أ.د. محمد جمال صقر
11-11-2012, 09:54 AM
تَفْجِيرُ عَرُوضِ الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ
للدكتور محمد جمال صقر*
مُقَدِّمَةٌ
تَفْجيرُ نِظامِ الشِّعْرِ الْعَرَبيِّ
[1] إن تَفْجيرَ نِظامِ الشِّعْرِ مصطلح فني شعري غربي حديث ، وقع في أثناء مقالات الشيوعيين النقدية، دالا على نزاع المضمون الثوري الطبيعة للشكل المحافظ الطبيعة ، وصولا إلى اتساق الموضوع والبناء ، ثم في أثناء مقالات السّرْياليّين النقدية، دالا على رفض سيطرة العلاقات العقلية ، وصولا إلى الكتابة الآليَّة أو العَفْويَّة أو الحُلُميَّة ، ثم عُرِّبَ في مقالات الشِّعْريّينَ العرب النقدية ، دالا على اليأس من أن يستفيدوا من نظام الشعر الغربي ما يعالجون به مرض نظام الشعر العربي يخصبون جديبه ويعمرون خرابه، وصولا إلى رَدْمِ ما شَسَعَ بين النِّظامَيْنِ من هُوَّةٍ بَطينَةٍ .
[2] وإن التَّفْجيرَ (شِدَّةَ الفَجْرِ) في العربية، هو التَّشْقيقُ (شِدَّةُ الشَّقِّ)، الذي يكون لخير كتَفْجيرِ الأرض عن الماء، ويكون لشر كتَفْجيرِ الجسم عن الدم ، والذي لم يكن في ثماني المرات الواقعة بالقرآن الكريم، إلا لخير ، كما في قول الحق -سبحانه، وتعالى!-: "عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرونَها تَفْجيرًا" ، الذي يبين مما أعده في الجنة لعباده الأبرار، أنهم "يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم" ، أي يفجرون عن العين الأَرضَ، وإن جعله المجاز للعين. ثم يكاد التَّفْجيرُ لا يكون في الكلام العربي الحديث، إلا لشر !
[3] وإن نِظامَ كلِّ أمر "مِلاكُه (...) كذلك هو في كل شيء حتى يقال: ليس لأمره نِظامٌ أي لا تستقيم طريقته" ؛ فيكون نِظامُ الشِّعْرِ هو عماده الذي به قيامه ثم قوامه. قال المرزوقي: "الواجب أن يتبين ما هو عمود الشعر المعروف عند العرب، ليتميز تليد الصنعة من الطريف، وقديم نِظامِ الْقَريضِ من الحديث " ، ولئن قاله في توجيه اختيارات المختار، إنه لوارد صحيح أيضا في بيان إنشاء المنشئ.
لقد كانت لعمود الشعر عنده سبعة أبواب:
1 شَرَفُ الْمَعْنى وَصِحَّتُهُ.
2 جَزالَةُ اللَّفْظِ وَاسْتِقامَتُهُ.
3 الْإِصابَةُ في الْوَصْفِ.
4 المُقارَبَةُ في التَّشْبيهِ.
5 الْتِحامُ أَجْزاءِ النَّظْمِ والْتِئامُها عَلى تَخَيُّرٍ مِنْ لَذيذِ الْوَزْنِ.
6 مُناسَبَةُ الْمُسْتَعارِ مِنْهُ لِلْمُسْتَعارِ لَهُ.
7 مُشاكَلَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى وَشِدَّةُ اقْتِضائِهِما لِلْقافِيَةِ حَتّى لا مُنافَرَةَ بَيْنَهُما.
مَنْ وَلَجَ منها وجد الشعر العربي القديم عنده. ولكن أصول المقاصد (الصحة والاستقامة والإصابة) التي في هذه الأبواب، قاضية بأن من سَدَّها امتنع عليه الشعر العربي القديم.
[4] من ثم يتجلى خَطَرُ ما يرمي إليه مصطلح تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ الذي حَظِيَ بقبول المُسْتَقْبَليّينَ علماءَ وفنانينَ ، حتى استغنى عن مراجعة أصله الغربي ، وإن بقي مفتقرا عند غيرهم من القَداميّين والحَداثيّين، إلى مفهوم محدد !
