المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : د.محمد حسن عبد العزيز: القرآن الكريم هو المثل الأعلى للغة العربية في فصاحتها وجمالها


إدارة المجمع
04-20-2015, 11:39 AM
حوار عن قرب مع العالم اللغوي الكبير الأستاذ الدكتور محمد حسن عبد العزيز – أستاذ علم اللغة والدراسات السامية والشرقية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضو مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية، نقف فيه على أهم الشخصيات والمحطات في حياته، وتكوينه العلمي، وأهم آراؤه حول قضايا اللغة العربية والكثير...

http://www.m-a-arabia.com/site/wp-content/uploads/2015/04/001.jpg


حوار/ منى ثابت

• في البداية نود التعرف على أهم الشخصيات والمحطات المؤثرة في حياة الدكتور محمد حسن عبد العزيز، وتكوينه العلمي والثقافي، وما هي آخر إصداراتكم العلمية؟

- لا شك أن بداية تكويني كانت في الكُتَّاب؛ حيث كان حفظ القرآن الكريم هو أول خطوة في هذا الطريق الذي سلكته، ثم دراستي في الأزهر الشريف، كانت دراسة عميقة وواسعة وطويلة، فأتاحت لي أن أعرف الكثير عن العلوم الشرعية وعلوم اللغة وعلوم الأدب، طوال سنوات تسع من عمر الإنسان، صحيح أنها كانت قاسية أن تستمر مثل هذه الدراسة مدى طويلاً، لكن أشهد أن دراستي في الأزهر قد استفدت منها كثيرًا، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن علماء الأزهر الذي درسوا لي في معهد المنصورة الديني كانوا على علم واسع وخُلق رفيع، فخرجت من الدراسة في المرحلة الثانوية بالأزهر الشريف، وقد استوعبت كثيرًا من العلوم، ساعدتني طويلاً حين التحقت بدار العلوم، فلم أجد مشقة في الدراسة بدار العلوم، فكانت الدراسة في دار العلوم أشبه بعملية صقل لهذه المعلومات التي تحصلتها في الأزهر الشريف. وعلى ذكر الأزهر فأنا متألم غاية الألم لطريقة الدراسة في الأزهر؛ من حيث اختصار عدد سنوات الدراسة به، وسطحية العلوم التي تُدَرَّس الآن، والتي أدت إلى انهيار التعليم الأزهري، ثم جاءت مرحلة ما بعد دار العلوم وما حصَّلته فيها؛ حيث إنني عُيِّنت محررًا بمجمع اللغة العربية، بكل أسف لم أُعيَّن معيدًا مباشرة حين حصلت على مرتبة الشرف الأولى من دار العلوم، ولكن في الحقيقة شاء الله لي أن أتحصل على خبرة عالية جدًّا في مجمع اللغة العربية، لو لم أحصل على هذه الخبرة في المجمع، ما كنتُ وصلتُ إلى ما وصلتُ إليه الآن، فكنتُ محررًا في المعجم الكبير، ومحررًا في لجنة اللهجات، وفي أثناء هذه الفترة التي تبلغ عامين – فيما أظن– تحصلت كثيرًا من المعارف، وتعرفت على مكتبة المجمع، واستفدت منها كثيرًا، ومن أطرف ما أقوله في هذا الشأن أن أستاذنا الدكتور شوقي ضيف عينني خبيرًا، وأنا لم أحصل على الدكتوراه بعد؛ وذلك نظرًا لثقة سيادته فيَّ في هذا المجال، كانت هذه البداية لأصبح عضوًا بعد ذلك في المجمع.

