مشاهدة النسخة كاملة : شَوى لا سوا
عبدالحميد قشطة
01-23-2015, 01:07 PM
شَوى لا سوا
د. عبدالحكيم الأنيس
في العربية ألفاظٌ يقل استعمالها، فيغمض معناها، ويحرف مبناها، ومن ذلك لفظ (شوى)، وهذا تفصيل القول فيه:
جاء في كتاب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" لابن بسام (ت: 542هـ) بتحقيق الأستاذ إحسان عباس رحمه الله (القسم الثالث المجلد الأول ص152) في رسالةٍ من إنشاء ابن أرقم كتبها جواباً على رسالة للوزير الكاتب أبي محمد ابن عبدالبر (المتوفى سنة 474هـ)، جاء هذا البيتُ بهذا اللفظ:
وكلُّ مصيباتِ الزمانِ إذا أتتْ
فهنَّ سوا ما لم يُصِبْنَ صميمي
ولفظُ "سوا" هنا مُحرَّفٌ.
والصوابُ: "شَوى"، وهو الأمرُ الهيِّنُ اليسيرُ.
◘ ◘ ◘ ◘ ◘
والبيتُ المذكورُ ورد في كتاب "الحيوان" للجاحظ (3/83) منسوباً إلى الهذلي، ونصُّه:
(وكنتُ إذا ما الدهرُ أحدث نكبةً
أقولُ: شوىً ما لم يُصِبْنَ صميمي)
وعلّق المحقِّقُ الأستاذ عبدالسلام هارون على البيت بقوله:
(أنشد ابنُ الأنباري هذا البيت في "الأضداد" 199 وقال: شوى أي هيِّن حقير).
◘ ◘ ◘ ◘ ◘
وورد البيت في "بهجة المجالس" لابن عبد البر (ق2 ص357) ضمن خبر عروة بن الزبير أنه أنشده حين أُخبر بوفاة ابنه محمد، ونصُّه:
وكنتُ إذا الأيامُ أحدثن نكبةً
أقولُ شوىً[1] ما لم يُصِبْنَ صميمي
والمعنى على هذا أنَّ كلَّ النكبات هينةٌ غير قاتلة غير هذه النكبة بفقد الولد.
◘ ◘ ◘ ◘ ◘
وفي "القاموس" (ص1678): (الشَّوى: الأمر الهين... وما كان غير مقتل).
وجاء في حاشية فيه:
(ومنه حديثُ مجاهد:
"كل ما أصابَ الصائمُ شوى إلا الغيبة".
أي كلُّ شيء أصابه لا يُبطل صومه إلا الغيبة، فهي له كالمقتل.
والشوى ما ليس بمقتل. قاله ابن الأثير).
قلتُ: وتتمةُ كلام ابن الأثير: (يُقال: كلُّ شيءٍ شوىً ما سلِمَ لك دينُكَ أي هيِّن). النهاية (2/512).
◘ ◘ ◘ ◘ ◘
وورد البيتُ كذلك أيضاً في "الوافي بالوفيات" (19/550) في ترجمة عروة بن الزبير.
◘ ◘ ◘ ◘ ◘
وقد ذكر خبرَ عروة الأستاذُ محمود شاكر في مقالٍ له عنه بعنوان "الحقيقة المؤمنة"[2]، ونصُّ البيت في هذا المقال:
وكنتُ إذا الأيامُ أحدثن هالكاً
أقولُ شوىً ما لم يُصِبْنَ صميمي
وعلَّق الأستاذ محمود شاكر في الحاشية بقوله: (الشوى: اليسيرُ الهيِّن).
◘ ◘ ◘ ◘ ◘
وحبذا إحياء هذا اللفظ بالاستعمال.
وكلُّ شيءٍ سوى التحريف شَوىً.
[1] وضبط المحقِّقُ "شوى" بضم الشين!
[2] كان قد نَشره في مجلة "الرسالة" السنة (8)، العدد (348)، 1940م ص383-385، ثم نُشِرَ في "جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر" (1/111-117).
