المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النقد والدوائر المغلقة - الشعر الأخلاق


للعربية أنتمي
07-08-2015, 01:41 PM
النقد والدوائر المغلقة - الشعر الأخلاق
| مصطفى سليمان |
في المقالات الفائتة دخلنا دوائر اللفظة الشعرية والوحدة العضوية والموسيقى الشعرية. واليوم دائرة الشعر والأخلاق؛ لنكتشف الدوران في فلك المفاهيم الواحدة قديماً وحديثاً مع اختلاف الصياغات فقط.
ابن سلّام الجمحي في (طبقات فحول الشعراء) لم يعتمد المعيار الأخلاقي أو الديني في تصنيف الشعراء، وإنما على معايير فنية جمالية؛ فوضع امرأ القيس والنابغة في الطبقة الأولى، وهما من شعراء الوثنية الجاهلية. وفي شعرهما تهتُّك وفجور ومجون... ولم يضع قبلهما أي شاعر إسلامي دافع عن القيم الأخلاقية أو الدينية.والآمدي، في ( الموازنة بين الطائيين – أبي تمام والبحتري )، يوجب على الشاعر: «أن يحسن تأليفه، ولا يزيد فيه شيئاً على قدر حاجته». وإحسان التأليف عنده هو الإتقان الفني بعيداً عن أي اعتبار أخلاقي.وابن المعتز اعتمد موقفاً فنياً جريئاً في الفصل بين الفن والأخلاق: «لم يؤسِّس الشعرَ بانيه على أن يكون المبرِّزُ في ميدانه من اقتصر على الصدق، ولم يقرّ بصبوة، ولم يرخص في هفوة. ولو سُلِك بالشعر هذا المسلك لكان صاحب لوائه من المتقدمين أمية بن الصلت، وعدي بن زيد؛ إذ كانا أكثر تذكيراً ومواعظ في أشعارهما من امرئ القيس والنابغة، وهل يتناشد الناس أشعار امرئ القيس والأعشى والفرزدق وعمر بن أبي ربيعة وبشّار وأبي نواس على تعهرهم ومهاجاة جرير والأخطل والفرزدق إلا على ملأ من الناس وفي حلقات المساجد؟ وهل يروي أشعارهم إلا العلماء الموثوق بصدقهم. وما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا السلف الصالح من الخلفاء المهديين بعده عن إنشاد شعر عاهر»!وقدامة بن جعفر: «على الشاعر، إذا شرع في أي شعر كان (!) من الرفعة والضعة والرفث والنزاهة وغير ذلك من المعاني الحميدة والذميمة، أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى النهاية المطلوبة». المهم الجمال الفني. لذلك قال ابن خلدون: ظللنا نسمع أن من يحاول القول في الزهديات والربانيات والنبويات يسقط سقوطاً ذريعاً. وللأصمعي قول مشهور: طريق الشعر إذا أدخلتَه في باب الخبر... لانَ! ومؤيدو هذه النظرية النقدية المثيرة يوازنون بين شعر حسان بن ثابت في الجاهلية والإسلام. ويذكرون تسويغ شاعر المعلقات الجاهلي (لبيد) صمتَه عن قول الشعر في الإسلام، أو قلَّتَه، بأن الله أبدله به سورةَ مريم! وليست العبرة بالكثرة والقلّة بل بالجودة الفنية الجمالية.وفي عصرنا الحديث رفض طه حسين تسخير الأدب للشؤون الأخلاقية الإصلاحية فقط. ففي كتابه (خصام ونقد) يقول: «الإصلاح وترقية شؤون الإنسانية تصدر عن الأدب صدورا طبيعياً كما يصدر الضوء عن الشمس والعبير عن الزهرة....والذين يريدون الفن للفن لا يرتفعون بأنفسهم عن الجماعات الإنسانية، ولا يلتزمون هذه الخرافة التي تسمى البرج العاجي ولكنهم يرون للجماعات الإنسانية ولأنفسهم أن تخلص بعض وقتها للجمال».
ومحمد مندور: «إن مادة الشعر ليست المعاني الأخلاقية... ومن أجوده مجرد التصوير الفني».
والعقاد في كتابه (ساعات بين الكتب) مدافعاً عن( بودلير) صاحب ( أزهار الشر) يقول: «إن الشر والجمال قد اجتمعا كثيراً في الطبيعة والحياة فلماذا لا يجتمعان في القصيدة وسائر الفنون؟ بل لقد كان القبح نفسه- وهو نقيض الجمال- موضوعاً للفنون الجميلة من شعر وتصوير وتمثيل. ولم يمنعنا دور القبح أو الشر أن نعرف فيه مزية الأداء الجيد الجميل».
لكنه يتفرّد برفض كون الشر (وحده) موضوعاً للتصوير الفني الجميل: «وإلا كان الشاعر ممسوخاً منحرفاً منقوص الحظ من العبقرية...».

الرابط ... (http://www.alraimedia.com/Articles.aspx?id=604878)