- أما بالنسبة لآخر إصداراتي العلمية، فهو كتاب بعنوان (كتاب سيبويه مادته ومنهجه)، وهو – فيما أعتقد – أول كتاب باللغة العربية حلَّل نظرية النحو العربي كما كانت في كتاب سيبويه، كتاب سيبويه هو أقدم كتاب عُرِفَ عن اللغة العربية وقواعدها، ومن الطريف أنه أكمل كتاب في هذا المجال وأوسعها في القواعد، فأنا جلستُ مع هذا الكتاب سنوات طويلة قراءة وفهمًا وتحليلاً، ثم وضعتُ هذا الكتاب الذي أعدُّه من أفضل ما كتبتُ، وللعلم إن سيبويه مات قبل أن يضع اسمًا لعمله هذا، فأطلق الناس عليه اسم (الكتاب)، وهو الكتاب الوحيد في التراث العربي الذي نال هذا الشرف، فعندما نقول: الكتاب، نعني فورًا: كتاب سيبويه.

• ما تأثير القرآن الكريم على اللغة العربية؟ وما أبرز وجوه الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم؟

- طبعًا اللغة العربية بغير القرآن كان مصيرها الموت؛ فالقرآن بالفعل هو الذي حفظ العربية حتى يومنا هذا، ولولاه ما كانت العربية، القرآن الكريم هو المثل الأعلى للغة العربية في فصاحتها وجمالها، وظل هكذا حتى يومنا هذا بإذن الله سبحانه وتعالى؛ لأجل ذلك فإن مَنْ يريد أن يبدأ في دراسة العربية، عليه أن يبدأ أولاً بقراءة القرآن الكريم ودرسه؛ لأن القرآن هو منبع العربية، ولكن هذا لا ينبغي أن ينسينا أن لنا دورًا في الحفاظ على اللغة العربية، فلا نرتكن إلى أن القرآن محفوظ بعناية الله سبحانه وتعالى ورعايته. نريد أن نعود إلى تعليم أطفالنا أن يقرأوا جزءًا من القرآن أو أكثر من جزء كي تستقيم ألسنتهم؛ ويكون ذلك مقدمة لفهم القرآن الذي هو مصدر العربية الفصحى حتى وقتنا هذا. وقد نشأ علم النحو لخدمة القرآن، علم البلاغة نشأ لخدمة القرآن، كل العلوم العربية والإسلامية في تاريخ نشأتها كانت للحفاظ على القرآن ومعرفة أسراره وبلاغته.

• كيف نعيد آذان العرب كي تكون آذانًا قرآنية كما كانت في الماضي متعلقة بسماع كبار القراء أمثال الشيخ رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ الحصري وغيرهم؟

- اتفقنا أولاً أن القرآن الكريم هو المثل الأعلى في البلاغة والجمال وفي كل القيم، والقرآن نزل على النبي- صلى الله عليه وسلم- متلقٍّ بالمشافهة، واللغة في الحقيقة تُؤخذ سماعًا لا كتابة، والقرآن الكريم نزل على النبي الأمي محمد - صلى الله عليه وسلم- وكان جبريل يُقرئ النبي القرآن، وكان النبي يجمع الصحابة ويُقرئهم القرآن؛ ولذلك القرآن تحفظه القلوب وتحفظه الذواكر، لا شك في أهمية كتابة المصحف، ولكن – كما قلت – إذا كانت اللغة سماعًا، والقرآن نزل مسموعًا، فالمبدأ الأكبر في التلقي هو السماع، والسماع عن الشيخ؛ لأن الكتابة مهما تقدمت، ومهما حاول الذين يكتبون أن تكون مقاربة للنطق لا تكون مقاربة للنطق؛ إذن لا مجال إلا أن نسمع القرآن من الشيخ، وطبعًا نقصد هنا كبار الشيوخ وكبار المقرئين، الذين تلقوا أيضًا عن مشايخهم، وتلقى مشايخهم عن مشايخهم، وهكذا.. هذا هو الطريق الصحيح لتلقي القرآن الكريم.

• بمناسبة اقتراب شهر القرآن. حدثنا عن أبرز ذكرياتكم ومواقفكم في شهر رمضان الكريم.