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_********/0/75038/#ixzz3PdbCjQKX
عبدالله بنعلي
01-23-2015, 04:40 PM
من موقع الهادي الظاهرية :
موضوع: "الذخيرة...": ابن بسام وإسهاماته العلمية د. علي محمد النقراط* السبت نوفمبر 13, 2010 2:01 am
يرى بعض الأدباء المشارقة أن الأعمال الأندلسية التي اعتنت بالأدب والشعر كثير منها بضاعة مشرقية في ثياب أندلسية ، وفي هذا الكلام بعض الحقيقة وخاصة خلال المرحلة الأولى من تواجد العرب بأسبانيا.
ولعل المثال الذي يمكن الإشارة إليه هنا هو كتاب "العقد الفريد" الذي لم يقف فيه مؤلفه ابن عبد ربه على أي أثر من آثار الأندلس وأهمل الحديث عن أي لون من ألوان الثقافة الأندلسية في وقت ربما كانت فيه الحياة الثقافية في الأندلس في حاجة إلى من يكتب حولها ويقدم بعض نماذج مبدعيها ويذيع بعض ما تجود به قرائح أهل هذه الجزيرة الجميلة.
وعندما سمع الصاحب بن عباد : بهذا العمل حرص على الإطلاع عليه، لما تصفحه قال: "هذه بضاعتنا ردت إلينا، ظننت أن هذا الكتاب يشتمل على أخبار بلادنا. لا حاجة لنا به، ثم رده".
ويبدو أن أهل الأندلس أدباء وشعراء وعلماء كانوا يميلون كثيرا إلى قراءة ودراسة الآثار المشرقية، ويرون في كل شيء يأتي من المشرق أمرا جديرا بالعناية والرعاية وربما عد هذا إهمال لأدبهم وانجذابا إلى تراث المشرق. وقد تنبه إلى هذه المسألة خلال القرن الخامس الهجري العالم الأندلسي ابن مدينة شنترين "santarem" ابن بسام الشنتريني "ت: 542هـ/ 1147م" وتألم إلى هذه الظاهرة وحز في نفسه أن يكون أهل الأندلس مغرومين بكل ما هو مشرقي ومبهورين بكل ما يصدر من عندهم على الرغم من وجود نتاج أندلسي لا يقل أهمية وجودة عما ينتجه المشارقة.
وقد وصف ابن بسام هذه الحالة في صورة تحمل الكثير من السخرية مصورا حالة القلق على أدب جزيرة الأندلس حين قال: "إلا أن أهل هذا الأفق، أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنما، وتلوا ذلك كتاب محكما...""1".
إلا أن هذا لا يعني أن الحركة الأدبية في الأندلس خالية من المبدعين في مجالات الأدب والشعر، فقد وصف ابن بسام النشاط الأدبي في الأندلس بقوله: "نثر لو رآه البديع لنسي اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولاه حمه، ونظم لو سمعه كثير ما نسب ولا مدح، أو تتبعه جرول ما عوا ولا نبح...". وقد رأة ابن بسام من خلال إلمامه بما أنتجه الأندلسيون أهمية تجليه هذه النظرة غير الموضوعية وإعطاء أهل الأندلس مكانتهم، خاصة أن الأندلس قد تركت إسهامها الذي لا يمكن أن ينكره أحد، سواء تعلق الأمر بالإسهامات الأدبية أو العلمية، وفي الذخيرة نماذج كثيرة من هذه المشاركات.
غيرة لا حدود لها:
من أهم العوامل التي دفعت ابن بسام إلى التصدي إلى مثل هذا العمل، شعوره بالغيرة الشديدة تجاه وطنه، يشجعه في ذلك أهمية هذا الأدب وغناه من ناحية، وندرة الكتابات التي تناقش الحياة الأدبية في الأندلس من ناحية أخرى. ويبدو أنه كان يحس بنوع من الغبن تجاه ما أنتجته قرائح أدباء وشعراء الأندلس، وتجاهل كلك ما هو أندلسي، وإذا استمر الحال على هذه الوتيرة فربما لن يعود لأدبهم ذكر وهم لا يقلون شأنا عن أشقائهم المشارقة في فنون الآداب والعلوم المختلفة، بل ربما تفوق الأندلسيون في مجالات عدة لعل في مقدمتها الموشحات والأزجال.
