راجية الجنان
01-08-2015, 08:41 AM
أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ- خَاوِيَةٍ
قال الله عز وجل في سورة القمر :﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾(القمر: 18- 20) . وقال سبحانه وتعالى في سورة الحاقة :﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾(الحاقة: 6- 7) ، فأتى بوصف ( أعجاز النخل ) في آية القمر مذكرًا هكذا :( منقعر ) ، وأتى به في آية الحاقة مؤنَّثًا هكذا :( خاوية ) .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا أتى هذا الوصف في آية القمر مذكَّرًا ، وأتى في آية الحاقة مؤنَّثًا ؟ وما سر البيان في ذلك ؟
أولاً- وقبل الإجابة عن ذلك أود أن أشير إلى أن الدكتور فاضل السامرائي قد سئل في برنامج ( لمسات بيانية ) السؤال الآتي :
( ما هي الآية التي استعصت عليك ، ووقفت عليها طويلاً ، لاستكشاف اللمسات البيانية فيها ؟ ) .
فأجاب بالآتي :
« أكثر من آية في الحقيقة .. آية ذكرتها استغرقت حوالي ستة أشهر ، وآية استغرقت أكثر من هذا بكثير . ذكرت مرة آية :( فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) استوقفتني أكثر من سنة . وآية أخرى استغرقت ستة أشهر :
( تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) (20) ( القمر ) .
و( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) (7) ( الحاقة ) .
لماذا واحدة بالتذكير ، والثانية بالتأنيث ، مع أن كلاهما وصف للنخل ؟
( أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) يصف النخل .
و( أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) يصف النخل ،
فلماذا جاءت مرة بالتأنيث ، ومرة بالتذكير ؟ استغرقتني هذه ستة أشهر .
المفسرين حسب ما اطلعت عليه يقولون الآيات لأن الآية في سورة الحاقة ( تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) ما قبلها وما بعدها هي هكذا . والثانية في سورة القمر ( قعر – منقعر ) تسير على الفاصلة القرآنية .
لكني لم أكن مقتنعًا بهذا التخريج ، فبدأت أفكر لماذا هذا الشيء ؟ لأني أعتقد أن خواتيم الآيات ليست فقط مناسبة لما قبلها وما بعدها . وإنما هنالك قطعاً علاقة بالمعنى . ثم ربنا سبحانه وتعالى بعد التأمل والتدبر . نحن لدينا قاعدة كنت غافلاً عنها :
( أن التأنيث يفيد الكثرة ، والتذكير قد يفيد القلة ، والتأنيث قد يفيد المبالغة ) .
ربنا قال :( وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ) (30) (يوسف) . قال :( قال ) . لكن قال :( قَالَتِ الْأَعْرَابُ ) لأن النسوة قليل ، والأعراب كثير ، هذا في القرآن كثير . فالتأنيث يفيد الكثرة .
المقدم : إذن ( أعجاز نخل خاوية ) : كثيرة ؟
د. فاضل : وفيها مبالغة أيضاً مثل ( علاَّم وعلاَّمة ) تفيد المبالغة . لو نقرأ الآيتين تتضح المسألة .
قال في القمر :( إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) (19) ، ( تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) (20) يوم نحس ، يوم واحد .
بينما في الحاقة قال :( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) (6) . زاد العتو على الصرصر . هناك قال فقط :( رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) . أما هنا قال :( بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) . ثم قال :( سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا ) (7) . أي : التدمير سيكون أكثر ؟
المقدم : في الحاقة :
د. فاضل : فقال :( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) . والخاوية أكثر من المنقعر ، باعتبار كل منقعر مخلوع ، خاوية أكثر من المنقعر .. هذا على وجه السرعة » .
ثانيًا- هذا ما ورد في اللمسة البيانية رقم (206 ) ، منقولاً بنصه دون تغيير عن الدكتور فاضل السامرائي في الإجابة عمَّا سئل ؛ وذلك بعد تفكير طويل استغرق منه حوالي ستة أشهر كما يقول فضيلته .. وليس غريبًا أن يصدر هذا القول أو مثله عن رجل عالم كالدكتور السامرائي ، فهو العالم اللغوي الأول الذي لا يشق له غبار في هذا العصر باعتراف كثير من قرائه ومستمعيه ، حتى أقسم بعضهم بالله على أنه حين يسمع السامرائي يحسبه من الراسخين في العلم .. ولم لا ، وجواب السامرائي هذا أقوى دليل على ذلك ، بغض النظر عن ركاكة أسلوبه ، وتفكك جمله ، وكثرة أخطائه .