- في الحقيقة الناس جميعًا يجعلون رمضان مجالاً للهو، وخاصة في هذه الأيام التي تتنافس فيها أجهزة الإعلام في تقديم المسلسلات والمسرحيات والأفلام والفوازير والمسابقات وغير ذلك، وأنا أعتقد أن هذا صَرْف للناس عن حقيقة رمضان، وما ينبغي أن يكونوا عليه من صفات، رمضان شهر للعبادة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، شهر للقرآن، وأنا أحب رمضان؛ لأنني أستغل هذا الشهر في العمل، فهو عندي شهر للعمل، حيث يُتاح لي فرصة أن أتفرغ للقراءة، ونادرًا ما أجلس أمام جهاز التليفزيون، مع أن الناس – غالبًا – ما تنصرف إلى هذا، وشهر أيضًا للعبادة؛ ليس فقط للصيام، وإنما للصلاة أيضًا، للأسف أساء الناس إلى رمضان، وأنا أجد أن هذا انحدار عن مفهوم شهر رمضان الكريم.

• إذا كان لحفظ القرآن تأثير طيب في الطباع والنفوس، فلماذا نرى بعض حفظة القرآن يفتقدون الفهم السليم فتأتي أفعالهم وأقوالهم مخالفة لتعاليم القرآن؟

- أولاً: من فضل الله علينا أن القرآن مع كتابته في العصر الحديث ظهر تسجيل القرآن على أشرطة أو أسطوانات، وأنا أعتبر هذا العمل يتلو في أهميته كتابة مصحف عثمان، فإذا كان مصحف عثمان قد نص على القرآن كتابة، فإن تسجيل القرآن الذي حدث قد نصَّ على القرآن مسموعًا، وأنا أعتبر أن الشيخ الحصري فيما سُجِّل له من قراءتي ورش وحفص من أفضل الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، لا مجال للاجتهاد، ثمة قراءات أخرى لمشايخ عظام للشيخ البنا، للشيخ مصطفى إسماعيل، كبار المقرئين، وهي قراءات محفوظة، ولا مجال للاجتهاد في القراءة، فالقراءة سُنَّة متبعة، ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم- يُقرأ، وما لم يرد لا يُقرأ، هذا من ناحية المشايخ العظام الذين حافظوا على النص القرآني مقروءًا ومسموعًا وفقًا لقواعد التجويد المعروفة، أما أن تنعكس أخلاق القرآن على أخلاق حافظه، فهذا أمر بدهي لابد منه، فعندما مُدح النبي - صلى الله عليه وسلم- في خلقه قيل: "كان خُلُقه القرآن"، إذن فالذي لا يستجيب عقله ولا يستجيب وجدانه ولا يستجيب حِسُّه ولا يستجيب ضميره للقرآن الكريم؛ فهذا نقص وعيب فيه، فالقرآن الكريم ليس آياتٍ تُتلى، وإنما هو سلوك ومنهج حياة ينبغي أن يكون كذلك.

• ما أسباب ضعف إقبال الناشئة على تعلم العربية؟ وكيف نتدارك هذا الضعف؟

- واضح أن هناك مُشْكِلاً لغويًّا في حياتنا الحديثة، حياتنا الآن تتعرض لنمط جديد ناتج عن هيمنة الثقافة الغربية، وسيطرة الفن الغربي وسيطرة الحياة الغربية على حياتنا، الإنسان الضعيف دائمًا يميل إلى تقليد الأقوى، وقد تغلغلت أنماط الحياة الغربية في ملبسنا ومطعمنا وحياتنا كلها، وفي فنوننا كلنا؛ فنحن حقيقة نعيش في إطار ثقافة وافدة علينا من الغرب، هذه الثقافة لها لغتها، وهي اللغة الإنجليزية أساسًا، فأي إنسان يتبنى هذا النمط السلوكي والأخلاقي لهذه الثقافة لا شك سوف يميل إلى أن يتكلم بالإنجليزية، أو يحاول أن يتكلم بها، وفي الوقت نفسه سيحاول أن يتنصَّل من ثقافته العربية والإسلامية، إذن هناك أزمة هوية يتعرض لها الإنسان، هوية ثقافية، وهوية لغوية، أصبح هناك نفور من التحدث باللغة العربية، نفور من الكتابة باللغة العربية، نفور من دراسة اللغة العربية، التشبه بالسلوك الغربي في المأكل والمشرب والملبس، يعني حياتنا تغيرت، وانبنى عليها أيضًا تغيرات لغوية في نظرة المجتمع إلى اللغة العربية، وأنها لغة دونية، وأنها لغة صعبة، وكلام كثير يُقال؛ نتيجة انهيار الهوية اللغوية.

