المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أضواء على ما مضى من تحقيقات


أ.د إسماعيل العمايرة
11-20-2012, 09:47 PM
هذه إطلالة على أظهر النتائج التي أسفرت عنها هذه الدراسة، وهي:
1- كثيراً ما تكون المادة اللغويّة واحدة، بمعنى واحد، أو معان متقاربة، كأن تكون مادة: عين، دالة على عين الإنسان، أو عين الماء، ثمّ تحدث ألوان من الانزياح النطقي لبعض أصوات هذه المادة، وبخاصة في الأصوات التي يؤهلها تقارب بعض صفاتها للتبادل، كما هي الحال في الأصوات المطبقة مع نظيراتها غير المطبقة، أو كما هي الحال فيما بين الأصوات الصفيريّة، أو فيما بين الأصوات الحلقيّة.. وربما لا يترتب على هذا الانزياح النطقي اختلاف في المعنى، كما هي الحال في بزق- بسق- بصق.
2- قد يتبع هذا الانزياح النطقي، نوع من التوظيف الدلالي، فتصبح الأشكال النطقيّة المختلفة، ذات مدلولات متباينة في مدى تقاربها أو تباعدها مضموناً، بيد أنها تلتقي على معنى واحد، هو المعنى الأصلي لها قبل أن تتفرّع. وقد سبق تشبيه ذلك الجذر الأم في وحدة نطقه ووحده مضمونة، بالبصيلة الأم، وما نشأ عنها من بصيلات يربطها بالأم سبب، بيد أن كلاً منها غدا كياناً قائماً بنفسه، له سيرته ومسيرته ولونه وأرجه الخاص.
وهي انزياحات في الشكل والمضمون، أسهم في حدوثها أسباب التنوع اللهجي، والتميّز الطبقي الاجتماعي، والإمكانات الفرديّة.. إلى غير ذلك من عوامل.
ومن المواد التي عولجت في هذا الباب:
وثب – وتب ، شبّ – ثبّ ، أرم – هرم – قرم، خسل – حسل، حشل – حثل – حتل- حتن، دح – دع – طح – طحو – طحي، بزق – بزغ، محق – مهق – بهق، بلق- بلج، أزر – ورز، زور – زير، أرز – أرص – عرص، زرب – سرب- ذرف، حدق- حذق، حصب– حصم– حضب – حطب، ذعق- زعق، خزل- خصل- خضل، حسف- حشف، ذمّ – دم، ذمذم – دمدم، عرت- عرص، أصل- وصل- أثل- وثل- وسل، فوع – فوغ، فعو – فعي- فغو – فغي، أبن- أبل – أفل- أفن، بكم- بهم- بغم – بجم، هتن- هتل- هطل، بق – فق- بأق – بعق – بعج، دق- دك – دأك- دهك- دوك، جبس – جنس – جمس- جبز، بسر- بصر- بشر، جزع- جذع- جدع- جزأ .
3- ثمة جذور معجميّة تتألف في صوامتها من: صامت من جنس + صامتين آخرين متصلين من جنس واحد، ولذا عُدّت جذوراً ثنائية الأصل، بمعنى أن صوامتها لا تتجاوز الاثنين نوعاً، وتسمى ثلاثية مضعّفة، وتظل هذه المواد العتيقة تلتقي مع ما يفترض أنه نشأ عنها، في المعنى الأصلي وفي الصوتين الصامتين. ومن أمثلة ذلك: دحّ- دحو- دحي، صنّ- صنخ، حصّ- حصا – حصب – حصم- حضب – حطب- حصحص، دمّ- دمدم – دمي – دمو- أدم، ذم – ذمذم – ذأم ذأب- ذام ، أص (عصّ)- أصل، بق (فق) – بوق- بأق- بعق، بجّ (مجّ) بعج، دكّ – دأك – دوك- دهك، جزّ – جزأ (جزع)- جزم، جذّ – جذع، هم – همهم .
