عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالحميد قشطة
عضو نشيط
رقم العضوية : 2271
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : مكة المكرمة
عدد المشاركات : 446
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالحميد قشطة غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-04-2015 - 09:12 PM ]


يتــــــــــــــــــــــــــــــبع

لماذا وُسِمت العربية بكونها لغة الضاد؟
حاول الدَّارِسون المُحدَثُون إيجاد الأسباب التي جعلت وصف "لغة الضاد" لصيقًا بالعربية منذ أمدٍ بعيدٍ؛ وأهمُّ الأسباب الَّتي ذكروها ثلاثةٌ:

1- الحس القومي:
يميل بعض الباحثين إلى أن مقولة "العربية لغة الضاد" صادِرَةٌ عن نزعة شعوبية، لا تعبيرًا عن واقع[20]؛ يقول إبراهيم أنيس: "إنَّ استعمال النَّزعة الشُّعوبية أدَّى إلى أن تَشِيع التَّسمية التي خلعها العرب على لُغتِهم، وهي لغة الضاد"[21]، وهذا الرأي يفتقر إلى السَّند التاريخي الذي يؤكد أن تلك المقالة جاءت رَدَّة فعل من العرب على شعوبية الفُرس.

2- كونها من خصائص اللهجة القُرَشِيَّة:
وهذا الرَّأي تبناه البعض[22] من مُنطَلَق أنَّ لغة قريش تميَّزت: "من سائر اللُّغات العربية بالوضوح والرِّقَّة، وسَلِمت من الْتباس مخارج الحروف، واختلاط بعضها ببعض؛ فليس فيها شيءٌ من تلك الحُروف التي ذكر اللُّغويُّون أنها مُستقبَحةٌ، ولا الحروف التي مخرجها بين حرفين من الحروف الفصيحة، أما اللُّغات الأخرى، فتتميَّز بالخشونة ومَزج الحروف بعضها ببعض، ولعلَّ سبب ذلك طبيعة الحياة الحضرية المكية، فالتأنُّق والتَّروِّي من سِمات الحضارة، والعَفَويَّة والسُّرعة من خَلائق البادية"[23]، لكن يعكِّر على هذا الطَّرح افتقارُه إلى الاستقراء الصوتي المُقارِن الذي - من خلاله فقط - يمكننا الجزم بأنَّ سائر العرب لم يكُونوا ينطِقون الضاد بالطَّريقة نفسها التي كانت تنطقها بها قُريش.

3- صعوبة نُطق صوت الضاد:
وإلى هذا التَّعليل جَنح أكثر الدَّارسين من القُدامى والمحدَثين؛ يقول برجشتراسر "Bergstrأ¤sser": "الضاد العتيقة حرفٌ غريب جدًّا، غيرُ موجود - حسبما أعرف - في لُغةٍ من اللغات إلا العربية؛ ولذلك كانوا يكنون عن العرب بالناطقين بالضاد"[24]، ويؤيِّده إبراهيم أنيس بقوله: "يظهر أن الضاد القديمة كانت عصيَّةَ النُّطق على أهالي الأقطار التي فتحها العرب، أو حتى على بعض القبائل العربية في شبه الجزيرة، مما يفسِّر تلك التسمية القديمة لغة الضاد"[25]، والمُراد بالضاد القديمة هنا تلك الموصوفة في كتب القدامى، في مُقابل الحديثة المُتداوَلَة اليوم، والَّتي تُنطق بكيفيات تختلف باختلاف البيئات.

وفي نظري: هذا السبب أقوى من سابقَيْه؛ فمن المعلوم أن الألسُن تعزف في الغالب عن الأصوات عسيرة النُّطق، فمتى تواطأت ألسنة أمَّة من الأمم على استعمال صوت مهجور لدى باقي الأمم، فسيكون ذلك - بلا ريب - علامةً على لغة تلك الأمة.

ما الذي ألجأ العرب إلى صوت الضَّاد؟
من المعلوم أنَّ العربية تَنشُد اليُسر في التَّعبير، فما الذي ألجأ أهلَها إلى هذا الصَّوت العسير في نُطقه حتى على بعضهم؟! ولِمَ حافظ اللسان العربي على هذا الصَّوت أو احتفظ به بعد أن تخلَّت عنه أكثرُ الألسُن؟!