هذا بعض الشعراء العرب المعاصرين يجيب من سأله فيه، بقوله: "أنا لا أفهم هذا التعبير! إذا كان المقصود بتحطيم اللغة هو تحطيم نمطية معينة في التعبير، فهذا كلام سليم. فعلًا هناك إنشاء عربي ليس سببه اللغة، بل بعض الفقهاء وبعض كتاب المقامات. هناك أنماط وأنساق تعبيرية لا تحتاج لبطولة من أجل تحطيمها؛ أصلًا الحياة حطمتها، والقوة الإبداعية عند الكاتب العربي تحطمها. أما تحطيم اللغة أو تَفْجيرُ اللغة فأنا لا أفهمه. قد يكون ترجمة، قد يكون تعبيرًا مجازيًّا مقبولًا. فعلًا الشاعر أو الأديب المبدع، يفجّر اللغة، يفجّر اللغة بقدرات وطاقات ودلالات لم تكن موجودة فيها باستعمال آخر. بهذا المعنى لا بأس. أما أن نفهم تَفْجيرَ اللغة على أنه اختراق للقواعد الأولى للغة، فهذا الكلام خطأ؛ فهذا كلام جهلة لا كلام مبدعين، لأنك كما ترى أنت في الصحف التي تنشر الشعر والنثر الآن بدون رقابة، تستطيع أن تقرأ الفاعل منصوباً والمجرور مرفوعاً بحجة أن هذا تَفْجيرٌ للغة. هذا لعب صبية لا مقولة نظرية حديثة " .
لقد نفى فهمه لدلالة تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ، ثم أثبت طرفاً من الفهم، ثم نفى، ثم أثبت، ثم إنه لما فَهِمَ طرفًا من الفهم وسلّمه سَخِرَ منه، ثم فَهِمَ غَيْرَه ورَضِيَهُ، ثم فهم غيرهما وخطّأه وجَهَّلَ مَنْ قَصَده!
ربما كان هذا الاضطراب بعض آثار طبيعة اللغة المنطوقة، التي لا تخرج في مثل اتزان اللغة المكتوبة ، غير أنه لا يخلو من أن يكون بعض آثار سوء الظن بعَراضة دعوى المنهج الحديث.
لكأن طرفًا مما فهمه من دلالة تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ، هو وحده الذي فهمه غيره قطعًا، فبَثَّنا بعض الكتاب العرب المعاصرين شُجونَه قائلاً: "أتمنّى أن يحدث هذا النوع من الزلزال أو الانفجار أو البركان بحرّية مطلقة، بحيث يمكن أن تكتب الكلمات الخبرات، فقط كما تأتي، دون التحكم فيها، أو حتى دون السعي نحو الانضباط الموسيقي والصرفي والنحوي، وهكذا" .
لقد تَمَكَّنَ من يقينه ومن قبوله جميعًا معًا، طَرَفُ دلالة تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ الذي خطّأه الشاعر السابق، حتى لقد تمناه أن يحدث؛ فاتضح أنه لم يجرّبه ولم يصادف تجريبه!
ثم لكأن هذا الطرف نفسه من دلالة تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ، هو وحده الذي فهمه غيرهما قطعًا؛ فاطّرح بعض الباحثين العرب المعاصرين نصوص حَمَلَة هذا المصطلح، من مادة أبحاثهم التي خصوها بما يعالج به الشاعرُ "التقاليد الفنية المعروفة سلفا من قِبَلِ النِّظامِ العروضي ونِظامِ القافية ومن قِبَلِ النِّظامِ النحوي بجوانبه المتعددة، ليجعل منها ابتكارا خاصّا وملمحا أسلوبيا مميزا، ويحولها إلى مثيرات أسلوبية " ؛ إذ كيف يفتشون عن وجوه معالجة نِظامِ الشِّعْرِ القديم، في نصوص يعالج أصحابها فيها حَلَّهُ وعقد نظامٍ غيره!
لقد صار تَفْجيرُ نِظامِ الشِّعْرِ بين أنصاره، مصطلحًا على منهج فني شعري مأمول، وبين خصومه مصطلحا على شعار ضالٍّ أجوف مغسول، دون أن يدلنا هؤلاء أو أولئك، على مكامن الضلال أو مظاهر الآمال؛ فظهرت الحاجة إلى البحث عن أمره.
