المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ونراه قريبا


صالح الصعب
11-29-2014, 12:59 PM
ونراه قريبا ..

إن استسلام صاحب الدعوة نفسه لأقدار الله لا عجالة في استباقها و التريث معها بلا ملالة ، والوثوق بموعود الحق بلا تزلزل ؛ كلها من وراء أسباب النصر المرسوم إلى حينه المعلوم ، إن صاحب الرسالة الحقة من الله يصطحب في نفسه أنه يركن إلى الله وإن آذاه خلقٌ من خلق الله فمن يسنده غير الإحساس بذلك المرتكن .
إن وعد الله جازم قاطع لمن لايترائى له ذلك : " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ... " فتتسائل النفس العجولة قائلة : إذا مابال قتلانا ملآى الشوارع والصفحات ، وعلام الثكالى تهز صرخاتهن الطرقات المبعثرة فتصخ آذان البعيد قبل القريب ، وماذنب أطفالنا تؤن أعينهم هلعاً وبطونهم تشتكي الأيام لطول ساعاتها ، تُرمى البراميل فتقع في النفوس تهزها هزاً قبل أن تُزهق هذه النفوس الزكية ، ولأي مدى تمور مورا صور الهزائم الظاهرة ، وهذه الغلبة المقدرة تتكرر حيناً بعد حين ، فأين موعود الله وأين النصر المبين ؟
هنا تفترق الطرق على المشاهد والمراقب للحدث وأظهرها طريقان - والعلم عنده سبحانه - ، أولها سالكٌ قياس الأمور على ظاهرها لايرون حتى لُمعة تلوح في سماء الحدث تدل على وعود التمكين أو حتى الخلاص من هذا البأس المبين ، فتتراجع الثقة بذاك القطع الرباني وإن ادعى وصلاً بليلى ، فيغير من قناعاته زاعماً أنّ هناك خللاً في الفهم لدى فهمنا لتفسير الحدث ، وسوء انضباط مشاعر تحركنا للمستحيل ! وهو خروجنا عن نظم الواقع والقفز عليه بهذه الآيات الكريمات !
وآخرون يتفرع مسلكهم على الأول فيقيسون نتائج الإستبداد المتسلط على هذه الأمة المكلومة بمسافات قصيرة لاتتجاوز حدود نظرتهم القاصرة فيبحثون عن الحلول الناجحة و سريعة المفعول فيبادرون بالمواجهة ويعللون حتميتها بأن لامناص منها ولابد منها الآن ! فيتم القفز هذه المرة على السنن الكونية في صيرورة التمكين ولأنهم أحبوا العاجلة كانوا ولابد في الآخرة عند المواجهة ، أما أصحاب العزيمة الصادقة والمستوعبة لمنهج النبوة والآخذة بمجامع القضية الكبرى قضية العقيدة وقضية التمكين في الأرض فهم بلا ريب قد أيقنوا بأن طريقها وعر المسلك يفيض بالمهالك ولأن على جنباته منارات تشعلها التضحيات بالمال والنفس ، حتى تقف بالقضية إلى قدرها المعلوم سلماً أو حرباً ، كان على أثرها هذه الثقةٍ الخالصة مع قضيتهم ، فهذا إبراهيم عليه السلام يرمى في هذا الجحيم الإنساني المتوحش بلا رحمة ، لا ترقبه إلا العقول الوثنية ولاتَرى إلا أنه قد هلك في الغابرين وأصبح درساً للعابرين ، ولأن هذه النظرة الخاسرة من هذه العقول المقيدة بالأحجار الصامتة لم تكن تعرف منتهى العقيدة وأدبياتها اجتالتهم وتحولت عنهم ، وتوطنت في بلد غير ذي زرع لكنه صالح لغرسها ورعايتها ولو بعد حين من الزمن فهي تمضى بطرقات متباعدة واختيار مقامها تابع لحكمة الله تعالى .
إن المتأمل لسنن التمكين يرى أنها تجري لمستقر لها لاتراع مشاعر أفراد أو جماعات ولاتقف لأجل استكمال نظريات بشرية ، فهي تطلب من أصحاب الحق أن ينقادوا لها لا أن تنقاد هي ، وهي تريد أيضا من أصحاب الدعوة أن يمضوا بدعوتهم لبعيد ولو كان حتفهم لأجلها قريب ، لا يتباطئون لحظة واحدة وذلك لنبأٍ قد استقر في أنفسهم أنهم حملة قضية كبرى وقد يحصل أنهم لايستطيعون حملها إلا بضع سنين لمجرى العادة في النوع هذا الطريق ، لتأتي آجال تودعها أجيال يتحرك لأجل تعجيلها تاريخ البشرية فيتم عهدها الذي تمم مرادها ، ويظل يعرضها التاريخ بين الفينة والأخرى عبر تقليب صفحاته لتبقى في الذاكرة البشرية مشتعلة توقد لمن ورائها إلى يوم يبعثون .
قد يحصل النصر في صورته القريبة لا البعيدة ولايتم ذلك إلا في زمن تمام اكتمال الصورة الشاملة لمنهج العقيدة حيث الصفوف الموحِّدة والمتوحدة والقلوب الهاتفة بلبيك ربنا وسعديك وتمايز سبل الضلال عن سبل الرشاد .
وهناك ملحظ آخر يحسن الوقوف عند بابه لنلج من عنده لحقائق ومنها أن الصبر والإستسلام لأمر الله تعالى في الأحداث المزلزلة والحانقة ؛ يجب أن نتلقفه بالسكينة والرضى مصطحبين الثقة به سبحانه وأن يتمنع على بعض فكرنا بالإقتراحات والحلول التي لاتجدي طائلا مع تدبير اللطيف بعباده .
عندها يكون قد خطونا خطوات حثيثة نحو النصر وهو النصر على الذات والشهوات المحقق للنصر الداخلي الذي بطبعه سيخرج من كينونته إلى الخارج فيتتم صورة النصر الخارجي وذلك لتلازمهما وترابط أواصرهما أيما ترابط
بقي أن نقول :
أن أصحاب الدعوة السابقون الأولون ليس لديهم خيارات أخرى في وجودهم لهذه القضية الكبرى إلا أن يعيشوا خارجها ليأتي من بعدهم يعيشوا في كنفها بهدوء ، للأسف هي سنة إجتماعية قرآنية أو سمها بلا مجازفة هي سنة كونية .



ملاحظة :
هذا المقال نزل في عدد محرم لمجلة البيان