صالح بن إبراهيم العوض
11-16-2023, 04:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
تحليل كلمة (وادرين) وتحريرها
في اللغة:
(وَدَرَ) جذر في العربية مجردُه يشير إلى السَّدْر والإغشاء فيقال: وَدَرْتُ أَدِرُ وَدْراً: سَدِرْتُ وكاد يغشى عليّ؛ وهذا قول الفراء كما نقله عنه الصغاني في التكملة والذيل والصلة وفي العباب أيضاً.
ويغلب استعماله مضعفاً فيحمل معنى التنحية والإبعاد الذي ربما يصاحبه الغضب؛ فتكون تلك التنحية بما يوقع المُودَر فيما يهلكه، وقد يكون بمعنى الإرسال، فتقول ودَّرْتُهُ أي أرسلتُه.
وقد ذكرته المعاجم بهذه الدلالة وتكاد تجمع على ذلك بلا تفاوت أو اختلاف.
وبقيت الكلمة بدلالتها تلك إلى يومنا هذا وما مسها تحريف أو تصريف إلا بما لا يذكر؛ كاشتقاقات ذوات غايات تتسع لمعانٍ أبعد غوراً وأعمق إيغالاً في التوظيف المعنوي، فقالوا: (وَدِرٌ) صفة مشبهة باسم الفاعل ليطلقوها على من يعمدون إلى إقصائه والتحذير منه لبذاءته أو لدمامته أو لقذارته أو لحقارته وما أشبه ذلك، وقد يستدعون منها اسم فاعل فيقولون: (وادر) بالصفات المذكورة نفسها مما أتاح لهم لاحقاً جمعه جمع مذكر سالماً فقالوا: ( وادرين) وهم يقصدون بذلك (وادرون) ولكنهم في دارجنا يلتزمون الياء في الأحوال الإعرابية جميعها.
ومن ( وادرين) هذه – أعني جمع المذكر السالم – حامت القصص والأخيلة التي تسابق الناس في نسجها واتسع استخدامها، ويغلب لدى العامة اليوم ارتباطها بكلمة (قلعة) إلى ما يشبه التلازم، ويحسن بنا أن نشير إلى أن كلمة (قلعة) التي ترد ملازمة لها - غالباً - لا تعني القلعة التي بناها الأتراك في الشمال الغربي من المملكة العربية السعودية، ولكنها تعني الاقتلاع والاجتثاث فهي دعاء للمعنيِّ بأن يجتث ويقتلع من جذوره.
حقيقة وادرين:
وبعض الباحثين أو المهتمين بالمواضع يرى أن (وادرين) علم على موضع أسسه الأتراك في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي ليكون معتقلاً للمناوئين للدولة العثمانية، وهذا بعض ما ذكر حولها:
تقع قلعة وادرين، التي قام الأتراك ببنائها، في مدينة تبوك في المملكة العربية السعودية، وكانت قلعة وادرين قديماً من أحد أكثر الأماكن رعباً وقلقاً لسكان المنطقة، لأنّ الأتراك كانوا عندما يُدخلون شخصاً إلى قلعة وادرين لا يخرجونه منها أبداً إلّا في بعض الحالات النادرة والقليلة، فقد أُقِرَّ استخدام قلعة وادرين من قِبل الأتراك سجناً ومعتقلاً للأشخاص المحكوم عليهم فترات طويلة، وقد لا يخرجونه من السجن أبداً، وكانوا يقومون بتنفيذ حكم الإعدام بحق بعض السجناء، بالإضافة إلى ترحيل عدد كبير من سجناء شبه الجزيرة العربية إلى بلاد الأتراك لاستبعادهم، وغالباً ما كان السجناء هم من فئة المعارضين الذين كانوا ينتقدون نظام الحكم التركي في بلاد الحجاز وجنوب الجزيرة العربية وبعض مناطق نجد التي تقع تحت عناية العثمانيين وعيونهم ممّا يضعهم في دائرة الخطر.
