عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرف

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 5,230
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي موقف النحاة من الشعر المولد.. بشار بن بُرد أنموذجًا

كُتب : [ 05-29-2019 - 04:07 PM ]


موقف النحاة من الشعر المولد

بشار بن بُرد أنموذجًا








يزن عنكه





مقدمة:

كانت اللغةُ العربية لسانَ قومٍ يُعبِّرون بها عن حاجاتهم، مَلَكة في نفوسهم وأذهانهم، لا يتكلَّفون لفهمها، ولا يعجِزون لذلك، فلمَّا أنزل الله كتابه بلسانٍ عربيٍّ مُبين تحدَّاهم بفصاحته، كما قال ربُّنا جل وعلا: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 23]، وأنزل مؤكدًا فصاحة كتابه، وأنه مركَّب من حروفهم وألفاظهم التي يتكلمون بها: ﴿ الم ﴾ [البقرة: 1]، وغيرها من الحروف المقطَّعة.



وقضى الله للحق أن يَغلب، ففُتِحَت البلدان والأمصار بالبرهان والسنان، فاختلطت الألسُن والأنساب، وفشا اللحن في كلام العرب، وكان واجبًا على المسلمين تدبُّر كتاب الله، وعلى العلماء بيان معانيه وألفاظه، فاحتاطوا في جَمْع الكلام الفصيح الذي لم يشبْهُ اللحن احتياطًا بالغًا لكتاب الله؛ لئلا يُفسَّر كتاب الله على غير مراميه، فقد نزل بلغة الأوَّلين؛ لا المولدين.



وقد بيَّن الفارابي في كتابه "الألفاظ والحروف" الذي يُعَدُّ أقدم كتاب بحَثَ مسألة الاحتجاج فيما وصلنا من الكتب؛ مسألة الاحتجاج واللحن، وتعاقب العلماء على بيان ذلك مستشهدين بكلامه، وما وجد منثورًا في بطون الكتب من روايات عن أئمة متقدِّمين.



يقول الفارابي: "ولما كان سكان البرية في بيوت الشَّعر أو الصوف والخيام والأحسية من كل أمة أجفى وأبعد من أن يتركوا ما قد تمكن بالعادة فيهم، وأحرى أن يحصنوا نفوسهم عن تخيل حروف سائر الأمم وألفاظهم وألسنتهم عن النطق بها، وأحرى ألَّا يُخالطهم غيرُهم من الأمم؛ للتوحُّش والجفاء الذي فيهم، وكان سكان القرى والمدن وبيوت المدر منهم أطبع، وكانت نفوسهم أشدَّ انقيادًا لتفهُّم ما لم يتعوَّدوه ولتصوره وتخيله، وألسنتهم للنطق بما لم يتعوَّدوه - كان من الأفضل أنْ تُؤخَذ لغات الأُمَم عن سكان البراري منهم متى كانت الأمم فيهم هاتان الطائفتان، ويتحرَّى منهم من كان في أوسط بلادهم..." [1] إلى آخر كلامه.



طبقات الشعر:

فاضَلَ العلماء بين الأشعار ابتداء من أقدم النصوص الشعرية التي وصلتنا، فالتفاضل الشعري وتقسيمه إلى طبقات، قديم منثور في بطون الكتب القديمة عن أئمة الشأن، وقد اتفق العلماء في تقسيمهم على طبقات ثلاث، واختلفوا في تفصيلها، والتفريع منها[2]:

الطبقة الأولى: الشعر الجاهلي؛ وهو شعر الشعراء الذين عاشوا قبل الإسلام ولم يدركوه.



الطبقة الثانية: ويشمل الشعر المخضرم؛ وهو شعر الشعراء الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ويشمل الإسلامي أيضًا، وهو شعر الشعراء الذين عاشوا في العصر الإسلامي إلى منتصف القرن الثاني الهجري.



الطبقة الثالثة: الشعر المولد؛ وهم الشعراء الذين ولدوا بعد عصر الاحتجاج والتدوين.



أما الطبقة الأولى والثانية فيحتجُّ بشعرهما إجماعًا، كما نصَّ البغدادي في الخزانة[3] والسيوطي[4] في كتبه وغيرهما.



أما الثالثة فالعلماء لا يحتجُّون بشعرهم إجمالًا؛ وإنما اختلفوا في بعض الشعراء؛ لفصاحتهم وقوة لسانهم حتى إنه لا يُعرَف مخالف لقول الأصمعي والإمام أحمد في قولهما: "قول الشافعي حُجَّة"[5] مع أنه عاش متأخِّرًا عن عصر الاحتجاج.



ولعلَّ سبب وقوعهم في هذا، هو تحديد زمان مُعيَّن للاحتجاج مع إمكانية وجود كلام فصيح، وشعر ليس فيه لحن بعد الزمن المحدَّد، كما هو الحال مع الشافعي وغيره؛ لكن الاحتياط يسدُّ ذريعة تفسير القرآن بكلامٍ غير عربي.