• ما تقييمكم لمناهج اللغة العربية التي تُدَرَّس في المراحل التعليمية المختلفة؟ وهل تفي بحاجة الطلاب أم هي فوق مستواهم؟

- هذا الموضوع طويل، لا يتسع له المقام هنا، أولادي تعلموا، وأنا الآن أساعد أحفادي في درس اللغة العربية نحوًا ما، وبصدق الكتب المقررة في المرحلة الابتدائية جيدة، ولكن المشكلة ليست في الكتاب فقط، إنما هي– في الحقيقة – مشكلة المدرس، 90% من مشاكل تعليم اللغة العربية في مصر والعالم العربي ناتجة عن المدرس، خبرة المدرس، ثقافة المدرس، حتى معرفة المدرس بقواعد اللغة العربية ضعيفة للغاية، فمستوى معلم اللغة العربية الآن لا ينبغي أن يكون هكذا، ولا يمكن أن يُقاس مستواه بمستوى معلم اللغة العربية حين كنا نتعلمها؛ فمستواه هابط، لا يؤدي عمله كما ينبغي أن يكون، فالعلم ينقصه وتنقصه الخبرة؛ ولهذا دائمًا كنت أنصح أبنائي، وما زلت أنصح أبنائي وأقول: إن مرحلة التعليم الابتدائي هي أخطر مراحل تدريس اللغة العربية؛ إذا أحسن المعلم تعليم اللغة العربية في هذه المرحلة، وخرج الطفل يجيد القراءة ويجيد الكتابة، فلن يحتاج إلى شيء بعد ذلك، أما المشكلة تكمن في أن الطلاب يخرجون من هذه المرحلة لا يجيدون القراءة ولا يجيدون الكتابة، وتظل هذه المشكلة في حياتهم إلى نهايتها، هذه هي الأزمة الحقيقية للغة العربية.

• بدأ الدكتور محمد حسن عبد العزيز دراسته الأكاديمية بدراسة عن لغة الصحافة المعاصرة، نود إلقاء الضوء عن هذه الدراسة، وهل تُعتبر لغة الصحافة امتدادًا للعربية الفصحى؟ أم أنها لغة جديدة ذات ملامح خاصة بها؟


- دخول الصحافة إلى مصر في منتصف القرن التاسع عشر (النصف الأخير) كان أكبر حدث في تطور اللغة العربية، اللغة العربية قبل هذه المرحلة كانت لغة متخلفة، لغة جامدة، لغة مليئة بالسجع والصنعة، لغة لا تكافئ حياة الناس ولا تعبر عنهم. جاءت الصحافة فاستخدمت لغة جديدة، هي لغة فصيحة، ولكنها لغة مرنة، لغة غنية، لغة من الميسور فهمها، من الميسور كتابتها، هذا أكبر تطور حدث للغة العربية، من أجل ذلك نحن نعتد بلغة الصحافة، ونقول: إن لغة الصحافة هي نموذج للغة العربية الفصحى الحديثة، وأنا حين اشتغلت بالصحافة وبدراسة لغتها تنبهت إلى أهمية هذا المجال، خاصة أن الصحافة ليست مجرد خبر، فهناك صحافة رأي، هناك صحافة تحقيق، هناك تجد صفحة للسياسة، تجد صفحة للاقتصاد، تجد صفحة للرياضة، صفحة للمرأة، صفحة للطب، فالصحافة الآن تعالج كل أنماط التعبير وكل الموضوعات الصالحة يمكن أن يُعَبَّر عنها في الصحافة، إذن الصحافة ديوان اللغة العربية الحديثة، ولكن قد حدث تطور الآن في لغة الصحافة، ربما أيضًا لضعف مستوى الصحفيين لغويًّا، كان – قديمًا – الاهتمام بصحة العبارة اهتمامًا كبيرًا، وكانت أجهزة التصحيح في الصحف تباشر نفوذها فيما يخرج إلى الناس، قل الاهتمام بهذا الجانب، وهذا خطر ينبغي التنبيه عليه. رسالتي للماجستير- وكانت عن لغة الصحافة – كُتب على منوالها عشرات الرسائل، الصحافة في المغرب، الصحافة في اليمن، وهكذا. وأنا أحمد الله أنني تنبهت إلى هذا الأمر في عهدي الأول في الدراسة الأكاديمية.

