المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قلقلة التاء عند سيبويه روايةً ودِرايةً


أحمد محمد فريد
07-02-2015, 09:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
وبعدُ، فمن غريبِ الأقوالِ نسبةُ قلقلةِ التاءِ إلى سيبويهِ، وليس مصدرُ غرابتِه مخالفتَه للأداءِ المتواترِ فحسْبُ، بل كونُ نسخِ كتابِ سيبوَيهِ الخطيَّةِ غيرَ متَّفقةٍ عليه، وهو ما يجعلُ المسألةَ بحاجةٍ إلى نظرٍ وتحريرٍ، فأقولُ وباللهِ التوفيقُ:
بالرجوعِ إلى تاريخِ هذه المسألةِ فإن أقدمَ من نسبَ هذا القولَ إلى سيبويه ِصراحةً - فيما أعلمُ- هو أبو سعيدٍ السيرافيُّ ( ت 368 هـ) وذلك في شرحِه لكتابِ سيبويهِ، فقد قالَ فيه : « وقد ذكرَ [ أي سيبويهِ ] التاءَ في حروفِ القلقلةِ، وهي من الحروفِ المهموسةِ، وقد ذكرَ لها نفخًا » اهـ.
ثم تبِعَ السيرافيَّ في ذلك الأستاذُ أبو حيَّانَ الأندلسيُّ (ت 745 هـ) في ارتشافِ الضَّرَبِ (1/18)، والإمامُ ابنُ الجزريِّ (ت 833 هـ ) في النشرِ (1/203) مشيرًا إلى قبوله.
أما النصُّ الذي يقصدُه السيرافيُّ - المذكورُ فيه قلقلةُ التاءِ- فهو ما جاءَ في الكتابِ من قولِ سيبوَيه ِ: « واعلمْ أنَّ من الحروفِ حروفًا مشرَبةً ضُغِطَتْ من مواضعِها، فإذا وقفْتَ خرجَ معها من الفمِ صويتٌ، ونبَا اللسانُ عن موضعِه، وهي حروفُ القلقلةِ، وستبيَّنُ أيضًا في الإدغامِ إن شاءَ اللهُ، وذلك القافُ والجيمُ والطاءُ والدالُ والباءُ» اهـ .
كذا جاءَ النصُّ كما أثبتُّ في الطَّبَعاتِ الثلاثِ للكتابِ: طبعةِ باريسَ (2/310)، وبولاقٍ (2/384)، وطبعةِ الأستاذِ عبدِ السلامِ هارون (4/174)، وفي هامشِ طبعةِ باريسَ من بعضِ النُّسخِ «والتاء» بدلَ «الباء».