أما ما ذكره عن المفسرين من أن التذكير والتأنيث في الآيتين يسير على الفاصلة القرآنية- كما قال- فهو جواب أكثرهم ، وهو اختيار أبي حيان في البحر المحيط ، فقد قال عند تفسير قوله تعالى :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ ما نصُّه :« والنخل اسم جنس يذكَّر ويؤنَّث ؛ وإنما ذكِّر هنا لمناسبة الفواصل ، وأنِّث في قوله :﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ في الحاقة لمناسبة الفواصل أيضًا » .
وحكى الرازي من قبله هذا القول عن المفسرين ، وعقَّب عليه بقوله :« وهو جواب حسن ؛ فإن الكلام ، كما يزين بحسن المعنى ، يزين بحسن اللفظ » . ثم ذكر جوابًا آخر ، ذكره من قبله الطبري ، والقرطبي ، والزمخشري ، والشوكاني ، والبيضاوي ، والألوسي ، وغيرهم ، وهو :
( أن لفظ النخل اسم جنس يذكَّر ويؤنَّث ، فإذا وصف جاز في صفته التذكير حملاً على اللفظ ، والتأنيث حملاً على المعنى ) .
وحكى أكثر من واحد منهم عن أبي بكر ابن الأنباري أنه قال :« سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة من جملتها ، قيل له : ما الفرق بين قوله تعالى :﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً ﴾(الأنبياء: 81) ، وقوله :﴿ جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ﴾(يونس: 22) ، وقوله تعالى :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾( الحاقة: 7 ) ، وقوله :﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾(القمر: 19) ؟ فقال : كل ما ورد عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرًا ، أو إلى المعنى تأنيثًا » .
والغريب أن الدكتور السامرائي قد غفل عن ذكر هذا الجواب مع شهرته ، واقتصر على ذكر الجواب الأول ، ثم قال معقِّبًا عليه :« لكني لم أكن مقتنعًا بهذا التخريج ، فبدأت أفكر لماذا هذا الشيء ؟ لأني أعتقد أن خواتيم الآيات ليست فقط مناسبة لما قبلها وما بعدها ؛ وإنما هنالك قطعًا علاقة بالمعنى » . ثم هداه تفكيره الذي استغرق ستة أشهر إلى ذلك الجواب بعد أن تذكر قاعدة لديه كان غافلاً عنها ، وهي :
( أن التأنيث يفيد الكثرة ، والتذكير قد يفيد القلة ، والتأنيث قد يفيد المبالغة ) .
وقد تساءل البعض مندهشًا : ستة أشهر استغرقته هذه الآية ، أليس هذا بكثير ؟ أقول : ليس هذا الزمن بكثير على عالم مفكر كالسامرائي ، غفل عن قاعدة كانت لديه . ولولا تلك الغفلة ، لما استغرق منه الجواب دقائق معدودة ! تلك القاعدة التي كان غافلاً عنها ، ليس لها وجود إلا في جعبته التي تحتوي على الكثير من العجائب والغرائب ، والتي أدهشت الجمهور ، وجعلته في حالة ذهول تام مما يسمع منه إلى درجة ، شُلَّ معها تفكيرُه ، وضاع عقلُه . ولو أنه صحا يومًا من ذهوله ؛ كما صحا الدكتور السامرائي من غفلته وتذكر القاعدة المزعومة ، لوقف أمام السامرائي يسأله :
هل يجوز أن نقيس :( أعجاز نخل منقعر ) ، و( أعجاز نخل خاوية ) على : ( قال نسوة ) ، و( قالت الأعراب ) ؟؟؟
وإذا كان هذا القياس جائزًا ، فهل يدل التذكير في ( قال نسوة ) على القلة ، والتأنيث في ( قالت الأعراب ) على الكثرة والمبالغة ؟؟؟
وإن سلمنا جدلاً بأن التذكير في نحو قوله تعالى :﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾(آل عمران: 105) يدل على قلة ( البينات ) ، وأن التأنيث في قوله تعالى :﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾(البقرة: 213) يدل على كثرة ( البينات ) ، بناء على القاعدة التي ذكرها ، فماذا يقول فضيلته في قول الله تعالى :﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾(ص: 73) ، وقوله تعالى :﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ ﴾(آل عمران: 42) ، حيث ذُكِّر فعل السجود مع الملائكة في آية ( ص ) وهم كثرة ، بدليل قوله :﴿ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ ، وأُنِّثَ فعل القول معهم في آية ( آل عمران ) وهم قلَّة ، بدليل أن الملائكة كلهم لم يخاطبوا مريم . والمفسرون يقولون : المراد بالملائكة ههنا : جبريل وحده ؟؟؟