4- ترتب على انزياح بعض الجذور عن أصل نطقها، دخولها في ساحة جذر آخر، مختلف في الأصل نطقاً ومعنى، لأنه التقى معه التقاء عارضاً في النطق، غير أنهما في الأصل متباعدان معنى. فمادة: قرم، تدل في الأصل على الأكل والقطع والقضم، ومادة: أرم، تدل في الأصل على الشيء الكبير كالجبل والقبر الضخم، وقد تداخلت المادتان معنى من أثر انزياح نطق القاف في قرم، لتصبح: أرم. وعلى هذا أصبح لمادة: أرم معنيان: المعنى الأصلي (الشيء الضخم) والمعنى الحادث (قضم).وقد انزاح من مادة رأم،جمعرئم(وهو الظبي)على آرام(بالقلب المكاني،فكان هذا الجمع دالا على الآرام (بمعنى الظباء)والآرام بمعنى الجبال ،من أرم.ومن ذلك مادة: خضل، إذ معناها الأصلي: ابتل، ثم جاءها معنى آخر من أثر تبادل نطق الضاد فيها مع الصاد، فدلّت على معنى القطع. وانظر كذلك: بق- وبج .
5- دلت بعض المواد على المعنى وضده، كما في: وثب، التي دلت على القفز وعلى القعود أو الجلوس، والصّنان (من صنّ) دلت على الريح الخبيثة والريح الطيبة. وعلاقة الضديّة علاقة جدلية للشيء بضده. وحسب الضدية سبباً كافياً لربط الشيء بنقيضه.
6- ربما لا يسهل على المرء أن يقارب بين بعض الأصوات في مادتين أو أكثر، مقاربة مقنعة، كما هي الحال في الراء من: أرم، والزاي من: أزم، وعندئذ يبقى للمرء أن يلتفت إلى مدى تقارب الشكل الكتابي، فقد تكون المادتان مختلفتين أصلاً، ويكون التقارب عارضاً بسبب هذا التقارب الشكلي في الكتابة، وهو نوع من التصحيف وهذا احتمال وارد في نحو: حندق وحيدق، وخضل وخصل، ومصمص ومضمض. بيد أن هذا التفسير قد تزاحمه تفسيرات أخرى، ففي حندق. ربما كانت النون طارئة من أثر فك الإدغام في حدّق المضعّفة، فأصبحت: حندق، كما في: سبل ¬ سبّل – سنبل، ولكن الإدغام قد يُفكّ بالياء، كما في شطن ¬ شطّن- شيطن، وسطر ¬ سطّر – سيطر. وقد يكون ثمة مجال لنوع من التبادل الصوتي بين الأصوات المتقاربة كتابة، في نحو: مصمص، إذ الصاد قد تتبادل مع الضاد أحياناً .
7- يبدو أن ظاهرة فك الإدغام بإقحام صوت جديد على الكلمة، كانت من أهم الظواهر التي أدت إلى نشوء كثير من الأصول الرباعيّة. وهي ظاهرة تعرفها العربيّة ولهجاتها، فمعلوم أن القُفّذ (الحيوان الشوكي المعروف) نشأ عنها القنفذ، بفكّ الإدغام، بإقحام النون، ومن ذلك سُبّلة وسُنْبلة، وبطّيخ وبرطيخ، وإجّاص وإنجاص.. وغير ذلك كثير. ويبدو أن العربيّة كانت تستثمر الأصول الرباعيّة في إطلاقها على الأسماء ذات الخصوصيّة الاسميّة، التي تجمعها بالأصول الثلاثية أسباب معنويّة واضحة. ومن أمثلة ذلك في هذه الدراسة: حجل- حرجل، وحسل- حسفل، وحسل- حسكل، وخشل- خنشل، وخثل- خنثل، وصمخ- صملخ، وسمخ- سملخ، وحدق- حدلق، وحذق- حذلق، وحدق- حندق، وحصب- حصلب، وحصم- حصلب، وحصم- حصرم، وخفس- خنفس، وعتر- عنتر، وبجم- برجم، وبهق- بهلق، وبعق- بعثق، وهمل- هملل، وهمل- هتمل، وهمل- هميل.
8- ومن الظواهر التي أدت إلى تعدد الجذور اللغويّة، ظاهرة القلب المكاني، نحو: أزر- أرز، ووزر- زور، وزرب- رزب، وحصب- بحص، وحسف- سحف، وفعو- فوع، وفوغ- فغو، وفعا- أفع، ومهق- مقه- قمه، وبهلق- بلهق، ودأك- دكأ، وهمل- هلم، وهمي- هام .
9- قد يجري نوع من التوهّم في بعض الاستعمالات، كالذي حدث في: رزب (مرزاب) ¬ ميزاب (قلب الراء ياء، ربما لُثْغة) ثم قُلبت الياء همزة ¬ مئزاب، (على توهم أن الياء في: ميزاب أصليّة، ثم أبدلت الياء همزة.

