عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
إدارة المجمع
مشرف عام
الصورة الرمزية إدارة المجمع
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,860
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

إدارة المجمع غير موجود حالياً

   

Post

كُتب : [ 02-20-2016 - 11:44 AM ]




• ولكن كيف تقول ذلك، والعربية لغة القرآن الكريم؟!
- الموت هنا جزئي، هي موجودة في إطار الجانب الديني؛ في خطب الجمعة وتفسير القرآن والعبادات ونحو ذلك. ولكن ماذا عن اللغة في الاقتصاد؟! ماذا عن اللغة في المحافل العلمية؟! ضعيفة. اللغة الإنجليزية الآن موجودة في عُقر دارنا، واللغة الفرنسية موجودة في عُقر دارنا. هل تعلم أن اللغة الإنجليزية مسيطرة على أكثر من 80% من الإنتاج الثقافي؟! ما من شكّ أن كلمة الفصل في حياة اللغة أيضًا في أهلها؛ إذا أرادوا ذلك فعلوا. وهناك ثلاثة قرارات مهمة: قرار علمي، وتكون له السيادة أولاً، ثم قرار سيادي الممكِّن للقرار العلمي، ثم قرار اقتصادي، الذي يمكِّن من التنفيذ، النفقة على هذه المشاريع؛ وللأسف نحن عندنا في حياتنا صراع بين القرارات الثلاث: العلمي والسيادي والاقتصادي؛ فبدلاً من أن يصنعوا حضارة، فإنهم يتصادمون، يتعاركون، يتفككون. الأمر المهم أيضًا: اللغة والهُوِيَّة، (والهُوِيَّة-بضم الهاء-نسبة إلى ضمير الغائب "هو" مع إضافة ياء النسبة)، والهُوِيَّة هي السمات المميِّزة لشخص أو مجتمع أو أمة بين الأمم، وأهم عناصرها: الدين والثقافة واللغة، أهم محور هو اللغة؛ لأن اللغة هي وعاء للدين، ووعاء للثقافة، فاللغة تمثل عنصرًا قائمًا بذاته، وتمثل عنصرًا ناقلاً وحافظًا للعنصرين الآخرين (الدين والثقافة).

• شاركتم من قبل في دورات تدريبية للدعاة وأئمة الأوقاف. برأيكم هل نحتاج بالفعل تجديدًا للخطاب الديني؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي مواطن الداء؟ وكيف يكون العلاج؟
- فكرة التجديد والتطوير والتحديث عامةً هذه فكرة قرآنية إسلامية دائمة لا تقف عند حد؛ لأنك تطور اليوم، وبعد أعوام ستحتاج إلى تطوير جديد، وبعد أعوام أخرى ستحتاج إلى تطوير. هذا أمر لا يقف عند حد، إنما التطوير والتجديد أمر مستمر؛ لأن الحياة فيها مستحدثات، فيها تطوير، فأنا أحدِّث نفسي، كي أوافق هذه الحياة. مسائل التفكير العلمي نحتاجها في الدعوة، اللجوء إلى العلم مسائل تحتاجها الدعوة، البعد عن الإنشاء والقصص ونحو ذلك الغير الهادف نحتاجها في الدعوة... إلخ. المختصر المفيد نحتاجه الآن في لغة الفيس ولغة الشيخ جوجل، الدعوة على الفيس تختلف عن الدعوة على كذا وكذا، الدعوة على التلفاز، الدعوة على الجرائد. اليوم اختلفت المنابر أصبحت ذات تأثير عالمي. المسائل تحتاج بالفعل إلى تطوير وتحديث في جوانب عديدة. والدليل على أن التطوير فكرة قرآنية إسلامية متجددة دائمًا: قول الله عز وجل: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)؛ فالأقوم والأفضل والأحسن مطلب قرآني متجدد؛ الإصلاح مطلب قرآني متجدد؛ التطوير مطلب قرآني متجدد. فالأقوم في فضائها الدلالي تتسع لكل هذه المعاني من التطوير والتحديث والإصلاح. لكن ينبغي ضبط المصطلح. ما المقصود بتجديد الخطاب الديني؟ لأن عدم تحديد المصطلح جعل التجديد ينتج عراكًا وصدامًا يصل بالناس إلى السجن؛ لأنك لم تقل: ما المقصود بالخطاب الديني؟ ما المرجعية في تطوير الخطاب الديني؟ من الذي يقوم بهذا التطوير؟... إلخ. فالتطوير وجد فيه كل أناس وكل مدرسة فرصة لفرض نمطها الفكري، حتى تحول تطوير الخطاب الديني إلى صراع وعراك ومحاكم أفضت بالناس إلى السجن، وأصبحت المشكلة الاختيار بين حلول المشكلة. وكل تراث أمة، وكل إنتاج بشري فيه الصواب والخطأ، لكن فرق بين النقد وبين الهدم، فرق بين العبث وبين التقويم، والقرآن له قاعدة في ذلك: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، القرآن أمرك أن تصطفي. هم قالوا ذلك لزمانهم. هل هم ربطوا عقولنا وكتفوا أيدينا وألزمونا بذلك؟! أبدًا. اصطفِ ما شئت، ودعهم إلى ما ذهبوا إليه. ليست هناك مشكلة. القاعدة عندنا (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) هذه هي القاعدة، والقاعدة عندنا أيضًا في التعامل مع الأشخاص: (لَيْسُوا سَوَاءً) لماذا؟ حتى لا نأخذ الناس جملة واحدة في أي تيار... لا تقل: كل السلفيين كذا، كل الأصوليين كذا، كل العلمانيين كذا...إلخ. لدينا قواعد راسخة: (يَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، (هِيَ أَقْوَمُ)، (لَيْسُوا سَوَاءً).