[5] ولكن يُزَهِّدُ في هذا البحث أولا، أن يكون نُبوعُ منهج علم تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ، عند حَمَلَتِهِ، من الينبوع نفسه الذي نبع منه منهج فنه، أيْ أنّ حامِلَ المنهج الفني الناشئ وحامل المنهج العلمي المكافئ، رجلٌ واحد أو كرجل واحد، لا يقوم بحقه ولا يصلح للنظر في أمره، غيره هو ، مما يبدو سعيا إلى شهادة مجروحة .
إن حسب هذه الشهادة تقديرا أن تكون منارة في طريق العلماء؛ فهي من باب "نَقْد المُمارسين" ، الذي " يشير إلى حركة الشاعر في شعره أكثر مما يشير إلى حركة الشعر باعتباره قانونا عاما يشتمل على خصائص مشتركة، أو يرتكز إلى سمط تنصهر في متواليته عناصر نظرية خاصة بالشعر" ؛ فلا يبرأ من جَوْرِ المَيْلِ، بل " يُفَصِّل مقاله على مقامه، يُفَصِّل ثوبه على قامته " ، ولو كان ينبغي اعتماد الشاعر عالمًا بالشعر، وشهادته نظريةً فيه، لكان ينبغى أن "ندعو فيلا لكي يصبح أستاذا لمادة علم الحيوان" ، على ما في هذا القياس من مغالطة تُقْبَلُ في باب السخرية!
وقديمًا سئل أبو نواس في جرير والفرزدق؛ ففضل جريرا؛ فقيل له: إن أبا عبيدة معمر بن المثنى لا يوافقك على هذا؛ فقال: "ليس هذا من علم أبي عبيدة؛ فإنما يعرفه من دفع إلى مضايق الشعر"، ثم بعد زمان سئل البحتري في أبي نواس ومسلم؛ ففضل أبا نواس؛ فقيل له: إن أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا لا يوافقك على هذا؛ فقال: "ليس هذا من علم ثعلب وأضرابه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله؛ فإنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه"، وعلى رغم تفضيله لأبي نواس على مسلم، خالف أبا نواس إلى تفضيل الفرزدق على جرير . وفي روايةٍ أن الذي قاله البحتري، هو "ليس هذا من شأن ثعلب وذويه، من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته" !
إنه لإرث مستمر في الشعراء وكأنما يَتَواصَوْنَ به! وربما وقع لهم اللبس من أن هاهنا طالبين اثنين لا واحدا: أحدهما يطلب فن الشعر، والآخر يطلب علم الشعر، فأما الذي يطلب فن الشعر فَطَلِبَتُهُ عندهم، ولو ظنها عند العلماء ما أدركها، وأما الذي يطلب علم الشعر، فطلبته عند العلماء، ولو ظنها عندهم ما أدركها .
ولكن ينبغي لطالب كلٍّ منهما ألا يستغني بواحد ممن طلبته عندهم، وإلا ضَيَّعَ أولهما على نفسه علما كثيرا، وآخرهما على نفسه شعرا كثيرا. أما الشعر نفسه (الإنسان نفسه)، فلا غنى له بالشاعر عن العالم، ولا بالعالم عن الشاعر .
[6] ثم يُزَهِّدُ في هذا البحث ثانيا، أن يكون عجز النَّصيرِ والخَصيمِ جميعا معا، عن علم أمر تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ عند حَمَلَتِهِ كذلك، هو عينَ عِلْمِهِ ؛ مما يوشك أن يكون من تَأْليه الشاعر الذي العجزُ عن إدراكه إِدْراكٌ، سعيًا إلى أن يكون التفكير فيه إشراكا!
إن العجز عن إدراك الإنسانيّات، نَفْيٌ لها وتَوْهيمٌ ؛ فهي إنما تكون بإدراكها ، ومهما يكن معنى العجز فإن علماء المتلقين يريدون أن يَقْدِروا لا أَنْ يَعْجِزوا ، ولا خيرَ لحَمَلة تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ، في أن يُعَرِّضوا أعمالهم للغباء ، والتفاهة والضعف ، وغيرها من الأحكام !
لقد تيسرت لي طائفة مهمة من مواضع التنظير التي وقع فيها تَفْجيرُ نِظامِ الشِّعْرِ، صريحَ اللفظ، وتأمَّلْتُها مَليًّا؛ فَتَبَيَّنَتْ لي في مفهومه، بعض الأعمال المقصودة.