ابن راضى المصرى
12-13-2012, 09:50 PM
ما أجمل هذا الكلام وكيف لا فمن يقرء للــ أ.د إسماعيل العمايرة يعلم أن هذا الكلام يكتب بماء الذهب ، فجزاك الله خيرآ يا سماحة الأستاذ الدكتور.

عبدالرحمن السليمان
04-29-2013, 04:28 PM
الأستاذ الفاضل الدكتور إسماعيل العمايرة،
شكرا جزيلا لحضرتك على هذا الجهد العلمي الرائع.
ولي عودة إلى بعض ما جاء فيه إن شاء الله.
تحياتي العطرة.

عبدالرحمن السليمان
04-29-2013, 11:55 PM
الأستاذ الفاضل الدكتور إسماعيل العمايرة،

السلام عليكم،

يطيب لي أن أشارك حضرتك اجتهادك وتصورك للقرابة اللغوية بين اللغات الجزيرية (= اللغات السامية سابقا) بهذا النص وهو جزء من مقالة لي بعنوان (في ضرورة توظيف علم اللغة المقارن في تأليف المعجم التاريخي للغة العربية) لم أستطع نشرها هنا لأن هذا الموقع لا يبيح نشر مقالات مطولة من جهة ولا يظهر الحواشي الآلية تلقيائا من جهة أخرى، مما يعرقل عملية النشر العلمي (وأرجو أن يحل القائمون عليه هاتين المشكلتين). ويمكن الاطلاع عليها كاملة في الصفحة التالية:

http://www.atinternational.org/index.php?option=com_content&view=article&id=97:2013-02-26-13-20-27&catid=36:2011-04-23-19-59-36

والنص المقتبس أدناه يتعلق بالقرابة المعجمية بين اللغات الجزيرية.


4.2. المعجم:

تشترك اللغات الجزيرية مع بعضها في النسبة العظمى من الجذور الأولية في اللغة وتبلغ عدة آلاف جذر وكلمة.(1) وتتوزع المادة المشتركة على جميع نواحي الحياة البدائية. طبعا ثمة كلمات دخلت من لغات غير جزيرية خصوصا السومرية (2) والفارسية (3) اللتين اتصلت اللغات الجزيرية بهما، وانتشرت في معظم اللغات الجزيرية، إلا أن تلك المفردات سهلة التقصي والضبط. والقرابة بين اللغات الجزيرية في مجال المفردات ثابته تنظمها قوانين صوتية كثيرة يُرجع إليها في كتب الدراسات المقارنة للغات الجزيرية خصوصا كتاب بروكلمان وكتاب موسكاتي. (4)

