أ.د. محمد جمال صقر
11-09-2012, 03:09 PM
[35] خرجت العمانية كما سبق مخرج المالكية ، من النمط المعمولي في نظم أبواب علم النحو ، أي الذي يسرد الأبواب على حسب حال الكلمة فيها رفعا ونصبا وجرا وجزما . ولا يشغب على هذا التصنيف أن قدمت العمانية عدة أبواب قبل المرفوعات ؛ فهو من الأعراف العامة الجارية على ما اسْتنَّ سيبويه 125 ، ولا أن قدمت المجزومات ؛ فهو عاقبة الاستطراد من علامات الأفعال ، ولا أن قدمت المجرورات ؛ فهو عاقبة الاستطراد من المجزومات ، " وينبغي أن نذكر أن أنماط التبويب التي ذكرناها ، قد تتداخل ، وقد ينفرط عقدها ، وتفلت خيوط نسجها من يدي المصنف ، ويضطر إلى الخروج عن الإطار العام الذي بدأ به " 126 .
[36] وعلى رغم خروج العمانية مخرج المالكية ، لم تطابق عناوين الأولى عناوين الأخرى ، إلا في هذه الأبواب العشرة : حروف الجر ، والإضافة ، وظن وأخواتها ، والاستثناء ، ولا التي لنفي الجنس ، والتعجب ، والنداء ، والترخيم ، والتصغير ، والعدد ، أي في 21% منها فقط ، ولم تكن هذه النسبة القليلة إلا نتيجة هذه الأربعة الأعمال :
تَطْوير التَّعْبير ؛ فربما راعى المُعَنْوِنُ آخرَ ما اصطلح عليه أهل العلم ، أو طَبيعةَ ما آثره الناظم ، أو ذوقه في تركيب دقائق التعبير ، كما في هذه العناوين الستة : المدغمات ، ونائب الفاعل ، والظرف ، الإغراء ، وباب النسب ، وباب ما لا ينصرف - بدلا من هذه العناوين الستة : الإدغام ، والنائب عن الفاعل ، والمفعول فيه ، والتحذير والإغراء ، والنسب ، وما لا ينصرف .
وجَمْع الأبواب ؛ فلا حيلة للمعنون عندئذ ، إلا أن يقصر العناوين المتعددة المختلفة ، على ما اجتمع في النظم ، كما في هذه العناوين الثلاثة : نواسخ المبتدأ ، والحال والتمييز ، وباب التوابع - بدلا من هذه العناوين العشرة : كان وأخواتها ، وأفعال المقاربة ، وإن وأخواتها ، والحال ، والتمييز ، والنعت ، والتوكيد ، والعطف ، وعطف النسق ، والبدل .
وفرْق الفصول ؛ فلا حيلة للمعنون عندئذ ، إلا أن يتجاوز العنوان الواحد إلى ما افترق في النظم ، كما في هذه العناوين الخمسة عشر : الكلام ، والاسم ، والفعل ، والحرف ، والأفعال الجامدة ، والمعرب والمبني من الأفعال (أ) الفعل الماضي ، و(ب) الأمر ، و المضارع ، ونواصب الفعل ، وأن المضمرة بعد أو ولام كي وحتى ولام الجحود ، وإضمار أن بعد الفاء ، والواو والفاء اللتان تكونان بعد تسعة أشياء ، وفصل ، وجوازم الفعل (أ) ما يجزم فعلا واحدا ، و(ب) ما يجزم فعلين ، والمبتدأ والخبر ، والخبر إذا كان جملة ، والخبر إذا كان جارا ومجرورا أو ظرفا ، ووجوب تقديم الخبر - بدلا من هذه العناوين الخمسة : الكلام وما يتألف منه ، والمعرب والمبني ، وإعراب الفعل ، وعوامل الجزم ، والابتداء .
واستدراك الفائت ؛ فلا حيلة للمعنون عندئذ ، إلا أن يستحدث العناوين للفصول المستدركة التي لم يجترئ الخروصي على إقحامها في خلال عمل الزاملي ، كما في هذين العنوانين : الأفعال المعروفة بالأمثلة الخمسة ، والمبنيات ، المستدركين على هذا العنوان : المعرب والمبني .
[37] وعلى رغم خروج العمانية مخرج المالكية ، انقسمت الأولى على ثمانية وأربعين 48 بابًا ، على حين انقسمت الأخرى على واحد وثمانين 81 . ولكن ربما كانت في تقارب متوسطي ما للباب الواحد في العمانية (عشرة 10 أبيات ) وما للباب الواحد في المالكية (اثني عشر 12 ) ، دلالة على تحري العمانية أن توجز المالكية إلى نصفها كما أوجزت هذه المالكية نفسها مالكية قبلها إلى ثلثها ، بهذين المظهرين :
الاقتِصار ؛ فمتأمل الجدولين يفتقد في العمانية أبوابا كثيرة مما في المالكية ، نحوية مثل : " النكرة والمعرفة " ، و" العلم " ، و" اسم الإشارة " ، و" الموصول " ، و" المعرف بأل " ، و" أفعال المقاربة " ، و" أعلم وأرى " ، و" تعدي الفعل ولزومه " ، و" التنازع في العمل " ... ، وصرفية مثل : " التأنيث " ، و" المقصور والممدود " ، و" كيفية تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا " ، و" وجمع التكسير " ، و" الوقف " ، والإمالة " ، و" الإبدال " ... .
