المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرمزية الصوتية


الدكتورة نورة السناني
06-24-2015, 09:33 PM
الرمزية الصوتية: ونعني بها العلاقة بين الصوت والمعنى، وهي قضية لغوية قديمة ذكرها فلاسفة اليونان والرومان ودار حولها نقاش طويل فهناك من يرى وجود علاقة وثيقة بين الأصوات وما تدلّ عليه، وهناك من لا يرى وجود هذه العلاقة إلا بقدر ما يسمح به العرف والاصطلاح.
فأفلاطون كان يميل إلى القول بالعلاقة الطبيعية بين الصوت ومدلوله، وانّ تلك العلاقة كانت واضحة وسهلة التفسير في بدء نشأتها، ومع تطور الألفاظ أصبحت تلك العلاقة غامضة لا تكاد تتّضح في اللغة كما عرفت في عهدها، أمّا أرسطو فكان يرى أنّ الصلة بين الصوت ومدلوله اصطلاحية عرفية تواضع عليها الناس.
وبالنسبة لعلماء العربية قديما منهم من مال إلى إثبات هذه القضيّة ومنهم عبّاد بن سليمان الصَّيْمري الذي ذهب إلى أنَّ بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع على أن يضع.
كما عقد ابن جني في الخصائص بابا لمناسبة الألفاظ للمعاني تناول فيه وظائف الرمزية الصوتية والتي تُسمَّى في الترات العربي بـ "الحروف" تناولا يدلُّ على إدراكه للوظائف المختلفة لتلك الرموز، فمّما ذكره في هذا المجال أنّ أحوال الحرف في العربية تنحصر في ثلاثة أمور: الأوّل كونه أصلا، والثّاني كونه بدلا، والثالث كونه زائدا. والحرف عندما يكون أصلا تكون له وظيفة معجمية تشارك في المعنى مع بقية الحروف الأصول فإذا تمّ استبدال حرف أصلي بحرف أصلي آخر قريب منه في الصفة والمخرج أدَّى ذلك إلى تقارب اللفظين كما في "هزّ " و " أزّ "
كما أنّ تقليب الكلمة على الاشتقاق الأكبر يُظهر لنا أنّ الكلمات في العربية تتجمع في مجموعات هي كالقبائل العربية، وتحمل هذه الأسرة اللغوية معنى عاما مشتركا ، وينفرد كل تقليب بمعنى خاص به إلى جانب احتفاظه بالمعنى المشترك العام " من ذلك تقليب ( ج ب ر ) فهي – أين وقعت – للقوّة والشّدّة " وهذه الظاهرة كما يذكر ابن جني لا تختلف عن غيرها من ظواهر اللغة فقد نجد عند التطبيق ما يشذُّ عنها، بل أنّه لا يدّعي اطّراد القاعدة يقول: " واعلم انَّا لا ندّعي أنَّ هذا مستمّر في جميع اللغة".
وهذا المذهب في اللغة ليس من ابتداع ابن جنّي بل أنّه يروي ذلك عن أستاذه أبي علي الفارسي، ويذكر أنّ فضله في هذا الباب هو اختيار الاسم، والتوسع في ضرب الأمثلة؛ إذ كان إذا أشكل عليه الحرف: الفاء أو العين أو اللام، استعان على علمه ومعرفته بتقليب أصول المثال الذي ذلك الحرف فيه.
وقد قوبلت هذه القضيَّة بالرفض من قبل بعض علماء اللغة المحدثين، ومنهم الدكتور إبراهيم أنيس الذي علّق على ما ذكره ابن جني من أمثلة بقوله: "ألست ترى فيما تقدم قدرا كبيرا من التّكلّف والتعسف ... فإذا كان ابن جنّي قد استطاع في مشقة وعنت أن يسوق لنا للبرهنة على ما يزعم بضع مواد من كلّ مواد اللغة التي يقال إنّها في معجم صحاح اللغة تصل إلى أربعين ألفا، وفي معجم لسان العرب تكاد تصل إلى ثمانين ألفا، فليس يكفي مثل هذا القدر الضئيل المتكلّف لإثبات ما يُسمَّى بالاشتقاق الكبير"
في حين أشار الدكتور صبحي الصالح إلى ضرورة الاقتناع بهذه الظاهرة اللغوية التي تعد فتحا مبينا في فقه اللغات عامّة.
مثال :

فجر: الفاء والجيم والراء أصل واحد وهو التفتح في الشئ من ذلك الفجر: انفِجار الظّلمة عن الصّبح ، ومنه انفجَرَ الماءُ انفِجارا : تفتّحَ . والفُجْرَة: موضع تفتُّح الماء . قال الراغب الفجر : شقّ الشيء شقاً .
ولو نظرنا إلى تقليبات هذه المادة لوجدنا منها ما اتفق مع مادة "ف ج " في المعنى الأصلي، ومنها ما اقترب في الدلالة، ومنها ما ابتعد قليلا وهكذا، وذلك حسب ترتيب أصوات كل مادة فمادة " ف ر ج " تعطي نفس الدلالة ، فالفاء والراء والجيم أصل واحد يدلّ على تفتح في الشئ ، ومن ذلك : الفرجة في الحائط وغيره : الشّقّ .