• رأستم موسوعة "بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات" التي أنتجت (24) مجلدًا في هذا الشأن. هل نجح علماء الإسلام في العصر الحديث في محاورة الآخر، وإبراز الوجه التنويري والحضاري للإسلام، والخروج من خندق الاتهام والدفاع والرد على الشبهات إلى خندق الندية والتفاهم والتشارك؟ وكيف السبيل لذلك؟
- ما من شك أن هذه الموسوعة شارك فيها أكثر من ثلاث مئة عالم وباحث وخبير، وهي موسوعة فكرية؛ رد فعل فكري، رد فعل علمي موثَّق، يقوم أولاً على بيان فكرة المهاجِم، ثم بيان فكرة الرد على ذلك، ثم بيان الخلاصة والتفصيلات التي تتأتَّى بهذا البيان. أيضًا من منهجنا أننا لا ندافع ولا نهاجم؛ لأنه ليس للإسلام سوأة يُدافع عنها. إذن فما عملنا؟ هو بيان الحقائق، بيان الحقائق كما أرادها الله عز وجل بأن الدين ليس إنتاجًا بشريًّا، وإنما الدين وحي من الله عز وجل، جاء هاديًا للعقل، جاء خطابًا للعقل؛ فنحن نبيِّن ما أراده الله عزو جل بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالدليل العقلي قبل الدليل النقلي، نحن نخاطب العقول، فالحوار هو الأساس في هذه المسائل. هل نجح العلماء؟ نعم نجح العلماء، وطفنا بأكثر من عشرين جامعة إسلامية على مستوى العالم الإسلامي والعربي مثل إندونسيا والجزائر وتونس والمغرب والسودان، كذلك في إنجلترا وأمريكا... طفنا بهذه البلاد كلها فعرَّفنا بالمنهج، حتى هذه الأقسام تصنع بحوثًا، وهي ليست الكلمة النهائية، لكنها أكبر قاعدة علمية موثَّقة، أكبر رد فعل فكري تبني عليه، تضيف إليه، تأخذ منه... وهكذا، لأن العقول دائمًا تتفاعل.
الأمر الأكثر أهمية هو أن الآخر لا يريد الحوار، الآخر الآن يريد السّبّ، ويريد الشتم، هم الآن يحاولون عَلْمَنَة الإسلام من الداخل. ما المعنى؟ أي سحب المضمون الإسلامي الذي عليه السَّلَف والخَلَف؛ الثوابت المُتَّفق عليها، وجعل التفسير أو المضمون العلماني هو الموجود والمعترف يه والسائد والمقبول، والآلة الإعلامية تعمل في ذلك. الإسلام لا يخشى النقد أبدًا، ولكن فرق بين النقد وبين السب والشتم والتطاول والتعالي. وينبغي أن نتفق بداية: الدين عِلْم أم ليس بعلم؟ الدين علم له أهله، فينبغي أن يكون الحوار بين أهل التخصص، حتى لا يكون عبثًا، الدخلاء يفسدون في كل شيء، حتى إنهم لما قالوا مصطلح: تطوير الخطاب الديني، كل إنسان ركب هذا المصطلح بفكره، فالدين أو الإسلام لا يخشى النقد، ولكن كما قلت: فرق بين النقد وبين السب والتطاول...إلخ. شاركتم بالعديد من المؤتمرات حول لغة القرآن الكريم، ما مدى خصوصية هذه اللغة؟ وأين يكمن تميزها؟
القرآن تفرد في الأداء الصوتي، سواء على مستوى الفاصلة، وما من شك أن هذا الجانب فيه أمور لم تُناقش في كتب السابقين، على مستوى الحركة قبل مستوى الحرف في المسألة الصوتية قوله تعالى: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ). وانظر إلى توافق الحركتين مع المعنى؛ اتجاه الماء النازل من السماء من أعلى إلى أسفل ألا تراه يتوافق مع حركة الكسرتين (َمَاء مُّنْهَمِرٍ) ؟! في مقابل (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) ألا ترى أن الفتحتين بينهما وبين اتجاه الماء من الأسفل إلى أعلى توافق؟! هذا على مستوى الحركة، أما على مستوى الحرف، فلو تتبعت الحروف المفخَّمة والدلالات التي تعبر عنها؛ دلالات الشدة والقوة والفخامة، حروف الهمس والحروف الضعيفة. لو تأملت الدلالات التي تعبر عنها. مثال النوع الأول: الحروف المفخَّمة؛ القرآن عندما يعبر عن الذين دخلوا النار وعويلهم وقدر التألم والتوجع والأنين منها فيقول: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا) بالطاء، و"يَصْطَرِخُونَ" أساسها من الصراخ من مادة (ص ر خ)، لو جئتها على افتعل فأنت تزيد تاء الافتعال فتكون (اصترخ) بالتاء، لكن التاء حرف مهموس لا يناسب قوة الصراخ والعويل وشدة التألم؛ فاستخدام القرآن الطاء المفخَّمة التي تناسب بصوتها المفخَّم الشديد المستعل القويّ هذا المعنى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا). هذا توافق على مستوى الكلمة والوزن...إلخ.