• ما الكتب التي ترشِّحها- سيادتكم- للصحفيين والإعلاميين كي تمكنهم من إجادة اللغة العربية نطقًا وكتابة؟

- لابد أن يعيد رجال الصحافة ثقافتهم اللغوية، وأنا كنتُ درَّست في كلية الإعلام، وصنعت لهم كتابًا بعنوان: (اللغة العربية للإعلاميين)، ودرَّسته أيضًا في دورات في الإذاعة والتليفزيون، كانت فلسفتي في هذا المجال أن ندرس اللغة من اللغة من خلال نصوص قديمة وحديثة في كل الموضوعات، واستخراج القواعد من النصوص، وعدم الاكتفاء بدراسة القاعدة، يعني نعرِّف القاعدة من خلال الأمثلة، والتدريب المتواصل على صحة الاستعمال، التدريب المتواصل على تصحيح الأخطاء، واستقام الأمر كذلك، لابد من إعادة وتنشيط قواعد اللغة العربية عند الصحفيين، ولابد أن تكون لديهم روح الحفاظ على العربية، والتمسك بهم؛ لأن الإعلام لن يكون إلا باللغة العربية في مجتمع يستخدم اللغة العربية، فلابد أن يتقن الإعلامي صحفيًّا كان أو مذيعًا هذه اللغة، ولغة الصحافة غنية بالمفردات المعاصرة لحياة الناس؛ لغة سهلة ميسورة، تستطيع أن تعبر عما يُطلب إليها التعبير عنه؛ فهذه كلها مزايا في لغة الصحافة، وهي لغة فصيحة أيضًا لا تجافي قواعد الفصحى، إذن دور الصحافة ودور أجهزة الإعلام في التمسك باللغة العربية الفصحى وفي الكتابة بها والمحافظة عليها أمر ضروري جدًّا.

• ما الجديد في المصطلحات الوافدة التي أخذ مجمع اللغة العربية بتعريبها؟ وما دور المجمع في تعريب العلوم الهندسية والطبية والرياضية؟

- مشكلة المصطلحات هي مشكلة صحافة وعلم، العلم هو الأصل، واللغة حافظ للعلم ووعاء له، لا شك أننا متخلفون علميًّا، أو بعبارة أخف: مستهلكون للعلم، يعني العالم الغربي وصل في البحث العلمي إلى آفاق واسعة، ونحن ننتظرهم أن يلقوا إلينا بفضلات، ونستهلك ما ينتجه هؤلاء الناس، وهذا الوضع سيستمر ما لم تتغير نظرة الدولة إلى العلم وتشجيعه وإلى إنشاء مراكز علمية ودراسات تكنولوجية، معنية بتطور العلم وتقديمه، العلم الغربي؛ لأنه غربي يستخدم اللغة الإنجليزية، وهذا شيء متوقع، الذي أنتج العلم يعبر عن العلم بلغته، نحن مستهلكون للعلم؛ فأمامنا مشكلة التعبير عن هذا العلم الوافد، ليس من عملنا، ليس من إنتاجنا، في العصر العباسي نجح العرب في ترجمة علوم اليونان والهند والفرس، وشيّدوا بناء علميًّا عربيًّا كُتب بالعربية، والعالم الغربي وقتها نقل هذا العلم عن العربية؛ لأن هذا هو العلم المعروف في هذا العصر، وهذه هي اللغة العالمية التي تصور هذا العلم، هذا هو الوضع الطبيعي، إذا تطور العلم وتقدم العلم، فسوف يتلوه إيجاد اللغة التي تعبر عنه، من هنا كانت مشكلة المصطلحات أننا نترجم مصطلحات غربية، وليس لدينا مفاهيم لهذه المصطلحات أو مقابل لها، من هنا نشأت هذه المشكلة، ومن هنا أيضًا فشلنا حتى الآن أن يكون التعليم الجامعي باللغة العربية؛ لأنه علم غربي يُكتب باللغة الإنجليزية، لو أردنا أن نكتبه باللغة العربية؛ فإن هناك مشكلات ضخمة في المصطلحات، ولكن لو أن العلم هو علمنا، ونحن الذين أنتجناه، لكانت المشكلة أهون من ذلك؛ لأننا سوف نستخدم الكلمة العربية التي عبَّرنا فيها عن هذا العلم.