وبتأمُّلِ هذا النصِّ وما جاءَ في بعضِ النُّسَخِ يقفزُ إلى الذِّهْنِ لأوَّلِ وَهْلةٍ أنَّ إحدى قراءتَي النُّسَخِ قد تصحَّفَتْ من الأخرى، بَيْدَ أن هذا الاحتمالَ يحتاجُ إلى ما يؤكِّدُه أو ينفيه.
وقد اطلَعْتُ على (10) نسخ خطية من الكتابِ اختلفَتْ فيها قراءةُ هذه الكلمةِ على النحوِ المتقدِّمِ، غيرَ أنَّ من هذه النُّسخِ ما نُقِلَ من نسخةِ أبي عليٍّ الفارسيِّ - كذا ذُكِرَ فيها - المقروءةِ عليه، وعليها خطُّه، كما دُوِّنَ على هوامشِها تعليقاتٌ وقراءاتٌ للكتابِ من نسخِ المُبَرِّدِ والزجاجِ وابنِ السَّراجِ ، ومع أنَّ مجرَّدَ ذكرِ النساخِ أن هذه النُّسَخَ منقولةٌ من هذا الأصلِ النفيسِ لا يكفي لإثباتِ صحةِ هذه النُّسخِ أو إتقانِها، إلا أنَّ كثرتَها وتعدُّدَ تواريخِ نسخِها يجعلُها مما يُعْتمَدُ عليه، ولعلي أُفْرِدُ بعدَ هذه العجالةِ بيانًا لجميعِ هذه النُّسخِ الخطيَّةِ التي رجعْتُ إليها من كتابِ سيبَوَيهِ، وأماكنِ وجودِها بإذنِ اللهِ تعالى.
إن هذه النُّسَخَ المنقولةَ من أصلِ أبي عليٍّ الفارسيِّ تحملُ الداءَ والدواءَ كليهما، فقد جاءَ فيها نصُّ الكتابِ السابقِ في تعيينِ حروفِ القلقلةِ هكذا «وذلك القافُ والجيمُ والطاءُ والدالُ والتاءُ» بينَما جاءَ على هامشِها تعليقٌ من كلامِ أبي عليٍّ الفارسيِّ، قالَ : «حُكِيَ لي عن (ب) [يعني ابنَ السَّرَّاجِ (ت 316 هـ) ] أنَّه قالَ: في كتابِ ثعلبٍ (ت 291 هـ) الباءُ وأنَّه الصوابُ» اهـ.
وأجدُ أنَّه من الأمانةِ العلميَّةِ أن أنبِّهَ إلى أنَّ هذا التعليقَ جاءَ في بعضِ النُّسخِ «في كتابِ ثعلبٍ الياءُ» بنقطتَين من تحتُ، وهو تصحيفٌ ظاهرٌ إلا أنه لا بُدَّ من الإشارةِ إليه، من ثَمَّ فإنَّه يمكنُنا الحكمُ على عدِّ التاءِ من حروفِ القلقلةِ عندَ سيبويهِ بأنَّه تصحيفٌ قديمٌ، وخطأٌ في الروايةِ، وأنه وقعَ للسِّيرافيِّ هكذا فشرحَ عليه، واللهُ أعلمُ.
ومما يرجِّحُ ذلك أنَّ هذا النصَّ قد جاءَتْ فيه (الباءُ) بدلَ (التاءِ) في الورقةِ (136/أ) من نسخةِ المكتبةِ الوطنيَّةِ الفرنسيَّةِ رقم (6499)، وهي نسخةٌ نفيسةٌ، كتبَها الإمامُ النحويُّ عليُّ بنُ محمدٍ المعروفُ بابنِ خروفٍ (ت 609 هـ) وقرأَها على أبي بكرٍ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ طاهرٍ الأنصاريُّ ( ت 580 هـ) وعليها تعليقاتٌ نفيسةٌ له - منها ما نقلَه ابنُ خروفٍ عنه في هامشِ الورقةِ المذكورةِ أنه جمعَ حروفَ القلقلةِ في (طبق جد) - كما قابلَها ابنُ خروفٍ بأصلَين كما ذكرَ في آخرِ الكتابِ.
هذا من جهةِ الرِّوايةِ، أما من جهةِ الدَّرايةِ فإن سيبويهِ قد جعلَ حروفَ القلقلةِ عندَ الوقفِ عليها قسمًا مغايرًا لحروفِ الهمسِ، فقد قالَ بعدَ ذكرِ حروفِ القلقلةِ: « وأمَّا الحروفُ المهموسةُ فكلُّها تقفُ عندَها معَ نفخٍ، لأنهنَّ يخرُجْنَ معَ التنفُّسِ لا صوتِ الصدْرِ؛ وإنما تنسَلُّ معَه» اهـ، وقد صرَّحَ في الكتابِ أيضًا أنَّ التاءَ من المهموسةِ، لا خلافَ يُروى عنه في ذلك، وهو ما يجعلُنا أمامَ حرفٍ ينبغي وضعُه في قسمَين مختلفَين من جهةٍ واحدةٍ ! وهو ما جعلَ السِّيرافيُّ يقولُ «وقد ذكرَ التاءَ في حروفِ القلقلةِ، وهي من الحروفِ المهموسةِ» في إشارةٍ إلى غرابةِ ذلك.
وقد اعترضَ الإمامُ ابنُ الجزريُّ أيضًا في التمهيدِ (ص 111) على عدِّ التاءِ من المتقلقلةِ بأنَّ هذا إن صحَّ في التاءِ فإنه يلزَمُ في الكافِ، إذ كُلٌّ منهما شديدٌ مهموسٌ، والقلقلةُ إنَّما تأتي في الشديدِ المجهورِ.
والخلاصةُ أنَّ نسبةَ القلقلةِ في التاءِ إلى سيبَوَيهِ ناتجةٌ عن تصحيفٍ قديمٍ في بعِض نُسخِ الكتابِ - ومنها نُسَخُ أئمةٍ أعلامٍ كالسِّيرافيِّ - وقد أشارَ إلى هذا التصحيفِ أبو بكرٍ ابنُ السَّرَّاجِ مصوِّبًا ما جاءَ في نسخةِ ثعلبٍ التي وردَ فيها النصُّ على الصوابِ -بقلقلةِ الباءِ دونَ التاءِ - كبعضِ النُّسَخِ الموثَّقةِ العاليةِ ومنها نسخةُ ابنِ خروفٍ وغيرِها، واللهُ تعالى أعلمُ.
هذا، وإن كانَ ما قلتُه صوابًا فهو من فضلِ اللهِ تعالى، وإن كانَ خطأً فهو من قصورِ فَهْمي، وسبحانَ من جَلَّ عن الخطإِ والنسيانِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

كتبَه أحمد محمد فريد شوقي
باحث ماجستير بالجامعة الإسلامية
صورة من نسخة مكتبة راغبة باشا رقم ( 1376) من الكتاب وفيها التعليقُ المشارُ إليه في المقالِ
http://www.mediafire.com/view/v7xylklzmans1be/تعليق_الفارسي.jpg

عبدالله بنعلي
07-03-2015, 02:18 PM
أحسنتم ما طرحتموه يمثل انتصارا للحق وللبحث العلمي والتحقيق النزيه