منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   البحوث و المقالات (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   اللُّغَةُ العربيَّةُ في مِرآة الآخر: مَثَلٌ من صورة العربية في اللسانيات الأمريكية (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=39414)

مصطفى شعبان 04-21-2019 08:10 AM

اللُّغَةُ العربيَّةُ في مِرآة الآخر: مَثَلٌ من صورة العربية في اللسانيات الأمريكية
 
اللُّغَةُ العربيَّةُ في مِرآة الآخر: مَثَلٌ من صورة العربية في اللسانيات الأمريكية
تأليف: أ.د نهاد الموسى
عرض وقراءة:أ. د. وليد العناتيّ




مهاد القراءة:
كثرت الدراسات اللغوية الاستشراقية التي تناولت اللغة العربية إبان الهيمنة الأوروبية على الوطن العربي وبعض بلدان العالم الإسلامي، ولعل تلك الدراسات كانت نابعة من حاجة علمية لدى أولئك المستشرقين متمثلة في تجاوز البعد الاقتصادي والصناعي للبلدان العربية إلى البعد الثقافي متمثلاً في الدين الإسلامي واللغة العربية من حيث إنهما مكونان رئيسان من مكونات هوية العرب، ولعل معظم هذه الدراسات كانت محددة الغاية والنتائج منذ البدء؛ فكان أن انتهت إلى شبهات كثيرة أثارتها دراساتهم وانعكست في دعوات سافرة لاستبدال العامية بالفصحى، واستبدال الحرف اللاتيني بالعربي. وعلى هذا كان الخطاب اللغوي الاستشراقي لا يتنكَّب عن مجاراة الحركة الاستيطانية الأوروبية. ولكن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن ثمة دراساتٍ لغوية استشراقيةً كانت خالصة النوايا صادقتها.
وما أشبه اليوم بالبارحة، وإن اختلفت أطراف اللعبة و مبادئها العامة؛ فقد اتجه العالم إلى أحادية القطب الأمريكي، وصارت العولمة تكتسح الشعوب في لغاتها وثقافاتها وهوياتها، كما فعل الأوروبيون سابقاً، وإن كانت نزعة الهيمنة الأمريكية تستعر يوماً بعد يوم. ولم يكن الوطن العربي يوماً خارج حسبان الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً وثقافياً واجتماعياً ولغوياً. من هنا نشطت الدراسات التي تتناول العلاقات العربية الأمريكية في الفترة الأخيرة بعد احتلال العراق. غير أن تناول الدراسات اللسانية الأمريكية للعربية ظلَّ جزءاً منقوصاً من هذا التصور الكلي للرؤية الأمريكية للعرب. ولعل أحداث الحادي عشر من أيلول ثم احتلال العراق قد لفتا كثيراً إلى أهمية اللغة العربية ودراستها للأمن القومي الأمريكي، وهو ما انتهى إلى دعوة الرئيس جورج بوش صراحة إلى تعلم اللغة العربية وتخصيص ميزانية هائلة لتعلمها وغيرها من اللغات الأجنبية التي تحتاجها الولايات المتحدة لأسباب أمنية خالصة.
وهكذا يجيئ هذا الكتاب ليكمل الصورة ويسد الفجوة اللسانية في دراسات العلاقات العربية الأمريكية.

وقد جعل د. نهاد غايته القصوى في هذا الكتاب أن يجيب عن السؤال العريض :

ما صورة العربية في اللسانيات الأمريكية؟
وهو سؤال كبير ينشعب إلى أسئلة فرعية هي:

- ما ملامح " العربية" في " مرآة" علماء اللسانيات في أمريكا؟
- ما موارد العربية في مؤلفاتهم اللسانية الأصول بمناهجها المتعاقبة؟
- ما مقدار " اطلاعهم" على " أنظار" علماء العربية؟
- ما مقدار الانتفاع بأنظارهم هم في مقاربة العربية برؤية " إضافية"؟
- ما موقفهم من العربية من حيث هي ظاهرة لغوية؟
- ما موقفهم من العربية من حيث هي وعاء لمحمول ثقافيّ حضاريّ ؟