للدكتور محمد جمال صقر*
مُقَدِّمَةٌ
تَفْجيرُ نِظامِ الشِّعْرِ الْعَرَبيِّ
[1] إن تَفْجيرَ نِظامِ الشِّعْرِ مصطلح فني شعري غربي حديث ، وقع في أثناء مقالات الشيوعيين النقدية، دالا على نزاع المضمون الثوري الطبيعة للشكل المحافظ الطبيعة ، وصولا إلى اتساق الموضوع والبناء ، ثم في أثناء مقالات السّرْياليّين النقدية، دالا على رفض سيطرة العلاقات العقلية ، وصولا إلى الكتابة الآليَّة أو العَفْويَّة أو الحُلُميَّة ، ثم عُرِّبَ في مقالات الشِّعْريّينَ العرب النقدية ، دالا على اليأس من أن يستفيدوا من نظام الشعر الغربي ما يعالجون به مرض نظام الشعر العربي يخصبون جديبه ويعمرون خرابه، وصولا إلى رَدْمِ ما شَسَعَ بين النِّظامَيْنِ من هُوَّةٍ بَطينَةٍ .
[2] وإن التَّفْجيرَ (شِدَّةَ الفَجْرِ) في العربية، هو التَّشْقيقُ (شِدَّةُ الشَّقِّ)، الذي يكون لخير كتَفْجيرِ الأرض عن الماء، ويكون لشر كتَفْجيرِ الجسم عن الدم ، والذي لم يكن في ثماني المرات الواقعة بالقرآن الكريم، إلا لخير ، كما في قول الحق -سبحانه، وتعالى!-: "عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرونَها تَفْجيرًا" ، الذي يبين مما أعده في الجنة لعباده الأبرار، أنهم "يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم" ، أي يفجرون عن العين الأَرضَ، وإن جعله المجاز للعين. ثم يكاد التَّفْجيرُ لا يكون في الكلام العربي الحديث، إلا لشر !
[3] وإن نِظامَ كلِّ أمر "مِلاكُه (...) كذلك هو في كل شيء حتى يقال: ليس لأمره نِظامٌ أي لا تستقيم طريقته" ؛ فيكون نِظامُ الشِّعْرِ هو عماده الذي به قيامه ثم قوامه. قال المرزوقي: "الواجب أن يتبين ما هو عمود الشعر المعروف عند العرب، ليتميز تليد الصنعة من الطريف، وقديم نِظامِ الْقَريضِ من الحديث " ، ولئن قاله في توجيه اختيارات المختار، إنه لوارد صحيح أيضا في بيان إنشاء المنشئ.
لقد كانت لعمود الشعر عنده سبعة أبواب:
1 شَرَفُ الْمَعْنى وَصِحَّتُهُ.
2 جَزالَةُ اللَّفْظِ وَاسْتِقامَتُهُ.
3 الْإِصابَةُ في الْوَصْفِ.
4 المُقارَبَةُ في التَّشْبيهِ.
5 الْتِحامُ أَجْزاءِ النَّظْمِ والْتِئامُها عَلى تَخَيُّرٍ مِنْ لَذيذِ الْوَزْنِ.
6 مُناسَبَةُ الْمُسْتَعارِ مِنْهُ لِلْمُسْتَعارِ لَهُ.
7 مُشاكَلَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى وَشِدَّةُ اقْتِضائِهِما لِلْقافِيَةِ حَتّى لا مُنافَرَةَ بَيْنَهُما.
مَنْ وَلَجَ منها وجد الشعر العربي القديم عنده. ولكن أصول المقاصد (الصحة والاستقامة والإصابة) التي في هذه الأبواب، قاضية بأن من سَدَّها امتنع عليه الشعر العربي القديم.
[4] من ثم يتجلى خَطَرُ ما يرمي إليه مصطلح تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ الذي حَظِيَ بقبول المُسْتَقْبَليّينَ علماءَ وفنانينَ ، حتى استغنى عن مراجعة أصله الغربي ، وإن بقي مفتقرا عند غيرهم من القَداميّين والحَداثيّين، إلى مفهوم محدد !