ولئن استغنت العمانية عن أبواب " كالنكرة والمعرفة " بما أوردته في أبواب " كالاسم " ، لقد زهدت في أبواب كأبواب علم الصرف كلها إلا هذه الثلاثة : " المدغمات " كما سَمَّتْ ، و" التصغير " ، و" باب النسب " . أما إلمامها بالأول فاضطرتها إليه أحكام صياغة الكلام التي يعرض في خلالها عجب المتعلم من انفكاك الإدغام عند الإسناد وغيره من ظواهر تركيب الكلم ، ولا سيما أنها استطردت إلى رد الأصول 127 ، وهو ما لم تستطرد إليه المالكية 128 . وأما إلمامها بالثاني فمن شجون حديث الترخيم التي ربما مكنت له ، وأما إلمامها بالآخر فمن شجون حديث التصغير نفسه المكملة له .
والاخْتصار ؛ فمتأمل مفردات الأبواب يفتقد في العمانية وجوها كثيرة مما في المالكية ؛ فعلى حين عرضت المالكية في باب " الفاعل " رُكن الكلام الأكبر ، لحاله من حيث ارتفاعه ونوعه وعلاقته بالفعل وبالمفعول به ، في سبعة عشر 17 بيتا 129 ، قالت العمانية في باب " الفاعل والمفعول " هذين البيتين 264 ، 265 :
" الفاعِلَ ارْفَعْ وَمَفْعولًا بِهِ نَصَبوا كَاخْتارَ سَيِّدُنا دارَ الْجَلالِ عُلا
وَعَكْسُ ذا جا وَقَوْمٌ يَرْفَعونهما وَجاءَ نَصْبُهما في الْهَمْعِ قَدْ نُقِلا " 130 ؛
فاجتزأت بحاله من حيث الرفع الذي شذت به بعض لهجات العرب إلى النصب .
وعلى حين عرضت المالكية في باب " عطف النسق " لحروف العطف ووظائفها ومعانيها وأحوال معطوفاتها ، في خمسة وعشرين 25 بيتا ، قالت العمانية في باب " حروف العطف" هذا البيت 268 :
" لِلْعَطْفِ واوٌ وَفاء أَمْ أَوْ وَثُمَّ وَبَلْ حَتّى وَإِمّا وَلكِنْ إِذْ تُعَدُّ وَلا " 131 ،
فاجتزأت " بتعديدها . ولا يخفى ما في إضافة الهمزة إلى (فا) ، من خطأ مفسد لعروض البيت وحده كما سبق.
[38] ربما لم يُخل الباحثُ ذلك الإيجازَ ، من تُهَمَة الإخلال بأبواب العلم - وإن اعتذر لديه عن الزاملي الناظم الأول ، أن لم ينفض من المنظومة يده بحيث يجيز له أن ينقدها عليه - فلقد كان ينبغي للخروصي المكلف بإتمام عمل الزاملي ، أن يعالج ذلك الإيجاز . وهل أدل من قول أبيات الزاملي أخيرا :
" تَقولُ سُبْحانَ رَبّي لا شَريكَ لَهُ مَعاذَ رَبّيَ أَنْ أَبْغي بِهِ بَدَلا " 132 ،
الذي عنوانه " من حذف عامل المصدر وجوبا " - على انقطاعه قبل الغاية . ولكن الخروصي نفسه جرى على ذلك الإيجاز المخل !
لا ريب في أن مقتضى معالجة إخلال الإيجاز ، أن يقتحم الخروصي على الزاملي أبيات كل باب ، ومفاصل أبيات كل بابين ؛ فيضيف ما فيه التمام ، ولكن ثمّ مقتضًى آخر أشدَّ طلبا له ، في قوله :
" إِلى هُنا تَمَّ نَظْمُ الزّامِليِّ وَلَمْ يُكْمِلْهُ يا لَيْتَهُ مِنْ نَظْمِهِ كَمُلا (...)
إِلى هُنا تَمَّ ما حاوَلْتُ تَكْمِلَةً لِنَظْمِ شَيْخٍ تَسامى نَظْمُهُ وَعَلا " 133 .
ففي أول البيتين إشارة إلى رعايته للزاملي في نظمه ، التي لولاها ما تكلف ما لم يتكلفه ناظم قبله ، وفي آخرهما دعوة إلى تقدير عمله ، فهمَها الشارحُ ؛ فقال : " هذا من الشيخ سعيد ، حُسْنُ خُلقٍ ، وإلا فهو فوق ذلك علما وحلما وخلقا " 134 ؛ فأصاب الخروصي ما أراد .
ولو تأمل الباحث لربما عد ذلك الإيجاز من علامات نزوع العالمين الفنانين ؛ فإن العالم الخالي من النزوع إلى الفن ، يُقَدِّرُ أبواب علمه ويرتبها ويتناولها بابًا بابًا لا يدع شيئا منها يخدعه عما قدَّرَ له حتى يفرغ منها ، فأما العالم النازع إلى الفن ، فربما خدعه الباب ؛ فتعلق به لا يلوي على شيء ، ثم إن العالم النازع إلى الفن يصطاد الخواطر أشتاتا ، وربما لم يفرغ لتنسيقها والتأليف بينها على أعراف علمه بحيث تتسلسل في سبيل واحدة سالكة ؛ فهي أشبه بمنظومات الأبواب المنفردة التي سبق الكلام فيها من هذه الجهة . وعلى صدق ذلك هذه الثلاثة الأدلة :
تقديم أبواب وتأخير أخرى ؛ فلقد قدمت العمانية مثلا ، بابي " حروف الجر " و" الإضافة " ، استطرادا مما يخص الفعل إلى ما يخص الاسم ، وأخرت بابي " الفاعل والمفعول " و" المنصوبات " .
وسوء التخلص ؛ فلقد تسَوَّرَت العمانية باب " حروف العطف " مثلا ، من باب " المنصوبات " ، وباب " المدغمات " من باب " حروف العطف " ، دون تمهيد .