ويبدو من مقارنة الجذور الجزيرية عموما ببعضها بعضا أن الجذور الجزيرية الشرقية من جهة (الأكادية والعربية والعبرية الخ)، والجذور الجزيرية الغربية (المصرية القديمة والأمازيغية والكوشية) من جهة أخرى، كانت ثنائية الأصل. ولقد حافظت اللغات الجزيرية الغربية على ثنائية البناء، بينما تطورت الجذور الجزيرية الشرقية لتصبح ثلاثية البناء. وعليه فلا بد من رد الأصول الجزيرية الثلاثية البناء إلى الأصل الثنائي البناء لرؤية التجانس التأثيلي بين الجذور الجزيرية الشرقية والجذور الجزيرية الغربية وكذلك القرابة بالعين المجردة. ولا تخفى علينا أمثلة في العربية (وسائر اللغات الجزيرية الشرقية) مثل الجذر /ج م/ الذي يفيد "الجمع" والذي يتحدد معناه بالحرف الثالث المضاف إليه مثل /جمع/ و/جمل/ و/جمم/ الخ، ومثل /ق ص/ الذي يتحدد معناه بالحرف الثالث المضاف إليه أيضا مثل /قصص/ و/قصم/ و/قصر/ الخ، ومثل قريبه في اللفظ والمعنى /ق ط/ الذي يتحدد معناه بالحرف الثالث المضاف إليه أيضا مثل /قطع/ و/قطش/ و/قطر/ والأمثلة كثيرة، مع الإشارة إلى أن هذه الأفعال وبهذه الصيغ موجودة في أكثر اللغات الجزيرية، فلا داعي إلى الاسترسال في التمثيل والبرهنة.

وبتطبيق هذا المنهج، أي رد الجذر الجذر الثلاثي إلى جذر ثنائي، على كلمة /أيور/ التي تعني بالأمازيغية "هلال" (5) ، نلاحظ أن هذه الكلمة الثنائية الأصل مشتقة من الجذر الجزيري الغربي الثنائي /ور/ الذي يجانسه في اللغات الجزيرية الشرقية تأثيليا الجذر الأصلي /ور/ الذي ثُلِّثَ بإضافة الخاء إليه ليصبح /وَرْ(خٌ)/. وهذا الأخير هو اسم "القمر" و"الشهر" في اللغة الجزيرية الأم كما هو معروف. والهلال منزلة من منازل القمر. إذن ولّد الجذر الجزيري الأصلي /ور/ في اللغات الجزيرية الغربية كلمات عديدة تدل كلها على معاني "القمر" و"الشهر" و"التاريخ"، وهذه كلها معان متقاربة متصلة ببعضها بعضا اتصالا منطقيا لأن القوم كانوا يؤرخون على منازل القمر، فالتأريخ كان ولا يزال عند خلفهم على منازل القمر والقمر هو "الشهر" لأن دورته تكون في شهر واحد و"التأريخ" محسوب عليهما. (قارن الأكادية /وَرْخُ/ وكذلك /أَرْخُ/ "قمر، شهر"؛ الحبشية /وَرْخ/ "قمر، شهر"؛ الأوغاريتية /يَرْخ/ "قمر، شهر"؛ العبرية: ירח = /يَرَح/ "قمر، شهر"؛ الفينيقية: /يَرَح/ "شهر" وأخيرا السريانية: ܝܪܚܐ = /يَرحا/ "شهر").

وبالنظر إلى هذه الأمثلة نرى أن الواو الجزيرية الأصلية بقيت في الأكادية والعربية والحبشية /واو/ بينما أصبحت في العبرية والأوغاريتية والفينيقية والسريانية /ياء/ وهذه قاعدة مطردة لأنها قانون صوتي مطرد أيضا، إلا أن عجيب الاتفاق وقع بين العربية والأكادية (2900 قبل الميلاد) حيث انقلبت الواو فيهما أيضا ألفا: /وَرَّخَ/ و/أرَّخَ/ في العربية، و/وَرْخُ/ و/أَرْخُ/ في الأكادية. وهذا كثير في اللغتين ومثله في العربية: /وَلَّف/ وهو الأصل و/أَلَّف/. وإذا أمعنا النظر في الجذر /ور/ وتأملنا فيه أكثر واسترسلنا في التأمل آخذين بعين الاعتبار القاعدة التأثيلية المطردة وهي أن الجذور الجزيرية كانت ثنائية البناء ثم أضيف إليها حرف ثالث لتحديد المعنى وتدقيقه، فإن النظر والتأمل يفضيان بنا إلى اكتشاف وجود جذور أخرى مشتقة منه تدل كلها على ألفاظ ومعان متقاربة مثل:

