تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : الْمَنْظوماتُ النَّحْويَّةُ الْعُمانيَّةُ=2


أ.د. محمد جمال صقر
11-09-2012, 03:03 PM
الْمَنْظوماتُ النَّحْويَّةُ الْعَرَبيَّةُ
[3] لم يشر المنظوميُّ ، إلى قول بعض الباحثين الذين رجع إليهم واعتمد عليهم : " موضوع ( المنظومات النحوية : تاريخها وأهميتها العلمية ) ، محور لبحث ما زلت أجمع خيوطه وأعمل فيه ، ولم أنته منه بعد " 7 ، الذي يشهد بالسبق ، ويقتضي الإشارة ، وإن لم ينته من بحثه المذكور إلى الآن !
[4] واستعمل المنظوميُّ ، كلمة " منظومة " ، مصطلحا على مجموعة الأبيات المنظومة في أبواب الصرف والنحو ، لا كلمة " قصيدة " ، وفيه مراعاة لخروج المنظومات عن شرط الشعر 8 ، على رغم استعمال القدماء لها 9- ولا كلمة " أرجوزة " ، لخروجها كما سيأتي ، عن بحر الرجز أحيانا ، ولا كلمة " ألفية " ، لخروجها عن شرط العدد 10 ، ولا كلمات " ميمية أو لامية أو ... " ، لخروجها عن الروي الواحد11 - ولا كلمة " نحوية " ، لخروجها عن احتمال النثر 12 .
ولا بأس بما استعمل ، ولا سيما أنْ قد استعمله أبو العلاء المعري لمثل هذا التعميم ، في أثناء ضبطه لأجزاء قافية كل كلام موزون 13 ، على أن يذكر أنه صار من الأعراف العمانية ؛ فهذا السالمي الحبر العماني الشهير ، يقول في أرجوزته الواقعة في ثمانية وعشرين ومئتي 228 بيت : " هذه منظومة في تفصيل الجمل " 14 .
[5] وجانب المنظوميُّ جادةَ الصواب في تخريجه لبعض المنظومات ، في علم العروض .
لقد جعل مثل هذا المقدار :
" الْحَمْدُ للهِ الَّذي تَعالى وَاسْتَخْلَصَ الْعِزَّةَ وَالْجَلالا " ،
من منظومة الحريري " ملحة الإعراب " ، وهو مطلعها ، ومثله غيره - بيتا من الرجز المشطور المزدوج 15 ، ومقتضى المشْطوريَّة أن يكون بيتين ، كما قال الصبان في ألفية ابن مالك : " علـى أنها من كامله ( كامل الرجز ) ، يكون مثلا :
( قالَ مُـحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مالِكِ أَحْمَدُ رَبـّي اللهَ خَيْرَ مالكِ )
بـيتًا مصرعًا (...) وعلـى أنها من مشطوره ، يكون مثلًا :
( قال مـحمد هو ابن مالك ) بـيتاً، و( أحمد ربـي الله خير مالك ) بـيتا " 16 .
وربما أراد المنظوميُّ بكلمة " المشطور ، كلمة " المُشَطَّر " ، دلالة على بناء المنظومة على تنسيق شطري الرجز ، فالتبستا عليه ، ولو قد ذكرها لأصاب .
وجعل منظومة الخليلي التي مطلعها :
" للهِ ذي الْعِزِّ الَّذي رَفَعَ الْعلا فَاحْمَدْ وَصَلِّ عَلى النَّبيِّ وَمَنْ تَلا " ،
أرجوزة 17 ، وهي كاملية ظاهرة ( بمتفاعلن ) السالمة في هذا المطلع نفسه ، ثالثًا وخامسًا وسادسًا ، وكأنه تعجل فاكتفى بالأوليين اللتين على (مستفعلن) ، ولو تأمل لذكر أن (مستفعلن) نفسها في الرجز ، كثيرة التغير 18 .
وجعل منظومة ابن معط التي مطلعها :
" يَقولُ راجي رَبِّهِ الْغَفورِ يَحْيى بْنُ مُعْطٍ بْنِ عَبْدِ النّورِ (...)
وَبَعْدُ فَالْعِلْمُ جَليلُ الْقَدْرِ وَفي قَليلِهِ نَفادُ الْعُمْرِ (...)