وهي أسئلة تنطوي على مقاربة ضمنية لاستجلاء رؤية " الآخر" للغتنا التي تعبر عن ثقافتنا وهويتنا، وهي تستبطن أبعاد تناوله للعربية في سياقه الثقافي والعلمي الخالص فيما يشبه أن يكون صدوراً وتمثلاً واعيين لصدور القوم عن مقولات من مثل " صراع الحضارات وحوار الحضارات" ولا سيما حين تقترن مواقفهم بايديلوجيات متطرفة أو منحازة.
أما منشأ هذا السؤال فإنه يعود إلى عام ستة وسبعين من القرن العشرين ، حين الدكتور نهاد كان مشاركاً في حلقة الدراسات اللغوية في نيويورك، وهي حلقة لغوية سنوية تتخذ في كل عام موضوعاً خاصاً ويأتيها اللسانيون من أنحاء العالم كله وهم ينطوون على رؤى خاصة بلغاتهم أو اللغات التي كانوا يتقنونها، ومن هذه اللغات اللغة العربية. واتفق أن يكون عنوان حلقة ذاك العام " الكونيات اللغوية وتصنيف اللغات". فكان أن هيأت له هذه المشاركة فرصة لالتقاء عدد من اللسانيين المشهورين الذين تناولوا العربية في بعض دراساتهم وأبرزهم: فرغسون صاحب المقال المشهور " الازدواجية في اللغة العربية".
وسوزمو كونو ( اللساني الوظيفي)، وميتشل وغيرهم. ويشير د. نهاد إلى أن هذه اللقاءات قد هيأت له فرصة مناقشة القوم في بعض شؤون اللغة العربية وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة عنها وعن جهود العرب الأوائل في النظرية اللسانية العربية. وكانت هذه النقاشات مبعثاً له على إظهار ما صَدَرَ عنه اللغويون العرب من رؤى ضَمَّنها كتابه " نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث.
ثم تراه يعرض لقضية مهمة في السياق اللساني العربي وهي "جدل المنهج والموضوع" مشيراً إلى أن المنهج اللساني مستعار من الآخر، وأن الموضوع هو اللغة العربية.
ويعرض في سياق هذه المقدمات الكلية التمهيدية لدراسة سابقة في الموضوع نفسه، وهي دراسة حمزة المزيني " مكانة اللغة العربية في الدراسات اللسانية المعاصرة". ولكنه يبين لنا افتراق كتابه هذا عن بحث المزيني في أنه سيقتصر على اللسانيات الأمريكية حسب، على حين كان المزيني قد تناول الدراسات الأمريكية والأوروبية. كما أن د. نهاد قصر بحثه هذا على الدراسات التي أنجزها الأمريكيون حسب دون أي إشارة إلى ما أنجزه العرب في سياق الدراسة الأكاديمية أو البحثية في أمريكا.
وهو يسير على نهجه المعتاد في التسويغ والتسبيب؛ فتراه يسوّغ لنا انتقاء اللسانيات الأمريكية بمسوغات علمية معروفة لا سبيل إلى نكرانها، يقول: " وإنما أقتصر على اللسانيات الأمريكية في هذا الكتاب، انسجاماً مع دواعي نشأة السؤال لَدَيّ، وضبطاً لحدود البحث وهو ضبط تقريبي على كل حال، ثم إن اللسانيات الأمريكية هي التي أخذت بزمام الدرس اللساني على نحو متواتر الفعالية" ص27.
وينبغي أن أشير هنا إلى قضية مهمة؛ ذلك أن هذا الكتاب ، وإن كان يقصد إلى جلاء صورة العربية في اللسانيات الأمريكية، وهي أن هذا الكتاب يشبه أن يكون كتاباً مكثفاً في اتجاهات الدرس اللساني؛ إذ قبل أن يتلمس موارد العربية في كل اتجاه تراه يعرض لإطاره الفكري وتعريفه على نحو بَيِّن ظاهر، وأظهر ما يكون ذلك في " الصورة البانورامية" التي يجتزئها من كتاب إيستمان ولونغيير "
Encarta Reference LIBRARY 2004
وهي مقالة تُعَرِّف باللسانيات و اهتماماتها وقضاياها الرئيسة وفروعها المختلفة، ومن هذه الفروع: اللسانيات الوصفية والتاريخية والاجتماعية والنفسية والحاسوبية والفلسفية والعصبية......إلخ (ص 32-41). ثم تراه يعود من جديد إلى ما يشبه تسويغات انتقاء اللسانيات الأمريكية؛ ذلك أنها طورت نماذجها الخاصة من اللسانيات الأوروبية.
وهكذا يستنفد المؤلف المقدماتِ الكليةَ والأطرَ المنهجيةَ والموضوعية، لينتقل إلى تبيان صورة العربية في مؤلفات اللسانيين الرواد، فيرى العربية كما عكستها مرآة كل من
- بلومفيلد في كتابه : اللغة. ..... ص 42- 47
- سابير في كتابه : اللغة. ..... ص 47-50
- هياكاوا في كتابه: اللغة في الفكر والفعل...... ص 50
- زليج هاريس في كتابه : اللسانيات البنيوية. ...... ص 50