1. /ور/ + /أ/ = /أور/ وهو "النور/النار" وكذلك "ضوء النهار" في اللغات الجزيرية، ومنه في العربية "أُوار" في قولنا "أذكى أوار النقاش" أي قدح زنده وألهبه حدة، و/أَوَّرَ/ "أشعل" الخ؛ ومنه في اللغات الجزيرية:
(الأكادية: /أُورُ/ "نور، نهار"؛ الأوغاريتية: /أُور/ "نور، نهار"؛ الآرامية: ܐܘܪܐ = /أُورا/ وكذلك العبرية: אור = /أُور/ "نور، نهار").

2. /ور/ + /ن/ = /نُور/ .. والقائمة طويلة فنكتفي بهذا القدر.

وقد يفضي بنا الحفر إلى استشفاف القرابة بين الأصل الثنائي الجزيري الغربي /ور/ وبين الفعل /رأى/ .. إلا أن ذلك يتطلب حفرا أكثر في الجذر لأن تغييرا في منازل الأحرف من الجذر وقع إلا أن المعنى بقي فـ /الرؤية/ لا تكون إلا بـ /النور/، "نور القمر" (= أوار وَرْخُ) أو نور الشمس أو نور العين أو النور الاصطناعي ..

واستطرادا في موضوع ثنائية الجذور نذكر مثالا آخر عن اختزال الجذر الثلاثي بجذر ثنائي كي تستشف القرابة اللغوية بين اللغات الجزيرية الغربية والشرقية، كلمة: /الإيمان/ المشتقة في العربية والعبرية والسريانية وغيرها من الجذر /أمن/ وهو جذر ثلاثي. أما في المصرية القديمة فهو مشتق من الجذر الثنائي /م ن/. إذن الألف مضافة لتحديد المعنى لأن المعنى العام للجذر الثنائي /من/ هو "التصديق"، أما "الإيمان" فهو حالة خاصة من التصديق ينبغي تمييزها فميزوها بإضافة الألف إلى الجذر الثنائي /من/ ليصبح ثلاثيا: /أمن/. ومن /أمن/ اشتقت كلمة /إيمان/ وكلمة /آمين/، وهي كلمة تختم بها الصلوات معناها "إني أصدق وأثبت على الإيمان"، ويستعملها المسلمون والنصارى واليهود باللفظ ذاته والمعنى ذاته. (قارن في الحبشية: /أَمَنَ/ "ثبتَ" (بضم الباء)؛ الحميرية: /أمنت/ "أمانة"؛ السريانية: ܐܡܝܢ = /أمين/ "ثابت، قوي، سرمدي"؛ العبرية: אמן = /آمِن/ "آمين" وكذلك אמנם = /أمنَم/ "حقا"). ومن المصرية القديمة /من/ "ثبت، صدق" اشتق أيضا اسم الإله المصري القديم "آمون"، الذي كان يعبد في "نو"، والذي ورد في اسم الفرعون "توت عنخ آمون".

هذا فيما يتعلق بالجذور الجزيرية الشرقية والغربية (المصرية القديمة والأمازيغية والكوشية). أما فيما يتعلق بالجذور الجزيرية الشرقية الثلاثية البناء، فإن نسبة القرابة والتجانس قد تكون (أ) مطلقة أي باللفظ والمعنى مثل فعل /كتب/، فهو في كل اللغات الجزيرية من الجذر /ك ت ب/ ويعني فيها "الكتابة"؛ أو (ب) بالتضاد مثل /وثب/ الذي يعني "جلس" في معظم اللغات الجزيرية، ومثل /أبى/ ومعناه في اللغات الجزيرية "وافق، قَبِلَ"، أو (ج) بتغيير طفيف يطرأ على ترتيب الحروف مثل /حَنَش/ في العربية الذي يجانسه /نحش/ في العبرية؛ أو في الحروف ذاتها مثل /قتل/ في العربية الذي يماثله في العبرية /قطل/ – بالطاء. وثمة، وهذا مهم، (د) ألفاظ تطورت بتطور الشعوب الجزيرية الاجتماعي مثل /لحم/ الذي تعني في العربية "لحم" وفي الآرامية والعبرية "خبز". وسنمثل أدناه على هذه الدرجات من التجانس بين اللغات الجزيرية.

