أ.د. محمد جمال صقر
02-27-2024, 06:49 PM
فِقَرُ الْفُصُولِ الشَّرِيفَةِ (1/2)
لولا انتظام المعاني في الفكرة التي يؤديها الفصل من النص، لكانت أشتاتا مرسلة، يُنسي بعضها بعضا. وليس أشبه بانتظامها من انتظام اللآلئ في عِقد الحسناء؛ إذ تنتسق بسلك ائتلافها واختلافها، وتصطف، وتتوالى، حتى تكتمل. وكما تستقل بضفيرة تلك اللآلئ الطاقةُ الواحدة، تتقاسمها أحيانا الطاقاتُ المتعددة، فتتوزع بينها على نظام لطيف مُعجِب، وعلى مثل هذا تجري المعاني المنظومة في فكرة الفصل من النص؛ فتدب فيها حركة حيوية مثل حركة الأمواج مدا وجزرا أو حركة الأنغام جوابا وقرارا [صقر، 2022، النصية العروضية: 485]، وعندئذ تستقل بكل طاقة من منظومة المعاني (الفكرة)، فقرةٌ من الفصل.
وعلى غير ما جرى متوسطُ ما في النص الواحد من الفصول، جرى متوسطُ ما في الفصل الواحد من الفِقَر، فكان فقرتين وبعض فقرة (2.25) في الفصل القرآني -وهو الذي كان في نصه نفسه فصلين إلا قليلا (1.71)- وفقرتين اثنتين (2) في الفصل القدسي -وهو الذي كان في نصه نفسه فصلين وبعض فصل (2.28)- وفقرتين إلا قليلا (1.77) في الفصل النبوي -وهو الذي كان في نصه نفسه فصلا وبعض فصل (1.28)- فربما عَجِلَ ذلك المتعجل نفسه إلى تعليق زيادة التفقير بنقص التفصيل، حتى إذا ما تلبَّث عند كل نموذج مثلث ظهرت لنا وجوهٌ كريمة من البيان العربي لا يستغني عن تأملها كذلك فيما يأتي.
فِقَرُ النَّمُوذَجِ المُثَلَّثِ الْأَوَّلِ (أَصْوَاتِ الْجَزَاءِ)
اختص الفصل الأول من نص سورة "وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى" القرآنيّ، بفكرة "تصنيف الناس بأعمالهم"، على صنفين محسن ومسيء، جرى على كل منهما القضاء بما يستحق، وهو أمر عظيم من حكمة الله -سبحانه، وتعالى!- التي يدل عليها بين يديها بتقديم قَسَمٍ مناسب، يعرف العرب مناسبته، وهم الذين من عاداتهم استهلال القصيدة بما يناسب غرضها -إن خيرا فخير، وإن شرا فشر!- وهذا القرآن الكريم كلام عربي مبين؛ فكان القَسَمُ على اختلاف مَسعيَيِ المحسن والمسيء باختلاف الليل والنهار، وفي غشيان الليل تنبيه على أولية وجود النهار مثلما كان في تقديم الذَّكَر تنبيه على أولية وجوده، وكما اختلف الليل والنهار والذكر والأنثى اختلاف تكامل، يختلف المحسن والمسيء، وتموج بهما الدنيا، ولا استقرار على صنف إلا بدوام العمل إحسانا أو إساءة؛ فربما تحول العمل فتحول الصنف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
وهذه فكرة مضفورة من ثلاث طاقات:
1) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى
2) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى
3) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "القَسَم بالمختلفات على التفرق"، والفقرة الثانية بطاقة "نصيب المحسن"، والفقرة الثالثة بطاقة "نصيب المسيء".
واختص الفصل الثاني بفكرة "إنذار الناس" جميعا النار التي لا تذكر إلا بعد توثيق القدرة الربانية المتصرفة عاجلا وآجلا، فأما من يستحق العذاب فيُلقى إليها، وأما من يستحق النعيم فيُصرف عنها.
وهذه فكرة مضفورة من طاقتين:
1) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى
2) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "إعلان المقدرة"، والفقرة الثانية بطاقة "تمييز مجنَّبي النار من صُلاتها".