يَصِفُ مكي دَرَّار[26] هذا السُّؤال بأنَّه: "وجيهٌ ومحيِّرٌ، والجواب عنه عسيرٌ ودقيقٌ"، ويطرَحُ احتمال كون احتفاظ العربية بهذا الصَّوت راجعًا: "إلى وجود ما يشبِهُه فيها؛ إذ في العربية صوتان في شكله، أحدُهما: يختلف عنه في التفخيم وهو الدَّال، والآخر: يماثله تمام المماثلة، وهو الظاء"[27]، لكن قد لا يكون هذا التَّعليل الصوتي كافِيًا، ما لم تَقُم الحاجة الفعلية إلى هذا الصوت.

إنَّ تلك الحاجةَ هي التي مكَّنَت لصَوت الضاد في اللسان العربي، فثمَّةَ أصواتٌ لا يصعُب على لسان العربي إخراجُها، وفي جِرابه اللُّغَوي ما يُماثِلها، ولكنه مع ذلك أهمَلها، كما فعله غيره من البشر في أصقاعٍ شتى من البسيطة؛ فـ"بعض القبائل في أواسطِ إفريقية: لا تُوجد في لغتهم الحروف الشفويَّة: كالفاء والباء والميم والواو، وبعض هنود كولومبيا: لا يجدون سبيلاً إلى النُّطق بهذه الحروف: "ب ف ج د و"، وأكثر أقوام أستراليا لا يستعملون حروف الصَّفير: "س ص ز"، ولا هذه الحروف "ش ث ط"، وأهل نيوزيلاندا لا ينطقون هذه الحروف: "ب س د ف ح ج ل ن ص و ي"، وكذلك وجدوا اللغة الهيروغليفيَّة القديمة - وهي من أقدم اللغات المعروفة - ليس من حروفها في المنطق "ب ج د ز ظ ض"[28]، فإذا تحقَّقنا وجود حاجةٍ هي التي سوَّغت الاحتفاظ بصوت الضاد، فما هي تلك الحاجة؟

لعلَّنا نجد الجواب عند "حسن عباس"، الذي ينتهي - بعد بحث استقرائي طويل في نِسَب مصادر الكلمات الضادية ودلالاتها - إلى القول بأنَّ: "صوت الضاد بفخامته ونضارته وغُنَّته، إنما هو أوحى أصوات الحروف قاطبةً بمشاعر الشَّهامة والمروءة والشَّمم، ولا أدلَّ على ذلك من أنَّ الأصوات الغنائية التي تعتمد في غُنَّتها التَّجويف الأنفي، إنما هي أشَدُّ أصوات الطَّرَب إثارةً لمشاعر النَّخوَة والرُّجولة والعواطف القَوميَّة"[29]، ومِثلُ هذه المشاعر النَّبيلة تستحِقُّ في نظر العربي أن يُحمَّلُ لِسانُه مَشقَّة النُّطق بصوتٍ يحمِلُها.

أكثر الألسن توظيفًا لصوت الظاء:
تشتمِل معظم السَّاميات على اثنين وعشرين صامتًا ممثَّلة كتابيًّا، ومجموعة في الكلمات التالية: أبجد، هوَّز، حُطي، كلمُن، سعفص، قرشت[30]، وبإضافة الرَّوادف الستة - وهي: ثخذ، ضظغ[31] - إليها، تكون العربية أوفرَ أخواتِها حظًّا من تركة السَّاميَّة الأم الصوتية، والتي عِدَّةُ حروفها تسعٌ وعشرون حرفًا.

وغِيابُ الرَّسم الكتابي لهذه الرَّوادف في كثيرٍ من اللُّغات السَّامية لا يرجعُ إلى كونها مفقودةً في نُظُمِها الصوتية؛ وإنما لنُدرة استعمالها، فلم يحتاجوا إلى وضع رموزٍ كتابيَّةٍ لها، يقول إسرائيل ولنفسون: "وأما وجوه الخلاف بين اللغات السامية في حروفها، فإننا نجد حروف العربية أكثرَ من حروف العبريَّة؛ فحروف "ذ، غ، ظ، ض" لا أثر لها فيها، ومن المُحتَمل أن هذه الحروف كانت موجودةً في هذه اللغة قديمًا، ثم فُقدت بالتَّدريج؛ لعدم استعمالها"[32]، وبَقِيَت اللغة العربية مُحافِظةً عليها في نظامها الصوتي والكتابي معًا.