من هنا فقد رأى ابن بسام أن يأخذ على كاهله مسؤولية تصحيح هذه النظرة الخاطئة تجاه الحياة الثقافية بالأندلس وأن يتصدى لهذه الظاهرة من خلال إنجاز عمل موسوعي يبرز إسهامات الأندلسيين في مجالي الأدب والشعر، وأن يرد على منتقدي الأدب الأندلسي والقائلين بأنه صورة باهتة لما هو في المشرق. وقد أوضح ابن بسام ذلك في مقدمته حين قال: "وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة، وتصبح بحاره ثمادا مضمحلة، مع كثرة أدبائه ووفور علمائه""2".
* العقبات التي واجهت ابن بسام
لم تكن الطريق أمام ابن بسام سهلة ميسورة، فقد واجهته عقبات في جمع مادة الكتاب، خاصة أن الكثير من ذه المادة لم يكن مجموعا في دواوين أو مجموعات أدبية تسهل مهمته.
وهو في هذا الصدد يقول: "على أن عامة ما ذكرته في هذا الديوان، لم أجد له أخبارا موضوعة ولا أشعارا مجموعة، تفسح لي في طريقة الاختيار منها، إنما انتقدت ما وجدت، وخالست في ذلك الخمول، ومارست هنالك البحث الطويل، والزمان المستحيل، حتى ضمنت كتابي هذا من أخبار أهل هذا الأفق ما لعلي سأربى به على أهل المشرق، وقد قال أبو تمام:
"ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت
حياضك في العصور الذواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلت
سحائب منه أعقبت بسحائب" "3".
بالإضافة إلى ذلك يشكو ابن بسام صعوبة قراءة هذه النصوص إما بسبب رداءة خط أصحابها أو بسبب التصحيف الذي لحق بهذه النصوص، فهو يرى أنها كتبت: "بخط جهال كخطوط الراح، أو مدارج النمل بين مهاب الرياح، ضبطهم تصحيف، ووضعهم تبديل وتحريف، أيأس الناس منها طالبها، وأشدهم استرابة بها كاتبها، ففتحت أنا أقفالها، وفضضت قيودها وأغلالها، فأضحت غايات تبيين وبيان، ووضحت آيات حسن وإحسان""4".
من خلال ما سبق تتضح الجهود التي بذلها ابن بسام ليقدم هذه الموسوعة الأدبية. وكيف الإشارة إلى أن الذخيرة قد اشتمل على 145 ترجمة مفصلة، ناهيك عن تغطيته لأهم الأحداث التاريخية التي عرفتها أهم حقبة من حقب الأندلس.
لقد بذل ابن بسام جهدا كبيرا في جمع مادته، خاصة أنه أراد من عمله أن يثبت أهمية الأدب الأندلس وأن يكون حجة في وجه ما يشكك في غزارة هذا التراث وأهميته. ويزداد إعجاب القارئ بهذا العمل وصاحبه حين يعرف الأحوال الصعبة التي مر بها الشنتريني وقد ألمح إلى بعضها في مقدمته.
* أهمية وقيمة الكتاب
تكمن أهمية الذخيرة في اهتمامه بعدد كبير من الشعراء وخاصة المغمورين منهم ممن لا نجد لهم نصوصا في غير الذخيرة. علاوة على ذلك فالكتاب يحتوي على نصوص تاريخية قيمة ومهمة تناولت تاريخ ملوك الطوائف نقلها الشنتريني عن ابن حيان"5".
