صالح بن إبراهيم العوض
12-02-2012, 02:17 AM
"غَ يَ قَ"
أصل ثلاثي من أصول اللغة. فيه غرابة دعت إلى قلة استعماله مجرداً على الصحة في القديم وندرته في الحديث. وإن كان يحكي صوت الغراب جموداً بالألف التي رأوها ياءً في تصريفها فإني قد أستبعد العلاقة بين جذري "غيق" و"غاق"؛ فربما يكون الثاني واوياً في جوفه ولكن عدم وروده متصرفاً في استعماله الاشتقاقي يجعلنا في نأي عن اليقين والقطع بذلك.
وبعض علماء اللغة جعل "غيق"و"غوق"جذراً واحداً، ما يوحي باستبعاده الياء أًصلاً في الكلمة؛ فبذلك تصبح الواو أصلاً لما هو مجهول، وانقلابها في حال التشديد ياءً، فساق بعضهم اللفظة في "غوق" كما فعل الصاحب ابن عباد في المحيط، وأبهمها الفيروز آبادي فأوردها دون أن يذكر أصل الحرف فيها ولو بالتصريف. بينما أصَّل آخرون رسوخها ياءً بما يشبه الثقة والحسم؛ كما فعل أغلبهم كالأزهري وابن سيده والصغاني وابن فارس. وإذ نجد من يأتي بهما مستقلين نجد من أغضى عن أصلهما فساقها ألفاً ولم يرجعها إلى ياء ولا إلى واو.
وأما اليائي قد حصره ابن فارس بكلمة واحدة تدل على الفساد والاختلاط؛ فيقول:"الغين والياء والقاف كلمة واحدة: يقولون:غيَّق في رأيه تغييقاً: اختلط فيه".
وبعض المعاجم أغفلتها فلم تدرجها بأية دلالة، ولكن الأمهات منها ذكرتها كالأزهري وابن سيده والصغاني بما يدل على الفساد والاختلاط؛ فيقول ابن سيده:"غَيَقَ في رأيه: اختلط. وغيّق ذلك الأمر بصري: فتحه فجاء به وذهب ولم يدعه يثبت. وتغيَّق بصره اسمدرَّ وأظلم. ويقول الصغاني في التكملة والذيل والصلة:" قال المفضل: غيَّق فلان مالَه تغييقاً، إذا أفسده".
وتكاد الكلمة بمدلولها الاصطلاحي تندثر، فلا نرى لها استعمالاً ألبتة في الأجيال القريبة إلينا ولا المتأخرة. ولكن أهل الحرث والزرع - في جيل سابقينا الذين نقلناها عنهم - يحتفظون بها بطريقة لطيفة؛ حيث شاع بينهم أحد اشتقاقاتها - وهو وحيد فريد في بابه - وبات دارجاً بينهم ليلازم مصطلحاً لحالة من حالات فساد القمح حين يمر بها فتؤول به إلى شيء من التلف الكلي أو الجزئي فأتوا بوزن "مفعول من غَيَق الثلاثية المجردة" ليخصوا به القمح الذي تغمره المياه إما بفعل المطر أو بتكديسه بسنابله وهو رطب ولا يعرض للهواء مما يجعله فاقداً لنقائه وقيمته الكاملة فلا يستفاد منه أكثر من جعله علائق للخيل أو طعاماً للماشية.
فأصبح معروفاً لديهم أن الـ"مَغْيُوق" هو القمح المغمور بالماء أو المحفوظ (لَدِناً) بسُنْبُلِه فيتلف فلا يستفاد منه غير ما ذكرت.
والقمح الـ"مَغْيُوق"يسودُّ لونه وتضمر حبته لتصغر فيشهابَّ حتى يقترب من لون التراب ويأخذ طعمه. وعندما يعمد أحد لطحنه ظناً منه أنه لم يتغير فبمجرد أن يتذوقه أهل الخبرة فيجدوا طعمه يشيرون إلى أنه تعرض للماء فأصبح مَغْيُوقاً.