وماذا يقول فضيلته في تذكير الفعل مع ( الصيحة ) في قوله تعالى :﴿ وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة ﴾(هود: 67) ، وتأنيثه معها في قوله تعالى :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة ﴾(المؤمنون: 41) ، وهي مفردة في الآيتين ؟ وماذا يقول فضيلته أيضًا في تذكير الفعل مع ( موعظة ) في قوله تعالى :﴿ مَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾(البقرة: 275) ، وتأنيثه معها في قوله تعالى :﴿ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾(يونس: 57) ؟ هل يدل الأول على القلة ، والثاني على الكثرة ، و( موعظة ) مفردة مع الفعل في الآيتين ؟ وإن كان تذكير ( موعظة ) في آية البقرة يدل على القلَّة في قراءة الجمهور ، فكيف نوفق بينها ، وبين قراءة أبيًّ والحسن :﴿ فَمَنْ جَاءتْهُ مَّوْعِظَةٌ ﴾(البقرة: 275) ؟
ولو كان التأنيث يدل على الكثرة ، كما يزعم السامرائي ، لدل عليها تأنيث الفعل ( جَاءتْ ) مع ( الرُّسُلِ ) في قول الله عز وجل :﴿ وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى ﴾(هود: 69) . قيل : الرسل هنا هم الملائكة ، روي عن ابن عباس أنهم كانوا اثني عشر ملكًا . وقال السدي : أحد عشر على صورة الغلمان في غاية الحسن والبهجة . وحكى صاحب الفينان أنهم عشرة منهم جبريل . وقال الضحاك : تسعة . وقال محمد بن كعب : ثمانية . وحكى الماوردي أنهم أربعة ، ولم يسمهم . وجاء في رواية عن عثمان بن محيصن أنهم : جبريل ، وإسرافيل ، وميكائيل ، ورفائيل عليهم السلام . وفي رواية عن ابن عباس ، وابن جبير : أنهم ثلاثة الأولون فقط . وقال مقاتل : جبرائيل ، وميكائيل ، وملك الموت عليهم السلام . واختار بعضهم الاقتصار على القول بأنهم ثلاثة ؛ لأن ذلك أقل ما يدل عليه الجمع .
وواضح من هذه الأقوال كلها أن ( الرُّسُلَ ) الذين جاؤوا إبراهيم- عليه وعليهم السلام- هم قلَّة ، خلافًا لما في قوله تعالى :﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ﴾(يوسف: 110) ، حيث ذُكِّر الفعل مع ( الرُّسُلِ ) ، وهم كثرة .
أما لفظ ( نِسْوَة ) في قوله تعالى :﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾(يوسف: 30) فهو اسم جمع لا مفرد له من لفظه ، ويدل بصيغته على القلة . يقال : ثلاثُ نسوة إلى عشر نسوة ، ومع هذا يجوز أن يقال : قال نسوة ، وقالت نسوة ، فلا يدل تذكير الفعل معه أو تأنيثه على قلة ، أو كثرة .
وكذلك لفظ ( أَعْرَاب ) في قوله تعالى :﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾(الحجرات: 14) هو اسم جمع لا واحد له من لفظه ، ويدل بصيغته على القلة ، ويجوز معه تذكير الفعل وتأنيثه ، فيقال : قال الأعراب ، وقالت الأعراب . وقد ذكِّر معه الفعل في حديث أخرجه أبو نعيم عن فضالة بن عبيد قال :« كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس ، تخر رجال من قيامهم في صلاتهم ، لما بهم من الخصاصة ، وهم أهل الصفة ، حتى يقول الأعراب إن هؤلاء مجانين » .
فكيف يقال : تأنيث الفعل معه يدل على الكثرة ، وتذكيره يدل على القلَّة ؛ ألا ترى أن الأعراب الذين قالوا في الآية :﴿ آمَنَّا ﴾ هم قلة بالنسبة لغيرهم ، وهم من أعراب بني أسد بن خزيمة ، يقال نزلت الآية فيهم حين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في سنة جدبة ، وأظهروا الشهادتين ، ولم يكونوا مؤمنين في السر ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات ، وأغلوا أسعارها ، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتيناك بالأثقال والعيال ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، فأعطنا من الصدقة ، وجعلوا يمنون عليه ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية .
قال الله عز وجل في سورة القمر :﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾(القمر: 18- 20) . وقال سبحانه وتعالى في سورة الحاقة :﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾(الحاقة: 6- 7) ، فأتى بوصف ( أعجاز النخل ) في آية القمر مذكرًا هكذا :( منقعر ) ، وأتى به في آية الحاقة مؤنَّثًا هكذا :( خاوية ) .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا أتى هذا الوصف في آية القمر مذكَّرًا ، وأتى في آية الحاقة مؤنَّثًا ؟ وما سر البيان في ذلك ؟
أولاً- وقبل الإجابة عن ذلك أود أن أشير إلى أن الدكتور فاضل السامرائي قد سئل في برنامج ( لمسات بيانية ) السؤال الآتي :
( ما هي الآية التي استعصت عليك ، ووقفت عليها طويلاً ، لاستكشاف اللمسات البيانية فيها ؟ ) .
فأجاب بالآتي :
« أكثر من آية في الحقيقة .. آية ذكرتها استغرقت حوالي ستة أشهر ، وآية استغرقت أكثر من هذا بكثير . ذكرت مرة آية :( فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) استوقفتني أكثر من سنة . وآية أخرى استغرقت ستة أشهر :
( تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) (20) ( القمر ) .
و( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) (7) ( الحاقة ) .
لماذا واحدة بالتذكير ، والثانية بالتأنيث ، مع أن كلاهما وصف للنخل ؟
( أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) يصف النخل .
و( أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) يصف النخل ،
فلماذا جاءت مرة بالتأنيث ، ومرة بالتذكير ؟ استغرقتني هذه ستة أشهر .
المفسرين حسب ما اطلعت عليه يقولون الآيات لأن الآية في سورة الحاقة ( تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) ما قبلها وما بعدها هي هكذا . والثانية في سورة القمر ( قعر – منقعر ) تسير على الفاصلة القرآنية .
لكني لم أكن مقتنعًا بهذا التخريج ، فبدأت أفكر لماذا هذا الشيء ؟ لأني أعتقد أن خواتيم الآيات ليست فقط مناسبة لما قبلها وما بعدها . وإنما هنالك قطعاً علاقة بالمعنى . ثم ربنا سبحانه وتعالى بعد التأمل والتدبر . نحن لدينا قاعدة كنت غافلاً عنها :
( أن التأنيث يفيد الكثرة ، والتذكير قد يفيد القلة ، والتأنيث قد يفيد المبالغة ) .
ربنا قال :( وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ) (30) (يوسف) . قال :( قال ) . لكن قال :( قَالَتِ الْأَعْرَابُ ) لأن النسوة قليل ، والأعراب كثير ، هذا في القرآن كثير . فالتأنيث يفيد الكثرة .
المقدم : إذن ( أعجاز نخل خاوية ) : كثيرة ؟
د. فاضل : وفيها مبالغة أيضاً مثل ( علاَّم وعلاَّمة ) تفيد المبالغة . لو نقرأ الآيتين تتضح المسألة .
قال في القمر :( إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) (19) ، ( تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) (20) يوم نحس ، يوم واحد .
بينما في الحاقة قال :( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) (6) . زاد العتو على الصرصر . هناك قال فقط :( رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) . أما هنا قال :( بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) . ثم قال :( سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا ) (7) . أي : التدمير سيكون أكثر ؟
المقدم : في الحاقة :
د. فاضل : فقال :( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) . والخاوية أكثر من المنقعر ، باعتبار كل منقعر مخلوع ، خاوية أكثر من المنقعر .. هذا على وجه السرعة » .
ثانيًا- هذا ما ورد في اللمسة البيانية رقم (206 ) ، منقولاً بنصه دون تغيير عن الدكتور فاضل السامرائي في الإجابة عمَّا سئل ؛ وذلك بعد تفكير طويل استغرق منه حوالي ستة أشهر كما يقول فضيلته .. وليس غريبًا أن يصدر هذا القول أو مثله عن رجل عالم كالدكتور السامرائي ، فهو العالم اللغوي الأول الذي لا يشق له غبار في هذا العصر باعتراف كثير من قرائه ومستمعيه ، حتى أقسم بعضهم بالله على أنه حين يسمع السامرائي يحسبه من الراسخين في العلم .. ولم لا ، وجواب السامرائي هذا أقوى دليل على ذلك ، بغض النظر عن ركاكة أسلوبه ، وتفكك جمله ، وكثرة أخطائه .
