أ.د إسماعيل العمايرة
11-30-2012, 10:37 AM
(47)
أبر / وبر
ورد في هاتين المادتين: أبر، ووبر، معنى متكرر، وهو المعنى الدال على تأبير النخل، أي تلقيحه، وعلى هذا فإن أبر ووبر التقتا في هذا الأصل، والمقصود بالتأبير أخذ الجسيمات الدقيقة الذكرية من ذكور النخل إلى إناثه، وهذه الجسيمات تشبه شعر الجمال والثعالب والأرانب، وهي تشبه الزّغب الذي يعلو نوعاً من نبات الكمأة، يسمى بنات أوبر (وهي تشبه الفطر) وهذا الشَّعر الدقيق يسمى وبراً. وقد استعملت مادة وبر في الدلالة على كثير من المخلوقات الدقيقة، فالوَبرة اسم لدويبّة غبراء، وهي اسم لنبات اسمه الوبراء، له وَبَر. وقد جمعت الوَبرَة على وِبار ووِبارة وإبارة بالهمزة وبالواو، كما قيل أبّرت النخل ووبرته، بتبادل بين الواو والهمزة، كما في : أحّد ووحّد.
وعلى هذا فإن الإبرة بمعنى المِخْيط، والإبرة: العُظَيمة المستوية التي في طرف الزند من الذراع، تلتقي مع وبر على أصل واحد شكلاً ومضموناً، وبذا فإن مادتي أبر ووبر تعودان إلى أصل واحد. وقد دلت مادة أبر في بعض اللغات الساميّة على ريش الطائر، إذ هي في الأكادية abru(m) وتعني ريش الطائر وجناحه، وهي في العبرية وتعني ريش الجناح، وفي الآرامية
وقد دلت في الأكادية على زعانف السمك، إذ هي كالإبر، وهي من السمك كالريش من الطائر أو الشعر من الحيوان.
وقد استقلت بعدئذٍ كلّ مادة منهما لتأخذ طريقها الخاص، وتكتسب المعاني الخاصة التي لا نجدها في المادة الأخرى، وبقي القدر المشترك شاهداً على مرحلة الأصل الواحد.
(48)
سعف / شعب / سأف
جاء في المعجم أن السَّعَف أغصان النخلة، وثمّ تخصيص للأغصان إذا يَبِست وإلا فهي الشَّطْبَة، وقيل : هي النخلة، وقيل ورق جريد النخل، وقيل : الجريد نفسه، وقد دلّت مادة سعف وسأف على التشقق، فسَئِف ليف النخلة وأنسأف : تَشَعّث وانقشر، قال ابن منظور عن أبي عُبيدة: "السَّأف على تقدير السّعَف شعر الذََنب والهُلْب" وجاء في مادة سعف : "سعفت يده سَعَفاً وسئفت" إذا تَشَقَقت.
فهذه المواد سعف، وسأف ، وشعب، التقت على معنى التشقق والانشعاب، وقد جاء في مادة شعب أن الشُّعَب هي الأغصان، والأصابع، والصّدوع في الجبال والأودية، والأطراف من الجسد إلى غير ذلك من معان تدل على الانشعاب. وقد أخذت هذه المواد مع تباينها الصوتي تكتسب تبياناً في المعنى، فيه قدر من التخصيص الذي لا نجده في الأشكال الأخرى من تقلبات الأصل الصوتيّ الذي يفترض أنها كانت عليه قبل تبيانها، وأمّا التباين الصوتي لهذه المواد فيكمن في التبادل بين السين والشين، وبين العين والهمزة وبين الفاء والباء. وكلها تبدّلات مألوفة في العربيّة واللغات الساميّة.
(49)
عين / معن
يحار المرء في بعض المشتقات : كيف يرد أشتات معانيها، بعضاً إلى بعض؟ وقد ينتاب المرء إحساس بأن هذه المشتقات التي ضَمّها وعاء مادة واحدة، ربما عادت إلى مادتين متباينتين أو أكثر، لكن الطبيعة الاشتقاقية للغة أوهمت بأنها ذات أصل واحد.