1.4.2. التجانس المطلق:

ونقصد به تجانس الجذور وتماثلها وتطابقها في المبنى والمعنى. ونمثل على ذلك بالجذرين (ألل) و(أله) اللذين اشتقت منهما الألفاظ الدالة على الإله المعبود بحق عند الشعوب الجزيرية.

الجذر الأول: /إل+ل/. الأكادية: /إِلُّ(م)/؛ العبرية אל = /إِيل/؛ الفينيقية والأوغاريتية: /إلّّ/؛ السريانية: ܐܠܐ = /إيلا/؛ العربية: /إلٌّ/ وهو الله سبحانه وتعالى (انظر معنى /إلٍّ/ في الآية الكريمة: لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذِمة. سورة التوبة الآية 10. وكذلك معنى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما تُلي عليه بعض من "وحي" مسيلمة الكذاب: "إن هذا لشيء ما جاء به من إلٍّ). ويؤنث هذا اللفظ في العربية وفي اللغات الجزيرية على /إِلَّةٌ/ التي منها جاء اسم الصنم "اللات".

واسم مدينة "بابل" بالأكادية: /باب إِلِّي(م)/ أي "باب الآلهة". ولا علاقة لاسم "بابل" بحكاية بلبلة الألسن الواردة في التوراة لا من بعيد ولا من قريب. ويرد الاسم في العبرية كثيراً في أواخر الأسماء مثل اسماعيل وميكائيل وإسرائيل، وورد في العربية في أسماء مثل ياليل وشرحبيل.

الجذر الثاني: /إل+ه/. العبرية: אלוה = /إِلُوَه/ (elōah)، وانحراف اللفظ في العبرية مصدره انقلاب ألف المد قبل حروف الحلق إلىōa . (وهذا اللفظ نادر الورود في التوراة بالمفرد وكثير الورود فيها بصيغة الجمع هكذا: אלהים = /إِلُوهِيم/. ويرى علماء التوراة في جمع اسم الإله فيها مشكلة لاهوتية عويصة ويرى بعضهم أن ذلك "جمع جلالة")؛ الآرامية والسريانية ܐܠܗܐ = /إلاها/ "الإله"، والألف نهاية الكلمة الآرامية/السريانية للتعريف؛ العربية: /إله/، /إلاه/. وأصل لفظ الجلالة "الله": الإله. وحذفت الهمزة وفخمت اللام في اللفظ للتوكيد الشديد على تفرد اللفظ للدلالة على الإله المعبود بحق تمييزاً للاسم من غيره من الأسماء التي تطلق على الأوثان. ومن ثم استعمل للعلمية والله أعلم.

إذن نحن إزاء جذرين اثنين واحد ثنائي والآخر ثلاثي. وربما يكون الجذر الثنائي هو الأصل فأضيفت إليه الهاء كما أضافوها إلى الأم (/أم/ – /أمه/) وذلك في سائر اللغات الجزيرية أيضا مع فارق أن هاء /أم/ في العربية واللغات الجزيرية لا تظهر فيها إلا في حالة الجمع: "أمهات" (אמהות = /إمهُوت/ في العبرية).

أما العلاقة بين /ألل/ و/أله/ من جهة، و/ألي/ بمعنى "القسم"، فهي غير واضحة.