ثم اختص الفصل الأول من نص حديث "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ" القدسيّ، بفكرة "تحريم الظلم"، التي تأسست بتحريم المعبودِ الظلمَ على نفسه، ولكنه اختبر عباده بتركه يسعى بينهم، ونهاهم عن مقارفته، حتى يعرف الظلمُ نفسُه أنه ليس له بينهم مكان -وإن أتيح له أن يسعى بينهم- وأنهم إنما يتشبهون بربهم، لا بعدوِّ ربهم.
وهذه فكرة واحدة الطاقة:
- يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا
واختص الفصل الثاني بفكرة "تأصيل فقر العباد" إلى عون المعبود الذي ربطهم فيما سبق بنفسه حين أطلعهم على أنه حرم الظلم على نفسه، ليتشبهوا به؛ فهو يسهل عليهم سبيل هذا التشبه؛ فلا يريد منهم غير النية والإقبال، ليهديهم سبيل الرشاد، وإذا ما استقاموا على الطريقة أجابهم إلى كل ما يسألونه من أمور الدنيا، وتجاوز عما يتفلت من أخطائهم في خلال سعيهم.
وهذه فكرة مضفورة من أربع طاقات:
1) يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ
2) يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ
3) يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ
4) يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "حال الضالين"، والفقرة الثانية بطاقة "حال الجائعين"، والفقرة الثالثة بطاقة "حال العارين"، والفقرة الرابعة بطاقة "حال المخطئين".
واختص الفصل الثالث بفكرة "تأصيل غنى المعبود"، إغراء للعباد بالركون إليه والاعتماد عليه، وإزالة للحرج عنهم أن يجدوا في أنفسهم على أنفسهم، وهذا خلق الكريم -سبحانه، وتعالى!- الذي يحب أن يتشبه به كل كريم.
وهذه فكرة مضفورة من أربع طاقات:
1) يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي
2) يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا
3) يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا
4) يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "حقيقة غنى المعبود"، والفقرة الثانية بطاقة "استحالة زيادة العبد على ملك المعبود"، والفقرة الثالثة بطاقة "استحالة نقص العبد من ملك المعبود"، والفقرة الرابعة بطاقة "استحالة نقص ملك المعبود بعطاء العبد".
واختص الفصل الرابع بفكرة "تأصيل عدل المعبود"، التي خرجت مخرج القول الفصل الذي يُنزل ما قبله منزلة واحدة، بحيث يبدو سؤال العباد ربهم عملا من أعمال إحسانهم، وإعراضهم عن سؤاله عملا من أعمال إساءتهم!
وهذه فكرة واحدة الطاقة:
- يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ
ثمتَ اختص نص حديث "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ" النبويّ، ذو الفصل الواحد، بفكرة "شكر إحسان بعض المحسنين"، وعبر عنها بأسلوب الإجمال والتفصيل التعليمي النبوي المعروف -وفي طبيعته النحوية سجلنا قديما لبعض تلامذتنا رسالة ماجستير، ثم عثر في أثناء بحثه على رسالة ماجستير في طبيعته البلاغية- الحريص على إيعاب المتلقين المرجوين لإيعاب غيرهم، وهكذا دواليك!
وهذه فكرة مضفورة من طاقتين:
1) سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ
2) إِمَامٌ عَدْلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "الإجمال"، والفقرة الثانية بطاقة "التفصيل".
فِقَرُ النَّمُوذَجِ المُثَلَّثِ الثَّانِي (أَصْوَاتِ الْوَلَايَةِ)
واختص الفصل الأول من نص سورة "وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى" القرآني، بفكرة "قسم الولي على الولاية" ثلاثا؛ فإن الوليَّ إذا خشي الإساءةَ نفاها عن نفسه وليُّه، وإذا ذكر الوليُّ الأولى فضَّل عليها وليُّه الآخرةَ، وإذا أخرج الوليُّ الأولى من اعتباره بشَّره وليُّه بنعمته عليه فيها، على سنته التي لا تتبدل فيمن قدم الآخرة على الأولى، أن تأتيه الأولى راغمة، وتظل الآخرة سالمة!