أما ما ذكره عن المفسرين من أن التذكير والتأنيث في الآيتين يسير على الفاصلة القرآنية- كما قال- فهو جواب أكثرهم ، وهو اختيار أبي حيان في البحر المحيط ، فقد قال عند تفسير قوله تعالى :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ ما نصُّه :« والنخل اسم جنس يذكَّر ويؤنَّث ؛ وإنما ذكِّر هنا لمناسبة الفواصل ، وأنِّث في قوله :﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ في الحاقة لمناسبة الفواصل أيضًا » .
وحكى الرازي من قبله هذا القول عن المفسرين ، وعقَّب عليه بقوله :« وهو جواب حسن ؛ فإن الكلام ، كما يزين بحسن المعنى ، يزين بحسن اللفظ » . ثم ذكر جوابًا آخر ، ذكره من قبله الطبري ، والقرطبي ، والزمخشري ، والشوكاني ، والبيضاوي ، والألوسي ، وغيرهم ، وهو :
( أن لفظ النخل اسم جنس يذكَّر ويؤنَّث ، فإذا وصف جاز في صفته التذكير حملاً على اللفظ ، والتأنيث حملاً على المعنى ) .
وحكى أكثر من واحد منهم عن أبي بكر ابن الأنباري أنه قال :« سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة من جملتها ، قيل له : ما الفرق بين قوله تعالى :﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً ﴾(الأنبياء: 81) ، وقوله :﴿ جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ﴾(يونس: 22) ، وقوله تعالى :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾( الحاقة: 7 ) ، وقوله :﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾(القمر: 19) ؟ فقال : كل ما ورد عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرًا ، أو إلى المعنى تأنيثًا » .
والغريب أن الدكتور السامرائي قد غفل عن ذكر هذا الجواب مع شهرته ، واقتصر على ذكر الجواب الأول ، ثم قال معقِّبًا عليه :« لكني لم أكن مقتنعًا بهذا التخريج ، فبدأت أفكر لماذا هذا الشيء ؟ لأني أعتقد أن خواتيم الآيات ليست فقط مناسبة لما قبلها وما بعدها ؛ وإنما هنالك قطعًا علاقة بالمعنى » . ثم هداه تفكيره الذي استغرق ستة أشهر إلى ذلك الجواب بعد أن تذكر قاعدة لديه كان غافلاً عنها ، وهي :
( أن التأنيث يفيد الكثرة ، والتذكير قد يفيد القلة ، والتأنيث قد يفيد المبالغة ) .
وقد تساءل البعض مندهشًا : ستة أشهر استغرقته هذه الآية ، أليس هذا بكثير ؟ أقول : ليس هذا الزمن بكثير على عالم مفكر كالسامرائي ، غفل عن قاعدة كانت لديه . ولولا تلك الغفلة ، لما استغرق منه الجواب دقائق معدودة ! تلك القاعدة التي كان غافلاً عنها ، ليس لها وجود إلا في جعبته التي تحتوي على الكثير من العجائب والغرائب ، والتي أدهشت الجمهور ، وجعلته في حالة ذهول تام مما يسمع منه إلى درجة ، شُلَّ معها تفكيرُه ، وضاع عقلُه . ولو أنه صحا يومًا من ذهوله ؛ كما صحا الدكتور السامرائي من غفلته وتذكر القاعدة المزعومة ، لوقف أمام السامرائي يسأله :
هل يجوز أن نقيس :( أعجاز نخل منقعر ) ، و( أعجاز نخل خاوية ) على : ( قال نسوة ) ، و( قالت الأعراب ) ؟؟؟
وإذا كان هذا القياس جائزًا ، فهل يدل التذكير في ( قال نسوة ) على القلة ، والتأنيث في ( قالت الأعراب ) على الكثرة والمبالغة ؟؟؟
وإن سلمنا جدلاً بأن التذكير في نحو قوله تعالى :﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾(آل عمران: 105) يدل على قلة ( البينات ) ، وأن التأنيث في قوله تعالى :﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾(البقرة: 213) يدل على كثرة ( البينات ) ، بناء على القاعدة التي ذكرها ، فماذا يقول فضيلته في قول الله تعالى :﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾(ص: 73) ، وقوله تعالى :﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ ﴾(آل عمران: 42) ، حيث ذُكِّر فعل السجود مع الملائكة في آية ( ص ) وهم كثرة ، بدليل قوله :﴿ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ ، وأُنِّثَ فعل القول معهم في آية ( آل عمران ) وهم قلَّة ، بدليل أن الملائكة كلهم لم يخاطبوا مريم . والمفسرون يقولون : المراد بالملائكة ههنا : جبريل وحده ؟؟؟