أما اشتقاقها وصوغها من الفعل الثلاثي المهمل فقد جاء بوزن السلامة لـ"مفعول" خلافاً لما عليه تلك الصيغة القياسية التي اعتادها العرب في اشتقاقهم فتأتي على زنة مفعول مطلقاً صحيحاً أو معلاًّ، فالصحيح يبقى على صحته فلا يلحقه تغيير مثل:"مطروح ومكتوب". وإن كان معتل العين"أجوف" كمثالنا الذي نحن بصدده فلا بد أن يطاله التغيير لمقتضيات مستساغة في تعاليل أسهب فيها النحاة والصرفيون. والأجوف إما أن يكون يائياً أو واوياً، ولكلٍّ أحواله، ويعنينا اليائي هنا فزنة المفعول منه "مفِيْل، أو مفِعْل"على رأيين اختلفا فيهما على الحرف المحذوف اضطراراً في الصيغة القياسية المطردة عند عامة العرب.
والسائد في وارثي اللغة اليوم من عوام الناس "إتمام الأجوف اليائي" فلا يختلف بعضنا عن بعض في أغلب الأقاليم والمناطق العربية في نسق الاستخدام اللفظي لبعض الكلمات وخصوصاً ذوات الاشتقاق المحدود كاسم المفعول فنقول دائماً: "مديون" و "مضيوم" و " مبيوع" و "مزيون" وغيرها من نظائرها الدارجة بيننا؛ وهذا المنحى في الاستخدام ليس فيه خروج على أصول لغة العرب... يقول أحمد كحيل في التبيان في تصريف الأسماء(68-71): "فقد ورد عن بني تميم أنهم يفعلون ذلك في الأجوف اليائي، فيقولون:مبيوع ومديون ومعيون؛ قال علقمة:
حتى تذكر بيضاتٍ وهيجه ..... يوم رذاذ عليه الدجن مغيومُ
وقال العباس بن مرداس:
قد كان قومك يحسبونك سيداً ..... وإخال أنك سيد مَغْيُونُ
ومغيون مفعول من غَيَنَ وقد غِيْنَ على قلبه أي غُطِّيَ عليه. وقد فصل فيه ابن الشجري (الأمالي.1. 167-170) وساق أمثالاً له وقال: وإن كان الاعتلال فيه أكثر، كقولهم: طعام مزيوت، وبُرٌّ مكيول، وثوب مخيوط.
قال ابن جني: وهو باب واسع فاشٍ.
وهو خفيف في اليائي ثقيل في الواوي، لذلك أجمع البصريون على منعه، ولم نر للعامة اليوم انتهاجاً له في الواوي وكأن السليقة والفطرة امتدت إلى اليوم لتدعم رؤية البصريين. وما سمع منه سوى كليمات محدودة هي إلى الشذوذ أقرب وبه أليق وألصق مثل: ثوب مصوون، ومسك مدووف، وفرس مقوود.
وقَصَرَ الناسُ اليوم استخدامَ هذه الكلمة "مَغْيُوق" على ذلك المؤدى فلا نسمعها لغيره حينما نقلوها من دلالة أصيلة إلى دلالة أخرى لا تباينها في المعنى، فهذا الاستخدام ليس بعيداً عن أصلها الوضعي الذي هو في بعض مداليله لفساد المال. والقمح مال رئيس، وهو اليوم سلعة اقتصادية تتحكم في بعض مفاصل الحياة لدى أصحاب السيادة الرأسمالية، فيما كانت هناك - غالباً - لما هو معنوي كالرأي والأمر، بينما العامة المتأخرون وظفوها للقمح الذي آل به الماء إلى تلك الحالة.
وأكثر شيوعها في وسط نجد وفلاحي القصيم وما صاقبها؛ ولا أدري عن مدى انتشارها في غيرها.
ولم أجد الأستاذ عبد الرحمن بن زيد السويداء أوردها في كتابه فصيح العامي في شمال نجد.
صالح بن إبراهيم العوض.