وعدم تعليم المنظومة ؛ فلا نعرف إلا أن الزاملي حث على كتابة ما صنعه وإكماله 135 ، وأن لم يرد الخروصي إلا إجابة النَّدْب وفي نفسه معنى المباراة ، وهما ومن بعدهما أعلم منا بمخرج منظومتهما عن نزوع فني ، لا نظام تعليمي .
[39] وبعد تلك الموازنة العامة ، أوازن بالعمانية المالكية موازنة خاصة ، من خلال مقتطعات منهما بينها توارد شديد .
ولم أجد بعد طول إبداء وإعادة ، أقرب مناسبة للمالكية ، من بابي العمانية : الابتداء والخبر ، والاستثناء 136 ، ولا سيما أن أولهما للزاملي وآخرهما للخروصي ؛ ففيهما نيابة عن العمانية وافية ، وتمييز بين عملي الناظمين عادل .
لقد اقتصرت من أوائل بابي المالكية ، على مثل عدديهما من العمانية 137 ، ثم وضعت ذلك كله متجاورا ، ووصلت أعداد كل مقتطعين إيجازا وتيسيرا ، على النحو التالي :
باب المبتدأ والخبر للزاملي من باب الابتداء لابن مالك
وَالْمُبْتَدا ارْفَعْهُ وَالْإِخْبارَ عَنْهُ فَقُلْ زَيْدٌ مُقيمٌ وَعَمْرٌو ذاهِبٌ خَجَلا
وَكَالْجُهَنْدَرُ ضَرْبٌ مِنْ تُمورِهِمُ وَالْقَضْبُ قَتٌّ وَنَحْوُ الشّيحُ نَبْتُ فَلا
وَمِعْدَةُ الْمَرْءِ بَيْتُ الدّا وَحِمْيَتُهُ رَأْسُ الشِّفاءِ فَحاذِرْ ضُرَّ ما أُكِلا
وَالزَّعْفَرانُ مُدِرُّ الْبَوْلِ قَدْ ذَكَروا وَالزَّنْجَبيلُ دَواءٌ لِلَّذي سَعَلا
وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشْرٌ عِنْدَ عالِمِنا وَالْقُرْءُ قالَ الْفَقيهُ الطُّهْرُ إِذْ سُئِلا
وَقُلْ صَلاةُ ذَوي الْأَحْداثِ فاسِدَةٌ وَالْبَيْعُ مُنْتَقِضٌ إِنْ كانَ قَدْ جُهِلا
وَالْخَمْرُ حِرْمٌ وَحِجُّ الْبَيْتِ مُفْتَرَضٌ وَالصَّمْتُ حُكْمٌ وَلكِنْ قَلَّ مَنْ فَعَلا
وَقُلْ زَكاتُكَ بُرْهانٌ وَصَبْرُكُمُ لَكُمْ ضِياءٌ فَخُذْ أَمْثالَنا جَلَلا
وَإِنْ بَحَثْتَ عَنِ الْأَوْضاعِ مُطَّلِبًا حَقِّقْ وَقُلْ وَضْعُهُمْ فَرْعُ الَّذي عُقِلا مُبْتَدَأٌ زَيْدٌ وَعاذِرٌ خَبَرْ إِنْ قُلْتَ زَيْدٌ عاذِرٌ مَنِ اعْتَذَرْ
وَأَوَّلٌ مُبْتَدَأٌ وَالْثّاني فاعِلٌ اغْنى فِـي أَسارٍ ذانِ
وَقِسْ وَكَاسْتِفْهامٍ النَّفْـيُ وَقَد ْيَـجوْزُ نَـحْوُ فائِزٌ أُولو الرَّشَدْ
وَالثّانِ مُبْتَدًا وَذا الْوَصْفُ خَبَرْإِنْ فـي سِوى الإِفْرادِ طِبْقًا اسْتَقَرْ
وَرَفَعوا مُبْتَدَأً بِالِابْتِدا كَذاكَ رَفْعُ خَبَرٍ باْلـمُبْتَدا
وَالْـخَبَرُ الْـجُزْءُ الْـمُتِمُّ الْفائِدَهْ كَاللّهُ بَرٌّ وَالْأَيادي شاهِدَهْ
وَمُفْرَدًا يَأتي وَيَأتي جُمْلَهْ حاوِيَةً مَعْنى الَّذي سيقَتْ لَهْ
وَإِنْ تَكُنْ إيَاهُ مَعْنًى اكْتَفى بِها كَنُطْقي اللَهُ حَسْبي وَكَفى
وَالْـمُفْرَدُ الْـجامِدُ فارِغٌ وَإِنْ يُشْتَقَّ فَهْوَ ذو ضميرٍ مُسْتَكِنْ
باب الاستثناء للخروصي من باب الاستثناء لابن مالك
مِنَ الْمَفاعيلِ مُسْتَثْنًى وَقَدْ شَرَطوا لِنَصْبِهِ كَوْنَهُ مِنْ موجَبٍ نُقِلا
لَمْ يُسْبَقَنَّ بِنَفْيٍ أَوْ مُشابِهِهِ وَكَوْنَهُ فَضْلَةً ما قَبْلَهُ كَمُلا
كَأَقْبَلَ النّاسُ إِلّا راشِدًا وَكَذا يَسْعَوْنَ نَحْوَكَ إِلّا الْفارِسَ الْبَطَلا
وَإِنْ تَقَدَّمَهُ نَفْيٌ وَمُشْبِهُهُ فَذا الْمُفَرَّغُ يُدْعى عِنْدَ مَنْ عَقَلا
ما جاءَ إِلّا فَتًى تَمَّتْ مَحاسِنُهُ وَما رَأَيْتُ هُنا إِلّا امْرَأً عَدَلا
ما بَعْدَ إِلّا فَمَفْعولٌ بِآخِرِهِ في أَوَّلٍ فاعِلٌ خُذْهُ قَدِ اكْتَمَلا
وَإِنْ يَكُنْ بَعْدَ لا لِلْجِنْسِ جاءَ هُنا فَرَفْعُ ما بَعْدَ إِلّا واجِبٌ عَمَلا