وماذا يقول فضيلته في تذكير الفعل مع ( الصيحة ) في قوله تعالى :﴿ وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة ﴾(هود: 67) ، وتأنيثه معها في قوله تعالى :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة ﴾(المؤمنون: 41) ، وهي مفردة في الآيتين ؟ وماذا يقول فضيلته أيضًا في تذكير الفعل مع ( موعظة ) في قوله تعالى :﴿ مَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾(البقرة: 275) ، وتأنيثه معها في قوله تعالى :﴿ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾(يونس: 57) ؟ هل يدل الأول على القلة ، والثاني على الكثرة ، و( موعظة ) مفردة مع الفعل في الآيتين ؟ وإن كان تذكير ( موعظة ) في آية البقرة يدل على القلَّة في قراءة الجمهور ، فكيف نوفق بينها ، وبين قراءة أبيًّ والحسن :﴿ فَمَنْ جَاءتْهُ مَّوْعِظَةٌ ﴾(البقرة: 275) ؟
ولو كان التأنيث يدل على الكثرة ، كما يزعم السامرائي ، لدل عليها تأنيث الفعل ( جَاءتْ ) مع ( الرُّسُلِ ) في قول الله عز وجل :﴿ وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى ﴾(هود: 69) . قيل : الرسل هنا هم الملائكة ، روي عن ابن عباس أنهم كانوا اثني عشر ملكًا . وقال السدي : أحد عشر على صورة الغلمان في غاية الحسن والبهجة . وحكى صاحب الفينان أنهم عشرة منهم جبريل . وقال الضحاك : تسعة . وقال محمد بن كعب : ثمانية . وحكى الماوردي أنهم أربعة ، ولم يسمهم . وجاء في رواية عن عثمان بن محيصن أنهم : جبريل ، وإسرافيل ، وميكائيل ، ورفائيل عليهم السلام . وفي رواية عن ابن عباس ، وابن جبير : أنهم ثلاثة الأولون فقط . وقال مقاتل : جبرائيل ، وميكائيل ، وملك الموت عليهم السلام . واختار بعضهم الاقتصار على القول بأنهم ثلاثة ؛ لأن ذلك أقل ما يدل عليه الجمع .
وواضح من هذه الأقوال كلها أن ( الرُّسُلَ ) الذين جاؤوا إبراهيم- عليه وعليهم السلام- هم قلَّة ، خلافًا لما في قوله تعالى :﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ﴾(يوسف: 110) ، حيث ذُكِّر الفعل مع ( الرُّسُلِ ) ، وهم كثرة .
أما لفظ ( نِسْوَة ) في قوله تعالى :﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾(يوسف: 30) فهو اسم جمع لا مفرد له من لفظه ، ويدل بصيغته على القلة . يقال : ثلاثُ نسوة إلى عشر نسوة ، ومع هذا يجوز أن يقال : قال نسوة ، وقالت نسوة ، فلا يدل تذكير الفعل معه أو تأنيثه على قلة ، أو كثرة .
وكذلك لفظ ( أَعْرَاب ) في قوله تعالى :﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾(الحجرات: 14) هو اسم جمع لا واحد له من لفظه ، ويدل بصيغته على القلة ، ويجوز معه تذكير الفعل وتأنيثه ، فيقال : قال الأعراب ، وقالت الأعراب . وقد ذكِّر معه الفعل في حديث أخرجه أبو نعيم عن فضالة بن عبيد قال :« كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس ، تخر رجال من قيامهم في صلاتهم ، لما بهم من الخصاصة ، وهم أهل الصفة ، حتى يقول الأعراب إن هؤلاء مجانين » .
فكيف يقال : تأنيث الفعل معه يدل على الكثرة ، وتذكيره يدل على القلَّة ؛ ألا ترى أن الأعراب الذين قالوا في الآية :﴿ آمَنَّا ﴾ هم قلة بالنسبة لغيرهم ، وهم من أعراب بني أسد بن خزيمة ، يقال نزلت الآية فيهم حين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في سنة جدبة ، وأظهروا الشهادتين ، ولم يكونوا مؤمنين في السر ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات ، وأغلوا أسعارها ، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتيناك بالأثقال والعيال ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، فأعطنا من الصدقة ، وجعلوا يمنون عليه ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية .