أ.د. محمد جمال صقر
11-09-2012, 03:02 PM
الْمَنْظوماتُ النَّحْويَّةُ الْعُمانيَّةُ
بَيْنَ المنْظوماتِ النَّحْويَّةِ العَرَبيَّة
تَأْريخٌ وَنَقْدٌ
مُقَدِّمَةٌ
[1] كأني بي تلميذًا بالصف الخامس الابتدائي ، أُعَلِّقُ عينيَّ بيديْ أستاذي القدير محمد عثمان ، يحركها كفعل قادة الفرق الموسيقية ، وأذنيَّ بصوته ، يغني قوله الذي لم أكن أعرف أنه لا يتخرج في علم عروض الشعر العربي ، وأنه إنما انتفع بخصائص الموسيقا ( الغناء ) :
" اَلْمُثَنّى يُرْفَعُ بِالْأَلِفْ
وَيُنْصَبُ وَيُجَرُّ بِالْياااءْ " !
مادًّا ألف " الياء " ، حتى يَقَرَّ لها قَرارٌ يُرضيه !
ثم يدعونا إلى مشاركته ؛ فيضج الفصل جدا ولهوا ، وانتظاما وانتثارا ، وطربا وعبثا ، ولكنه يسكن إلى نقش ذلك في سويداء قلبه !
لا ريب لدي الآن ، في أن أستاذنا القدير في ذلك الزمان العزيز ، كان حريصا على تثبيت ذلك الباب النحوي في عقولنا ، بوَصْلنا بحركة الإيقاع بحيث تنتقل إلينا ، على الوجه نفسه الذي يكون في طرفي علاقة الاتصال الموسيقي أو علاقة الاتصال الشعري 1 .
ولكن لا ريب لدي أيضا ، في أنه كان طروبا ، استخفَّتْهُ آنئذ ، نشوة أذهلته عما حوله ؛ فأقبل يغني عبارته التعليمية .
لقد اتصل فيه ينبوع العلم بينبوع الفن ، وكان معلما خبيرا حفيا ؛ فانتدب يَمَسُّنا ببعض ما وَجَد .
وعلى رغم سعي العالم والفنان الكبيرين كليهما ، إلى الحقيقة نفسها كثيرا ، لم نصادف نحن العرب ولا غيرنا ، من كان عالما كبيرا وفنانا كبيرا جميعا معا ، إلا في الزمان الطويل بعد الزمان الطويل ، لأن اصطناع العلم واصطناع الفن ، حالان مختلفتان ، لكل منهما لبوس ينبغي أن يلبسه لها صاحبها ، ولن يلبس أحدهما ، حتى ينضو الآخر 2 !
ولكننا لا نعدم أن نصادف نحن العرب وغيرنا ، من كان عالما أكبر منه فنانا ، أو فنانا أكبر منه عالما ؛ فنجده قد لبس لحالٍ ، لبوسَيِ الحالين جميعا معا ؛ فمزج علمه الكبير بفنه، أو فنه الكبير بعلمه . ولم يكن عمل أستاذنا السابق ذكره ، إلا مزاجا من علم اشتغل به وفن نزع إليه . وعلى رغم أنه لم يتخرج في علم العروض ، ينتسب إلى " الشّعْرِ التعْليميّ " ، الذي أنتج ظاهرة " نَظْمِ العُلومِ ".
[2] لقد كان من آثار مزج علماءِ العرب الشعراءِ ، الذين هم أكبر علما منهم فنا ، علم اللغة بفن الشعر منذ زمان الأمويين - نشأة نمط من الشعر ، تحتشد فيه مادة اللغة الصوتية والصرفية والمعجمية والنحوية ، المتروكة في الاستعمال أو الملتبسة ، وكأنها التُّحَفُ في المعارض - أعجبَ العلماء الذين يجمعون اللغة ، والأمراء الذين يجمعون الشعراء 3 ، وقدموا أصحابه ، حتى بلغ السيل الزبى ؛ فقدم عقبةُ بن سلم الأميرُ العباسيّ ، عقبة بن رؤبة بن العجاج ، على بشار بن برد ، الذي كان فنانا كبيرا شاعرا وعالما كبيرا لغويا ، يعرف لكل منهما موضعه ولبوسه ، ويأتيه العلماء إلى بيته ليأخذوا عنه ؛ فاحْتَفَزَ إلى أن غدا عليه بأرجوزته :
" يا طَلَلَ الْحَيِّ بِذاتِ الصَّمْدِ بِاللهِ خَبِّرْ كَيْفَ كُنْتَ بَعْدي " ،
التي تحرى فيها مزج فنه الكبير بعلمه الكبير ، ليدله على منزلته ؛ " فطرب عقبة بن سلم وأجزل صلته ، وقام عقبة بن رؤبة ، فخرج عن المجلس بخزي ، وهرب من تحت ليلته فلم يعد إليه " 4.