وفي غياب كتاب ابن حيان "المتين" يمكن اعتبار الذخيرة مصدرا أساسيا ي جزء كبير من أهم مراحل التاريخ الأندلسي، واعتماد الشنتريني في كتابه على ابن حيان يدل على ثقة كبيرة فيما أرخه ابن حيان من أخبار ووقائع، وفي هذا الشأن يقول ابن بسام "واعتمدت المائة الخامسة من الهجرة، فشرحت بعض محنها، وجلوت وجوه فتنها... وأحصيت علل استيلاء طوائف الروم... وعولت في ذلك على تاريخ أبي مروان بن حيان، فأوردت فصول، ونقلت جمله وتفاصيله"6
والواقع أن اعتماد ابن بسام على مؤرخ ثقة مثل ابن حيان قد أضفى على الذخيرة أهمية كبيرة ووضعها في مقدمة الأعمال التي يمكن للمؤرخ الأندلسي أن يستعين بها في تحليل كثير من الوقائع والأحداث التاريخية. والكتب فوق ذلك لكه رد مقنع على المشارقة الذين يرون ف الأدب الأندلسي صورة مكررة عن أدبهم ونقل لنصوصهم، وهو أيضا رسالة لأهل الأندلس لكي يعطوا أهمية لتراثهم. وليس هناك أدنى شك في أن الشنتريني قد نجح في تحقيق هدفه. والذخيرة يقدم كذلك معلومات مهمة عن الحياة الأندلسية في مختلف ألوانها من سياسية واجتماعية وثقافية.
* الثعالبي وابن بسام تشابه أم اختلاف؟
يرى بعض الباحثين المعاصرين أن هناك تشابها كبيرا بين الذخيرة لابن بسام ويتيمة الدهر طريقة سار عليها في تصنيف وترتيب مادة كتابه، وقد أوضح ذلك ابن بسام في مقدمته حين قال: "وإن ما ذكرت هؤلاء اتساءا بأبي منصور في تأليفه المشهور المترجم بيتيمة الدهر في محاسن أهل العصر".
فالتشابه هنا في المنهج، أما المادة والأسلوب فقد اختلف منهج الشنتريني عن الثعالبي في مواضع كثيرة. ولعل أهم ما يميز عمل الشنتريني الآراء النقدية ووجهات النظر التي كان يقدمها من وقت لآخر، وهو ما لم يستطع الثعالبي فعله علاوة على ذلك فالكتاب يخلو من أي تعصب فكري وهو ما لم يستطع الثعالبي فعله حينما فضل شعراء على آخرين من غير سند علمي.
وبكلمة أخرى فإن منهج الثعالبي أقرب إلى الجمع والتدوين فهو ينقل نصوصه ويدونها دون إبداء رأي أو مناقشة. في حين أن ابن بسام كما يرى د. طه حسين: "أفقه من الثعالبي بالحياة الأدبية في إقليم من الأقاليم فهو أدق منه ملاحظة لما يكون من الصلة القوية بين طبيعة الإقليم وما ينتج فيه من أدب، بل طبيعة الأجناس البشرية وما تنتج من أدب، بل بين ما يكون من مجاورة الأمم المختلفة وما ينتج من الأدب فهو قد لاحظ مجاورة المسلمين في الأندلس لأعدائهم من الفرنجة وتأثير هذا الجوار فيما كان للمسلمين من شعر ونثر""7".
وعلى الرغم من الجهد العظيم الذي بذله ابن بسام في تصنيف الذخيرة والآراء القيمة التي قدمها فإنه يشعر القارئ بتواضع جم حين يقول:"ولا أدعي أني اخترعت، ولكني لعلي قد أحسنت حيث اتبعت، وأتقنت ما جمعت، وتألفت عنن الشارد، وأغنيت عن الغائب بالشاه، وتغلغلت بقارئه بين النظم والنثر، تغلغل الماء أثناء النور والزهر.."8
والقارئ للذخيرة سيكتشف كنوزا أدبية قيمة ما كانت لتصل إلينا لولا حماسته وغيرته على ما أنتجته قرائح أبناء وطنه الأندلس.
بقي أن نقف قليلا عند محتويات الكتاب، فقد قسم ابن بسام كتابه إلى أربعة أقسام، خصص القسم الأول منه لقرطبة وما يسابقها من وسط الأندلس، والقسم الثاني خصصه لإشبيلية وما يتصل بها من بلاد الساحل البحر المحيط، والقسم الثالث خصصه للجانب الشرقي من الأندلس.
أما القسم الرابع فقد أفرده المؤلف لمن طرأ على جزيرة الأندلس.