وهذه فكرة مضفورة من ثلاث طاقات:
1) وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
2) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى
3) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "القسم على عدم الإساءة"، والفقرة الثانية بطاقة "القسم على خيرية الآخرة"، والفقرة الثالثة بطاقة "القسم على العطاء فالإرضاء".
واختص الفصل الثاني بفكرة "الاحتجاج للولاية" ثلاثا -فإن الكريم الذي لا زمان عنده، إذا أقسم كان قد وَفَى- وهل في التحبب أوضح من أن يذكِّر المعبودُ عبدَه قديمَ عنايتِه به!
وهذه فكرة مضفورة من ثلاث طاقات أيضا:
1) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى
2) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى
3) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "الاحتجاج لعدم الإساءة بالإيواء من اليتم"، والفقرة الثانية بطاقة "الاحتجاج لخيرية الآخرة بالهداية من الضلال"، والفقرة الثالثة بطاقة "الاحتجاج للعطاء فالإرضاء بالإغناء من الفقر".
واختص الفصل الثالث بفكرة "الدلالة على حفظ الولاية"، بثلاث وصايا تجري مجرى ما قبلها من أقسام واحتجاجات، لتكون حين تُستَوفى من شكر النعمة الذي يستزيدها؛ فمن عرف اليتم والضلال والفقر، وعافاه الله- تحرّى إكرام اليتيم وهداية الضال وإغناء الفقير.
وهذه فكرة مضفورة من ثلاث طاقات أيضا:
1) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ
2) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ
3) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "الوصية باليتيم"، والفقرة الثانية بطاقة "الوصية بالسائل"، والفقرة الثالثة بطاقة "الوصية بالنعمة". فإذا كان السائل هو طالب الإحسان وكانت النعمة هي الهداية، كانت الوصايا غير مرتبة على وفق الاحتجاجات السابقة! وإذا كان السائل هو طالب الإحسان أو الهداية كانت الوصايا اثنتين مرتبتين أولاهما مفردة والآخرة مركبة، وكانت الوصية الثالثة مفتوحة لتعم ما يوفق إليه من إكرام اليتيم وإجابة السائل، مع ما تقدم له هو من العناية!
ثم اختص الفصل الأول من نص حديث "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا" القدسي، بفكرة "تهدُّد المُعادي"، لتكون إعلانَ حمايةٍ مقدَّمًا، يُطمئن الولي، ويُحذر العدو؛ فإنه إذا خَلَت الولاية من هذا التحذير وتلك الطمأنة أحدهما أو كليهما، بَطَلت! وذلك من طرفي الولاية كليهما معروفٌ؛ فلن يكون أحدُهما وليَّ الآخر دون أن يكون الآخرُ وليَّه، ولن تصح ولاية أحدهما إلا بصحة ولاية الآخر!
وهذه فكرة واحدة الطاقة:
- مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ
واختص الفصل الثاني بفكرة "الدلالة على وسائل تحصيل الولاية"، التي ينبغي أن يغتنمها من طلبها -وطالبُ الولايةِ هو الوليّ- بعدما اطمأن في حمى وليه الذي لا يُسْلمه؛ فقد أدخلَتْه فيه النيةُ، ليتفرغ للترقي من الأصول إلى الفروع، ومن القبول إلى المحبة.
وهذه فكرة واحدة الطاقة أيضا:
- وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ
واختص الفصل الثالث بفكرة "معالم الولاية المرجوة"، التي فيها من تحذير العدو مثلُ ما فيها من طمأنة الولي؛ فإن من عرفها لم يزل للولاية طالبا وبها متمسكا وعليها حريصا، لا يجد لغيرها قيمة، ولا يلقي له بالا! كيف لا وقد كفلت له من الحياة الربانية الكريمة، ما إن لم يقدرْه قدره جازَ به قدرَ نفسه!
وهذه فكرة مضفورة من ثلاث طاقات:
1) فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا
2) وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ
3) وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "ولاية المَعِيَّة"، والفقرة الثانية بطاقة "ولاية الإعطاء عند السؤال"، والفقرة الثالثة بطاقة "ولاية الإعاذة عند الاستعاذة".
واختص الفصل الرابع بفكرة "جلال مكانة الولي"، جلالًا حار في غرابة التعبير عنه متأملوه، وأوشك بعضهم أن يهلك فيه نفسه، إثباتا وإنكارا [الذهبي، "ميزان الاعتدال": 11/641-642، والدبيخي، "أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة": 251-270]، لولا ما يعرفون من سنة مراعاة أسلوب التعبير العربي في مخاطبة العرب؛ قال ابن تيمية: "هذا حديث شريف قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث رُوي في صفة الأولياء. وقد رد هذا الكلامَ طائفةٌ، وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب. وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد! والتحقيق أن كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمة منه ولا أفصح ولا أحسن بيانا منه؛ فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم وأسوئهم أدبا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله -صلى الله عليه، وسلم!- عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة! ولكن المتردد منا -وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ثم هذا باطل- فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه (...) والمقصود هنا التنبيه على أن الشيء المعين يكون محبوبا من وجه مكروها من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أن هذا في الأفعال فهو في الأشخاص، والله أعلم [ابن تيمية، "مجموع الفتاوى": 18/129-130، 135]!
وهذه فكرة واحدة الطاقة:
- وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ
ثُمَّتَ اختص نص "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ" النبوي، ذو الفصل الواحد، بفكرة "المؤانسة"، التي أحكمت على المتلقين أطراف قصة قصيرة تستغرق بحركتها انتباههم حتى يعيش فيها كل واحد منهم كأنه المرادُ أن يكون صاحبَها. قصة شديدة طرافة السرد؛ إذ تتجه إلى المتلقين الحاضرين، وتصرفهم إلى المستقبل المتوقع، ثم تلفتهم إلى الماضي المحفوظ، فيظلون بين تقدير أن صاحب القصة واحد منهم ربما كان فيهم، وتقدير أنه واحدٌ ممن كان قبلهم، لا يمتنع أن يكونه واحدٌ منهم!
وهذه فكرة مضفورة من طاقتين:
1) لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ
2) فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "الشدة"، والفقرة الثانية بطاقة "الفرج".
لولا انتظام المعاني في الفكرة التي يؤديها الفصل من النص، لكانت أشتاتا مرسلة، يُنسي بعضها بعضا. وليس أشبه بانتظامها من انتظام اللآلئ في عِقد الحسناء؛ إذ تنتسق بسلك ائتلافها واختلافها، وتصطف، وتتوالى، حتى تكتمل. وكما تستقل بضفيرة تلك اللآلئ الطاقةُ الواحدة، تتقاسمها أحيانا الطاقاتُ المتعددة، فتتوزع بينها على نظام لطيف مُعجِب، وعلى مثل هذا تجري المعاني المنظومة في فكرة الفصل من النص؛ فتدب فيها حركة حيوية مثل حركة الأمواج مدا وجزرا أو حركة الأنغام جوابا وقرارا [صقر، 2022، النصية العروضية: 485]، وعندئذ تستقل بكل طاقة من منظومة المعاني (الفكرة)، فقرةٌ من الفصل.
وعلى غير ما جرى متوسطُ ما في النص الواحد من الفصول، جرى متوسطُ ما في الفصل الواحد من الفِقَر، فكان فقرتين وبعض فقرة (2.25) في الفصل القرآني -وهو الذي كان في نصه نفسه فصلين إلا قليلا (1.71)- وفقرتين اثنتين (2) في الفصل القدسي -وهو الذي كان في نصه نفسه فصلين وبعض فصل (2.28)- وفقرتين إلا قليلا (1.77) في الفصل النبوي -وهو الذي كان في نصه نفسه فصلا وبعض فصل (1.28)- فربما عَجِلَ ذلك المتعجل نفسه إلى تعليق زيادة التفقير بنقص التفصيل، حتى إذا ما تلبَّث عند كل نموذج مثلث ظهرت لنا وجوهٌ كريمة من البيان العربي لا يستغني عن تأملها كذلك فيما يأتي.
