عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
إدارة المجمع
مشرف عام
الصورة الرمزية إدارة المجمع
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,865
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

إدارة المجمع غير موجود حالياً

   

Post

كُتب : [ 06-28-2015 - 11:30 PM ]




وأرسل عضو المجمع، رئيس لجنة الألفاظ والأساليب رأيه فقال:

أيُّ لَهَجَاتِنا العربيَّة المُعاصِرَة أقْرَبُ إلى الفُصحى؟

بقلــــم
أ. د. صادق عبدالله أبو سليمان
أستاذ العلوم اللُّغويَّة في جامعة الأزهر- غزة
عُضو المَجْمَع، ورئيس لَجنة الألفاظ والأساليب فيه
.

سؤالٌ عَنْوَنْتُ به مَقَالتي، وبَيْتُ شِعرٍ أُصَدِّرُها به يَرْمُزُ إلى شيءٍ مِن الجواب:
قال الشَّاعر رشيد أيوب: (بحر البسيط)
كُلٌّ يُغَنِّي على لَيْلَاهُ مِنْ شَغَفٍ *** يَطْوِي السِّنينَ بأحْلامٍ وآمَالِ
وسُؤالٌ ثانٍ يُطرَح في هذا السِّيَاق: أيُّ فُصحى أو فصيحةٍ نَعنِي؟ فُصحى العَرَب القُدَماء في العَصْر الجَاهِلِيّ، أمْ فُصحى القُرْآن، أمْ فُصحى أهْل القَول في العَصْر الإسلامِيّ، أمْ فُصحى العَصْر الأمَوِيّ، وما بَعْدَه مِنْ عُصُورٍ تَصِلُ بِنَا إلى عَصْرنا الحَالِيّ الَّذي رأينا فيه مَنْ طَالَبَ باستِعمال مُصْطَلَحِ الفَصِيحَة لِلدّلالَة على اللُّغة العربيَّة الرَّاقِيَة نِظامًا لُغويًّا بَدَلاً مِنْ صِيغَة اسم التَّفضِيل الَّتي دُرِجَ على استِعمالها، وتَغَنَّى بجمالِها وقواعِدِها المُتَغَنُّون مُنذ كانَ إلى الآن؟
وسؤالٌ ثالِثٌ يُسَاقُ أيضًا: مَن الحَكَمُ العَدْلُ في هذا الموضوع؟
وأسئلةٌ بعدَ تِيكَ تُسَاقُ أيضًا:
***هلْ نحن بحاجةٍ إلى خِلافٍ أو اختِلافٍ جديدٍ نُضِيفُه إلى ما نحنُ فيه مِن وابِلِ الخِلافات؟
***هل نحنُ قادِرون على وَضْع مَعَاييرَ ضابِطةٍ تكونُ أُسُسًا لحُكمٍ عِلْميٍّ موضوعي؟
***هل يُوجد بينَنا رُوَاةٌ سمِعُوا اللُّغَةَ العربيَّةَ الفُصحى "المقصودة" مِن أفْوَاهِ أهلِها الجاهلِيِّين؟
وإذا كُـنّا نُؤمِنُ في أبجَدِيَّات علومِنا اللُّغويَّة أنَّ اللُّغَة بِنتُ السَّمَاع؛ فهل يُمكِنُ أنْ يكونَ الوصفُ لها مُغْنِيًا عَنْ هذا الأساس في الاكتساب؟
وهو وَصْفٌ- كما نعلم نحن اللُّغوِيِّين- مختلَفُ في بعض أجزائه؛ فالجيم مثلاً انفجاريَّة، أو شديدة - بالمُصطلح القديم-، ورِخْوَة بِنَظِيرِه القديم، أو احتكاكية، وقِسْ على الهمزة، والقاف، والضَّاد، والبينية، أو المتوسّطة، أو السيالة، واختلاف التشكيل في بعض مباني الكلمات، وإعرابها تركيبًا...إلخ.