وقد شكلت مادة هذا الكتاب فيما بعد نواة أساسية لعدد من المؤلفين وشجعت الكثير من علماء الأندلس للتصدي للكتابة في مختلف المجلات، والكتاب لا يزال إلى يومنا هذا من أهم مصادر البحث في حقل الدراسات الأندلسية وقراءته للمتخصص وغير المتخصص فيها الكثير من الفائدة والمتعة.
_______________
* باحث وأكاديمي ليبي
الهوامش:
"1" ابن بسام الشنتريني، الذخيرة، مطبعة لجنة التأليف والنشر، القاهرة: 1939م، القسم الأول، ج. 1، ص. 2.
"2" الذخيرة، القسم الأول، ج1، ص. 1،2.
"3" الذخيرة، القسم الأول، ج1، ص. 3.
"4" الذخيرة، القسم الأول، ج1، ص. 5.
"5" الذخيرة، القسم الأول، ج1، ص. 5.
"6" من أهم مؤرخي الأندلس وأكثرهم دقة، "377هـ/987م – 469هـ/1076م" له مؤلفات كثير من أبرزها "المتين"، و"المقتبس في تاريخ الأندلس".
"7" الذخيرة، القسم الأول، ج1، ص. 7.
"8" الذخيرة، مقدمة الكتاب.
عبدالله بنعلي
01-23-2015, 04:44 PM
من موقع الموسوعة العربية :
ابن بسام الشَنْتَريني (علي ـ)
(... - 542هـ/... - 1147م)
أبو الحسن عليّ بن بسّام الشَنْتَريني التغلبي. أديب وعالم في اللغة وشاعر أندلسي. ولد في منتصف القرن الخامس الهجري بشَنْتَرين غربي الأندلس، وهي اليوم في البرتغال إلى الشمال الشرقي من لشبونة (أشبونة) العاصمة، على الضفة اليسرى لنهر التاجُه.
كان عصر ابن بسام عصراً مضطرباً يُعدّ أخطر مرحلة في تاريخ الأندلس، أواخر عصر ملوك الطوائف وأوائل الفتح المرابطي، وهي مرحلة بداية انهيار الحكم العربي الإسلامي. ولذلك غادر ابن بسام بلده هارباً من الزحف الإسباني، فارتحل أولاً إلى أشبونة ثم إلى إشبيلية حيث أمضى بضعة أعوام في بؤس ومشقة درس فيها على شيوخها يتعيّش بقلمه وأدبه، لكنه لم يلق فيها التكريم الذي يستحقّ. وفي سنة 494هـ قصد قرطبة، ودرس على شيوخها، واستقرّ فيها بقية حياته.
ظهر ابن بسّام على غير توقّع في ذلك الركن القصيّ من الأندلس، حتى إن عبدالله بن إبراهيم الحجاري الأندلسي صاحب «المسهب في أخبار المغرب» يقول: «العجب أنه لم يكن في حساب الآداب الأندلسية أنه سُيبعث من شَنترين قاصية المغرب، ومحلّ الطعن والضرب مَنْ ينظمها قلائد في جيد الدهر، ويُطلعها ضرائر للأنجم الزهر...».
كان ابن بسّام حاضر الجواب ممدَّحاً بألسنة الشعراء، لقي ابن عَبْدون (ت520هـ) وابن حَمْديس (ت527هـ)، وأبا بكر مُحمّد بن عُبادة القزّاز (ت484هـ) الذي خاطبه في أثناء مقامه بأشبونة بقوله:
يا منيفاً على السِمَاكَين سامِ
حُزْتَ فَضْلَ السّباقِ عن بسّام
لم يعرف عن ابن بسام أنه خدم أحداً من الأمراء، أو تطفّل على موائدهم أو تقلب في صلاتهم على غرار معاصريه من الأدباء، بل كان عصامياً عزيز النفس يحتمل شظف العيش ولا يريق ماء وجهه.