يقف المرء عند كلمة معين في الآرامية القديمة mcynn فيلاحظ أنها تعني عين الماء، وهذا ما دلت عليه بعض مشتقات معن بالعربية. فالماعون الماء بعينه، والماعون المطر، والعين المطر، والزهر الممعون: الممطور، والمعين الماء الظاهر الجاري. وقد حار بعض القدماء في الأمر، فقالوا: "ولك أن تجعل المعين مفعولاً من العيون، ولك أن تجعله فعيلاً من الماعون يكون أصله المعن (...) وحكى ابن بَرِّي عن ابن دريد: ماء معن ومَعين وقد مَعُن، فهذا يدل على أن الميم أصل، ووزنه فعيل، وعند الفراء: وزنه مفعول في الأصل كمنيع، وحكى الهروي في فصل: عين، عن ثعلب أنه قال: عانَ الماءُ يعينُ إذا جرى ظاهراً".
وخفاء الأصل الصرفي للكلمة ظاهرة تعرضت لها اللغات الساميّة بعامة، فلننظر مثلاً إلى كلمة منْبَع العربيّة، إذ لا يخفى أنها من: نبع، أمّا في الأكاديّة فقد حدث قلب موهم، إذ هي في الأكاديّة ، كما لو كانت الميم فيها أصليّة.
والماء المعين: الماء المستنبط من العين. والبئر المشهورة بين مكة والمدينة هي بئر معونة. وأحسب أن بلدة "معان" في جنوب الأردن سميت كذلك لعلاقة واضحة مع عيون الماء .
إن العلاقة تبدو واضحة بين دلالة عين وعون ومعن على الماء أو عين الماء. ويبدو أن الفرق بين عين وعون لا يعدو أن يكون فرقاً لهجياً في الدلالة على معنى الماء، وإن كان الفرق بينهما في غير هذا المعنى فرقاً من نوع آخر، كالفرق الذي يميّز مادة عن أخرى. كما يبدو أن ثمة مادة أخرى هي معن، وهي ذات دلالة تختلف في الأصل عن دلالة المادتين السابقتين: عين وعون. إلا أن الطبيعة الاشتقاقية لعين أو عون- بوصفهما مادتين معتلتي الوسط- قد جعل بعض مشتقاتهما تلتقي التقاء عارضاً بمشتقات معن، وعلى هذا اختلفوا في معين: أهي من وزن مفعول (أي من مادة عين) أم من وزن فعيل (أي من مادة معن).
لقد دلت مادة عين في اللغات الساميّة بعامّة على عين الماء وعين الإنسان على السواء، ووجه الشبه بينهما قائم، وهي في الأكادية باللفظ الآشوري ، أو وفي العبريّة
وفي الكنعانيّة وفي بعض اللغات الحبشيّة أي عين الماء و و ودلّت أسماء من نحو معان ومَعين وماعون على قرى ذات عيون مائيّة يتجمع فيها الناس أو السباع. وكلها أسماء ذات دلالة اشتقاقيّة على الأصل: عين، وأما "ماعين"- اسم بلدة في الأردن- فيبدو أنّها كلمة مركبة من ماء وعين.
(50)
أبن / أبل / أنب
دلّت أبن على المدح والقدح، فأبّن الرجل (بتشديد الباء) وأَبَنَه (من غير تشديد) وآبنه عابه وعيّره. وأبّنه :أثنىعليه في موته وحياته. ومنه في مدح الحيّ، قول الراعي فرفّعَ أصحابي المطيَّ وأبَّنوا هُنَيْدَة، فاشتاق العيونُ اللوامِح
ثمّ مالت الكلمة إلى التخصيص فأصبحت تعني ذكر الميت بخير بعد موته.
وقد تُقْلَب أبّن فتصح أنّب، وقد اختص هذا المقلوب بالذم والتوبيخ.
وجاء في مادتي أبن وأبل ما يفيد أنهما لفظان لمعنى واحد، مع تبادل بين النون واللام، فقيل: أبّنتُ الميت تأبيناً، وأبّلته تأبيلاً، إذا أثنيت عليه بعد وفاته. ونحن هنا إزاء احتمالين :
الاحتمال الأول: رجوع المادتين إلى أصل واحد، ثم حصل تبادل بين النون واللام، ثم أخذت كل كلمة تنمو نموها الخاص فتكتسب لنفسها في مسيرتها الذاتية معاني خاصّة.
والاحتمال الثاني : أن تكون الكلمتان من أصلين مختلفين، ولكلّ منهما مدلولها الخاص، وأن يكون اقترابهما عارضاً بسبب تقارب النون واللام.
وقد وردت أبل باللام في كل من العبريّة والآراميّة أبل، والسريانيّة دالة على الحزن، وهي في الأكادية وقد دلَّت على الجفاف. فإن كانت المادتان من أصل واحد، فلعلّ اللام هي الأصل، بدلالة توافرها باللام في أخوات العربيّة.