وتقترب دلالة مادة " ج ر ف " ، فالجيم والراء والفاء أصل واحد ، وهو أخذ الشئ هبشا ، يقال : جرفتُ الشئ جرْفا : ذهبت به كلّه ، والجُرْفُ : المكان يأكله السّيف ، وكلّها دلالات تعطي معانى التّفتّح في الشئ .
في حين تقترب دلالة مادة "ج ف ر" في أصل واحد، فالجيم والفاء والراء أصلان، أحدهما: نعْتُ شئٍ أجوف ، والثّاني : ترك الشئ . والأصل الأوّل أقرب ، ومنه الجفر: البئر التي لم تطفو، ولا يخفى أنّ البئر عبارة عن فتحة أو شقّ فإذا لم تمتلئ ماء دلّ ذلك على مشاهدة هذا الانفتاح.
واقتراب الدلالة بين "ج ر ف" وَ "ج ف ر" أقرب، فالمكان الذي يأكله السيل يكون منخفضا عن مستوى الأرض، وكذا البئر التي لم تمتليء، وتزداد القاعدة قربا عندما ندرك أنَّ الجُرفة: أن تُقْطَع من فخذ البعير جلدة وتُجمع على فَخِذه، وانّ معنى أجْفَرت الشيء: قطعته
أمّا مادة " ر ج ف " فتبتعد عن المعنى الأصلي ، فالراء والجيم والفاء أصل يدلّ على اضطراب .
والذي نلاحظه اقتراب الدلالة بين "ف ج ر" وَ "ف ر ج" وبين " ج ر ف" وَ "ج ف ر"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شفع: الشين والفاء والعين أصل يدلّ على مقارنة الشيئين، ومن ذلك: الشفع خلاف الوتر، تقول كان فردا فشفعته. ومن الممكن أن نقول أنَّ الشفع هو ضمّ الشيء إلى مثله، وقيل للزوج شفع لأنّه يضمّ إليه مثله، والمراد هنا الزوج بدليل قوله: "والوتر"
أمّا الشين والعين والفاء فتدلّ على أعالي الشيء ورأسه؛ فإذا كانت مادة "ش ف ع" تعطي معنى الزيادة، فهي لا تختلف كثيرا عن معنى الارتفاع ففي الارتفاع زيادة. قال الأزهري:" الشفعة الزيادة، وهو أن يشفعك فيما تطلب حتى تضمّه إلى ما عنده فتزيده وتشفعه بها أي تزيده بها، أي أنّه كان وترا واحدا فضمَّ إليه ما زاده وشفعه" وهذا لا يختلف عن معنى الارتفاع ففي الارتفاع زيادة.
ولم يذكر صاحب المقايس مادة " ع ش ف " ومادة " ع ف ش " ومن أبرز دلالات الأولى : العُشُوْفُ: الشجرة اليابسة . والمُعْشِفُ: الذي عرض عليه ما لم يكن يأكل فلم يأكله كما جاء في: العباب الزاخر، ولسان العرب. ودلالات الثانية: عَفَشَه يَعْفِشُه عَفْشاً: جمعه. والعَقْشُ: أَطرافُ قُضْبان الكرْم، كما جاء في: لسان العرب، والقاموس المحيط. وأطراف القضبان أعاليها، وفي هذا إلتقاء مع معنى الزيادة والارتفاع.
حجر: الحاء والجيم والراء أصل واحد مطّرد، وهو المنع والإحاطة على الشيء، والعقل يُسمّى حِجْرا لأنّه يمنع من إتيان ما لا ينبغي، ومنه الحجر: بالفتح والكسر: حضن الإنسان؛ وفيه منعة وإحاطة. والحَجَر معروف، والباب محمول عليه ومأخوذ منه لشدته وصلابته. والحجر بالضمّ والكسر والفتح: الحرام والكسر أفصح. ولا تختلف في هذه الدلالةعن معنى "حرج" يقال: حرج عليه السحور إذا أصبح قبل أن يتسحر فحرم عليه لضيق وقته، وحرجت الصلاة على المرأة حرجا: حرمت، وهو من الضيق لأنَّ الشيء إذا حرم فقد ضاق، وحرج على ظلمك حرجا أي حرم، ويقال: أحرج امرأته بطلقة أي حرَّمها. وقريب منه مادة ( ر ج ح ) لأنّها أصل واحد يدلّ على رزانة وزيادة ؛ ومنه رجحان العقل، والعقل يمنع صاحبه من الوقوع في الخطأ كما أسلفنا.
كما تتفق مادة ( ح ر ج ) ومادة ( ج ح ر ) في أنّ الأولى أصل يدلّ على: تجمع الشئ وضيقه ، والثانية أصل يدلّ على: ضيق الشئ وشدّته ، وفي التجمع قوّة وإحاطة ، وكذا في الشدّة .
أمّا مادة ( ج رح ) فلها أصلان ، الأوّل : الكسب ؛ وفي الكسب زيادة وقوّة ، والثاني : شقّ الجلد .
وعلى هذا فتقاليب المادة متقاربة في الدلالة.