ففي كتاب بلومفيلد عرض ذكر العربية في اثني عشر موضعاً، بعضها جاء ذكراً عارضاً وفي بعضها الآخر اقترن ذكرها بالعبرية! وفي مواضع ذكرت في سياق الاقتراض اللغوي. ولعل أهم موضع عرض له بلومفيلد حين تحدث عن هامشية النظام الكتابي، وهو رأي بنيوي معروف، وأن الأتراك قد تحولوا عن الحرف العربي دون مشكلات كأن شيئاً لم يكن! يقول :" ولكنه يمضي في ازدراء الكتابة إلى حد القول إن اللغة تظل هي إياها مهما يكن نظام الكتابة الذي يُسْتَعْمَلُ لتدوينها........... وهنا يشير بلومفيلد إلى تبني الأتراك سنة1928 للحرف اللاتيني بديلاً للحرف العربي وكأن شيئاً لم يكن. وهو قول فيه نظر". (ص44-45)
أما سابير فيعرض للعربية في مواضع متعددة، وأكثر ما يكون تناوله للتبدلات الصوتية وجموع التكسير في اللهجة المصرية. ولكنه يورد رأياً ما يزال كثير من الناس يستدلون به على أهمية اللغة العربية؛ إذ يعدها إحدى خمس لغات تكتسب أهميتها من منطوياتها الثقافية (49).
وأما هياكاوا أحد كبار علماء الدلالة فلم يعرض للعربية على نحو مباشر، "وإنما اتخذ كلمة (العرب) مثالاً تطبيقياً على منهجه في التأويل الدلالي الذي ينأى عن النمذجة المجردة والتحيز؛ إذ ينتقد المنحى الغربي النمطي نحو "العرب" ويتلمس ما ينبغي لأهل الغرب أن يتحرَّوْه من الدقة في تحقيق الدلالة وأن لا يستسلموا لما يشبه " المُلْصَق" الذي يَسِمونَ به "العرب" " . ص50
أما هاريس فيتناول العربية في ثلاثة مواضع في سياق النظرية التوزيعية، ويتخذ أمثلته من اللهجة المغربية لتطبيق الأنساق والأنماط والتبديلات.
عند هذه المرحلة يكون د.نهاد الموسى قد استنفد أمثلته الفردية (اللسانيين الأفراد)، ويتهيأ للمعالجة الثانية: العربية في المدارس اللسانية، وهو يتناول صورة العربية في المدارس والاتجاهات التالية:
1- اللسانيات الوصفية، ومثالها كتاب " غليسن" : مقدمة في اللسانيات الوصفية. ص53-55
2- اللسانيات التاريخية، ومثالها كتاب "وينفريد ليمان" : اللسانيات التاريخية (مقدمة). ص 55-57
3- اللسانيات الكلاسيكية_ الاستشراقية، ومثالها مقالة " ألن كاي" في كتابه : لغات العالم الرئيسة. ص57-61.
4- اللسانيات الأنثروبولوجية، ومثالها كتاب "وليام فولي" : اللسانيات الأنثروبولوجية. ص61-62
5- اللسانيات الاجتماعية والتخطيط اللغوي، ومثالها كتاب " روبنز بيرلنغ" : تعدد أصوات الإنسان: اللغة في سياقها الثقافي. ص63-69
6- اللسانيات التوليدية التحويلية أو نظرية تشومسكي، ومثالها رسالة "مايكل بريم" : التشكيل الصوتي للعربية. ص69-74
7- اللسانيات الحاسوبية، ومثالها كتاب " جون لولير" و" هيلن أرِستر" : استخدام الحاسوب في اللسانيات.
ص74-77
8- اللسانيات العامة، ومثالها كتاب "أدريان أكمجيان ورتشارد ديميز" : مقدمة في اللغة والاتصال. ص77-79.
وتتفاوت هذه الموارد في مدى عنايتها بالعربية وطريقة تناولها؛ إذ يرد ذكرها أحياناً ذكراً عارضاً، وأحياناً يوقف عنها بتفصيل مقصود.
وفي ما يلي فضل بيان عن " صورة العربية" في الموارد المتقدمة.
أولاً: العربية في اللسانيات الوصفية، ومثالها كتاب "غليسن" : مقدمة في اللسانيات الوصفية.
ويغلب على تناوله للعربية الجانب الصوتي من ناحية، ولا سيما حديثه عن (أل الشمسية) ، والفرق الصوتي بين فونيمي / ك/ و/ق/ ، كما يتوقف في تحليله الفونيمي إلى أمثلة من اللهجة المصرية ليصل من ذلك إلى أن الطول في الصوائت العربية مميِز. ثم يعرض للعربية بوصفها إحدى اللغات السامية متوقفاً عند اللهجات العربية، إذ يفرق بين اللهجة العربية الجنوبية والشمالية، من ثم التفريق بين الفصحى واللهجات.
ثانياً: العربية في اللسانيات التاريخية، ومثالها كتاب "وينفريد ليمان" : اللسانيات التاريخية (مقدمة).