أبر / وبر
ورد في هاتين المادتين: أبر، ووبر، معنى متكرر، وهو المعنى الدال على تأبير النخل، أي تلقيحه، وعلى هذا فإن أبر ووبر التقتا في هذا الأصل، والمقصود بالتأبير أخذ الجسيمات الدقيقة الذكرية من ذكور النخل إلى إناثه، وهذه الجسيمات تشبه شعر الجمال والثعالب والأرانب، وهي تشبه الزّغب الذي يعلو نوعاً من نبات الكمأة، يسمى بنات أوبر (وهي تشبه الفطر) وهذا الشَّعر الدقيق يسمى وبراً. وقد استعملت مادة وبر في الدلالة على كثير من المخلوقات الدقيقة، فالوَبرة اسم لدويبّة غبراء، وهي اسم لنبات اسمه الوبراء، له وَبَر. وقد جمعت الوَبرَة على وِبار ووِبارة وإبارة بالهمزة وبالواو، كما قيل أبّرت النخل ووبرته، بتبادل بين الواو والهمزة، كما في : أحّد ووحّد.
وعلى هذا فإن الإبرة بمعنى المِخْيط، والإبرة: العُظَيمة المستوية التي في طرف الزند من الذراع، تلتقي مع وبر على أصل واحد شكلاً ومضموناً، وبذا فإن مادتي أبر ووبر تعودان إلى أصل واحد. وقد دلت مادة أبر في بعض اللغات الساميّة على ريش الطائر، إذ هي في الأكادية abru(m) وتعني ريش الطائر وجناحه، وهي في العبرية وتعني ريش الجناح، وفي الآرامية
وقد دلت في الأكادية على زعانف السمك، إذ هي كالإبر، وهي من السمك كالريش من الطائر أو الشعر من الحيوان.
وقد استقلت بعدئذٍ كلّ مادة منهما لتأخذ طريقها الخاص، وتكتسب المعاني الخاصة التي لا نجدها في المادة الأخرى، وبقي القدر المشترك شاهداً على مرحلة الأصل الواحد.
(48)
سعف / شعب / سأف
جاء في المعجم أن السَّعَف أغصان النخلة، وثمّ تخصيص للأغصان إذا يَبِست وإلا فهي الشَّطْبَة، وقيل : هي النخلة، وقيل ورق جريد النخل، وقيل : الجريد نفسه، وقد دلّت مادة سعف وسأف على التشقق، فسَئِف ليف النخلة وأنسأف : تَشَعّث وانقشر، قال ابن منظور عن أبي عُبيدة: "السَّأف على تقدير السّعَف شعر الذََنب والهُلْب" وجاء في مادة سعف : "سعفت يده سَعَفاً وسئفت" إذا تَشَقَقت.
فهذه المواد سعف، وسأف ، وشعب، التقت على معنى التشقق والانشعاب، وقد جاء في مادة شعب أن الشُّعَب هي الأغصان، والأصابع، والصّدوع في الجبال والأودية، والأطراف من الجسد إلى غير ذلك من معان تدل على الانشعاب. وقد أخذت هذه المواد مع تباينها الصوتي تكتسب تبياناً في المعنى، فيه قدر من التخصيص الذي لا نجده في الأشكال الأخرى من تقلبات الأصل الصوتيّ الذي يفترض أنها كانت عليه قبل تبيانها، وأمّا التباين الصوتي لهذه المواد فيكمن في التبادل بين السين والشين، وبين العين والهمزة وبين الفاء والباء. وكلها تبدّلات مألوفة في العربيّة واللغات الساميّة.
(49)
عين / معن
يحار المرء في بعض المشتقات : كيف يرد أشتات معانيها، بعضاً إلى بعض؟ وقد ينتاب المرء إحساس بأن هذه المشتقات التي ضَمّها وعاء مادة واحدة، ربما عادت إلى مادتين متباينتين أو أكثر، لكن الطبيعة الاشتقاقية للغة أوهمت بأنها ذات أصل واحد.