عبدالله جابر
06-25-2015, 02:08 AM
شكر الله جهدكم سعادة الدكتورة

عبدالله بنعلي
06-25-2015, 02:38 PM
البحر المحيط
بدر الدين بن محمد بهادر الزركشي
دار الكتبي
سنة النشر: 1414هـ/1994م
رقم الطبعة: ط1
عدد الأجزاء: ثمانية أجزاء
ارسل لصديق
عرض افتراضىعرض شجرى
الكتب » البحر المحيط » مباحث اللغة » المناسبة في الوضع

مسألة: الجزء الثاني التحليل الموضوعي


الثامن : في عدم المناسبة في الوضع : ذهب الجمهور إلى أن دلالة اللفظ على المعنى ليست لمناسبة بينهما ، بل لأنه جعل علامة عليه ، ومعرفا به بطريق الوضع . وذهب عباد بن سليمان الصيمري وغيره إلى أن دلالة اللفظ على المعنى لمناسبة طبيعية بينهما . وعبر ابن الجويني عن هذا الاختلاف بأن اللغات الموضوعة لمعانيها هل هو لأمر معقول أو لا ؟ والأول : قول عباد ، ثم نقل صاحب المحصول " عنه أن اللفظ يفيد المعنى بذاته من غير واضع لما بينهما من المناسبة الطبيعية .

قال الأصفهاني : وهو الصحيح عنه ، ونقل صاحب الأحكام " عنه أن المناسبة حاملة للواضع على أن يضع .

وفصل الزجاجي بين أسماء الألقاب وغيرها ، فقال : واضع اللغة أجرى اللفظ على مسمياتها لمعان تتضمنها أسماء الألقاب ، فإن قولنا " زيد " وإن كان مأخوذا من الزيادة ، فليس بجار على مسماها لهذا المعنى ، وليس فيه إلا تعريف شخص من شخص حكاه عنه الواحدي في البسيط " [ ص: 265 ] عند قوله تعالى : { وعلم آدم الأسماء كلها } وهذا المذهب فاسد ، لأن الألفاظ لو لم تدل بالوضع ، وإنما دلت بذواتها لكانت كالأدلة العقلية ، فلا تختلف بالأعصار والأمم ، والاختلاف موجود ، وأيضا لو كان كما قال لاشترك فيه العرب والعجم لاشتراكهما في العقل ، وأيضا فإنا نقطع بصحة وضع اللفظ للشيء ونقيضه وضده ، ونقطع بوقوع اللفظ على الشيء ونقيضه ، كالقرء الواقع على الحيض والطهر ، والجور الواقع على الأبيض والأسود ، فلو كانت الدلالة لمناسبة لزم أن يناسب اللفظ الواحد النقيضين والضدين بالطبع ، وهو محال ، فلا يصح وضع اللفظ الواحد لهما على هذا التقدير ، واللازم منتف ، لأنا نقطع بصحة وضعه لهما بل بوقوعه .

قال السكاكي : هذا المذهب متأول على أن للحروف خواص تناسب معناها من شدة وضعف وغيره كالجهر والهمس والمتوسط بينهما ، إلى غير ذلك ، وتلك الخواص تستدعي على أن العالم بها إذا أخذ في تعيين شيء منها لمعنى لا يهمل التناسب بينهما قضاء لحق الكلم كما ترى في الفصم بالفاء الذي هو حرف رخو لكسر الشيء من غير أن يبين ، والقصم بالقاف الذي هو حرف شديد لكسر الشيء حتى يبين ، وفي الزفير لصوت الحمار ، والزئير بالهمز الذي هو شديد لصوت الأسد ، وأن المركبات " كالفعلان " و " الفعلى " - بالتحريك - كالنزوان والحيدى ، و " فعل " - بضم [ ص: 266 ] العين كطرف وشرف وغير ذلك خواص أيضا ، فيلزم فيها ما يلزم في الحروف من اختصاص بعض المركبات ببعض المعاني دون بعض كاختصاص " الفعلان " و " الفعلى بالمتحركات ، واختصاص " فعل " بأفعال الطبائع ، وفي أن للحروف والمركبات خواص نوع تأثير لا نفس الكلمة في اختصاصها بالمعاني . هذا حاصل تأويله .