ويمر ذكر العربية هنا في موضعين أولهما : في فصل عن " عائلات لغات آسيوية" وفيه يقول: " كانت العربية آخر اللغات السامية التي امتدت على نطاق واسع بانتشار الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية ويجري الحديث بلهجاتها اليوم في كثير من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا! ص55
وأما الموضع الثاني في حديثه عن التقسيم التصنيفي للغات من ناحية فونولوجية؛ إذ توقف عند أن بعض اللهجات العربية ذات نظام ثلاثي للعلل القصيرة. وفي طبعة أخرى من الكتاب يعرض للعربية على نحو عابر. ثم رأى ضرورة وضع نحو تاريخي للعربية قصداً للوصول إلى إمكانية تحليل أنحاء اللغات السامية الغربية، ثم مقارنة ذلك بالساميات الشرقية لإنجاز نحو ساميّ (أصل).


ثالثاً: اللسانيات الكلاسيكية_ الاستشراقية، ومثالها مقالة " ألن كاي" في كتابه : لغات العالم الرئيسة.
ويفترق مشهد اللغة العربية في هذا الكتاب عن غيره من حيث إنه يتناول العربية تناولاً كلياً قاصداً، وليس تناولاً مجزوءاً يعرض في سياق الحديث عن اللغات الأخرى. و" يتناول هذا العرض اللغة العربية في سياقها الساميّ، ويعرض لامتدادها الجغرافي وارتباطها بالعقيدة، ومركزية موقعها في اللغات السامية، وبعض خصائصها في نحوها الذي يكاد يكون كاملاً جداً، ويشبه أن يكون نموذجاً جبرياً، كما في الجذر، والنمط المورفولوجي حتى ليذهب الباحث مع بعض من اتهم النحاة باصطناعه". ص58
وأكثر ما يركز على اللهجات العربية، وينشغل كثيراً بالازدواجية معتمداً على مقالة فيرغسون الشهيرة.
ولا يفوت د.نهاد أن يشير إلى غُلُوِّ الرجل في تضخيم عدد اللهجات العربية، وإنكاره أن يوجد مَنْ يستعمل العربية الفصحى في مواقف التواصل الحيوية، وينكر عليه مذهبه أن العربية صارت لغة (فاعل ففعل فمفعول)، لكن هذا لم يمنعه من إنصاف الرجل حين يقول: " لكن من الإنصاف القول إنه تطالعنا في العرض من حين لآخر ملحوظات وآراء خاصة يبديها الباحث ويَصْدُرُ فيها عن اشتغاله بالعربية وملابسته للناطقين بها" (ص59).