وَذا حَدا إِخْوانَ صِدْقٍ لي عَلى أَنِ اقْتَضَوْا مِنّي لَهُمْ أَنْ أَجْعَلا
أُرْجوزَةً وَجيزَةً في النَّحْوِ عِدَّتُها أَلْفٌ بِغَيْرِ حَشْوِ (...)
لا سيَّما مَشْطورُ بَحْرِ الرَّجَزِ إِذا بُني عَلى ازْدِواجٍ موجَزِ "
- من بحري الرجز والسريع جميعا معا 19 ، آخذا دون تصريح بقول الصبان في بيان قول ابن مالك " فائقة ألفية ابن معط " : " أي عالية في الشرف . وإنما فاقتها لأنها من بحر واحد ، وألفية ابن معطي من بحرين ؛ فإن بعضها من السريع وبعضها من الرجز ، ولأنها أكثر أحكاما من ألفية ابن معطي " 20 ، وكأنه لا يجيز ( مستفعلْ ) المقطوعة ، أو ( متفعلْ ) المخبونة المقطوعة ، في أعاريض الرجز وضروبه ، مع ( مستفعلن ) السالمة ، و( مستعلن ) المطوية . وفي ذلك إهمال عجيب لقول ابن معط نفسه ، السابق الذي بين يديه ، وقول بعض من عول عليهم من العروضيين : " اتفقوا على جواز استعمال القطع مع التمام في ضرب الأرجوزة المشطورة ، إجراء للعلة مجرى الزحاف ، لقول امرأة من جديس :
لا أَحَدٌ أَذَلُّ مِـــنْ جَديسِ أَهـــكَذا يُفْعَــلُ بِالْعَروسِ
يَرضى بِهذا يا لَقَوْمي حُـرُّ أَهْدى وَقَدْ أَعْطى وَسيقَ الْمَهْرُ
لَخَوْضُهُ بَحْرَ الرَّدى بِنَفْسِهِ خَيْرٌ مِنَ انْ يُفْعَلَ ذا بِعِرْسِهِ " 21 .
[6] أراد المنظوميّ بالنحو الذي جعله هَمَّهُ ونعتًا للمنظومات في عنوان عمله ، أحكام صياغة الكلم والجمل جميعا معا ، أي مفهومه القديم الواقع في كلام ابن جني 22 ، المستمر في كلام ابن عصفور 23، ثم في كلام بعض شراح ألفية ابن مالك 24 ، ثم لم يتجاوز في نقد ما وقع له من منظومات ، عناوين موضوعاتها وشيئا من أبياتها وشيئا من ترجمات أصحابها .
ولئن كان ذكر في مقدمته ، أنه يولي ألفية ابن مالك " عناية خاصة ، لما لناظمها من حرص واضح على نظم علوم العربية والقراءات في عدة قصائد وأراجيز " 25 ، لقد اكتفى بشيء من تعريفها ، وشيء من أسباب وفرة شروحها ، وأفاض في تعديد شُرّاحها والتعليق بشيء من ترجماتهم 26 .
لقد كان ينبغي له ألا يضيع ما عكف عليه ، ولا من عكف له ؛ فينقدها جميعا تبويبا وترتيبا ومحتوى ومستوى ، كما تنقد كتب النحو التعليمي ، ويصنفها على حسب ما يؤديه نقدها 27 ، ويختصها بشيء من نقد الشعر الذي نزع إليه أصحابها .
ولكنه آثر السلامة ؛ فصنفها بأعداد أبياتها ، إلى منظومات غير ألفية ( دون الألف بيت ) ، ومنظومات ألفية ( قرابة الألف بيت ) ، وكأنه أمن أثر العدد في تمييزها ، من حيث تعلقه باجتهاد الناظم في نظم أكثر مسائل العلم ، و لو طلب الناظم كثرة الأبيات لوجدها فيما لا طائل وراءه ، ولو طلب استقصاء المسائل لجاءه الطول عفوا .
وعلى رغم ذلك وقع له في القسم الأول بعض ما ينتمي إلى الآخر ، مثل منظومة اليشكري التي نَيَّفت على ألفي 2000بيت 28 ، وجانبه الصواب في عد أبيات بعض المنظومات ، مثل ذكره لمنظومة الحريري ، على أنها خمسة وسبعون وثلاثمئة 375 بيت 29 ، بزيادة بيت 30 ، ولمنظومة الشبراوي ، على أنها خمسون 50 بيتا 31 ، بنقص ثلاثة أبيات 32 .