هذا بعض الشعراء العرب المعاصرين يجيب من سأله فيه، بقوله: "أنا لا أفهم هذا التعبير! إذا كان المقصود بتحطيم اللغة هو تحطيم نمطية معينة في التعبير، فهذا كلام سليم. فعلًا هناك إنشاء عربي ليس سببه اللغة، بل بعض الفقهاء وبعض كتاب المقامات. هناك أنماط وأنساق تعبيرية لا تحتاج لبطولة من أجل تحطيمها؛ أصلًا الحياة حطمتها، والقوة الإبداعية عند الكاتب العربي تحطمها. أما تحطيم اللغة أو تَفْجيرُ اللغة فأنا لا أفهمه. قد يكون ترجمة، قد يكون تعبيرًا مجازيًّا مقبولًا. فعلًا الشاعر أو الأديب المبدع، يفجّر اللغة، يفجّر اللغة بقدرات وطاقات ودلالات لم تكن موجودة فيها باستعمال آخر. بهذا المعنى لا بأس. أما أن نفهم تَفْجيرَ اللغة على أنه اختراق للقواعد الأولى للغة، فهذا الكلام خطأ؛ فهذا كلام جهلة لا كلام مبدعين، لأنك كما ترى أنت في الصحف التي تنشر الشعر والنثر الآن بدون رقابة، تستطيع أن تقرأ الفاعل منصوباً والمجرور مرفوعاً بحجة أن هذا تَفْجيرٌ للغة. هذا لعب صبية لا مقولة نظرية حديثة " .
لقد نفى فهمه لدلالة تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ، ثم أثبت طرفاً من الفهم، ثم نفى، ثم أثبت، ثم إنه لما فَهِمَ طرفًا من الفهم وسلّمه سَخِرَ منه، ثم فَهِمَ غَيْرَه ورَضِيَهُ، ثم فهم غيرهما وخطّأه وجَهَّلَ مَنْ قَصَده!
ربما كان هذا الاضطراب بعض آثار طبيعة اللغة المنطوقة، التي لا تخرج في مثل اتزان اللغة المكتوبة ، غير أنه لا يخلو من أن يكون بعض آثار سوء الظن بعَراضة دعوى المنهج الحديث.
لكأن طرفًا مما فهمه من دلالة تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ، هو وحده الذي فهمه غيره قطعًا، فبَثَّنا بعض الكتاب العرب المعاصرين شُجونَه قائلاً: "أتمنّى أن يحدث هذا النوع من الزلزال أو الانفجار أو البركان بحرّية مطلقة، بحيث يمكن أن تكتب الكلمات الخبرات، فقط كما تأتي، دون التحكم فيها، أو حتى دون السعي نحو الانضباط الموسيقي والصرفي والنحوي، وهكذا" .
لقد تَمَكَّنَ من يقينه ومن قبوله جميعًا معًا، طَرَفُ دلالة تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ الذي خطّأه الشاعر السابق، حتى لقد تمناه أن يحدث؛ فاتضح أنه لم يجرّبه ولم يصادف تجريبه!
ثم لكأن هذا الطرف نفسه من دلالة تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ، هو وحده الذي فهمه غيرهما قطعًا؛ فاطّرح بعض الباحثين العرب المعاصرين نصوص حَمَلَة هذا المصطلح، من مادة أبحاثهم التي خصوها بما يعالج به الشاعرُ "التقاليد الفنية المعروفة سلفا من قِبَلِ النِّظامِ العروضي ونِظامِ القافية ومن قِبَلِ النِّظامِ النحوي بجوانبه المتعددة، ليجعل منها ابتكارا خاصّا وملمحا أسلوبيا مميزا، ويحولها إلى مثيرات أسلوبية " ؛ إذ كيف يفتشون عن وجوه معالجة نِظامِ الشِّعْرِ القديم، في نصوص يعالج أصحابها فيها حَلَّهُ وعقد نظامٍ غيره!
لقد صار تَفْجيرُ نِظامِ الشِّعْرِ بين أنصاره، مصطلحًا على منهج فني شعري مأمول، وبين خصومه مصطلحا على شعار ضالٍّ أجوف مغسول، دون أن يدلنا هؤلاء أو أولئك، على مكامن الضلال أو مظاهر الآمال؛ فظهرت الحاجة إلى البحث عن أمره.