رابعاً: اللسانيات الأنثروبولوجية، ومثالها كتاب "وليام فولي" : اللسانيات الأنثروبولوجية.
ومن الموضوعات التي ذُكِرَت العربية فيها : الازدواجية (بالاعتماد على مقالة فيرغسون)، والاقتراض اللغوي؛ إذ يشير إلى اقتراض بعض اللغات كالجاوية والملايوية من العربية نتيجة لدخول الناطقين بهذه اللغات في الإسلام. كما تَعْرِض في سياق موضوع مهم يتعلق بتحديث العربية نظراً لافتقارها إلى مفردات التكنولوجيا والإدارة والاقتصاد. كما تعرض العربية هنا في سياق لافت يتناول الآثار الإدراكية لتعلم القراءة والكتابة بأساليب(لغات) ثلاث، إحداها هي اللغة العربية التي اقترنت بالتعليم الديني الذي يتولاه المسلمون في المدارس القرآنية. وقد أشارت الدراسة التي أوردها الكتاب إلى" المهارات الخاصة التي صحبت كل فرع من التعليم وكيف أن تعليم العربية كان أقوى تأثيره في أداء المطالب المتعلقة بالذاكرة، واستدعاء الكلمات مفردة ومقترنة بغيرها. وتُرجع الدراسة هذا الأمر، بطبيعة الحال، إلى أن ممارسة العربية إنما قامت على حفظ سور من القرآن وترتيلها". (63)
خامساً: اللسانيات الاجتماعية والتخطيط اللغوي، ومثالها كتاب " روبنز بيرلنغ" : تعدد أصوات الإنسان: اللغة في سياقها الثقافي. وكتاب "هل يستطاع تخطيط اللغة" بتحرير: جون روبين وبينورد يرنود.
وهو يتناول العربية غالباً في سياقها الاجتماعي ومحيطها الذي تتداول فيه، ولا سيما في حديثه عن الازدواجية في إطارها الكلي. يقول :"وإذا كان للغة نحو مٌقَعَّد تقعيداً رفيعاً، وكانت لغة أدب عالٍ مكتوب أمكنها أن تُعَمَّر طويلاً حتى في وجه عاميات متباينة متعالية. وربما يكون النموذج اللغوي المعياري المفروض صيغة لغوية كلاسكية لا يتداولها الناس في أحاديثهم اليومية العادية.....فقد كانت العربية (الكلاسيكية) رجعاً خالداً بالقرآن، ومهما تتنوع اللهجات العربية المعاصرة تحتفظ العربية ( الكلاسيكية) بمنزلتها المرموقة المعتبرة. إن العربية الفصحى_ أو مستوى لغوياً مقارباً لها_ ما تزال لغة التداول المستعملة في معظم المناسبات الرسمية شأن اللاتينية في مناطق اللغات الرومانسية في أوروبا في العصور الوسطى!!" ص65
وفي سياق الاقتراض اللغوي يشير بيرلنغ إلى اتخاذ ( الأوردو) الحرف العربي نظاماً كتابياً لها، وأنه أمر قاومه الهنود كثيراً لأنه ينطوي على منطويات إسلامية. وفي السياق نفسه يعرض كلمات عربية تتداولها اللهجات الهندية ولا سيما في كلام المسلمين.
وأما كتاب " هل يستطاع تخطيط اللغة؟" فأكثر ما يعرض في هذا الكتاب الحديث عن "مقاومة التحديث اللغوي في العالم العربي" مقارنة ب" الانفتاح اللغوي" في تركيا وتحولها عن الحرف العربي دلالة على التحديث والتخطيط اللغوي.