الرس - الأحد 18/1/1434هـ.
أصل ثلاثي من أصول اللغة. فيه غرابة دعت إلى قلة استعماله مجرداً على الصحة في القديم وندرته في الحديث. وإن كان يحكي صوت الغراب جموداً بالألف التي رأوها ياءً في تصريفها فإني قد أستبعد العلاقة بين جذري "غيق" و"غاق"؛ فربما يكون الثاني واوياً في جوفه ولكن عدم وروده متصرفاً في استعماله الاشتقاقي يجعلنا في نأي عن اليقين والقطع بذلك.
وبعض علماء اللغة جعل "غيق"و"غوق"جذراً واحداً، ما يوحي باستبعاده الياء أًصلاً في الكلمة؛ فبذلك تصبح الواو أصلاً لما هو مجهول، وانقلابها في حال التشديد ياءً، فساق بعضهم اللفظة في "غوق" كما فعل الصاحب ابن عباد في المحيط، وأبهمها الفيروز آبادي فأوردها دون أن يذكر أصل الحرف فيها ولو بالتصريف. بينما أصَّل آخرون رسوخها ياءً بما يشبه الثقة والحسم؛ كما فعل أغلبهم كالأزهري وابن سيده والصغاني وابن فارس. وإذ نجد من يأتي بهما مستقلين نجد من أغضى عن أصلهما فساقها ألفاً ولم يرجعها إلى ياء ولا إلى واو.
وأما اليائي قد حصره ابن فارس بكلمة واحدة تدل على الفساد والاختلاط؛ فيقول:"الغين والياء والقاف كلمة واحدة: يقولون:غيَّق في رأيه تغييقاً: اختلط فيه".
وبعض المعاجم أغفلتها فلم تدرجها بأية دلالة، ولكن الأمهات منها ذكرتها كالأزهري وابن سيده والصغاني بما يدل على الفساد والاختلاط؛ فيقول ابن سيده:"غَيَقَ في رأيه: اختلط. وغيّق ذلك الأمر بصري: فتحه فجاء به وذهب ولم يدعه يثبت. وتغيَّق بصره اسمدرَّ وأظلم. ويقول الصغاني في التكملة والذيل والصلة:" قال المفضل: غيَّق فلان مالَه تغييقاً، إذا أفسده".
وتكاد الكلمة بمدلولها الاصطلاحي تندثر، فلا نرى لها استعمالاً ألبتة في الأجيال القريبة إلينا ولا المتأخرة. ولكن أهل الحرث والزرع - في جيل سابقينا الذين نقلناها عنهم - يحتفظون بها بطريقة لطيفة؛ حيث شاع بينهم أحد اشتقاقاتها - وهو وحيد فريد في بابه - وبات دارجاً بينهم ليلازم مصطلحاً لحالة من حالات فساد القمح حين يمر بها فتؤول به إلى شيء من التلف الكلي أو الجزئي فأتوا بوزن "مفعول من غَيَق الثلاثية المجردة" ليخصوا به القمح الذي تغمره المياه إما بفعل المطر أو بتكديسه بسنابله وهو رطب ولا يعرض للهواء مما يجعله فاقداً لنقائه وقيمته الكاملة فلا يستفاد منه أكثر من جعله علائق للخيل أو طعاماً للماشية.
فأصبح معروفاً لديهم أن الـ"مَغْيُوق" هو القمح المغمور بالماء أو المحفوظ (لَدِناً) بسُنْبُلِه فيتلف فلا يستفاد منه غير ما ذكرت.
والقمح الـ"مَغْيُوق"يسودُّ لونه وتضمر حبته لتصغر فيشهابَّ حتى يقترب من لون التراب ويأخذ طعمه. وعندما يعمد أحد لطحنه ظناً منه أنه لم يتغير فبمجرد أن يتذوقه أهل الخبرة فيجدوا طعمه يشيرون إلى أنه تعرض للماء فأصبح مَغْيُوقاً.