"التماسك النصي" أو الإحكام والسبك الذي في الآيات بين الكلمات. أنت ترى مثلاً في بداية سورة هود قول الله عز وجل: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) انظر: كتاب أحكمت آياته، ثم قال: ثم فصلت، ثم قال: من لدن، ولم يقل: من عند؛ لأن العندية تتأتى بالأسباب واللدنية لا تجري وفق الأسباب، إنها منحة من الله، ثم انظر إلى قوله تعالى: من لدن حكيم؛ لما قال ربنا: أُحكمت؛ فالإحكام يحتاج إلى حكيم، ولا يسد مسد هذه الكلمة في التماسك والإحكام كلمة أخرى، ولو حتى من داخل القرآن، فلا يصلح: عليم أو بصير أو أي اسم من أسماء الله الحسنى. ولما قال ربنا: ثم فُصلت، قال: من لدن حكيم خبير؛ لأن التفاصيل والدقائق والخبايا والخفايا لا يعلمها إلا الخبير. وتأمل التماسك النصي في القرآن بين بداية السورة وآيات السورة كلها، أعطيك مثالاً: سورة الرحمن: (الرَّحْمَنُ) ولما أخبرهم النبي باسم الرحمن، وكان اسمًا غريبًا عن بيئة العرب، سألوا كما جاء في سورة الفرقان: (وَمَا الرَّحْمَٰنُ) جاءت سورة الرحمن تفسر وتبين وتعرف بالرحمن. (الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الإِنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ... إلخ) فكل آيات السورة تعني أنها مترابطة مع بداية السورة كبيان وتفصيل لهذه الكلمة، وانظر إلى التماسك بين بداية السورة ونهايتها: (الرَّحْمَنُ) في البداية بكل هذه المعاني، وفي النهاية (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ).
أيضًا التماسك بين بداية السورة ونهاية السورة، وأنت ترى في آخر سورة الواقعة (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) السورة التي بعدها هي سورة الحديد أولها: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). فانظر كأنه أمر واستجابة للأمر، هكذا تجد أن القرآن بهذا التماسك على مستوى الحرف الذي ينتظم في كلمة، ومستوى الكلمة الذي ينتظم في آية، ومستوى الآية التي تنتظم في سورة، وعلى مستوى السورة التي تنتظم في القرآن كله. فسبحان مَنْ هذا كلامه.
على مستوى الإحكام الصرفي. يعني القرآن حين يفرق بين جمع وجمع ووزن ووزن، مثلاً (بعُد) و (بعِد)؛ هذا فرق دقيق جدًّا قد لا ينتبه إليه الناس، (أَلَا بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) واحدة بمعنى الهلاك، وواحدة في بعد المسافة. وقد بينت ذلك في كتابي "معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم"، أيضًا القرآن يفرق بين جمع وجمع لمفردة واحدة، فمثلاً كلمة (عين)، القرآن يفرق بين جمع (عين) بالمعنى المعنوي والمعنى الحسي في الجنات، وبين (عين) الجارحة، عضو الباصرة. يقول ربنا (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) انظر إلى هذا الجمع. أما حين يعبر عن عضو الباصرة فيقول: (لَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا) الفرق بين أبرار وبررة، فأبرار هذا للمؤمنين الصالحين في الجنة، أما بررة فتكون للملائكة. وهكذا أنت تجد نمطًا من الإحكام في التعبير، الدقة في التعبير القرآني. (على مستوى الصوت، على مستوى الصرف، على مستوى الجملة، على مستوى الدلالة)؛ هذا باب عظيم جدًّا في القرآن الكريم يمكن أن تجد البحوث اللغوية فيه الجديد؛ لأن القرآن لا ينضب أبدًا عطاؤه في هذا الجانب.








مصطفى يوسف: مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية


رد مع اقتباس