فِقَرُ النَّمُوذَجِ المُثَلَّثِ الْأَوَّلِ (أَصْوَاتِ الْجَزَاءِ)
اختص الفصل الأول من نص سورة "وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى" القرآنيّ، بفكرة "تصنيف الناس بأعمالهم"، على صنفين محسن ومسيء، جرى على كل منهما القضاء بما يستحق، وهو أمر عظيم من حكمة الله -سبحانه، وتعالى!- التي يدل عليها بين يديها بتقديم قَسَمٍ مناسب، يعرف العرب مناسبته، وهم الذين من عاداتهم استهلال القصيدة بما يناسب غرضها -إن خيرا فخير، وإن شرا فشر!- وهذا القرآن الكريم كلام عربي مبين؛ فكان القَسَمُ على اختلاف مَسعيَيِ المحسن والمسيء باختلاف الليل والنهار، وفي غشيان الليل تنبيه على أولية وجود النهار مثلما كان في تقديم الذَّكَر تنبيه على أولية وجوده، وكما اختلف الليل والنهار والذكر والأنثى اختلاف تكامل، يختلف المحسن والمسيء، وتموج بهما الدنيا، ولا استقرار على صنف إلا بدوام العمل إحسانا أو إساءة؛ فربما تحول العمل فتحول الصنف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
وهذه فكرة مضفورة من ثلاث طاقات:
1) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى
2) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى
3) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "القَسَم بالمختلفات على التفرق"، والفقرة الثانية بطاقة "نصيب المحسن"، والفقرة الثالثة بطاقة "نصيب المسيء".
واختص الفصل الثاني بفكرة "إنذار الناس" جميعا النار التي لا تذكر إلا بعد توثيق القدرة الربانية المتصرفة عاجلا وآجلا، فأما من يستحق العذاب فيُلقى إليها، وأما من يستحق النعيم فيُصرف عنها.
وهذه فكرة مضفورة من طاقتين:
1) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى
2) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "إعلان المقدرة"، والفقرة الثانية بطاقة "تمييز مجنَّبي النار من صُلاتها".
ثم اختص الفصل الأول من نص حديث "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ" القدسيّ، بفكرة "تحريم الظلم"، التي تأسست بتحريم المعبودِ الظلمَ على نفسه، ولكنه اختبر عباده بتركه يسعى بينهم، ونهاهم عن مقارفته، حتى يعرف الظلمُ نفسُه أنه ليس له بينهم مكان -وإن أتيح له أن يسعى بينهم- وأنهم إنما يتشبهون بربهم، لا بعدوِّ ربهم.
وهذه فكرة واحدة الطاقة:
- يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا
واختص الفصل الثاني بفكرة "تأصيل فقر العباد" إلى عون المعبود الذي ربطهم فيما سبق بنفسه حين أطلعهم على أنه حرم الظلم على نفسه، ليتشبهوا به؛ فهو يسهل عليهم سبيل هذا التشبه؛ فلا يريد منهم غير النية والإقبال، ليهديهم سبيل الرشاد، وإذا ما استقاموا على الطريقة أجابهم إلى كل ما يسألونه من أمور الدنيا، وتجاوز عما يتفلت من أخطائهم في خلال سعيهم.
وهذه فكرة مضفورة من أربع طاقات:
1) يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ
2) يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ
3) يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ
4) يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "حال الضالين"، والفقرة الثانية بطاقة "حال الجائعين"، والفقرة الثالثة بطاقة "حال العارين"، والفقرة الرابعة بطاقة "حال المخطئين".
واختص الفصل الثالث بفكرة "تأصيل غنى المعبود"، إغراء للعباد بالركون إليه والاعتماد عليه، وإزالة للحرج عنهم أن يجدوا في أنفسهم على أنفسهم، وهذا خلق الكريم -سبحانه، وتعالى!- الذي يحب أن يتشبه به كل كريم.
وهذه فكرة مضفورة من أربع طاقات:
1) يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي
2) يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا
3) يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا
4) يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "حقيقة غنى المعبود"، والفقرة الثانية بطاقة "استحالة زيادة العبد على ملك المعبود"، والفقرة الثالثة بطاقة "استحالة نقص العبد من ملك المعبود"، والفقرة الرابعة بطاقة "استحالة نقص ملك المعبود بعطاء العبد".