أما اشتقاقها وصوغها من الفعل الثلاثي المهمل فقد جاء بوزن السلامة لـ"مفعول" خلافاً لما عليه تلك الصيغة القياسية التي اعتادها العرب في اشتقاقهم فتأتي على زنة مفعول مطلقاً صحيحاً أو معلاًّ، فالصحيح يبقى على صحته فلا يلحقه تغيير مثل:"مطروح ومكتوب". وإن كان معتل العين"أجوف" كمثالنا الذي نحن بصدده فلا بد أن يطاله التغيير لمقتضيات مستساغة في تعاليل أسهب فيها النحاة والصرفيون. والأجوف إما أن يكون يائياً أو واوياً، ولكلٍّ أحواله، ويعنينا اليائي هنا فزنة المفعول منه "مفِيْل، أو مفِعْل"على رأيين اختلفا فيهما على الحرف المحذوف اضطراراً في الصيغة القياسية المطردة عند عامة العرب.
والسائد في وارثي اللغة اليوم من عوام الناس "إتمام الأجوف اليائي" فلا يختلف بعضنا عن بعض في أغلب الأقاليم والمناطق العربية في نسق الاستخدام اللفظي لبعض الكلمات وخصوصاً ذوات الاشتقاق المحدود كاسم المفعول فنقول دائماً: "مديون" و "مضيوم" و " مبيوع" و "مزيون" وغيرها من نظائرها الدارجة بيننا؛ وهذا المنحى في الاستخدام ليس فيه خروج على أصول لغة العرب... يقول أحمد كحيل في التبيان في تصريف الأسماء(68-71): "فقد ورد عن بني تميم أنهم يفعلون ذلك في الأجوف اليائي، فيقولون:مبيوع ومديون ومعيون؛ قال علقمة:
حتى تذكر بيضاتٍ وهيجه ..... يوم رذاذ عليه الدجن مغيومُ
وقال العباس بن مرداس:
قد كان قومك يحسبونك سيداً ..... وإخال أنك سيد مَغْيُونُ
ومغيون مفعول من غَيَنَ وقد غِيْنَ على قلبه أي غُطِّيَ عليه. وقد فصل فيه ابن الشجري (الأمالي.1. 167-170) وساق أمثالاً له وقال: وإن كان الاعتلال فيه أكثر، كقولهم: طعام مزيوت، وبُرٌّ مكيول، وثوب مخيوط.
قال ابن جني: وهو باب واسع فاشٍ.
وهو خفيف في اليائي ثقيل في الواوي، لذلك أجمع البصريون على منعه، ولم نر للعامة اليوم انتهاجاً له في الواوي وكأن السليقة والفطرة امتدت إلى اليوم لتدعم رؤية البصريين. وما سمع منه سوى كليمات محدودة هي إلى الشذوذ أقرب وبه أليق وألصق مثل: ثوب مصوون، ومسك مدووف، وفرس مقوود.
وقَصَرَ الناسُ اليوم استخدامَ هذه الكلمة "مَغْيُوق" على ذلك المؤدى فلا نسمعها لغيره حينما نقلوها من دلالة أصيلة إلى دلالة أخرى لا تباينها في المعنى، فهذا الاستخدام ليس بعيداً عن أصلها الوضعي الذي هو في بعض مداليله لفساد المال. والقمح مال رئيس، وهو اليوم سلعة اقتصادية تتحكم في بعض مفاصل الحياة لدى أصحاب السيادة الرأسمالية، فيما كانت هناك - غالباً - لما هو معنوي كالرأي والأمر، بينما العامة المتأخرون وظفوها للقمح الذي آل به الماء إلى تلك الحالة.
وأكثر شيوعها في وسط نجد وفلاحي القصيم وما صاقبها؛ ولا أدري عن مدى انتشارها في غيرها.
ولم أجد الأستاذ عبد الرحمن بن زيد السويداء أوردها في كتابه فصيح العامي في شمال نجد.
صالح بن إبراهيم العوض.
الرس - الأحد 18/1/1434هـ.