والحق : أن هذا القائل إن أراد أن هذه الألفاظ علة مقتضية لذاتها هذه المعاني فخارق للإجماع ، وإن أراد أن بين وضع الألفاظ ومعانيها تناسبا من وجه ما لأجلها حتى جعل هذه الحروف دالة على المعنى دون غيره كما يقول المعللون للأحكام الشرعية : إن بين عللها وأحكامها مناسبات وإن لم تكن موجبة لها ، وهو الظاهر من كلامه ، فهو مذهب جماعة من أرباب علم الحروف ، إذ زعموا أن للحروف طبائع في طبقات من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة تناسب أن يوضع لكل مسمى ما يناسبه من طبيعة تلك الحروف ، ليطابق لفظه ومعناه ، وكذلك يزعم المنجمون أن حروف اسم الشخص مع اسم أمه واسم أبيه تدل على أحواله مدة حياته لما بينهما من المناسبة ، فإن عنى عباد هذا فالبحث معه ومع هؤلاء والرد عليه بما يرد مذهب الطبائعيين في علم الكلام ، ولا ينفع ما ردوا به من وضع اللفظ للضدين ، لأنها مسألة خلاف كما سيأتي .

وقال [ ابن الحوبي ] : هل للحروف في الكلمات خواص أو وضعت الكلمات لمعانيها اتفاقا ؟ فوضع الباب لمعنى والناب لآخر ، وكان من الجائز وضع الباب لمعنى الناب وبالعكس .

فنقول : الظاهر أنه لا تعلل ولا يقال : لم قيل لهذا المعنى باب ولذلك جدار ؟ [ ص: 267 ]

قال : ولا شك أن من الحروف ما هو مستحسن ، ومنه ما ليس كذلك ، فالمستحسن إذا ضم إليه مستقبح لم يكن مناسبا ، غير أن المناسبة من كل لفظ ومعناه اشتغال بما لا يمكن وتفويت للزمان ، فإن اتفق في بعضها أن وقع في الذهن شيء من غير تفكر قيل به ، كما يقول في الشدة والرخاء كيف جعل في الشدة الحرف الشديد وهو الدال مضاعفا ؟ والرخاء كيف جيء فيه بالحروف الرخوة ؟ قال : وهذا ينبني على مسألة حكمية ، وهي أن الفاعل المختار هل يشترط في اختياره أحد الرافعين بحاجته وجود مرجح ؟ والأظهر : أنه لا يشترط ، فالجائع يكون أكله لعلة الشبع ، أما اختياره أحد الرغيفين لشبعه بدلا عن الآخر لا يكون لعلة ، فالوضع لحكمة ، وإنما وضع الباب بخصوصه لمعناه فلا سبب له .

قلت : ويجوز أن يكون من فوائد الخلاف ما إذا تعارض مدلول اللفظ والعرف ، وفيه وجهان ، أصحهما عند إمام الحرمين والغزالي : اعتبار العرف ، ووجهه الإمام بأن العبارات لا تغني لأعيانها ، وهي في الحقيقة أمارات منصوبة على المعاني المطلوبة .

الدكتورة نورة السناني
06-25-2015, 10:52 PM
أشكر لكما أساتذتي الأفاضل هذه الردود المثمرة

وبالنسبة لموضوع العلاقة بين اللفظ ومدلوله: أثبتت كثير من الدراسات وجود هذه العلاقة ، ومنها دراسة للدكتور الجمل ، وسأحاول جمع تلك المحاولات الجادة بإذن الله تعالى. ونشرها هنا
ولي دراسة متواضعة حول الكلمات في سورة الفجر ، لم أجد منها ما يشذ عن القاعدة . إضافة إلى دراسة أقوم بها حاليا حول الأفعال الثلاثية في سورة البقرة ، والتي ربما تحتاج مني إلى مزيد من الوقت والجهد.

والأمر لا يقتصر على هذا بل توجد علاقة قوية بين الصائت الطويل والمعنى ، ولي في هذا بعض المحاولات المتواضعة تتناول أسلوب القسم في القرآن الكريم .