2.4.2. الأضداد:

لا نقصد هنا التضاد داخل اللغة الواحدة ـ فهذا موجود في أكثر اللغات الجزيرية على حدة ـ إنما نقصد التجانس بالتضاد بين اللغات الجزيرية كأن يعني الجذر المقابل لجذر ما في لغة ما ضد معناه في تلك اللغة، مثل الجذر /وثب/ الذي يعني في العربية "قفز"، بينما يعني في اللغات الجزيرية الأخرى "جلس" وبالتالي "سكن" (قارن الأكدية /وشابُ/ "جلس، سكن"؛ الأوغاريتية /يثب/ "جلس، سكن"؛ العبرية ישב = /يَشاب/ "جلس، سكن"؛ الحميرية /وشب/ "جلس، سكن"؛ الحبشية /أوسَبَ/ على وزن أفعل: "تزوج" بمعنى أن الزواج يتسبب في الجلوس والإقامة والسكن. ومنه: (رأس المثيبة) لرئيس اليهود في الدول الإسلامية في العهدين الأموي والعباسي وما تلاهما. و(المثيبة): الجالية المقيمة. وهذه الكلمة بهذا المعنى تعريب للكلمة العبرية ישיבה = /يِشِيبا/ بلفظ الباء v، عربها اليهود لاستعهمالهم الخاص للدلالة على الجالية المقيمة كما تقدم.

إذن يعني /وثب/ ـ في كل اللغات الجزيرية: "جلس" وبالتالي "سكن"، بينما يعني في العربية "قفز، نطَّ". وهذا يفسر النكتة المشهورة في كتب اللغة من أن أحد ملوك اليمن قال لعربي من عرب الشمال: (ثِب) ـ وهو يقصد (اجلس) ـ فقفز ذلك العربي وسقط على رأسه ومات .. فقال الملك: (من دخلَ ظفار حَمَّرَ) أي تكلم بالحميرية لا بالمضرية، عربية عرب الشمال ـ عربيتنا.

3.4.2. إبدال بعض الحروف:

يجانس الفعل العربي /قتل/ بناءً ومعنى الفعل الآرامي/السرياني ܩܛܠ = /قِطَل – بالطاء – وكذلك العبري קטל = /قاطَل/ كله "قَتَلَ". ومثله /حنش/ الذي يقابله في العبرية נחש = /ناحاش/ (من الجذر: نحش). وهنا نلاحظ أن إبدال بعض الحروف من بعضها لايؤثر في المعنى. صحيح أن /ناحاش/ العبرية تعمي "أفعى" وليس "حنش"، ولكن هذا لا يؤثر على القرابة البادية بين اللفظتين.

4.4.2. تطور المفاهيم حسب البئية الاجتماعية:

تتطور بعض المفاهيم الأساسية ذات المعاني المشتركة في اللغة الجزيرية الأم وتكتسب معاني مختلفة نتيجة للتطور البيئي والاجتماعي لهذا الشعب الجزيري أو ذاك. من ذلك الجذر الجزيري المشترك /لحم/. فكلمتنا (لَحْم) من التراث اللغوي الجزيري المشترك، وأصلها /لَحْمُ(م)/.

قارن الأكادية: /لِيم(م)/ (وأصلها: لحمم لأن الكتابة المسمارية لا تظهر الحاء) ومعناها: "ذوق"؛ والأوغاريتية: / لَحْم/ "خبز، طعام"؛ والسريانية: ܠܚܡܐ = /لَحْما/ "خبز، طعام"؛ والعبرية: לחם = /لِحِم/ "خبز، طعام" وלחום = /لِحُوم/ "لحم" (هكذا جاءت في سفر أيوب الإصحاح 20 الآية 23)؛ وأخيرا العربية: /لَحم:/ "اللحم".