يقف المرء عند كلمة معين في الآرامية القديمة mcynn فيلاحظ أنها تعني عين الماء، وهذا ما دلت عليه بعض مشتقات معن بالعربية. فالماعون الماء بعينه، والماعون المطر، والعين المطر، والزهر الممعون: الممطور، والمعين الماء الظاهر الجاري. وقد حار بعض القدماء في الأمر، فقالوا: "ولك أن تجعل المعين مفعولاً من العيون، ولك أن تجعله فعيلاً من الماعون يكون أصله المعن (...) وحكى ابن بَرِّي عن ابن دريد: ماء معن ومَعين وقد مَعُن، فهذا يدل على أن الميم أصل، ووزنه فعيل، وعند الفراء: وزنه مفعول في الأصل كمنيع، وحكى الهروي في فصل: عين، عن ثعلب أنه قال: عانَ الماءُ يعينُ إذا جرى ظاهراً".
وخفاء الأصل الصرفي للكلمة ظاهرة تعرضت لها اللغات الساميّة بعامة، فلننظر مثلاً إلى كلمة منْبَع العربيّة، إذ لا يخفى أنها من: نبع، أمّا في الأكاديّة فقد حدث قلب موهم، إذ هي في الأكاديّة ، كما لو كانت الميم فيها أصليّة.
والماء المعين: الماء المستنبط من العين. والبئر المشهورة بين مكة والمدينة هي بئر معونة. وأحسب أن بلدة "معان" في جنوب الأردن سميت كذلك لعلاقة واضحة مع عيون الماء .
إن العلاقة تبدو واضحة بين دلالة عين وعون ومعن على الماء أو عين الماء. ويبدو أن الفرق بين عين وعون لا يعدو أن يكون فرقاً لهجياً في الدلالة على معنى الماء، وإن كان الفرق بينهما في غير هذا المعنى فرقاً من نوع آخر، كالفرق الذي يميّز مادة عن أخرى. كما يبدو أن ثمة مادة أخرى هي معن، وهي ذات دلالة تختلف في الأصل عن دلالة المادتين السابقتين: عين وعون. إلا أن الطبيعة الاشتقاقية لعين أو عون- بوصفهما مادتين معتلتي الوسط- قد جعل بعض مشتقاتهما تلتقي التقاء عارضاً بمشتقات معن، وعلى هذا اختلفوا في معين: أهي من وزن مفعول (أي من مادة عين) أم من وزن فعيل (أي من مادة معن).
لقد دلت مادة عين في اللغات الساميّة بعامّة على عين الماء وعين الإنسان على السواء، ووجه الشبه بينهما قائم، وهي في الأكادية باللفظ الآشوري ، أو وفي العبريّة
وفي الكنعانيّة وفي بعض اللغات الحبشيّة أي عين الماء و و ودلّت أسماء من نحو معان ومَعين وماعون على قرى ذات عيون مائيّة يتجمع فيها الناس أو السباع. وكلها أسماء ذات دلالة اشتقاقيّة على الأصل: عين، وأما "ماعين"- اسم بلدة في الأردن- فيبدو أنّها كلمة مركبة من ماء وعين.
(50)
أبن / أبل / أنب
دلّت أبن على المدح والقدح، فأبّن الرجل (بتشديد الباء) وأَبَنَه (من غير تشديد) وآبنه عابه وعيّره. وأبّنه :أثنىعليه في موته وحياته. ومنه في مدح الحيّ، قول الراعي فرفّعَ أصحابي المطيَّ وأبَّنوا هُنَيْدَة، فاشتاق العيونُ اللوامِح
ثمّ مالت الكلمة إلى التخصيص فأصبحت تعني ذكر الميت بخير بعد موته.
وقد تُقْلَب أبّن فتصح أنّب، وقد اختص هذا المقلوب بالذم والتوبيخ.
وجاء في مادتي أبن وأبل ما يفيد أنهما لفظان لمعنى واحد، مع تبادل بين النون واللام، فقيل: أبّنتُ الميت تأبيناً، وأبّلته تأبيلاً، إذا أثنيت عليه بعد وفاته. ونحن هنا إزاء احتمالين :
الاحتمال الأول: رجوع المادتين إلى أصل واحد، ثم حصل تبادل بين النون واللام، ثم أخذت كل كلمة تنمو نموها الخاص فتكتسب لنفسها في مسيرتها الذاتية معاني خاصّة.
والاحتمال الثاني : أن تكون الكلمتان من أصلين مختلفين، ولكلّ منهما مدلولها الخاص، وأن يكون اقترابهما عارضاً بسبب تقارب النون واللام.
وقد وردت أبل باللام في كل من العبريّة والآراميّة أبل، والسريانيّة دالة على الحزن، وهي في الأكادية وقد دلَّت على الجفاف. فإن كانت المادتان من أصل واحد، فلعلّ اللام هي الأصل، بدلالة توافرها باللام في أخوات العربيّة.