المصدر

مصطفى شعبان 04-21-2019 08:11 AM

سادساً: اللسانيات التوليدية التحويلية أو نظرية تشومسكي، ومثالها رسالة "مايكل بريم" : التشكيل الصوتي للعربية.
وهي رسالة منسوقة على نسق كتاب تشومسكي وهاله: النمط الصوتي للإنجليزية. وأما كتاب "نظرية تشومسكي في النحو الكوني" فيعرض فيه ذكر العربية في موضعين وذلك في سياق الكلام على نظرية الربط والعامل، وأحد هذين المثالين في الجملة الفعلية وعود الضمير، والثاني في الجملة الاسمية والإشارة إلى خلو العربية من فعل الكينونة خلافاً للإنجليزية.
سابعاً: اللسانيات الحاسوبية، ومثالها كتاب " جون لولير" و" هيلن أرِستر" : استخدام الحاسوب في اللسانيات.
وقد ورد ذكر العربية فيه في مواضع ثلاثة حسب، هي( 76):
- ذكر الحرف العربي إلى جانب الحرف اللاتيني وهو أمر متعارف.
- ما يستشعرونه من كثرة المعايير التي يقتضيها شكل العربية (المكتوبة غير المشكولة) غالباَ.
- اتخاذ مثال من العربية لتعليم اللغة بالحاسوب.

ثامناً: اللسانيات العامة، ومثالها كتاب "أدريان أكمجيان ورتشارد ديميز" : مقدمة في اللغة والاتصال.
ويعرض ذكر العربية هنا في مواردَ ثلاثةٍ في باب " التغير اللغوي"، وهي إشارات عابرة لا تحتفل بالعربية كثيراً، وإن كانت آخرها تقرن العربية بالعبرية في إطار الحديث عن نُظُم الكتابة السامية المبكرة مكتفياً بالإشارة إلى أنها كانت مقطعية ولكنها لا تمثل الصوائت.

وهكذا تتشكل لدينا صورة العربية في مرآة اللسانيين الأمريكيين على نحو جلي وواضح، ولعل أهم ملامح هذه الصورة تكون في:
- اقتران العربية بالعبرية في غيرِ موضع؛ إذ وردت العربية في مواضعَ متفرقةً كأنما هي تابعة للعبرية.
- اتخاذ اللهجات العربية المتعددة ( المصرية والمغربية على نحو خاص) مجالاً للتطبيقات اللسانية.
- التركيز على الجانب الصوتي دون الجوانب الأخرى.
- الحديث عن العربية في إطار اللغات السامية.
- كثيراً ما تعرض العربية في إطار الحديث عن الاقتراض اللغوي؛ إذ يعتنون بأثر العربية (الإسلامية ) في اللغات الأخرى.
فإذا ما انتهى د.نهاد من تبيان ملامح كل صورة على نحو منفرد، توقف عند استبطان الخطاب اللساني الأمريكي في عمومه، بما يكشف عن البنى الفكرية التي وجهته. يقول:" ولكن اعتبارنا اللسانياتِ علماً إنسانياً ينطوي على ملحظين يَحْسُنُ أن نقيم فرقاً واضحاً بينهما؛ لأنهما يتلابسان في أعمال القوم. وذلك أن للسانيات عندهم وجهاً علمياً حين يتناول حقيقة الظاهرة اللغوية في العربية وصفتها، إلا أنه ينحاز إلى مرجعه الثقافي حين يعرض للعربية في اقترانها " بالآخر" العربي أو الإسلامي". ص82
ولعله من هذا القبيل أن يصف بلومفيلد المسلمين بالمحمديين، ولعله من القبيل نفسه انحيازه حين يَرُدُّ الفضل في أخذ الأوروبيين فكرة (الجذر) إلى اليهود وهو الذي أَنْبَهَ على أن العرب هم أصحابها. ولعل هذا يكون العامل الرئيس في تحامل اللسانيين الاجتماعيين على الموقف العربي المحافظ، واحتفائهم بأتاتورك وتحوله عن الحرف العربي.
ومثلما حملت الانحيازات الثقافية هؤلاء على التحامل على العربية فإن منهج تشومسكي الفكري ورؤاه الإنسانية( وهو اليهودي) حملته على إنصاف العربية وأهلها. يقول د. نهاد: "ولعله جديراً باحتفاء خاص هنا أن تشومسكي بنظريته اللسانية ينسجم مع موقفه السياسي، وأن نظريته وموقفه ينتصفان للعربية والعرب؛ إذ إن نظريته العقلية ترى البشر جميعاً سواء بما رُكِّب فيهم بالفطرة من القدرة على اكتساب أية لغة. وإذن ينقض فرضية وورف_سابير (الأنثروبولوجية) ودعواهما أن اللغة التي يتكلمها المرء( حتى بمعزل عن المحيط الثقافي الذي يقيم فيه) تحدد طريقة تفكيره، وأن بنية اللغة نفسها ترسم حدود الإدراك، وإذن تقيم هذه الفرضية تمايزاً فكرياً بين بني البشر على أساس من تمايز لغاتهم" ص72