واختص الفصل الرابع بفكرة "تأصيل عدل المعبود"، التي خرجت مخرج القول الفصل الذي يُنزل ما قبله منزلة واحدة، بحيث يبدو سؤال العباد ربهم عملا من أعمال إحسانهم، وإعراضهم عن سؤاله عملا من أعمال إساءتهم!
وهذه فكرة واحدة الطاقة:
- يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ
ثمتَ اختص نص حديث "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ" النبويّ، ذو الفصل الواحد، بفكرة "شكر إحسان بعض المحسنين"، وعبر عنها بأسلوب الإجمال والتفصيل التعليمي النبوي المعروف -وفي طبيعته النحوية سجلنا قديما لبعض تلامذتنا رسالة ماجستير، ثم عثر في أثناء بحثه على رسالة ماجستير في طبيعته البلاغية- الحريص على إيعاب المتلقين المرجوين لإيعاب غيرهم، وهكذا دواليك!
وهذه فكرة مضفورة من طاقتين:
1) سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ
2) إِمَامٌ عَدْلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "الإجمال"، والفقرة الثانية بطاقة "التفصيل".
فِقَرُ النَّمُوذَجِ المُثَلَّثِ الثَّانِي (أَصْوَاتِ الْوَلَايَةِ)
واختص الفصل الأول من نص سورة "وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى" القرآني، بفكرة "قسم الولي على الولاية" ثلاثا؛ فإن الوليَّ إذا خشي الإساءةَ نفاها عن نفسه وليُّه، وإذا ذكر الوليُّ الأولى فضَّل عليها وليُّه الآخرةَ، وإذا أخرج الوليُّ الأولى من اعتباره بشَّره وليُّه بنعمته عليه فيها، على سنته التي لا تتبدل فيمن قدم الآخرة على الأولى، أن تأتيه الأولى راغمة، وتظل الآخرة سالمة!
وهذه فكرة مضفورة من ثلاث طاقات:
1) وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
2) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى
3) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "القسم على عدم الإساءة"، والفقرة الثانية بطاقة "القسم على خيرية الآخرة"، والفقرة الثالثة بطاقة "القسم على العطاء فالإرضاء".
واختص الفصل الثاني بفكرة "الاحتجاج للولاية" ثلاثا -فإن الكريم الذي لا زمان عنده، إذا أقسم كان قد وَفَى- وهل في التحبب أوضح من أن يذكِّر المعبودُ عبدَه قديمَ عنايتِه به!
وهذه فكرة مضفورة من ثلاث طاقات أيضا:
1) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى
2) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى
3) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "الاحتجاج لعدم الإساءة بالإيواء من اليتم"، والفقرة الثانية بطاقة "الاحتجاج لخيرية الآخرة بالهداية من الضلال"، والفقرة الثالثة بطاقة "الاحتجاج للعطاء فالإرضاء بالإغناء من الفقر".
واختص الفصل الثالث بفكرة "الدلالة على حفظ الولاية"، بثلاث وصايا تجري مجرى ما قبلها من أقسام واحتجاجات، لتكون حين تُستَوفى من شكر النعمة الذي يستزيدها؛ فمن عرف اليتم والضلال والفقر، وعافاه الله- تحرّى إكرام اليتيم وهداية الضال وإغناء الفقير.
وهذه فكرة مضفورة من ثلاث طاقات أيضا:
1) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ
2) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ
3) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "الوصية باليتيم"، والفقرة الثانية بطاقة "الوصية بالسائل"، والفقرة الثالثة بطاقة "الوصية بالنعمة". فإذا كان السائل هو طالب الإحسان وكانت النعمة هي الهداية، كانت الوصايا غير مرتبة على وفق الاحتجاجات السابقة! وإذا كان السائل هو طالب الإحسان أو الهداية كانت الوصايا اثنتين مرتبتين أولاهما مفردة والآخرة مركبة، وكانت الوصية الثالثة مفتوحة لتعم ما يوفق إليه من إكرام اليتيم وإجابة السائل، مع ما تقدم له هو من العناية!