• الشق الثاني من السؤال:
نفس المشكلة، نحن قلنا: إننا مستهلكون للعلم، نحن لسنا منتجين للعلم، ماذا يصنع المجمع؟ المجمع يعالج مشكلة الألفاظ العلمية أو الفنية المتصلة بالعلوم، من خلال معاجم إنجليزية أو فرنسية، يعني حتى المصطلحات نأخذها من المعاجم التي أنشأتها اللغة الإنجليزية، يعني نحن مستهلكون للعلم، ومستهلكون لمصطلحات العلم أيضًا، وهو دور مهم ولا شك، ولكن الذي كان أكثر أهمية هو تطوير العلوم وتقدم العلم، لكن المجمع يحاول، وعندنا ما يقرب من ثلاثين لجنة علمية في العلوم الطبيعية والهندسية والجيولوجية وغيرها من العلوم، يعكف على مصطلحاتها عدد كبير جدًّا من الأعضاء والخبراء.

يتبع..

إدارة المجمع
04-20-2015, 11:40 AM
• بوصفكم للعالم العربي: أننا مستهلكون للعلم، فمن أين يأتي التطوير؟

- إذا كانت ميزانيات البحث العلمي في الجامعات وفي غيرها من المؤسسات العلمية لا تكاد تكون 1% من الألف من الدخل القومي فماذا ننتظر؟ دول العالم يوجد 5% من الدخل للبحث العلمي، فلا مجال لأي تطور في العالم العربي، وفي مصر على وجه الخصوص، إلا إذا كان الاهتمام بالعلوم، وبتطوير البحوث العلمية ومراكز البحوث، وإعطاؤها ميزانيات ضخمة؛ لإنشاء مدارس علمية وتكنولوجية، ومن غير ذلك لا فائدة، يعني الإنفاق على العلوم يتطلب زيادة ما يُعطى للجامعات ومراكز البحوث عشرات المرات، لا أقول: مئات المرات، إذا كنا نريد أن نتقدم كما فعلت اليابان، كما فعلت الهند نفسها، أن يتوافر لدينا إرادة أن نغير المجتمع المصري، فلا تغيير إلا بالعلم، والعلم يحتاج إلى نفقة، ويحتاج إلى إدارة، الهند دولة فقيرة، وفيها ملايين من البشر، ربما في خط الفقر، ولكن نجحت أن تصنع قنبلة ذرية، نجحت الصناعات التكنولوجية في الهند نجاحًا كبيرًا؛ حيث حققت دخلاً أكبر للدولة عن طريق أجهزة الإنترنت والبرامج، رغم ما تعانيه الهند من اختلاف القوميات واختلاف اللغات، واختلاف الأجيال، إلا أنها تطورت في مجالات تكنولوجية معينة، الهند مشت معنا في بداية التطور، اليابان مشت معنا في بداية التطور، ثم إننا تكاسلنا وتراخينا ووقفنا، وهؤلاء الناس تقدموا؛ لأنهم أعطوا للعلم وللبحث العلمي حقه، وللمراكز العلمية حقها، وأعطوا للعلماء حقهم وهكذا. هذا هو الطريق.