*** أيهما أسهل: رَدُّ اللَّهجات المُعاصِرَة إلى اللَّهجات العربيَّة القديمة، أم رَدُّ بعض ظواهر اللَّهجات العربيَّة المُعاصِرَة إلى ما يُناظِرُها مِن لهجات عربيّةٍ قديمة؟
*** هل نحن قادرون على تجاوُز اختلاف اللَّهجات في محافظاتٍ في الدول العربيَّة مُتعدِّدَة اللَّهجات، والأصول، وأيّ مِنها سيُنتَقَى؟
*** هل نحن قادرون على التَّحقُّق مِن صِحَّةِ كثيرٍ مِمَّن ينتسبُ إلى بيت الرَّسول، أو الأشراف، حتى نَدخُلَ في متاهةِ أي اللَّهجات العربيَّة أقرب إلى الفصحى؟
*** أيّ قُرْبٍ نهدِفُ إليه: هل قُرْبُ خصائِص قواعد اللُّغة الصَّوتيَّة، والصَّرفيَّة والتَّركيبيَّة، والدّلاليّة؟ هل القُرْبُ مِن لُغة البَدْو، أو الحَضَر، أو الرِّيف؟
إنَّني قد أرى أنَّ في اللَّهجات الشَّامِيَّة ما هو قريبٌ إلى الفصحى، وأنَّ لَهْجَة جُمهورِ أهل غزَّة- التي آلَفُها- هي الأقْرَب إلى الفُصحى، ولكِنَّنِي أرى في لهجة الإعلام المِصرِيّ جمالاً، ووضوحًا، وانتشارًا سابقًا لكثيرٍ مِن لُغة الإعلام العربيّ المُعَاصِر، تُؤَهِّلُها عندَ كثيرٍ مِن العَرَب إلى قبولِها لُغةً عربيَّةً فصيحةً لِعصرنا.
وأُنَوِّهُ في هذا السِّياق بمَكانَة لُغة قُريش- الّتي لم يَنْبُغْ فيها شاعرٌ- عند العرب الجاهليّين، ولكن أهلها نَبَغوا في التَّنقُّل تجارةً، وغيرها، وفي القضاء بين القبائل، وهم أهل الكعبة، وسَدَنَتُها، هذا المكان المُقَدَّس الَّذي جلَبَ إليهِ العَرَبَ مِن كلّ القبائل، وسَجَّلَ مآثِرَهم الأدبيَّةَ مُعَلَّقاتٍ، أو مُذْهَبَاتٍ، أو غيرها؛ الأمر الَّذي أهَّلَ لُغتَهم لأنْ تكونَ اللُّغةَ العربيَّة المُشتركة، بل اللُّغة الفصحى التي نَزَل بها القرآن.
أخلُصُ إلى أنَّ الحُكْم على أيِّ اللَّهجات العربيَّة أقرَب إلى الفُصحى القديمة لَهُوَ حُكْمٌ صَعْبٌ يَصْعُبُ الاتِّفاقُ عليه، وقد يُدخِلُ الخوضُ في هذا الموضوع- وإن أنتج بحوثًا لُغويةً عِلْمِيَّةً جَادَّةً- إلى خِلافاتٍ، واختِلافاتٍ قد يُذكِي أُوارَها مَنْ يَكِيدُون بليلٍ لِلعَرَب، وعربيَّتِهم، وعُرُوبَتِهم.
إنَّنا ندْعُو- حِفاظًا على ذاتِنا العربيَّة- إلى صَحْوَةٍ عِلْمِيَّةٍ لُغويةٍ، يُسْهِمُ في إنْجاحِها كلُّ غَيُورٍ على لُغتِه، وعُرُوبَتِه، ونخُصُّ في هذا السِّيَاقِ مَجَامِعَنَا اللُّغوِيَّةَ، ومَجْمَعِيِّيها الأفاضِل إلى تسْخِير أقلامِهم النَّبيلة إلى صِياغَةِ مَباحِثَ، ومقالاتٍ، يَسْعَونَ فيها إلى تقريب اللَّهجاتِ العربية مِن بعضِها، وتقريبِها إلى اللُّغة الفصيحةِ، فإذا مَا تقارَبَت الألْسِنةُ؛ تَقارَبَت القلوبُ مِن بعضها.