- منهج الكتاب:
ينبئ الكتاب عن منهج علمي مضبوط يتمثل القضية المطروحة من جوانبها المتعددة، وهو، وإن جرى على المتعارف، إلا أنه ينفرد بسمات منهجية تَسِمُ أعمال المؤلف كلها. ويتمثل منهجه العلمي في الوجوه التالية:
أولاً: تحديد قصد الكتاب وبيان أسئلته المباشرة. وهذا منهج سائد لديه؛ أن يضع القارئ في صورة القضية التي يناقشها منذ البدء، دون أن يعنِّي القارئ بمقدمة غائمة عائمة؛ فهو يجعل هذه الأسئلة تقوم مقام المقدمة، ولعل هذا يوجه القارئ منذ البدء، كي يعرف ما يريده الكاتب منه، وكي يعرف مضمون الرسالة التي يريد إيصالها. وفي هذا الكتاب نجده يحدد سؤاله العام : ما صورة العربية في اللسانيات الأمريكية؟ وهو السؤال المحوري الذي يتفرع إلى أسئلة أصغر تقصد، في النهاية، إلى الإجابة عنه.
ثانياً: ضبط المصطلح؛ إذ يتكئ الكتاب على صدق علمي كبير يتمثل في ضبط المصطلح العلمي المستخدم، فهو يتناول المصطلح بالشرح والضبط ومسوغات الاستعمال، ويجلو ما قد يعرض من لبس نابع من تداخل المصطلحات وفوضاها. ولعل مصطلح "اللسانيات"، وهو محور عريض في الكتاب، أظهر مثال على ذلك؛ إذ تراه يدل على تعدد المقابِلات الاصطلاحية العربية له، منتهياً إلى أن سيرورته في الاستعمال هي التي مكَّنت له في لغة اللسانيين العرب، فصار "المصطلح" مصطلحاً عليه بهذه التسمية.(ص 29)
ولعله مما يقع في هذا الباب احتراسه الشديد من اللبس ومزالق التعميم؛ فتراه حريصاً على تحديد مجال بحثه في الكتب الأمهات في اللسانيات الأمريكية، مُخْرِجاً من ذلك المقالات التعريفية القصيرة المنشورة على الشبكة.
ثالثاً: الموضوعية والإنصاف. ومن أمثلة ذلك أنه يناقش آراء (ألين كاي) في الازدواجية في اللغة العربية، وينتهي من ذلك إلى أنه غالى كثيراً في إقامة الفروق بين العامية والفصحى، لكن ذلك لم يمنعه من إنصافه بقوله: " لكن من الإنصاف القول إنه تطالعنا في العرض من حين لآخر ملحوظات وآراء خاصة يبديها الباحث ويصدر فيها عن اشتغاله بالعربية وملابسته للناطقين بها" (ص59).
رابعاً: التسلسل الموضوعي. فهو يبدأ بموضوعات تمثل مقدمات كلية وتوطئة للموضوع الرئيس، وهو بذلك يضع القضية المطروحة في سياقها التاريخي والثقافي والاجتماعي واللغوي. ومن هذه المقدمات: أسئلة الكتاب، ومنشأ سؤال الكتاب في بعده التاريخي، والدراسة المناظرة في الموضوع نفسه (الدراسة السابقة)، ولماذا اللسانيات الأمريكية؟.........فإذا ما استنفد هذه المقدمات وصارت صورة الموضوع واضحة، انتقل إلى الموضوع الرئيسيّ الثاني وهو موارد العربية في كتب " اللسانيين الأمريكيين الأفراد" : بلومفيلد وسابير وهياكاوا وزليج هاريس، وقد وصفهم بالرواد لأنهم يمثلون بواكير الحركة اللسانية الأمريكية. ولعله أفردهم بالذكر على نحو شخصي لأنهم لم يكونوا يمثلون مدارس لسانية مستقرة الأعراف والأنظار. فإذا ما فرغ من هؤلاء "اللسانيين الأفراد" انتقل إلى المدارس والاتجاهات اللسانية الأمريكية عموماً؛ فتراه يتخذ على كل مدرسة أو اتجاه مثالاً واحداً حسب مسوغاً انتقاءه ذاك الكتاب، ومن أمثلة ذلك:
- العربية في اللسانيات التاريخية. ومثاله: كتاب "ونفريد ليمان" اللسانيات التاريخية. (ص55)
- العربية في اللسانيات الكلاسيكية_ الاستشراقية. ومثاله: كتاب "ألين كاي" لغات العالم الرئيسة.(ص57).
- العربية في اللسانيات الأنثروبولوجية. ومثاله: كتاب " وليم فولي" اللسانيات الأنثروبولوجية.(61).
......................إلخ.
فإذا فرغ من هذا الاستعراض الشامل وصل إلى مُستصفى الموضوع، وهو تحليل الخطاب اللساني الأمريكي في صورته العلمية والثقافية حين تناول اللغة العربية. أما منتهى الكتاب فتأميل أن ترقى الدراسات اللسانية العربية من الاستهلاك إلى الإنتاج، ولا سيما في سياق الأطروحات الجامعية التي يقدمها الطلبة العرب.

