د.عبد الله الأنصاري
01-15-2013, 01:53 PM
مما يتداول على ألسنة الناس قولهم " خير البر عاجلِه" هكذا بكسر اللام، وقد يزعم بعضهم أنه حديث نبوي، وليس كذلك، ويستشهدون به في الحث على استعجال الخير، وهو استشهاد جيد، كقول الشاعر:
وكم أضر ببعض الناس بطؤهمُ * وكان خيرا لهم لو أنهم عجلوا
ولكن هذا لا يكون دائما، بل ينبغي التأني والبطء في كثير من الأحيان، ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس : " إن فيك خصلتين يحبهما الله : الحِلمُ والأناةُ" أي: هما الحلم والأناة.
ولذلك قال الشاعر:
قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزللُ
وفي المثل المشهور " العجلَة تهب ريثا" أي تسبب البطء لما قد ينتج عنها من الإخفاق وفوات الغرض بسببها.
ولذلك كان الصواب في معنى تلك المقولة :المبادرة إلى عمل الخير قبل فواته، واستعمال الحزم في موطنه والتوقي من التفريط إذا أُتيحت الفرصة، للحديث الصحيح: " بادروا بالأعمال سبعاً ......" الحديث. وقال أيضا: " مَنْ خاف أدْلجَ ومَنْ أدْلجَ بلغ المنزل" أي : من خاف العدوَّ واصل سيره ليلا ـ وهو الإدلاج ـ ولم يبِتْ فيدركَه العدو، ومن فعل ذلك بلغ المنزل الذي يريده ونجا من عدوه، والمقصود أن من خاف سوء العاقبة يوم القيامة، أدرك ذلك بمبادرة العمل الصالح في الدنيا قبل أن يدركه الموت، ومن فعل ذلك بلغ المنزل الذي يريده وهو الجنة.
أما العجلة المفرطة غير المنضبطة بحكمة فهي المذمومة وهي التي تورث الريث.
والشاهد في العبارة المتداولة " خير البر عاجلِه" كسر اللام عند كثير ممن يورد هذه المقولة، وهو خطأ ظاهر، لأن كلمة (عاجله) خبر للمبتدإ الذي هو (خيرُ) و( البر) مضاف إليه. وخبر المبتدأ يجب رفعه إذا لم يطرأ عليه عامل يغيره، وهو هنا عار من العوامل فوجب رفعه. وسبب الخطأ: الموازاة الحركية، وتسمى بالجوار، وبالمناسبة الصوتية، وبالمشاكلة الصوتية، ليكون اتجاه الصوت واحدًا ونوعه واحدًا، ذلك أن كلمة (البر) مجرورة، فكسرتها تدعو إلى كسر ما بعدها صوتيا للتناسب والتشكال، لأن ذلك أيسر على أعضاء النطق وأسرع في التلفظ، وقد ورد في فصيح الكلام أشياء من هذا القبيل، كقولهم (هذا جحرُ ضبٍّ خرِبٍ) وفي القرآن " سلاسلاً وأغلالاً" بتنوين "سلاسل" مع أنه ممنوع من الصرف، لمجاورته "أغلالا" المنون. وكذلك: " وجئتك من سبإٍ بنبإٍ يقين" بجر (سبإ) وتنوينه مع أنه ممنوع من الصرف، لمجاورته (نبإٍ) ولكن مع فصاحة هذه النماذج لا يقاس عليها لقلتها في سائر الكلام، وليست هي الوجه المطرد في عامة كلام العرب ولا سيما في الحركة الإعرابية والاحتياط فيها أشد.
والله أعلم.
عبد الله الأنصاري.
وكم أضر ببعض الناس بطؤهمُ * وكان خيرا لهم لو أنهم عجلوا
ولكن هذا لا يكون دائما، بل ينبغي التأني والبطء في كثير من الأحيان، ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس : " إن فيك خصلتين يحبهما الله : الحِلمُ والأناةُ" أي: هما الحلم والأناة.
ولذلك قال الشاعر:
قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزللُ
وفي المثل المشهور " العجلَة تهب ريثا" أي تسبب البطء لما قد ينتج عنها من الإخفاق وفوات الغرض بسببها.
ولذلك كان الصواب في معنى تلك المقولة :المبادرة إلى عمل الخير قبل فواته، واستعمال الحزم في موطنه والتوقي من التفريط إذا أُتيحت الفرصة، للحديث الصحيح: " بادروا بالأعمال سبعاً ......" الحديث. وقال أيضا: " مَنْ خاف أدْلجَ ومَنْ أدْلجَ بلغ المنزل" أي : من خاف العدوَّ واصل سيره ليلا ـ وهو الإدلاج ـ ولم يبِتْ فيدركَه العدو، ومن فعل ذلك بلغ المنزل الذي يريده ونجا من عدوه، والمقصود أن من خاف سوء العاقبة يوم القيامة، أدرك ذلك بمبادرة العمل الصالح في الدنيا قبل أن يدركه الموت، ومن فعل ذلك بلغ المنزل الذي يريده وهو الجنة.
أما العجلة المفرطة غير المنضبطة بحكمة فهي المذمومة وهي التي تورث الريث.
والشاهد في العبارة المتداولة " خير البر عاجلِه" كسر اللام عند كثير ممن يورد هذه المقولة، وهو خطأ ظاهر، لأن كلمة (عاجله) خبر للمبتدإ الذي هو (خيرُ) و( البر) مضاف إليه. وخبر المبتدأ يجب رفعه إذا لم يطرأ عليه عامل يغيره، وهو هنا عار من العوامل فوجب رفعه. وسبب الخطأ: الموازاة الحركية، وتسمى بالجوار، وبالمناسبة الصوتية، وبالمشاكلة الصوتية، ليكون اتجاه الصوت واحدًا ونوعه واحدًا، ذلك أن كلمة (البر) مجرورة، فكسرتها تدعو إلى كسر ما بعدها صوتيا للتناسب والتشكال، لأن ذلك أيسر على أعضاء النطق وأسرع في التلفظ، وقد ورد في فصيح الكلام أشياء من هذا القبيل، كقولهم (هذا جحرُ ضبٍّ خرِبٍ) وفي القرآن " سلاسلاً وأغلالاً" بتنوين "سلاسل" مع أنه ممنوع من الصرف، لمجاورته "أغلالا" المنون. وكذلك: " وجئتك من سبإٍ بنبإٍ يقين" بجر (سبإ) وتنوينه مع أنه ممنوع من الصرف، لمجاورته (نبإٍ) ولكن مع فصاحة هذه النماذج لا يقاس عليها لقلتها في سائر الكلام، وليست هي الوجه المطرد في عامة كلام العرب ولا سيما في الحركة الإعرابية والاحتياط فيها أشد.
والله أعلم.
عبد الله الأنصاري.