين لا حكمة لا فضل ولا " 98 .
لقد أنشأ بكلمة القافية وحدها جملة كاملة المبنى والمعنى في الأبيات الأول والثاني والثالث، من فعل ماض استتر فيه فاعله الذي يعود إلى العود في الأول، والى الثراء في الثاني والثالث، فيربط هذه الجملة الصغيرة بالجملة الكبيرة المستولية على البيت، وأنشأ جملة كاملة المعنى دون المبنى في البيتين الرابع والخامس ؛ إذ حذف منها آخر أساسيها في الرابع، وأساسيها جميعا في الخامس، اعتمادا على دلالة السياق، وربَطها بما قبلها بالعاطف المذكور في الخامس، والمحذوف في الرابع. لقد بلغ من شجاعته أن يقول: "ولا"، تاركا لنا أن نقدر المحذوف بالمذكور، مطمئنا إلى فهمنا ما لم يقله ، وهو السحر الذي رآه في الحذف شيخنا الجرجاني، ولم يبالغ 99 ، إذ يُخَيِّل الحاذف بكون كلامه مفهوما رغم حذف بعضه أو أكثره، أنه قد أكمله ولم يحذف منه شيئا، كما خيل الساحر للناس أن الحبل الجماد (المحذوف الروح)، حية تسعى !
{40} إن المنزلة الأولى (إكمال نقص السابق)، مقياس عادل لإحكام الشعراء شعرهم، وإن المنزلة الثانية (زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه)، مقياس عادل لمجاهدة الشعراء في شعرهم، وإن المنزلة الثالثة (إضافة بعض اللاحق)، مقياس عادل لإغراب الشعراء بشعرهم، وإن المنزلة الرابعة الأخيرة (إضافة كل اللاحق)، مقياس عادل لشجاعة الشعراء في شعرهم، فإذا كنت قد خضعت في الحديث عن تلك المنازل في الشعر العماني، لذلك الترتيب المنطقي، فالآن أستطيع أن أرتبها ترتيبا استعماليا، على النحو التالي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (64.64%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (25.36%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (9.94%).
الرابعة: إضافة بعض اللاحق، بنسبة (0.04%).
وبيِّن جليّ غلبة المجاهدة على شعراء عُمان، والحق أنها حال الشاعر أبدا، أن يجاهد ثم أن يخفي المجاهدة، منذ قال سُوَيد بن كُراعَ العُكْليّ:
"أبيت بأبواب القوافي كأنما أُصادي بها سربا من الوحش نُزَّعا
أكالئها حتى أعرِّس بعدما يكون سُحَيرا أو بعيـد فاهجـعا" 100 .
ثم تأتي الشجاعة بعد المجاهدة عندهم، ثم الإحكام، ثم الإغراب، ولا أستطيع أن أفتي في هذا حتى أصنع بالشعر في سائر بلاد العرب مثلما صنعت بالشعر العماني، غير أنني أستطيع أن أقارن الشعر العماني بعضه ببعض فيما يلي .
خاتمة
ثاني عشر: كلمة القافية المقيدة على الخصوص
{41} بين الجدول الثالث نسبة كل نوع من أنواع كلمة القافية في شعر كل شاعر من شعراء البحث، حتى إنه لييسر ترتيب منازلها في شعر كل منهم ترتيبا استعماليا على النحو التالي:
• أولا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر الستالي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (80.87%).
الثانية: إكمال نقص السابق، بنسبة (10.92%).
الثالثة: إضافة كل اللاحق، بنسبة (8.19%).
• ثانيا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر الحبسي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (67.59%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (22.58%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (9.81%).
• ثالثا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر البهلاني:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (60.62%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (29.37%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (10%).
• رابعا: منازل كلمة القافية المقيدة في شعر الصقلاوي:
الأولى: زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه، بنسبة (68.36%).
الثانية: إضافة كل اللاحق، بنسبة (22.44%).
الثالثة: إكمال نقص السابق، بنسبة (8.16%).
الرابعة: إضافة بعض اللاحق، بنسبة (1.02%).
لقد صحت غلبة المجاهدة على شعراء عمان جميعا، غير أن أوجها كان قديما في زمان الستالي، ثم قلت بعده كثيرا، وصحت ندرة الإغراب في الشعر العماني جميعه، وانحصر في شعر الصقلاوي المعاصر، ثم اختلف الأمر فيما سواهما؛ فظهر أن عناية شعراء عُمان بإحكام شعرهم بلغت أوجها قديما في زمان الستالي حتى تقدمت الشجاعةَ، ثم صارت تقل بعد ذلك، ولا ذكر للفارق (0.19%) بين الحبسي والبهلاني، وظهر أن شجاعة شعراء عُمان في شعرهم بلغت أوجها حديثا، إذ كانت قديما في زمان الستالي، أقل ما كانت، ثم صارت تكثر بعد ذلك حتى بلغت ذروتها عند البهلاني لتقل قليلا عند الصقلاوي غير أنها بقيت أكثر منها عند الستالي الذي شغلته المجاهدة عن الشجاعة .