ثم تأصل هذا النمط حتى صار مضمارا تعليميا منظوما ، يوازي المضمار المنثور ، ويجري فيه العلماء المعلِّمون من حفظ أبواب مادة اللغة المختلفة نفسها ، على ما يناسب مراتب المتعلمين الثلاثة المشهورة : المبتدئين ، والشادين ، والمتخصصين ، ويسهّل عليهم حفظها وذكرها متى شاءوا 5.
ولقد انقطع بعض الباحثين ، لاستقراء المنظومات النحوية ، منذ القرن الهجري الثاني ، إلى الثالث عشر ، على أنها حلقة من تاريخ النحو 6 ، ولم يمنعه من ذلك طول زمان ، ولا إطلاق مكان ؛ فكان في عمله إخلال شديد بماضيها وحاضرها وبعيدها وقريبها ، ولا سيما في عمان التي تيسر لي أن أطلع على طرف من حياتها بها ؛ فرجوت أن أشاركه فيما صبا إليه ، بشيء من نقد عمله وتأريخ العمانيات ونقدها ، ولا سيما أنه اتخذ دعوتنا إلى المشاركة ، عِذرةً من التقصير .
ولما لم يكن بد من تمييزه هو وحده من غيره في أثناء نقده ، نسَبْته " بالمنظوميّ " ، إلى المنظومات التي درسها ، وجعلها في عنوان عمله .
ثم أقبلت أعرض بنقد عمله أولا ، للمنظومات النحوية العربية ، وبتأريخ العمانيات ونقدها ثانيا ، للمنظومات النحوية العمانية ، وبما اصطفيته منها آخرا ، لما يزيد العمل عمقا والقارئ نفعا .
بَيْنَ المنْظوماتِ النَّحْويَّةِ العَرَبيَّة
تَأْريخٌ وَنَقْدٌ
مُقَدِّمَةٌ
[1] كأني بي تلميذًا بالصف الخامس الابتدائي ، أُعَلِّقُ عينيَّ بيديْ أستاذي القدير محمد عثمان ، يحركها كفعل قادة الفرق الموسيقية ، وأذنيَّ بصوته ، يغني قوله الذي لم أكن أعرف أنه لا يتخرج في علم عروض الشعر العربي ، وأنه إنما انتفع بخصائص الموسيقا ( الغناء ) :
" اَلْمُثَنّى يُرْفَعُ بِالْأَلِفْ
وَيُنْصَبُ وَيُجَرُّ بِالْياااءْ " !
مادًّا ألف " الياء " ، حتى يَقَرَّ لها قَرارٌ يُرضيه !
ثم يدعونا إلى مشاركته ؛ فيضج الفصل جدا ولهوا ، وانتظاما وانتثارا ، وطربا وعبثا ، ولكنه يسكن إلى نقش ذلك في سويداء قلبه !
لا ريب لدي الآن ، في أن أستاذنا القدير في ذلك الزمان العزيز ، كان حريصا على تثبيت ذلك الباب النحوي في عقولنا ، بوَصْلنا بحركة الإيقاع بحيث تنتقل إلينا ، على الوجه نفسه الذي يكون في طرفي علاقة الاتصال الموسيقي أو علاقة الاتصال الشعري 1 .
ولكن لا ريب لدي أيضا ، في أنه كان طروبا ، استخفَّتْهُ آنئذ ، نشوة أذهلته عما حوله ؛ فأقبل يغني عبارته التعليمية .
لقد اتصل فيه ينبوع العلم بينبوع الفن ، وكان معلما خبيرا حفيا ؛ فانتدب يَمَسُّنا ببعض ما وَجَد .