ثم اختص الفصل الأول من نص حديث "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا" القدسي، بفكرة "تهدُّد المُعادي"، لتكون إعلانَ حمايةٍ مقدَّمًا، يُطمئن الولي، ويُحذر العدو؛ فإنه إذا خَلَت الولاية من هذا التحذير وتلك الطمأنة أحدهما أو كليهما، بَطَلت! وذلك من طرفي الولاية كليهما معروفٌ؛ فلن يكون أحدُهما وليَّ الآخر دون أن يكون الآخرُ وليَّه، ولن تصح ولاية أحدهما إلا بصحة ولاية الآخر!
وهذه فكرة واحدة الطاقة:
- مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ
واختص الفصل الثاني بفكرة "الدلالة على وسائل تحصيل الولاية"، التي ينبغي أن يغتنمها من طلبها -وطالبُ الولايةِ هو الوليّ- بعدما اطمأن في حمى وليه الذي لا يُسْلمه؛ فقد أدخلَتْه فيه النيةُ، ليتفرغ للترقي من الأصول إلى الفروع، ومن القبول إلى المحبة.
وهذه فكرة واحدة الطاقة أيضا:
- وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ
واختص الفصل الثالث بفكرة "معالم الولاية المرجوة"، التي فيها من تحذير العدو مثلُ ما فيها من طمأنة الولي؛ فإن من عرفها لم يزل للولاية طالبا وبها متمسكا وعليها حريصا، لا يجد لغيرها قيمة، ولا يلقي له بالا! كيف لا وقد كفلت له من الحياة الربانية الكريمة، ما إن لم يقدرْه قدره جازَ به قدرَ نفسه!
وهذه فكرة مضفورة من ثلاث طاقات:
1) فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا
2) وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ
3) وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "ولاية المَعِيَّة"، والفقرة الثانية بطاقة "ولاية الإعطاء عند السؤال"، والفقرة الثالثة بطاقة "ولاية الإعاذة عند الاستعاذة".
واختص الفصل الرابع بفكرة "جلال مكانة الولي"، جلالًا حار في غرابة التعبير عنه متأملوه، وأوشك بعضهم أن يهلك فيه نفسه، إثباتا وإنكارا [الذهبي، "ميزان الاعتدال": 11/641-642، والدبيخي، "أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة": 251-270]، لولا ما يعرفون من سنة مراعاة أسلوب التعبير العربي في مخاطبة العرب؛ قال ابن تيمية: "هذا حديث شريف قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث رُوي في صفة الأولياء. وقد رد هذا الكلامَ طائفةٌ، وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب. وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد! والتحقيق أن كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمة منه ولا أفصح ولا أحسن بيانا منه؛ فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم وأسوئهم أدبا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله -صلى الله عليه، وسلم!- عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة! ولكن المتردد منا -وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ثم هذا باطل- فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه (...) والمقصود هنا التنبيه على أن الشيء المعين يكون محبوبا من وجه مكروها من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أن هذا في الأفعال فهو في الأشخاص، والله أعلم [ابن تيمية، "مجموع الفتاوى": 18/129-130، 135]!
وهذه فكرة واحدة الطاقة:
- وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ
ثُمَّتَ اختص نص "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ" النبوي، ذو الفصل الواحد، بفكرة "المؤانسة"، التي أحكمت على المتلقين أطراف قصة قصيرة تستغرق بحركتها انتباههم حتى يعيش فيها كل واحد منهم كأنه المرادُ أن يكون صاحبَها. قصة شديدة طرافة السرد؛ إذ تتجه إلى المتلقين الحاضرين، وتصرفهم إلى المستقبل المتوقع، ثم تلفتهم إلى الماضي المحفوظ، فيظلون بين تقدير أن صاحب القصة واحد منهم ربما كان فيهم، وتقدير أنه واحدٌ ممن كان قبلهم، لا يمتنع أن يكونه واحدٌ منهم!
وهذه فكرة مضفورة من طاقتين:
1) لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ
2) فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ
استقلت الفقرة الأولى بطاقة "الشدة"، والفقرة الثانية بطاقة "الفرج".