• أطلق بعض المستشرقين دعوى: أن ثراء العربية يرجع – في الغالب – إلى التصحيف والتحريف، إلى أي مدى تتفقون أو تختلفون مع هذه المقولة؟ ولماذا؟

- اللغة تنمو لعوامل كثيرة جدًّا؛ الحاجة، الإنسان يخترع أداة تيسِّر له حاجاته، هذا شيء طبيعي، الحاجة تعين على إيجاد الوسيلة، اللغة العربية مشكلتها أنها لغة ممتدة، لغة لها تاريخ، وأحيانًا تكون مزية، وأحيانًا تكون عيبًا، وجه المزية الغنى، ولكن الغنى ربما لا يفيد الإنسان؛ لأنه لا يستطيع أن ينفقه بطريقة صحيحة، فاللغة العربية – فعلاً – نمت بعوامل كثيرة جدًّا، بعضها طبيعي، وبعضها غير طبيعي، غير الطبيعي: أنها عندما سُجِّلت في المعاجم سُجِّلت لغة مكتوبة، فأصبحت هناك فرصة للتصحيف، هل الحرف بالياء أم بالنون، بنقطة واحدة أم باثنتين أم بثلاثة؟ هل هو حرف راء أم زاي؟ هل هو حرف دال أم ذال؟ هذا التصحيف مسئول عن كثير مما في المعاجم من كلمات، تضخم وَرَمي، وكثير من هذه الكلمات لا يُستعمل، ومع ذلك فهي موجودة في المعاجم، معجم لسان العرب (طبعة بولاق) من عشرين مجلدًا، ويُقال دائمًا: إن هذه ليست لغة العرب، بل لغة العرب أكثر بكثير مما في المعاجم؛ فهي زيادة ضارة، كما قلت: وَرَم، لا يفيد، أما الزيادة الحقيقية فهي الزيادة التي تتماشى مع حاجة الناس في التعبير، فاللغة العربية ناقصة في مجال، وزائدة في مجال لا نحتاجه، نحن نحتاج لغة ممالئة لحياتنا المعاصرة، أما لغة الإبل والمعز والبقر فلسنا في حاجة إليها، هي جزء من التاريخ، ومضطرون للمحافظة عليها، ولكن اللغة حياة، ولابد لها أن تعبر عن حياة الناس في العصر الذي يعيشونه.

• يقترح البعض أن تتبنى الدول إقامة ورش بحث متخصصة، تُمَوَّل من أموال أبناء الدولة من دافعي الضرائب؛ كوسيلة فاعلة وناجزة للنهوض بالمشروعات البحثية الكبيرة، ما تقييمكم لمثل هذا الاقتراح؟

- هذه أمور تتصل بالدولة وبالمجتمع، بول جيتس – مثلاً – صاحب أكبر شركة في العالم في البرمجة والحاسوب، نسأل: الأرباح الهائلة لهذه المؤسسة كيف تُنْفَق؟ هذا الرجل يضع جزءًا ضخمًا جدًّا من أرباح هذه الشركات في خدمة المراكز العلمية والبحثية، هاتي لي مصريًّا واحدًا يفعل ذلك، لا أحد يفعل هذا؛ لأن أغنياءنا ليس لهم علم بأي شيء، هو واحد نجح في استثمار أمواله، ويريد لهذه الاستثمارات أن تنجح وتزيد، يمكن أن يزوج ابنته ويدعو للحفل ألف شخص، ويأتي لهم بالطعام من محل مكسيم في فرنسا في طائرة، ويمكن أيضًا للناس في الحفل أن يُنثر عليهم جنيهات ذهبية، تفاخرًا بالغنى، ولكن لم يفكر واحد من هؤلاء أن ينشئ مركزًا علميًّا لعلاج السرطان، مركزًا بحثيًّا لمعرفة التكنولوجيا الحديثة، أقول كما كان يفعل كبار العمد في مصر وأغنياء القرية، يُنشئ مدرسة في قريته. صحيح الدولة لن تفعل كل شيء، لابد أن يتنبه الناس إلى أهمية تقدم العلوم وتطوير حياة الإنسان، يعني مصيبة أن ينفق شخص 5 أو 10 مليون في حفل، ولا ينفق (100) ألف جنيه في دعم مستشفى بأجهزة أو معدات طبية، هذا خلل في تركيب المجتمع، ولن يحدث تطور إلا إذا نهضت الدولة نفسها بتطوير العلوم وتطوير مراكز البحث، وتلقى مساعدة من المجتمع نفسه، لكي ينتشلوا الوطن من التخلف العلمي الذي يحيا فيه.