وعلى رغم سعي العالم والفنان الكبيرين كليهما ، إلى الحقيقة نفسها كثيرا ، لم نصادف نحن العرب ولا غيرنا ، من كان عالما كبيرا وفنانا كبيرا جميعا معا ، إلا في الزمان الطويل بعد الزمان الطويل ، لأن اصطناع العلم واصطناع الفن ، حالان مختلفتان ، لكل منهما لبوس ينبغي أن يلبسه لها صاحبها ، ولن يلبس أحدهما ، حتى ينضو الآخر 2 !
ولكننا لا نعدم أن نصادف نحن العرب وغيرنا ، من كان عالما أكبر منه فنانا ، أو فنانا أكبر منه عالما ؛ فنجده قد لبس لحالٍ ، لبوسَيِ الحالين جميعا معا ؛ فمزج علمه الكبير بفنه، أو فنه الكبير بعلمه . ولم يكن عمل أستاذنا السابق ذكره ، إلا مزاجا من علم اشتغل به وفن نزع إليه . وعلى رغم أنه لم يتخرج في علم العروض ، ينتسب إلى " الشّعْرِ التعْليميّ " ، الذي أنتج ظاهرة " نَظْمِ العُلومِ ".
[2] لقد كان من آثار مزج علماءِ العرب الشعراءِ ، الذين هم أكبر علما منهم فنا ، علم اللغة بفن الشعر منذ زمان الأمويين - نشأة نمط من الشعر ، تحتشد فيه مادة اللغة الصوتية والصرفية والمعجمية والنحوية ، المتروكة في الاستعمال أو الملتبسة ، وكأنها التُّحَفُ في المعارض - أعجبَ العلماء الذين يجمعون اللغة ، والأمراء الذين يجمعون الشعراء 3 ، وقدموا أصحابه ، حتى بلغ السيل الزبى ؛ فقدم عقبةُ بن سلم الأميرُ العباسيّ ، عقبة بن رؤبة بن العجاج ، على بشار بن برد ، الذي كان فنانا كبيرا شاعرا وعالما كبيرا لغويا ، يعرف لكل منهما موضعه ولبوسه ، ويأتيه العلماء إلى بيته ليأخذوا عنه ؛ فاحْتَفَزَ إلى أن غدا عليه بأرجوزته :
" يا طَلَلَ الْحَيِّ بِذاتِ الصَّمْدِ بِاللهِ خَبِّرْ كَيْفَ كُنْتَ بَعْدي " ،
التي تحرى فيها مزج فنه الكبير بعلمه الكبير ، ليدله على منزلته ؛ " فطرب عقبة بن سلم وأجزل صلته ، وقام عقبة بن رؤبة ، فخرج عن المجلس بخزي ، وهرب من تحت ليلته فلم يعد إليه " 4.
ثم تأصل هذا النمط حتى صار مضمارا تعليميا منظوما ، يوازي المضمار المنثور ، ويجري فيه العلماء المعلِّمون من حفظ أبواب مادة اللغة المختلفة نفسها ، على ما يناسب مراتب المتعلمين الثلاثة المشهورة : المبتدئين ، والشادين ، والمتخصصين ، ويسهّل عليهم حفظها وذكرها متى شاءوا 5.
ولقد انقطع بعض الباحثين ، لاستقراء المنظومات النحوية ، منذ القرن الهجري الثاني ، إلى الثالث عشر ، على أنها حلقة من تاريخ النحو 6 ، ولم يمنعه من ذلك طول زمان ، ولا إطلاق مكان ؛ فكان في عمله إخلال شديد بماضيها وحاضرها وبعيدها وقريبها ، ولا سيما في عمان التي تيسر لي أن أطلع على طرف من حياتها بها ؛ فرجوت أن أشاركه فيما صبا إليه ، بشيء من نقد عمله وتأريخ العمانيات ونقدها ، ولا سيما أنه اتخذ دعوتنا إلى المشاركة ، عِذرةً من التقصير .
ولما لم يكن بد من تمييزه هو وحده من غيره في أثناء نقده ، نسَبْته " بالمنظوميّ " ، إلى المنظومات التي درسها ، وجعلها في عنوان عمله .
ثم أقبلت أعرض بنقد عمله أولا ، للمنظومات النحوية العربية ، وبتأريخ العمانيات ونقدها ثانيا ، للمنظومات النحوية العمانية ، وبما اصطفيته منها آخرا ، لما يزيد العمل عمقا والقارئ نفعا .