يتضح جليا من الاستقراء الأولي لهذا الجذر أنه يعني "الطعام" بمعنى: "مادة الغذاء الرئيسية"، وكان هذا "الطعام" عند أوائل الجزيريين "اللحم" لأنهم كانوا بدوا، والبدوي يصطاد ويشوي ويأكل كما هو معلوم، ولا يزرع القمح أو يعالجه خبزا .. وتحول مفهوم هذه الكلمة الدلالي نتيجة لتطور حياة الجزيريين الاجتماعية، فدل عند قوم على "اللحم"، وعند قوم على "الخبز". (6) فالآراميون والعبران تمدنوا قبل عموم عرب الشمال (تحضر عرب الجنوب قبل عرب الشمال بقرون كثيرة)، وانتقلوا من حياة البداوة والصيد إلى حياة الاستقرار والفلاحة، فتطور مفهوم /لحم/ ـ الذي كان يدل عندهم على المادة الغذائية الرئيسية ـ من /لحم/ إلى /خبز/ كما يبدو جليا. ويؤدي الإمعان في الاستقراء والتحليل إلى الجزم بأن معنى هذا الجذر الجزيري الأصلي هو "اللحم" وليس "الخبز". وهذا يُستشف بجلاء من معاني "التحمَ" و"لُحمة" و"ملحمة" في العربية. وفي التوراة (سفر القضاة، 8:5) לחם = /لحم/ "معركة"، ومنها أيضاً في العبرية: מלחםה = /مَلْحَماة/ "ملحمة" بمعنى "معركة"، ومنها أيضاً في العبرية לחם = /لاحَم/ "عاركَ، حاربَ، التحمَ"! والمعركة، عند الأقدمين، كانت بطعن "لحم" المقاتلين "الملتحمين" بالسيف والرمح وما إليهما من آلة الحرب القديمة. (7)


إحالات وحواش

(1) جمع المادة المشتركة في اللغات الجزيرية المستشرق الفرنسي دافيد كوهين في كتابه: David Cohen (1970). Dictionnaire des racines sémitiques ou attestées dans les langue dans les langues sémitiques. Paris. Mouton. La Haye "معجم الجذور السامية كما هي في اللغات السامية". وهذا عمل تراكمي شارك في وضعه جيل من المتخصصين في المادة، وهو أهم معجم شامل يعالج المادة اللغوية المشتركة في اللغات الجزيرية.
(2) ومن الكلمات السومرية الدخيلة في العربية وكثير من اللغات الجزيرية: هيكل (وهي كلمة مركبة من /إي/ "بيت" و/جال/ "كبير") ـ ملاح ـ أَجَمَة (= الشجر الكثير الملتف) ـ أَكَّار (= الحرّاث) ـ آنُك (= الرصاص)، تموز (= شهر، من دومزي، إله الزراعة في الأساطير السومرية)، إران (= تابوت، ومنه ארון: /أَرُون/ "تابوت العهد عند اليهود") ـ تنُّور ـ سَدين (= الصوف) ـ صِير (= شق الباب عند ملتقى الرَّتاج والعِضادة) ـ فخار ـ فَرْزَل ـ قَرطالة، قَرطَلَّة (= عدل الحمار، ومنه في العامية الشامية "قَرْطَل" وهو سلة توضع فيها الفواكه خصوصاً العنب والتين) ـ كِتّان ـ كُرسي ـ كَمُّون ـ كُور (= مجمرة الحداد) ـ مَنا (= معيار قديم للكيل) ـ نَقّاد (= الراعي). انظر: Delitzsch F. (1969).
(3) الكلمات الفارسية الدخيلة مثلا فردوس وغيرها. نظر الجواليقي (1990).
(4) انظر (Brockelmann 1913) و(Moscati 1964).
(5) انظر محمد شفيق (1990) الصفحة 12.
(6) يختلف "الطعام الأساسي" في العربية اليوم باختلاف التقاليد المحلية، فهو عند المصريين "الخبز أو العِيش"، وهو عند المغاربة "الطعام أو الكُسكُس" المصنوع من دقيق القمح الخ.
(7) قارن الفرق في المعنى بين /بشر/ و/لحم/ في اللات الجزيرية من جهة، بين الفرق في المعنى بين الكلمتين الإنكليزيتين: flesh و meat من جهة أخرى، حيث تؤدي الأولى معنى "اللحم البشري" والآخر "اللحم الحيواني" الذي يؤكل. وهذا من عجيب الاتفاق في التطور السيميائي وليس الاشتقاقي.

سامر آغا
03-31-2021, 11:45 AM
رحمك الله يا دكتور إسماعيل العمايرة
كنت بحراً في العلم، وقامة سامقة في الأدب والتواضع والتفاني
فجزاك الله خير الجزاء، وأعظم جزاءك في جنات النعيم
تلميذك الوفي سامر