والظاء واحدٌ من تلك الرَّوادف التي اشتركت فيها اللُّغات السَّامية في الأصل يومًا ما، كما يتبيَّن من مُقارنة بعضها ببعض[33]، وقد كان موجودًا في لغات جنوب الجزيرة والحبشة[34]، واللغة الأوغاريتية التي رمزُه في أبجَدِيَّتها: [35]، لكنَّه فُقِد تدريجًا بسبب قِلَّة استعماله، وبَقِيَت العربية وحدها محتفظةً به دون سائر السَّامِيَّات.

وقد لاحظ المتقدِّمون هذه الخصوصيَّةَ الصوتيَّة للغة العربيَّة، وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي من الأوائل الذين صرَّحوا بأن صوت الظاء مُختَصٌّ بالعربية مُقتصِرٌ عليها؛ إذ صَرَّح في مقدمة "العين" قائلاً: "وليس في شيءٍ من الألسن ظاءٌ غير العربية"[36]، وكرَّر هذا المعنى في موضع آخر من الكتاب عينِه بقوله: "والظاء عربية لم تُعطَ أحدًا من العجم، وسائر الحروف اشتركوا فيها"[37]، وبمثل قول الخليل يصرِّحُ مكي بن أبي طالب[38]، وأَبو حيَّان النحوي، وشيخُه ابنُ أَبي الأَحْوَص، وغيرُ واحِدٍ[39]، بل قد نقل أبو عمرٍو الداني الإجماعَ في هذه المسألة؛ فقال: "أجمع علماء اللُّغة على أنَّ العرب خُصَّت بحرف الظاء دون سائر الأمم، لم يتكلَّم بها غيرهم"[40]؛ فعلى هذا تكون العربية لغةَ الظَّاء لا الضَّاد.

ويُضيف ابن دُرَيد الحاءَ إلى الظاء؛ فيقول: "حرفان مُختَصٌّ بهما العرب دون الخَلْق، وهما الحاء والظاء"[41]، ويُقِرُّه ابن فارس[42]، والقَلقَشندي[43]، دون أن يُشيرا إلى نزاع مَن نازع في خصوصيَّة الحاء، كما فعل ابن دُريد نفسُه الذي أعقَب مقالته السابقة بقوله: "وزعم آخرون أنَّ الحاء في السُّريانية والعِبرانية والحَبشية كثيرةٌ، وأنَّ الظَّاء وحدَها مَقصورةٌ على العَرَب"[44]. وهذا هو الصَّوابُ؛ فالحاء موجودةٌ في الأبجدية الأوغاريتية، وفي السُّريانية[45]، وفي العبرية والآراميَّة والآشورية، ولغات جنوب الجزيرة والحبشة[46].

فمن مجموع ما تقدَّم يُمكن القولُ: إنَّ نعتَ اللغة العربية بأنها لغة الظاءُ أَولى من نعتِها بكونها لغةَ الضاد؛ يقول كمال بشر: "هناك إشارات متناثرة في أعمال السابقين والخالفين تشير بل تكاد تُؤكِّد أنَّ صوت الظاء "لا الضاد" هو الخاص بالعربية"[47]، ومن جملة تلك الإشارات المُومَأ إليها: البحث الموسوم بـ: "العربية لغة الضاد أم الظاء؟"، الذي تقدَّمت به "سلوى ناظم" إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الخامسة والستين[48]، تُثبِتُ من خلاله أن الأَولى نعتُ اللسان العربي بأنه لسان الظاء.


توقيع : عبدالحميد قشطة


(ليس شيءٌ أضرَّ على الأممِ، وأسرعَ لسقوطِها من خِذلان أبنائها للسانها، وإقبالهم على ألسنةِ أعدائها)

رد مع اقتباس