[5] ولكن يُزَهِّدُ في هذا البحث أولا، أن يكون نُبوعُ منهج علم تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ، عند حَمَلَتِهِ، من الينبوع نفسه الذي نبع منه منهج فنه، أيْ أنّ حامِلَ المنهج الفني الناشئ وحامل المنهج العلمي المكافئ، رجلٌ واحد أو كرجل واحد، لا يقوم بحقه ولا يصلح للنظر في أمره، غيره هو ، مما يبدو سعيا إلى شهادة مجروحة .
إن حسب هذه الشهادة تقديرا أن تكون منارة في طريق العلماء؛ فهي من باب "نَقْد المُمارسين" ، الذي " يشير إلى حركة الشاعر في شعره أكثر مما يشير إلى حركة الشعر باعتباره قانونا عاما يشتمل على خصائص مشتركة، أو يرتكز إلى سمط تنصهر في متواليته عناصر نظرية خاصة بالشعر" ؛ فلا يبرأ من جَوْرِ المَيْلِ، بل " يُفَصِّل مقاله على مقامه، يُفَصِّل ثوبه على قامته " ، ولو كان ينبغي اعتماد الشاعر عالمًا بالشعر، وشهادته نظريةً فيه، لكان ينبغى أن "ندعو فيلا لكي يصبح أستاذا لمادة علم الحيوان" ، على ما في هذا القياس من مغالطة تُقْبَلُ في باب السخرية!
وقديمًا سئل أبو نواس في جرير والفرزدق؛ ففضل جريرا؛ فقيل له: إن أبا عبيدة معمر بن المثنى لا يوافقك على هذا؛ فقال: "ليس هذا من علم أبي عبيدة؛ فإنما يعرفه من دفع إلى مضايق الشعر"، ثم بعد زمان سئل البحتري في أبي نواس ومسلم؛ ففضل أبا نواس؛ فقيل له: إن أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا لا يوافقك على هذا؛ فقال: "ليس هذا من علم ثعلب وأضرابه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله؛ فإنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه"، وعلى رغم تفضيله لأبي نواس على مسلم، خالف أبا نواس إلى تفضيل الفرزدق على جرير . وفي روايةٍ أن الذي قاله البحتري، هو "ليس هذا من شأن ثعلب وذويه، من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته" !
إنه لإرث مستمر في الشعراء وكأنما يَتَواصَوْنَ به! وربما وقع لهم اللبس من أن هاهنا طالبين اثنين لا واحدا: أحدهما يطلب فن الشعر، والآخر يطلب علم الشعر، فأما الذي يطلب فن الشعر فَطَلِبَتُهُ عندهم، ولو ظنها عند العلماء ما أدركها، وأما الذي يطلب علم الشعر، فطلبته عند العلماء، ولو ظنها عندهم ما أدركها .
ولكن ينبغي لطالب كلٍّ منهما ألا يستغني بواحد ممن طلبته عندهم، وإلا ضَيَّعَ أولهما على نفسه علما كثيرا، وآخرهما على نفسه شعرا كثيرا. أما الشعر نفسه (الإنسان نفسه)، فلا غنى له بالشاعر عن العالم، ولا بالعالم عن الشاعر .
[6] ثم يُزَهِّدُ في هذا البحث ثانيا، أن يكون عجز النَّصيرِ والخَصيمِ جميعا معا، عن علم أمر تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ عند حَمَلَتِهِ كذلك، هو عينَ عِلْمِهِ ؛ مما يوشك أن يكون من تَأْليه الشاعر الذي العجزُ عن إدراكه إِدْراكٌ، سعيًا إلى أن يكون التفكير فيه إشراكا!
إن العجز عن إدراك الإنسانيّات، نَفْيٌ لها وتَوْهيمٌ ؛ فهي إنما تكون بإدراكها ، ومهما يكن معنى العجز فإن علماء المتلقين يريدون أن يَقْدِروا لا أَنْ يَعْجِزوا ، ولا خيرَ لحَمَلة تَفْجيرِ نِظامِ الشِّعْرِ، في أن يُعَرِّضوا أعمالهم للغباء ، والتفاهة والضعف ، وغيرها من الأحكام !
لقد تيسرت لي طائفة مهمة من مواضع التنظير التي وقع فيها تَفْجيرُ نِظامِ الشِّعْرِ، صريحَ اللفظ، وتأمَّلْتُها مَليًّا؛ فَتَبَيَّنَتْ لي في مفهومه، بعض الأعمال المقصودة.