تاريخ القلعة
ويعود تاريخ بناء القلعة التركية (وادرين) إلى عام 1559م للميلاد، وتعد من أقدم القلاع الأثرية الموجودة في المنطقة والتي تدل على سيطرة الحكم التركي على المنطقة، ونظام الحكم الذي قام الأتراك باتباعه يعتمد على التخويف والترهيب لتفادي المشاكل، والقصاص، والعقاب في حالة التسبّب بأي مشاكل، وبما أنّ قلعة (وادرين) من القلاع القديمة جداً فإنّ الحكومة في المملكة العربية السعودية قد قامت بإعادة عمليات الترميم وتجديد هيكلة القلعة من قِبل وكالة الآثار والمتاحف، وذلك للمحافظة على القلعة، وعلى تصميمها، وعلى بنائها لتبقى صامدة في وجه الزمن الذي يمر ويتعاقب عليها عبر العصور.
وينسج الرواة قصة يتناقلها بعض الناس ويتخطفها المرجفون الذين همهم تشتيت الناس وتشويه التاريخ وتشويش أفكار الناس بما لا يقوم على أساس علمي، وهي قصة لا إخالها إلا من الخيال المبالغ به حول سبب تسمية قلعة (وادرين)، وهي أن امرأة اسمها (وادرين) كانت تعيش في منطقة القصيم في المملكة العربية السعودية، هي وزوجها الذي كان يعرف عنه ويشاع حبه الكبير لها، والذي كان يحقّق لزوجته (وادرين) كل ما تطلبه وترغب به وتتمناه، وفي إحدى الأيام طلبت (وادرين) من زوجها المـُحِب أن يأخذها برحلة إلى البحر لرغبتها في ركوب القارب، وبعد أن ركبت (وادرين) وزوجها القارب جاءت أمواج عالية من المياه ممّا أدى إلى غرق القارب ووفاة الزوج، أمّا (وادرين) فاستطاعت النجاة بحياتها وذهبت بها المياه إلى مكان مهجور كان به قلعة، فسكنت (وادرين) هذه القلعة، وعندما تمّ اكتشاف القصة التي كتبتها (وادرين) عن حياتها سُمّيتْ قلعة (وادرين) نسبة إلى اسمها لأنها أوّل من سكنها.
ويظهر الوضع والاختلاق في القصية جلياً ولكن من باب الأمانة ومحاولة الإحاطة والشمول سقتها هنا.
صالح بن إبراهيم بن صالح العوض. الرس – الخميس 1445/5/2هـ.
الموافق 2023/11/16م.
تحليل كلمة (وادرين) وتحريرها
في اللغة:
(وَدَرَ) جذر في العربية مجردُه يشير إلى السَّدْر والإغشاء فيقال: وَدَرْتُ أَدِرُ وَدْراً: سَدِرْتُ وكاد يغشى عليّ؛ وهذا قول الفراء كما نقله عنه الصغاني في التكملة والذيل والصلة وفي العباب أيضاً.
ويغلب استعماله مضعفاً فيحمل معنى التنحية والإبعاد الذي ربما يصاحبه الغضب؛ فتكون تلك التنحية بما يوقع المُودَر فيما يهلكه، وقد يكون بمعنى الإرسال، فتقول ودَّرْتُهُ أي أرسلتُه.
وقد ذكرته المعاجم بهذه الدلالة وتكاد تجمع على ذلك بلا تفاوت أو اختلاف.
وبقيت الكلمة بدلالتها تلك إلى يومنا هذا وما مسها تحريف أو تصريف إلا بما لا يذكر؛ كاشتقاقات ذوات غايات تتسع لمعانٍ أبعد غوراً وأعمق إيغالاً في التوظيف المعنوي، فقالوا: (وَدِرٌ) صفة مشبهة باسم الفاعل ليطلقوها على من يعمدون إلى إقصائه والتحذير منه لبذاءته أو لدمامته أو لقذارته أو لحقارته وما أشبه ذلك، وقد يستدعون منها اسم فاعل فيقولون: (وادر) بالصفات المذكورة نفسها مما أتاح لهم لاحقاً جمعه جمع مذكر سالماً فقالوا: ( وادرين) وهم يقصدون بذلك (وادرون) ولكنهم في دارجنا يلتزمون الياء في الأحوال الإعرابية جميعها.
ومن ( وادرين) هذه – أعني جمع المذكر السالم – حامت القصص والأخيلة التي تسابق الناس في نسجها واتسع استخدامها، ويغلب لدى العامة اليوم ارتباطها بكلمة (قلعة) إلى ما يشبه التلازم، ويحسن بنا أن نشير إلى أن كلمة (قلعة) التي ترد ملازمة لها - غالباً - لا تعني القلعة التي بناها الأتراك في الشمال الغربي من المملكة العربية السعودية، ولكنها تعني الاقتلاع والاجتثاث فهي دعاء للمعنيِّ بأن يجتث ويقتلع من جذوره.