نماذج من احتجاج العلماء بشعر المولدين:

• احتجَّ أبو علي الفارسي في كون جملة كان خبرًا لمبتدأ ببيت أبي تمام:

مَنْ كان مرعى عزمِهِ وهمومِه *** روضُ الأماني لم يزل مهزولا[6]



واختلف العلماء في تعليل ذلك؛ فقيل: لأن عضد الدولة كان يحب ذلك البيت[7]، وقيل: لمكانة أبي تمام في الأدب واللغة [8].

• واحتجَّ الزمخشري في الكشاف على لزوم الفعل "أظلم" ببيت أبي تمام:

هما أظلما حاليَّ ثُمَّتَ أجليا *** ظلامَيْهما عن وَجْهِ أمْرَدَ أشْيَبِ



وقال عقَّب إيراده البيت: وهو وإن كان محدثًا، لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه[9].



الاحتجاج بالمعاني من شعر المولدين:

روى الأئمة عن الأندلسي في شرح بديعة رفيقه ابن جابر قوله: "علوم الأدب ستة: اللغة، والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع.. قال: فالثلاثة الأوَل لا يُستشهد عليها إلا بكلام العرب نظمًا ونثرًا؛ لأن المعتبر فيها ضبط ألفاظهم، والعلوم الثلاثة الأخيرة يُستشهد عليها بكلام العرب وغيرهم؛ إذ هو أمر راجع إلى العقل؛ ولذلك قُبِل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري، وأبي تمام، وأبي الطيب، وأبي العلاء، وهلم جرًّا "[10].



وما ذكره الأندلسي قد استفاض عن أئمة هذا الشأن المتقدمين منهم والمتأخرين، كما سيرد بعض ذلك في تفضيلهم لشعر بشَّار على بعض الجاهليين.



بشَّار بن برد[11]:

هو بشَّار بن بُرْد بن يرجوخ؛ قال غيلان الشعوبي: "وكان يرجوخ من سَبْي المهلَّب بن أبي صُفْرة" [12]،



ويُكنَّى بشَّار بأبي مُعاذ، ويُلقَّب بالْمُرَعَّث؛ لاسترسال جيوب قميصه وتدلِّيها، كما قال أبو عبيد القاسم بن سلام، وقيل لقوله:

قالَ ريمٌ مُرَعَّثٌ
ساحِرُ الطَّرْفِ والنَّظَرْ..
أنْتَ إنْ رُمْتَ وَصْلَنا
فانْجُ هل تُدرِكُ القَمَرْ[13]


وقد ولد بشَّار أعمى، فما نظر إلى الدنيا قطُّ؛ لكن مع ذلك كان يُشبِّه الأشياء ببعضها في شعره بما لا يقدر البُصَراء أن يأتوا بمثله، كما يقول الأصمعي، كما في قوله:

كأنَّ مثارَ النَّقْعِ فوقَ رُؤوسِنا *** وأسيافنا ليلٌ تهاوَى كواكِبُه[14]



وقد أكثر الأصمعي من الاحتفاء بشعره وتفضيله على أهل زمانه وغيرهم حتى قال فيه: بشَّار خاتمة الشعراء، والله لولا أنَّ أيَّامه تأخَّرَتْ لفضَّلْتُه على كثير منهم[15].



وروى أبو حاتم عن الأصمعي قوله: كان الأصمعي يُشبِّه بشَّارًا بالأعشى والنابغة الذبياني[16].



وقد قال بعض الرُّواة لأبي عمرو بن العلاء: مَنْ أبدعُ الناسِ بَيْتًا؟

قال: الذي يقول:

لم يطُلْ ليلي ولكِنْ لمْ أنَمْ
ونفى عنِّي الكَرَى طيفٌ ألمَّ
روِّحي عنِّي قليلًا واعلمِي
أنني يا عبدَ من لحمٍ ودم


قال: فمَنْ أمْدَحُ الناس؟

قال: الذي يقول:

لمستُ بكفِّي كفَّه أبتغي الغنى
ولم أدْرِ أنَّ الجود من كفِّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى
أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي...
وهذه الأبيات كلها لبشَّار[17].

وقال أبو عبيدة: ميمية بشَّار أحَبُّ إليَّ من ميميَّتي جرير والفرزدق، وهي التي يقول في مطلعها:

أبا جعفر ما طول عيشي بدائم *** ولا سالم عما قليل بسالم[18]



وقال بشَّار عن نفسه: لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت واحد حيث يقول:

كأنَّ قُلوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا *** لدى وكرها العُنَّابُ والحشَفُ البالي


أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين حتى قلت:

كأنَّ مثارَ النَّقْعِ فوقَ رُؤوسنا *** وأسيافنا ليلٌ تهاوَى كواكِبُه[19]





رد مع اقتباس