منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية

منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية (http://www.m-a-arabia.com/vb/index.php)
-   مقالات أعضاء المجمع (http://www.m-a-arabia.com/vb/forumdisplay.php?f=34)
-   -   إبراهيم العجلونيّ .. مَساقط العِلم ومَغارس الفنّ (1) (http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=10339)

يوسف سليمان 08-15-2015 03:38 AM

إبراهيم العجلونيّ .. مَساقط العِلم ومَغارس الفنّ (1)
 
إبراهيم العجلونيّ .. مَساقط العِلم ومَغارس الفنّ (1)


كتب: يوسف سليمان الظاهريّ



كان ذلك قبل سبع سنوات خلت، وانا يومئذ شاب تتفجر الصبوة من لساني، ويتلألأ الغزل في عيني، وكنت - غير فخر - فتى لا يمل الدؤوب والسعي، اتطلب الآداب والعلوم والفنون في كتب واسفار تباعدت معانيها، وتقادمت عهودها، واتتبع مغارس العلم، ومساقط الفن المخبوء المستكن في مطوي الصدر، ومنشور اللسان، وهو امر شاق جدا، كان، ولذيذ جدا، كان، كذا ركِّبت، وعلى هذا جبلت، وهيهات ان يكون لامرئ بتغيير خلق الله يدان!!

"لن يخلو الزمان من قائم للأدب بحجة".. بذا كنت اعلل النفس، واطامن من غُلوائها.. وذلك اني كانت تأخذني فترة اجد النفس فيها منبوذة على حدود النشاط فأغمض عيني لأجمع عليّ رأيي وفكري، فانتهي الى مثل الغيبوبة من الحسرة واللهفة والألم.. فاكثر ما تقرأه غث بارد لا يحرك في قارئه عاطفة، لأنه لا يصدر عن عاطفة، ومنذا الذي يرضى ان يحمل نفسه الى "ثلاجة" وهو يعد في العقلاء.. دع عنك المخالفة عن قانون العربية، والتردي في مهواة التجديد الذي هو - على الحقيقة - انعتاق من عقال المنطق، ومجاوزة عن سبيل الفن.. وقد علمت: ان من عمل عملا ليس عليه اهل المنطق فهو رد، ومن احدث في امرنا ما ليس منه فهو رد.. وليس من غرضنا هنا الفحص عن امر زعانف الادب أحلاس المقاهي، ولكنه - كما يقول المتبني - شيء "اوجبته الصورة" ودعت اليه سياقة الكلام، فان إلف القبيح متلفة للإحساس والعقل جميعا، وبالله نستدفع البلايا.

"ارجو أن لا يغيب عنك اننا لا نذم الجديد من حيث هو، بل لما يحتف به - في احايين كثيرة - من ضعف في المبنى، وفساد في المعنى".

كان من اثر ذلك الفتور، أني هجرت الأدب، واطرحته وراءي ظهريا، فقد انقرضت دولته، وخلا وجه الزمان من اعلامه الذين درجوا وتبددت في الثرى اعيانهم، "فلا تجدهم الا في كتاب، او تحت تراب" كما يقول الذهبي.. "او هكذا خيل الي".. وجعلت اردد مع العرجي الشاعر "قد كان شيئا كان ثم انقضى".

ظلِلت على الهِجران دهرا يسيرا، ركنت فيه الى التبطّل ومعالجة بعض اسباب الحياة.. ولم يكن إلا "كلا ولا" حتى عدت الى ضلالي القديم، اطوّف ما شاء الله لي ان اطوف على "حوانيت" الوراقين ودور الكتب، وهي مألف عتيق - كما سلف عليك - كيف صبري عن بعض نفسي، وهل يصبر عن بعض نفسه الانسان؟

واني لفي ذلك اذ وقع لي كتاب لو اطلعت عليه لخلتك في دنيا حافلة بالنغم الحلو، واللفظ المعجب، والمعنى الشريف، ولرأيت ثم نعيما وعلما كثيرا.. فما شئت من بيان محلق جرى فيه صاحبه على عرق، وما شئت من اطلاع مدهش على جمل من مضايق العقول "الفلسفة" التي زلت فيها اقلام، وضلت في محاراتها أفهام.. وبالجملة فهو كتاب استولى فيه صاحبه على كل ما هو به كاتب فنان مبدع، وهذا حسبك اعجابا يذكر، وهذا حسبه فوزا يعد.

ذلكم هو "الشذرات" لصاحبه الاستاذ ابراهيم العجلوني الذي ما انس لا انس اني اتيت عليه - لعظيم احتفالي به - قراءة، وتعقلا، وحفظا لبعض اساليبه، في يوم او بعض يوم.

وانا مما عرفت العجلوني، ودنوت اليه، ووصلت سببا مني باسباب منه؛ ذاكر من امره وخبره كثيرا الى قليل مما عرف عن غيره من ادبائنا واساتيذنا وكتابنا واولي الصدارة فينا، ولو هيأ الله لكل علم صديقا وفيّا ينقله الى دنيا الناس احاديث واخبارا، كان يكون لنا على الايام، ادب يصطفى وفن يتبلج على سواد الحياة.

للحديث اتصال ـ بحول الله ـ


الساعة الآن 07:52 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc. Trans by