[7] ذكر المنظوميُّ في عنوان عمله ، أن المنظومات " حلقة من تاريخ النحو " ، وكأنها ظاهرة كانت في القرن الهجري الثاني ، ثم زالت في القرن الهجري الثالث عشر ( مجال عمله ) ، على رغم طول مدة الاثني عشر قرنا عن أن تسمى " حلقة " ، وعلى رغم أنه ذَهَلَ عن منظومة البنّاني (ت1340هـ) ، بعد زمان من حدِّ منتهى بحثه ؛ فذكرها أخيرا 33 ، وكأنه رجح أن يكون نظمها قبل أكثر من أربعين سنة من وفاته !
ولو قد اطلع على ما اطلعت عليه من مادة عمانية مستمرة إلى يومنا هذا ، لجعل المنظومات " وجها " من تاريخ النحو . ولكن كيف ، وهي وجه كئيب ينبغي أن يكسف !
لقد كانت المنظومات لديه ، متونًا منظومة ، أسوأ أثرا من المتون المنثورة ؛ إذ النثر أقدر على " عرض القواعد وشرحها وتوضيحها ، من النظم وقيوده وضروراته " 34 - نشأت لملاءمة مراتب المتعلمين النظاميين العاجزين عن مراجعة المصادر الكبيرة ؛ فمَكَّنَتْ لأسلوب التلقين ، وزادت العلوم بشدة إيجازها غموضا ، واضطرت أصحابها أو تلامذتهم أو خلفهم ، إلى شرحها ، ثم أخنى عليها الدهر بعد ذهاب أصحابها ؛ فذمها ابن خلدون بالفساد والإخلال 35 .
ولقد ينبغي أولا أن نميز في ذم ابن خلدون ، بين المتون إذ تلقى على المبتدئين ، وبينها إذ تلقى على المتخصصين ؛ فهو " إنما كان يعني أنها قد تكون غير ملائمة للمبتدئين الذين لم يستعدوا بعدُ لقبولها ، فيصعب فهمها عليهم ، فينصرفون من أول الأمر عن العلم الذي هم في حاجة إليه " 36 .
ثم ينبغي ثانيا أن يراعي صدورها عن نزوع العالِم الفني ، الذي يعوقه استيلاء علمه وتعليمه عليه ، عن أن يسلك إلى تلبيته مسالكه المعروفة عند الفنانين المنقطعين لفنهم - فيتأمل " ما يدل على براعة المصنف وتمكنه من علمه وقدرته على الصياغة المنظومة " 37 .
[8] لم يُحْكِم المنظوميُّ ضبْطَ ترتيب المنظومات التاريخيِّ بوفاة ناظمها ، الذي نص على اتباعه 38 ؛ فترك بعضها يتقدم على بعض أو يتأخر ، كما في تقدم منظومة الحيدرة اليمني (ت599هـ)، على منظومة ابن الدهان (ت569هـ) 39 ، ومنظومة الشبراوي (ت1091هـ) ، على منظومة ابن الجمال (ت1072هـ) 40 .
[9] استثنى المنظوميُّ من المنظومات ( المتون المنظومة ) الجديرة بنظر بحثه ، ما كان تلخيصا لغيره من المتون ( المنثورة ) ، من حيث كان محمولا على عمل أصحاب هذه المتون ، غير خالص لأصحاب المنظومات أنفسهم 41 .
ولا ريب في حصافة حصره لمادة بحثه ، فيما خلص للناظم أصلا وفصلا ؛ إذ هو أجدر بأن يدله على منهج مثل هذا النوع من المتون وأسلوبه ، غير أنه لم يقف عند ما اشترط على نفسه ؛ فنظر في " منظومة الرودكي " ، وما هي إلا نظم لكافية ابن الحاجب 42 ، وفي "منظومة ابن الوردي " ، وما هي إلا نظم للمحة أبي حيان 43 ، وفي " منظومة ابن اللبان " ، وفيها كثير من فوائد تسهيل ابن مالك ومقرب ابن عصفور 44 ، وفي " منظومة السيوطي " ، وهي تلخيص لألفية ابن مالك مع زيادة فوائد 45 !