إنَّ دِراسةَ اللَّهجاتِ العربيَّة؛ سَعْيًا إلى اختيارِ الذَّائِع منها، وتعديله وَفقَ الصِّياغَةِ العربيَّة السَّليمةِ، وإعْمَامِه بوَسَاطة المُستنِيرين، والحكومات، واستعماله في المُقرَّراتِ التَّعليميَّة، سيُشَكِّل إحدى الوسائلِ المُهِمَّةِ في إذاعَة ألفاظِ اللُّغةِ الفصيحة، وتراكيبها على الألسنة. فكُلنا قد لمَسَ ما لانتشار التعليمِ مِن أثرٍ في هزيمةِ الأُمِّيَّةِ في وطنِنا العربيّ؛ الأمر الذي نَتَج عنْه إذاعةُ كثيرٍ مِن الألفاظ، والتراكيب الفصيحةِ في لغةِ الحياة العامّة، وإحلالُ كلماتٍ عربيةٍ بدلاً من كلماتٍ أجنبيةٍ، كما في كلمات: ( قِطار أو قطْر، جواز سفر، صيدليّة، طبيب، سيّارة إسعاف، سيّارة، مُمَرِّضة، مَشْفى أو مُسْتَشْفَى، مَخْزَن، ضَرْبَة رُكنِيّة، حارِس مَرْمَى، الدِّفاع، المُبَارَاة، كُرة السَّلَّة) بدلاً مِن ( اِتْرين، بزبورت، فرمشية أو أچزجانة، دكتور، أمبلانس، أوتُمبيل، نارسة، اصبيطار، هنـچر، كورنر، چول كيبر، الدِّفِنس، المَتْش، باسكت بول...إلخ).
لماذا لا نُعالِج مشكلات مُزاحمة اللُّغات الأجنبية لِعربيّتِنا: لُغةِ القرآن، وذلك باتخاذها في بعض دول الوطن العربي لغات رسميّة، يبدأ الطِّفل بدراستها في كلّ المقرَّرات ما عدا مقرَّر اللُّغة العربيَّة الذي سيُصبح بلا جدوى في ظلِّ عدم العناية بإفرازاته في المقررات الأخرى.
إننا ندعو جامعةَ الدُّول العربية، وحُكَّامَنا الغُـيُر على شرف عروبتنا؛ إلى التدَخُّل، وإقناع ذوي السُّلطة في تلك البلاد لاتِّخاذ القرار الحكيم في العودة بلسان أبنائهم إلى حضن اللِّسان العربيّ الجامع موحّدهم، أو مقرّبهم من أقرانهم في بلاد العرب الأخرى.
إنَّ غَضَّ الطَّرْفِ عن معالجة هذه الظاهرة سيُسهِم زيادةَ الفرقة بين أبناء العربيَّة، وجعلهم تبعًا لغيرهم، وإنَّ الحكمةَ تكمُن في تحصين اللِّسان العربيّ مِن كلِّ ما يُحرِّفُه عن خصائص العربيَّة الفُصحى؛ الأمر الذي أراه سيُسهِمُ في إنشاء" قُوّةِ دفاعٍ لُغويةٍ عربيةٍ مشتركةٍ" تدافع عن العرب، ولسانهم الموحِّد لهم.
ولله درُّ شاعرنا الفلسطيني إبراهيم طوقان حين قال: (بحر الطويل)
إذا لغةٌ عَزَّتْ- وَلَوْ ضِيمَ أهلُها فقدْ أوشكَ استقلالُهُمْ أنْ يُوَطَّـدا
وكذلك شاعرنا الشهيد عبد الرَّحيم محمود( 13 يوليو 1948م) الذي تنبَّهَ إلى خطر إهمال اللُّغة العربيَّة، وحذَّرَ مِن انتِشار الدَّخيل فيها، فنراه يربط قوَّة الشعب بسلامة الوطن ولسان أبنائه، قال: (بحر الكامل)
والشعبُ إنْ سَلِمَتْ له أوطانُـهُ *** ولسانُهُ لمْ يَخْشَ قَطْعَ الهـــام
وقلتُ في هذا السياق: ( بحر الطويل)

إذا ضَيَّعَ الأبناءُ لِسْنَ جدودِهِمْ *** فَإِنَّهُمُ بينَ الأنامِ تَفَرَّعوا
وهاموا على وجْهٍ ذليلٍ صفاتُهُ *** هَوانٌ وإخفاقٌ وأمجادَ ضَيَّعوا

إن ما يتوجب علينا في سياق تنقية لغتنا العربية من الدَّخيل أن نُعنى بلغة الشارع العربيّ، فنستفيد من إنتاج أبنائه في تعريب الدَّخيل في مُختلِفِ مجالاتِ الحياة، وتكييفه ومتطلبات الصياغة العربيَّة الفصيحة.
ألا هلْ بلَّغْتُ، اللَّهم فاشْهَدْ.


رد مع اقتباس