- خامساً: الاتساق المنهجي. وأبرز أدلته انتقاء مثال واحد للمؤلف أو مؤَلَّف واحد في كل مدرسة أو اتجاه.

- سادساً: تحقيق الأسماء ( الأعلام والكتب)؛ فهو يحقق اسم المؤلِّف بالحرف العربي والحرف اللاتيني، تَوَثُّقاً من أن الحرف العربي قد لا يدل على هيئة النطق على الوجه المعروف بالإنجليزية. ومِثْلَ ذلك فعل بأسماء الكتب وترجماتها العربية.

سابعا: ضبط لغة الكتاب وإحكام طباعته.
وهذا الكتاب مسبوك ومصوغ بلغة رائقة شديدة الضبط محكمة البناء، الألفاظ على قدر المعاني بلا زيادة ولا نقصان، فلا ترى جملة زائدة ولا عبارة مُقْحَمَة، وهذا ما يجعل مهمة من يتصدى لعرض الكتاب صعبة؛ إذ يصعب تكثيف نصٍّ ولد في أصله مكثفاً. ويزيد من دقة النص ضبط المواضع التي قد تشكل على القارئ أو تجعل الوظائف النحوية تلتبس إحداها بالأخرى. ومن تمام هذا الضبط إحكام الطباعة وتبرئتها من الأخطاء الفاقعة التي باتت تميز كثيراً من المطبوعات العربية، على أن الكمال المنشود في هذا " الفن" غاية بعيدة وإن تحرينا تدقيق النص مرة تلو الأخرى.


وصفوة القول أن هذا الكتاب يمثل جهداً فريداً في تحليل الخطاب اللساني الأمريكي الذي تناول العربية منذ نشأة اللسانيات الحديثة، وهو يمثل أساساً مكيناً للدراسات اللسانية الثقافية التقابلية التي تتناول " صورة اللغة عند الآخرين" من منظور النقد الثقافي المقارن. ولعل هذا يكون حافزاً للدكتور نهاد أن يمضي في استجلاء صورة العربية في اللسانيات الأمريكية الجديدة، أو لسانيات ما بعد الحادي عشر من أيلول ومضاهاتها كمّا ومنهجاً ومضموناً بصورتها العربية التي أبرزها في هذا الكتاب، ولعله يختط بذلك منهجاً في الدرس اللساني العربي يستبطن الأنظار اللسانية المنطوية على رؤى سياسية وأمنية خالصة.


الساعة الآن 05:59 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. Trans by