تَقولُ لا رَبَّ إِلّا اللهُ مُعْتَقِدًا وَمُخْلِصًا فيهِ كَيْما تَبْلُغَ الْأَمَلا ما اسْتَثْنَتِ الا مَعْ تَمامٍ يَنْتَصِبْ وَبَعْدَ نَفْـيٍ أَوْ كَنَفْـيٍ انْتُـخِبْ
إِتْباعُ ما اتَّصَلَ وَانْصِبْ ما انْقَطَعْ وَعَنْ تَميمٍ فـيهِ إِبْدالٌ وَقَعْ
وَغَيْرُ نَصْبِ سابِقٍ فِـي النَّفْـيِ قَدْ يَأْتِـي وَلكِنْ نَصْبَهُ اخْتَرْ إِنْ وَرَدْ
وَإِنْ يُفَرَّغْ سابِقٌ إِلّا لِـما بَعْدُ يَكُنْ كَما لَوِ الّا عُدِما
وَأَلْغِ إِلّا ذاتَ تَوْكيدٍ كَلا تَمْرُرْ بِهِمْ إِلّا الْفَتـى إِلّا الْعَلا
وَإِنْ تُكَرَّرْ لا لِتَوْكيدٍ فَمَعْ تَفْريغٍ التَّأْثيرَ بِالْعامِلِ دَعْ
في واحِدٍ مِـمّا بِإِلّا اسْتُثْني وَلَـيْسَ عَنْ نَصْبِ سِواهُ مُغْني
وَدونَ تَفْريغٍ مَعَ الْتَّقَدُّمِ نَصْبَ الْـجَميعِ احْكُمْ بِهِ وَالْتَزِمِ
[40] إن عروض العمانية (بحر البسيط الوافي المخبون العروض والضرب ، وقافية اللامية المطلقة المجردة الموصولة بالألف ) ، أوضح من عروض المالكية (بحر الرجز المشَطَّر المزْدَوِج ) .
لقد غلب على العمانية ثبات تفاعيل كل بيت منها على نحو واحد ، كما في التفعيلتين البارزتين الرابعة والثامنة ، الثابتتين على الخبن (فعلن) في أبياتها كلها ، وهو زحاف سهل ، والتفعيلتين الثالثة والسابعة ، الثابتتين على السلامة (مستفعلن) كذلك ، أي في ثمان وستين 68 تفعيلة من ست وثلاثين ومئة 136 ، بنسبة 50% ، ثم ثبتت باتحاد القوافي في آخر كل بيت من أبياتها ، الأصواتُ نفسها ، وبمثل هذا وذاك يتضح العروض - على حين غلب على المالكية تغير تفاعيل كل بيت من أبياتها - وهو أمر مشهور في بحر الرجز ، وبه كان شَعْبيّا - كما في التفعيلتين البارزتين الثالثة والسادسة المتغيرتين في كل بيت من أبياتها ، بالخبن (متَفعلن) وهو زحاف سهل ، والقطع ( مستفعلْ) وهو علة صعبة ، والطي (مستَعِلن) وهو زحاف سهل ، والسلامة (مستفعلن) ، والخبن والقطع معا (متَفعلْ) ، وكما في سائر تفاعيل البيت المترددة بين الطي والسلامة والخبن ، بل قد بلغ من تغيرها أن اجتمع فيها الخبن والطي (الخبل) (متعلن) في التفعيلة الخامسة من البيت الخامس والثانية من البيت الحادي عشر ، وهو عندئذ زحاف مركب ، وكل زحاف مركب فهو زحاف قبيح 138، ثم تغيرت بتعديد القوافي ، في آخر كل بيت ، الأصواتُ ، وبمثل هذا يغمض العروض .
وإن من ذلك لاميّة رَوي العمانية ، على رغم تردد قوافي المالكية فيه بين الأصوات المختلفة ؛ فاللام من أقوى الأصوات الصامتة إسماعا 139 ، ثم هي من أكثر الرّواء (جمع روي) استعمالا ، في الشعر العربي على وجه العموم 140 ، لكثرة مادتها من الكلمات المختومة بها ؛ فمستعملها باق عند مألوف المتلقي ، حري بأن يعلقه بعمله .
[41] وعلى حين اصطنعت المالكية في عرض مسائلها الإيجاز ؛ فعصرت عباراتها عنها حتى استخلصت ما لا سبيل غالبا إلى حذف كلمة منه ولا إلى تغييرها ، وألحتْ على الترتيب الذي حمى ذلك الإيجاز من استدعاء كلمة القافية ، كما في تقديم الجار والمجرور على فعلهما (وقع) كلمة قافية البيت الحادي عشر ، وكما في تقديم المفعول به على فعله (دع) كلمة قافية البيت الخامس عشر - اصطنعت العمانية الإطناب ، واحتفت بالتطويل ، وألحت على الإضافة التي حمته باستدعاء كلمة القافية ، كما في إضافة المفعول لأجله (خجلا) كلمة قافية البيت الأول إلى الخبر ، وكما في إضافة المنصوب بنزع الخافض (عملا) كلمة قافية البيت السادس عشر إلى الخبر .