• نلاحظ في هذه الأيام خلطًا واضطرابًا لتوصيف العلماء؛ فأستاذ الطب أصبح المؤرخ والكاتب، والمحامي الكبير أصبح الفقيه الدستوري، والأستاذ الجامعي أصبح المفكر الإسلامي... وهكذا، هل نعاني من فوضى الألقاب وخداع الناس، وأصبح كل واحد منا لا يحترم تخصصه الدقيق؟


- العمل هو مقياس النجاح، فليَدَّعِ كل مُدَّعٍ ما يدَّعيه، ماذا نصنع؟ شخص طبيب ويدعو نفسه مفكرًا إسلاميًّا، والله إذا كان – فعلاً – لديه من العلم فادعاؤه في موضعه، لكن المشكلة أن يدعي شيئًا ليس صحيحًا، والعكس صحيح أيضًا، أنا لغوي أو فقيه لا يمكن أن أكون طبيبًا، ولا يُسمح لي بممارسة الطب، إنما هؤلاء الذين يدَّعون أنهم مفكرون وأدباء... إلخ، نحاول أن نرى ماذا يقولون وماذا ينتجون، والله إذا كان مستواهم جيدًا، وعندهم علم ومعرفة فأهلاً وسهلاً، مع أننا في عصر التخصص العلمي الدقيق، ولكننا أيضًا في عصر العلاقات البينية بين العلوم، ما المانع؟ كان أحد علماء المجمع الكبار الدكتور محمد كامل حسين كان طبيبًا، وكان أديبًا، وناقدًا، ومفكرًا إسلاميًّا، ولكن لم يَدَّع لنفسه هذا، ولكن كتاباته العلمية وكتاباته اللغوية وكتاباته النقدية كانت رائعة جدًّا، حتى نال جائزة الدولة مرتين، وكانت أكبر جائزة في مصر وقتها، وهي جائزة الدولة التقديرية، نالها مرتين: مرة في العلم، ومرة في الأدب، وله رواية مشهورة، وله كتاب في النحو، وله مقالات عن القرآن، وعن المتنبي، ليس هذا عيبًا، لكن طبيعة ما يكتبه تجعله يستحق أن يكون أديبًا ومؤرخًا وناقدًا، لكن المشكلة أن يدعي الإنسان ما ليس فيه وما ليس معه.

• عُني الدكتور محمد حسن عبد العزيز، بالإشراف على موضوعات جادة ذات صلة بالواقع في الماجستير والدكتوراه، وأنتم أصحاب مقولة: إن الأستاذ هو الذي يختار تلميذه، وليس العكس، برأيكم هل تحول البحث العلمي في الجامعات إلى سبوبة من أجل لقمة العيش أو تحسين الدخل؟ وأصبحت هناك فجوة بين النظرية والتطبيق؟

- أنا لا أشرف على أية رسالة تتعلق بتحقيق التراث، ولا أشرف على أية رسالة تعيد معلومات سابقة، وأنا أركز على أمرين مهمين: دراسة مشكلات اللغة العربية المعاصرة، وبطريقة علمية حديثة، وأقول دائمًا للطلبة في الدراسات العليا: لم يعد هناك مجال لعجين الفلاحة، البحث العلمي الآن بحث منتظم بتقنيات حديثة، وأقول لهم: هذا الجهاز – جهاز الإنترنت– لابد أن تعرف كيف يمكن الاستفادة منه، وتعتمد عليه فيما تعرف، الأمر الثاني: لابد أن تتقن إما اللغة الإنجليزية أو اللغة الفرنسية، حتى تقرأ بها وتترجم وغير ذلك، وأقول لهم هكذا بصراحة: أنا لا أسجل لأحد لا يتقن هاتين المهارتين، ولهذا لا أقبل الإشراف على أحد.