حدّد ابن بسام صلته في الشعر، فقال: «ومع أن الشعر لم أرضه مركباً ولا اتخذته مكسباً، ولا ألفته مثوى ولا مُنقلباً، إنما زرته لِماماً، ولمحته تَهمّماً لا اهتماماً». وقد روي له في «المُغرِب» مقطوعة عدّت من الطبقة الراقية مطلعها:
ألا بادِرْ فما ثانٍ سوى ما
عهدت: الكأسُ والبدرُ التمام
ولئن لم يجرِ ابن بسام في ميدان الشعر طويلاً فإنه قد عوّض عن ذلك بانكبابه على شعر أهل الأندلس يجمعه دواوين ومختارات، وقد عُدَّ الأثر الباقي له «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» أهم آثاره، وقد ذكر دوافعه إلى تأليف هذا الكتاب في مقدمته، فذكر أنه رأى انصراف أهل العصر والقطر إلى أدب المشرق والتزوّد منه والإعجاب به وإهمال أدب الأندلس، فأراد أن يبصّر بكتابه هذا أهل الأندلس بتفوّق أدبائهم وروعة إنتاجهم الذي لا يقصّر عمّا أنتجه المشارقة، كما أراد أن يعارض «بالذخيرة» «يتيمة الدهر» للثعالبي، إذ إنّ كلاً من المؤلّفين يتحدث عن محاسن أهل عصره وقطره. ويعدّ ابن بسّام في «الذخيرة» رأس المنحازين إلى الأدب الأندلسي في وجه طغيان أدب المشرق ولم يعرض ابن بسّام لشيء من أشعار الدولة المروانية، ولا للمدائح العامرية، فلم يتعدّ أهل عصره ممن شاهده أو لحقه بعض أهل دهره.
يعدّ كتاب «الذخيرة» من أصول الأدب العربي في الأندلس، أبرز فيه مآثر عدد من الشخصيات الفكرية والسياسية والأدبية، ولاسيما محاسن معاصريه من الأدباء والشعراء. وذكر طائفة من مشهوري المغاربة والمشارقة على غرار ما فعل الثعالبي عندما ذكر في «اليتيمة» طائفة من الشعراء المغاربة.
ويتجلى في «الذخيرة» علم ابن بسام وإلمامه بتاريخ العرب وتمثّله وحفظه أشعارهم وأمثالهم. وقد قدم لأقسام الكتاب بتمهيد تاريخي ذكر فيه أنه كفاه مؤونته مؤرخ قرطبة ابن حيان (ت469هـ) كما اعتمد تاريخاً منظوماً للأندلس لأبي طالب عبد الجبار المتيني من جزيرة شَقَر، وقد عاش هذا المؤرخ في حدود سنة 520هـ، وبعد هذا التمهيد بدأ تراجم الأعلام فذكر اسم المترجم له ولقبه ونسبه وبلده وبعضاً من شعره ونثره.
وقد خالف ابن بسّام كتب التراجم، فكان ينتقل من الجدّ إلى الهزل لتنشيط القارئ، كما أدخل كتابه في حيز الدراسات النقدية والبلاغية، وهي ميزة تضاف إلى ميزات الكتاب، فكان يورد آراء النقاد والأدباء، ويدلي بدلوه في ذلك بآراء وأحكام تدلّ على سعة اطّلاعه على بلاغات العرب السابقين والتفطّن إلى ما ينطوي عليه الكلام من نوادر الأدب والأدباء في عصره، وقد سجّلها في نثر شديد الشبه بنثر الثعالبي في «اليتيمة»، ومع أنه لم يدرج الموشّحات في كتابه، ولم يشارك في هذا الفن، فإنه أثنى على اختراع الأندلسيين له.
تذكر لابن بسّام طائفة من المؤلفات، لم تصل إلينا، وهي: «الاعتماد على ما صحّ من شعر المعتمد بن عبّاد» و«الإكليل» المشتمل على شعر عبد الجليل و«سلك الجواهر في ترسيل ابن طاهر» و«نخبة الاختيار من أشعار ذي الوزارتين أبي بكر بن عمّار» و«ذخيرة الذخيرة» و«سرّ الذخيرة».
هناء دويدري
الأدب العربي ـ الأندلس.
مراجع للاستزادة:
ـ ابن سعيد علي بن موسى، المغرب في حلى المغرب، تحقيق شوقي ضيف (القاهرة 1954).
ـ محمد عبد الله عنان، تراجم إسلامية، الطبعة الثانية (مطبعة الخانجي، القاهرة 1970).
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, vBulletin Solutions, Inc Trans by mbcbaba