وعلى حين تحرت المالكية تأخير المثال إلى آخر العَجُز وتقديم إعرابه عليه ، كما في البيتين الأول والثاني وغيرهما ، اطمئنانا إلى سهولة تغييره حتى يستقيم البيت - لم تلتزم العمانية في ذلك منهجا واحدا ؛ فجرت في مرة مجرى المالكية كما في البيت الأول ، وقدمت في أخرى المثالَ على إعرابه كما في الرابع عشر .
[36] وعلى رغم خروج العمانية مخرج المالكية ، لم تطابق عناوين الأولى عناوين الأخرى ، إلا في هذه الأبواب العشرة : حروف الجر ، والإضافة ، وظن وأخواتها ، والاستثناء ، ولا التي لنفي الجنس ، والتعجب ، والنداء ، والترخيم ، والتصغير ، والعدد ، أي في 21% منها فقط ، ولم تكن هذه النسبة القليلة إلا نتيجة هذه الأربعة الأعمال :
تَطْوير التَّعْبير ؛ فربما راعى المُعَنْوِنُ آخرَ ما اصطلح عليه أهل العلم ، أو طَبيعةَ ما آثره الناظم ، أو ذوقه في تركيب دقائق التعبير ، كما في هذه العناوين الستة : المدغمات ، ونائب الفاعل ، والظرف ، الإغراء ، وباب النسب ، وباب ما لا ينصرف - بدلا من هذه العناوين الستة : الإدغام ، والنائب عن الفاعل ، والمفعول فيه ، والتحذير والإغراء ، والنسب ، وما لا ينصرف .
وجَمْع الأبواب ؛ فلا حيلة للمعنون عندئذ ، إلا أن يقصر العناوين المتعددة المختلفة ، على ما اجتمع في النظم ، كما في هذه العناوين الثلاثة : نواسخ المبتدأ ، والحال والتمييز ، وباب التوابع - بدلا من هذه العناوين العشرة : كان وأخواتها ، وأفعال المقاربة ، وإن وأخواتها ، والحال ، والتمييز ، والنعت ، والتوكيد ، والعطف ، وعطف النسق ، والبدل .
وفرْق الفصول ؛ فلا حيلة للمعنون عندئذ ، إلا أن يتجاوز العنوان الواحد إلى ما افترق في النظم ، كما في هذه العناوين الخمسة عشر : الكلام ، والاسم ، والفعل ، والحرف ، والأفعال الجامدة ، والمعرب والمبني من الأفعال (أ) الفعل الماضي ، و(ب) الأمر ، و المضارع ، ونواصب الفعل ، وأن المضمرة بعد أو ولام كي وحتى ولام الجحود ، وإضمار أن بعد الفاء ، والواو والفاء اللتان تكونان بعد تسعة أشياء ، وفصل ، وجوازم الفعل (أ) ما يجزم فعلا واحدا ، و(ب) ما يجزم فعلين ، والمبتدأ والخبر ، والخبر إذا كان جملة ، والخبر إذا كان جارا ومجرورا أو ظرفا ، ووجوب تقديم الخبر - بدلا من هذه العناوين الخمسة : الكلام وما يتألف منه ، والمعرب والمبني ، وإعراب الفعل ، وعوامل الجزم ، والابتداء .
واستدراك الفائت ؛ فلا حيلة للمعنون عندئذ ، إلا أن يستحدث العناوين للفصول المستدركة التي لم يجترئ الخروصي على إقحامها في خلال عمل الزاملي ، كما في هذين العنوانين : الأفعال المعروفة بالأمثلة الخمسة ، والمبنيات ، المستدركين على هذا العنوان : المعرب والمبني .
[37] وعلى رغم خروج العمانية مخرج المالكية ، انقسمت الأولى على ثمانية وأربعين 48 بابًا ، على حين انقسمت الأخرى على واحد وثمانين 81 . ولكن ربما كانت في تقارب متوسطي ما للباب الواحد في العمانية (عشرة 10 أبيات ) وما للباب الواحد في المالكية (اثني عشر 12 ) ، دلالة على تحري العمانية أن توجز المالكية إلى نصفها كما أوجزت هذه المالكية نفسها مالكية قبلها إلى ثلثها ، بهذين المظهرين :
الاقتِصار ؛ فمتأمل الجدولين يفتقد في العمانية أبوابا كثيرة مما في المالكية ، نحوية مثل : " النكرة والمعرفة " ، و" العلم " ، و" اسم الإشارة " ، و" الموصول " ، و" المعرف بأل " ، و" أفعال المقاربة " ، و" أعلم وأرى " ، و" تعدي الفعل ولزومه " ، و" التنازع في العمل " ... ، وصرفية مثل : " التأنيث " ، و" المقصور والممدود " ، و" كيفية تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا " ، و" وجمع التكسير " ، و" الوقف " ، والإمالة " ، و" الإبدال " ... .
ولئن استغنت العمانية عن أبواب " كالنكرة والمعرفة " بما أوردته في أبواب " كالاسم " ، لقد زهدت في أبواب كأبواب علم الصرف كلها إلا هذه الثلاثة : " المدغمات " كما سَمَّتْ ، و" التصغير " ، و" باب النسب " . أما إلمامها بالأول فاضطرتها إليه أحكام صياغة الكلام التي يعرض في خلالها عجب المتعلم من انفكاك الإدغام عند الإسناد وغيره من ظواهر تركيب الكلم ، ولا سيما أنها استطردت إلى رد الأصول 127 ، وهو ما لم تستطرد إليه المالكية 128 . وأما إلمامها بالثاني فمن شجون حديث الترخيم التي ربما مكنت له ، وأما إلمامها بالآخر فمن شجون حديث التصغير نفسه المكملة له .
والاخْتصار ؛ فمتأمل مفردات الأبواب يفتقد في العمانية وجوها كثيرة مما في المالكية ؛ فعلى حين عرضت المالكية في باب " الفاعل " رُكن الكلام الأكبر ، لحاله من حيث ارتفاعه ونوعه وعلاقته بالفعل وبالمفعول به ، في سبعة عشر 17 بيتا 129 ، قالت العمانية في باب " الفاعل والمفعول " هذين البيتين 264 ، 265 :
" الفاعِلَ ارْفَعْ وَمَفْعولًا بِهِ نَصَبوا كَاخْتارَ سَيِّدُنا دارَ الْجَلالِ عُلا
وَعَكْسُ ذا جا وَقَوْمٌ يَرْفَعونهما وَجاءَ نَصْبُهما في الْهَمْعِ قَدْ نُقِلا " 130 ؛
فاجتزأت بحاله من حيث الرفع الذي شذت به بعض لهجات العرب إلى النصب .
وعلى حين عرضت المالكية في باب " عطف النسق " لحروف العطف ووظائفها ومعانيها وأحوال معطوفاتها ، في خمسة وعشرين 25 بيتا ، قالت العمانية في باب " حروف العطف" هذا البيت 268 :
" لِلْعَطْفِ واوٌ وَفاء أَمْ أَوْ وَثُمَّ وَبَلْ حَتّى وَإِمّا وَلكِنْ إِذْ تُعَدُّ وَلا " 131 ،
فاجتزأت " بتعديدها . ولا يخفى ما في إضافة الهمزة إلى (فا) ، من خطأ مفسد لعروض البيت وحده كما سبق.
[38] ربما لم يُخل الباحثُ ذلك الإيجازَ ، من تُهَمَة الإخلال بأبواب العلم - وإن اعتذر لديه عن الزاملي الناظم الأول ، أن لم ينفض من المنظومة يده بحيث يجيز له أن ينقدها عليه - فلقد كان ينبغي للخروصي المكلف بإتمام عمل الزاملي ، أن يعالج ذلك الإيجاز . وهل أدل من قول أبيات الزاملي أخيرا :
" تَقولُ سُبْحانَ رَبّي لا شَريكَ لَهُ مَعاذَ رَبّيَ أَنْ أَبْغي بِهِ بَدَلا " 132 ،
الذي عنوانه " من حذف عامل المصدر وجوبا " - على انقطاعه قبل الغاية . ولكن الخروصي نفسه جرى على ذلك الإيجاز المخل !
لا ريب في أن مقتضى معالجة إخلال الإيجاز ، أن يقتحم الخروصي على الزاملي أبيات كل باب ، ومفاصل أبيات كل بابين ؛ فيضيف ما فيه التمام ، ولكن ثمّ مقتضًى آخر أشدَّ طلبا له ، في قوله :
" إِلى هُنا تَمَّ نَظْمُ الزّامِليِّ وَلَمْ يُكْمِلْهُ يا لَيْتَهُ مِنْ نَظْمِهِ كَمُلا (...)
إِلى هُنا تَمَّ ما حاوَلْتُ تَكْمِلَةً لِنَظْمِ شَيْخٍ تَسامى نَظْمُهُ وَعَلا " 133 .
ففي أول البيتين إشارة إلى رعايته للزاملي في نظمه ، التي لولاها ما تكلف ما لم يتكلفه ناظم قبله ، وفي آخرهما دعوة إلى تقدير عمله ، فهمَها الشارحُ ؛ فقال : " هذا من الشيخ سعيد ، حُسْنُ خُلقٍ ، وإلا فهو فوق ذلك علما وحلما وخلقا " 134 ؛ فأصاب الخروصي ما أراد .
ولو تأمل الباحث لربما عد ذلك الإيجاز من علامات نزوع العالمين الفنانين ؛ فإن العالم الخالي من النزوع إلى الفن ، يُقَدِّرُ أبواب علمه ويرتبها ويتناولها بابًا بابًا لا يدع شيئا منها يخدعه عما قدَّرَ له حتى يفرغ منها ، فأما العالم النازع إلى الفن ، فربما خدعه الباب ؛ فتعلق به لا يلوي على شيء ، ثم إن العالم النازع إلى الفن يصطاد الخواطر أشتاتا ، وربما لم يفرغ لتنسيقها والتأليف بينها على أعراف علمه بحيث تتسلسل في سبيل واحدة سالكة ؛ فهي أشبه بمنظومات الأبواب المنفردة التي سبق الكلام فيها من هذه الجهة . وعلى صدق ذلك هذه الثلاثة الأدلة :
تقديم أبواب وتأخير أخرى ؛ فلقد قدمت العمانية مثلا ، بابي " حروف الجر " و" الإضافة " ، استطرادا مما يخص الفعل إلى ما يخص الاسم ، وأخرت بابي " الفاعل والمفعول " و" المنصوبات " .
وسوء التخلص ؛ فلقد تسَوَّرَت العمانية باب " حروف العطف " مثلا ، من باب " المنصوبات " ، وباب " المدغمات " من باب " حروف العطف " ، دون تمهيد .
وعدم تعليم المنظومة ؛ فلا نعرف إلا أن الزاملي حث على كتابة ما صنعه وإكماله 135 ، وأن لم يرد الخروصي إلا إجابة النَّدْب وفي نفسه معنى المباراة ، وهما ومن بعدهما أعلم منا بمخرج منظومتهما عن نزوع فني ، لا نظام تعليمي .
[39] وبعد تلك الموازنة العامة ، أوازن بالعمانية المالكية موازنة خاصة ، من خلال مقتطعات منهما بينها توارد شديد .
ولم أجد بعد طول إبداء وإعادة ، أقرب مناسبة للمالكية ، من بابي العمانية : الابتداء والخبر ، والاستثناء 136 ، ولا سيما أن أولهما للزاملي وآخرهما للخروصي ؛ ففيهما نيابة عن العمانية وافية ، وتمييز بين عملي الناظمين عادل .
لقد اقتصرت من أوائل بابي المالكية ، على مثل عدديهما من العمانية 137 ، ثم وضعت ذلك كله متجاورا ، ووصلت أعداد كل مقتطعين إيجازا وتيسيرا ، على النحو التالي :
باب المبتدأ والخبر للزاملي من باب الابتداء لابن مالك
وَالْمُبْتَدا ارْفَعْهُ وَالْإِخْبارَ عَنْهُ فَقُلْ زَيْدٌ مُقيمٌ وَعَمْرٌو ذاهِبٌ خَجَلا
وَكَالْجُهَنْدَرُ ضَرْبٌ مِنْ تُمورِهِمُ وَالْقَضْبُ قَتٌّ وَنَحْوُ الشّيحُ نَبْتُ فَلا
وَمِعْدَةُ الْمَرْءِ بَيْتُ الدّا وَحِمْيَتُهُ رَأْسُ الشِّفاءِ فَحاذِرْ ضُرَّ ما أُكِلا
وَالزَّعْفَرانُ مُدِرُّ الْبَوْلِ قَدْ ذَكَروا وَالزَّنْجَبيلُ دَواءٌ لِلَّذي سَعَلا
وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشْرٌ عِنْدَ عالِمِنا وَالْقُرْءُ قالَ الْفَقيهُ الطُّهْرُ إِذْ سُئِلا
وَقُلْ صَلاةُ ذَوي الْأَحْداثِ فاسِدَةٌ وَالْبَيْعُ مُنْتَقِضٌ إِنْ كانَ قَدْ جُهِلا
وَالْخَمْرُ حِرْمٌ وَحِجُّ الْبَيْتِ مُفْتَرَضٌ وَالصَّمْتُ حُكْمٌ وَلكِنْ قَلَّ مَنْ فَعَلا
وَقُلْ زَكاتُكَ بُرْهانٌ وَصَبْرُكُمُ لَكُمْ ضِياءٌ فَخُذْ أَمْثالَنا جَلَلا
وَإِنْ بَحَثْتَ عَنِ الْأَوْضاعِ مُطَّلِبًا حَقِّقْ وَقُلْ وَضْعُهُمْ فَرْعُ الَّذي عُقِلا مُبْتَدَأٌ زَيْدٌ وَعاذِرٌ خَبَرْ إِنْ قُلْتَ زَيْدٌ عاذِرٌ مَنِ اعْتَذَرْ
وَأَوَّلٌ مُبْتَدَأٌ وَالْثّاني فاعِلٌ اغْنى فِـي أَسارٍ ذانِ
وَقِسْ وَكَاسْتِفْهامٍ النَّفْـيُ وَقَد ْيَـجوْزُ نَـحْوُ فائِزٌ أُولو الرَّشَدْ
وَالثّانِ مُبْتَدًا وَذا الْوَصْفُ خَبَرْإِنْ فـي سِوى الإِفْرادِ طِبْقًا اسْتَقَرْ
وَرَفَعوا مُبْتَدَأً بِالِابْتِدا كَذاكَ رَفْعُ خَبَرٍ باْلـمُبْتَدا
وَالْـخَبَرُ الْـجُزْءُ الْـمُتِمُّ الْفائِدَهْ كَاللّهُ بَرٌّ وَالْأَيادي شاهِدَهْ
وَمُفْرَدًا يَأتي وَيَأتي جُمْلَهْ حاوِيَةً مَعْنى الَّذي سيقَتْ لَهْ
وَإِنْ تَكُنْ إيَاهُ مَعْنًى اكْتَفى بِها كَنُطْقي اللَهُ حَسْبي وَكَفى
وَالْـمُفْرَدُ الْـجامِدُ فارِغٌ وَإِنْ يُشْتَقَّ فَهْوَ ذو ضميرٍ مُسْتَكِنْ
باب الاستثناء للخروصي من باب الاستثناء لابن مالك
مِنَ الْمَفاعيلِ مُسْتَثْنًى وَقَدْ شَرَطوا لِنَصْبِهِ كَوْنَهُ مِنْ موجَبٍ نُقِلا
لَمْ يُسْبَقَنَّ بِنَفْيٍ أَوْ مُشابِهِهِ وَكَوْنَهُ فَضْلَةً ما قَبْلَهُ كَمُلا
كَأَقْبَلَ النّاسُ إِلّا راشِدًا وَكَذا يَسْعَوْنَ نَحْوَكَ إِلّا الْفارِسَ الْبَطَلا
وَإِنْ تَقَدَّمَهُ نَفْيٌ وَمُشْبِهُهُ فَذا الْمُفَرَّغُ يُدْعى عِنْدَ مَنْ عَقَلا
ما جاءَ إِلّا فَتًى تَمَّتْ مَحاسِنُهُ وَما رَأَيْتُ هُنا إِلّا امْرَأً عَدَلا
ما بَعْدَ إِلّا فَمَفْعولٌ بِآخِرِهِ في أَوَّلٍ فاعِلٌ خُذْهُ قَدِ اكْتَمَلا
وَإِنْ يَكُنْ بَعْدَ لا لِلْجِنْسِ جاءَ هُنا فَرَفْعُ ما بَعْدَ إِلّا واجِبٌ عَمَلا
تَقولُ لا رَبَّ إِلّا اللهُ مُعْتَقِدًا وَمُخْلِصًا فيهِ كَيْما تَبْلُغَ الْأَمَلا ما اسْتَثْنَتِ الا مَعْ تَمامٍ يَنْتَصِبْ وَبَعْدَ نَفْـيٍ أَوْ كَنَفْـيٍ انْتُـخِبْ
إِتْباعُ ما اتَّصَلَ وَانْصِبْ ما انْقَطَعْ وَعَنْ تَميمٍ فـيهِ إِبْدالٌ وَقَعْ
وَغَيْرُ نَصْبِ سابِقٍ فِـي النَّفْـيِ قَدْ يَأْتِـي وَلكِنْ نَصْبَهُ اخْتَرْ إِنْ وَرَدْ
وَإِنْ يُفَرَّغْ سابِقٌ إِلّا لِـما بَعْدُ يَكُنْ كَما لَوِ الّا عُدِما
وَأَلْغِ إِلّا ذاتَ تَوْكيدٍ كَلا تَمْرُرْ بِهِمْ إِلّا الْفَتـى إِلّا الْعَلا
وَإِنْ تُكَرَّرْ لا لِتَوْكيدٍ فَمَعْ تَفْريغٍ التَّأْثيرَ بِالْعامِلِ دَعْ
في واحِدٍ مِـمّا بِإِلّا اسْتُثْني وَلَـيْسَ عَنْ نَصْبِ سِواهُ مُغْني
وَدونَ تَفْريغٍ مَعَ الْتَّقَدُّمِ نَصْبَ الْـجَميعِ احْكُمْ بِهِ وَالْتَزِمِ
[40] إن عروض العمانية (بحر البسيط الوافي المخبون العروض والضرب ، وقافية اللامية المطلقة المجردة الموصولة بالألف ) ، أوضح من عروض المالكية (بحر الرجز المشَطَّر المزْدَوِج ) .
لقد غلب على العمانية ثبات تفاعيل كل بيت منها على نحو واحد ، كما في التفعيلتين البارزتين الرابعة والثامنة ، الثابتتين على الخبن (فعلن) في أبياتها كلها ، وهو زحاف سهل ، والتفعيلتين الثالثة والسابعة ، الثابتتين على السلامة (مستفعلن) كذلك ، أي في ثمان وستين 68 تفعيلة من ست وثلاثين ومئة 136 ، بنسبة 50% ، ثم ثبتت باتحاد القوافي في آخر كل بيت من أبياتها ، الأصواتُ نفسها ، وبمثل هذا وذاك يتضح العروض - على حين غلب على المالكية تغير تفاعيل كل بيت من أبياتها - وهو أمر مشهور في بحر الرجز ، وبه كان شَعْبيّا - كما في التفعيلتين البارزتين الثالثة والسادسة المتغيرتين في كل بيت من أبياتها ، بالخبن (متَفعلن) وهو زحاف سهل ، والقطع ( مستفعلْ) وهو علة صعبة ، والطي (مستَعِلن) وهو زحاف سهل ، والسلامة (مستفعلن) ، والخبن والقطع معا (متَفعلْ) ، وكما في سائر تفاعيل البيت المترددة بين الطي والسلامة والخبن ، بل قد بلغ من تغيرها أن اجتمع فيها الخبن والطي (الخبل) (متعلن) في التفعيلة الخامسة من البيت الخامس والثانية من البيت الحادي عشر ، وهو عندئذ زحاف مركب ، وكل زحاف مركب فهو زحاف قبيح 138، ثم تغيرت بتعديد القوافي ، في آخر كل بيت ، الأصواتُ ، وبمثل هذا يغمض العروض .
وإن من ذلك لاميّة رَوي العمانية ، على رغم تردد قوافي المالكية فيه بين الأصوات المختلفة ؛ فاللام من أقوى الأصوات الصامتة إسماعا 139 ، ثم هي من أكثر الرّواء (جمع روي) استعمالا ، في الشعر العربي على وجه العموم 140 ، لكثرة مادتها من الكلمات المختومة بها ؛ فمستعملها باق عند مألوف المتلقي ، حري بأن يعلقه بعمله .
[41] وعلى حين اصطنعت المالكية في عرض مسائلها الإيجاز ؛ فعصرت عباراتها عنها حتى استخلصت ما لا سبيل غالبا إلى حذف كلمة منه ولا إلى تغييرها ، وألحتْ على الترتيب الذي حمى ذلك الإيجاز من استدعاء كلمة القافية ، كما في تقديم الجار والمجرور على فعلهما (وقع) كلمة قافية البيت الحادي عشر ، وكما في تقديم المفعول به على فعله (دع) كلمة قافية البيت الخامس عشر - اصطنعت العمانية الإطناب ، واحتفت بالتطويل ، وألحت على الإضافة التي حمته باستدعاء كلمة القافية ، كما في إضافة المفعول لأجله (خجلا) كلمة قافية البيت الأول إلى الخبر ، وكما في إضافة المنصوب بنزع الخافض (عملا) كلمة قافية البيت السادس عشر إلى الخبر .
وعلى حين تحرت المالكية تأخير المثال إلى آخر العَجُز وتقديم إعرابه عليه ، كما في البيتين الأول والثاني وغيرهما ، اطمئنانا إلى سهولة تغييره حتى يستقيم البيت - لم تلتزم العمانية في ذلك منهجا واحدا ؛ فجرت في مرة مجرى المالكية كما في البيت الأول ، وقدمت في أخرى المثالَ على إعرابه كما في الرابع عشر .