حقيقة وادرين:
وبعض الباحثين أو المهتمين بالمواضع يرى أن (وادرين) علم على موضع أسسه الأتراك في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي ليكون معتقلاً للمناوئين للدولة العثمانية، وهذا بعض ما ذكر حولها:
تقع قلعة وادرين، التي قام الأتراك ببنائها، في مدينة تبوك في المملكة العربية السعودية، وكانت قلعة وادرين قديماً من أحد أكثر الأماكن رعباً وقلقاً لسكان المنطقة، لأنّ الأتراك كانوا عندما يُدخلون شخصاً إلى قلعة وادرين لا يخرجونه منها أبداً إلّا في بعض الحالات النادرة والقليلة، فقد أُقِرَّ استخدام قلعة وادرين من قِبل الأتراك سجناً ومعتقلاً للأشخاص المحكوم عليهم فترات طويلة، وقد لا يخرجونه من السجن أبداً، وكانوا يقومون بتنفيذ حكم الإعدام بحق بعض السجناء، بالإضافة إلى ترحيل عدد كبير من سجناء شبه الجزيرة العربية إلى بلاد الأتراك لاستبعادهم، وغالباً ما كان السجناء هم من فئة المعارضين الذين كانوا ينتقدون نظام الحكم التركي في بلاد الحجاز وجنوب الجزيرة العربية وبعض مناطق نجد التي تقع تحت عناية العثمانيين وعيونهم ممّا يضعهم في دائرة الخطر.
تاريخ القلعة
ويعود تاريخ بناء القلعة التركية (وادرين) إلى عام 1559م للميلاد، وتعد من أقدم القلاع الأثرية الموجودة في المنطقة والتي تدل على سيطرة الحكم التركي على المنطقة، ونظام الحكم الذي قام الأتراك باتباعه يعتمد على التخويف والترهيب لتفادي المشاكل، والقصاص، والعقاب في حالة التسبّب بأي مشاكل، وبما أنّ قلعة (وادرين) من القلاع القديمة جداً فإنّ الحكومة في المملكة العربية السعودية قد قامت بإعادة عمليات الترميم وتجديد هيكلة القلعة من قِبل وكالة الآثار والمتاحف، وذلك للمحافظة على القلعة، وعلى تصميمها، وعلى بنائها لتبقى صامدة في وجه الزمن الذي يمر ويتعاقب عليها عبر العصور.
وينسج الرواة قصة يتناقلها بعض الناس ويتخطفها المرجفون الذين همهم تشتيت الناس وتشويه التاريخ وتشويش أفكار الناس بما لا يقوم على أساس علمي، وهي قصة لا إخالها إلا من الخيال المبالغ به حول سبب تسمية قلعة (وادرين)، وهي أن امرأة اسمها (وادرين) كانت تعيش في منطقة القصيم في المملكة العربية السعودية، هي وزوجها الذي كان يعرف عنه ويشاع حبه الكبير لها، والذي كان يحقّق لزوجته (وادرين) كل ما تطلبه وترغب به وتتمناه، وفي إحدى الأيام طلبت (وادرين) من زوجها المـُحِب أن يأخذها برحلة إلى البحر لرغبتها في ركوب القارب، وبعد أن ركبت (وادرين) وزوجها القارب جاءت أمواج عالية من المياه ممّا أدى إلى غرق القارب ووفاة الزوج، أمّا (وادرين) فاستطاعت النجاة بحياتها وذهبت بها المياه إلى مكان مهجور كان به قلعة، فسكنت (وادرين) هذه القلعة، وعندما تمّ اكتشاف القصة التي كتبتها (وادرين) عن حياتها سُمّيتْ قلعة (وادرين) نسبة إلى اسمها لأنها أوّل من سكنها.
ويظهر الوضع والاختلاق في القصية جلياً ولكن من باب الأمانة ومحاولة الإحاطة والشمول سقتها هنا.
صالح بن إبراهيم بن صالح العوض. الرس – الخميس 1445/5/2هـ.
الموافق 2023/11/16م.