عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 8,700
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 04-21-2019 - 08:11 AM ]


سادساً: اللسانيات التوليدية التحويلية أو نظرية تشومسكي، ومثالها رسالة "مايكل بريم" : التشكيل الصوتي للعربية.
وهي رسالة منسوقة على نسق كتاب تشومسكي وهاله: النمط الصوتي للإنجليزية. وأما كتاب "نظرية تشومسكي في النحو الكوني" فيعرض فيه ذكر العربية في موضعين وذلك في سياق الكلام على نظرية الربط والعامل، وأحد هذين المثالين في الجملة الفعلية وعود الضمير، والثاني في الجملة الاسمية والإشارة إلى خلو العربية من فعل الكينونة خلافاً للإنجليزية.
سابعاً: اللسانيات الحاسوبية، ومثالها كتاب " جون لولير" و" هيلن أرِستر" : استخدام الحاسوب في اللسانيات.
وقد ورد ذكر العربية فيه في مواضع ثلاثة حسب، هي( 76):
- ذكر الحرف العربي إلى جانب الحرف اللاتيني وهو أمر متعارف.
- ما يستشعرونه من كثرة المعايير التي يقتضيها شكل العربية (المكتوبة غير المشكولة) غالباَ.
- اتخاذ مثال من العربية لتعليم اللغة بالحاسوب.

ثامناً: اللسانيات العامة، ومثالها كتاب "أدريان أكمجيان ورتشارد ديميز" : مقدمة في اللغة والاتصال.
ويعرض ذكر العربية هنا في مواردَ ثلاثةٍ في باب " التغير اللغوي"، وهي إشارات عابرة لا تحتفل بالعربية كثيراً، وإن كانت آخرها تقرن العربية بالعبرية في إطار الحديث عن نُظُم الكتابة السامية المبكرة مكتفياً بالإشارة إلى أنها كانت مقطعية ولكنها لا تمثل الصوائت.

وهكذا تتشكل لدينا صورة العربية في مرآة اللسانيين الأمريكيين على نحو جلي وواضح، ولعل أهم ملامح هذه الصورة تكون في:
- اقتران العربية بالعبرية في غيرِ موضع؛ إذ وردت العربية في مواضعَ متفرقةً كأنما هي تابعة للعبرية.
- اتخاذ اللهجات العربية المتعددة ( المصرية والمغربية على نحو خاص) مجالاً للتطبيقات اللسانية.
- التركيز على الجانب الصوتي دون الجوانب الأخرى.
- الحديث عن العربية في إطار اللغات السامية.
- كثيراً ما تعرض العربية في إطار الحديث عن الاقتراض اللغوي؛ إذ يعتنون بأثر العربية (الإسلامية ) في اللغات الأخرى.
فإذا ما انتهى د.نهاد من تبيان ملامح كل صورة على نحو منفرد، توقف عند استبطان الخطاب اللساني الأمريكي في عمومه، بما يكشف عن البنى الفكرية التي وجهته. يقول:" ولكن اعتبارنا اللسانياتِ علماً إنسانياً ينطوي على ملحظين يَحْسُنُ أن نقيم فرقاً واضحاً بينهما؛ لأنهما يتلابسان في أعمال القوم. وذلك أن للسانيات عندهم وجهاً علمياً حين يتناول حقيقة الظاهرة اللغوية في العربية وصفتها، إلا أنه ينحاز إلى مرجعه الثقافي حين يعرض للعربية في اقترانها " بالآخر" العربي أو الإسلامي". ص82
ولعله من هذا القبيل أن يصف بلومفيلد المسلمين بالمحمديين، ولعله من القبيل نفسه انحيازه حين يَرُدُّ الفضل في أخذ الأوروبيين فكرة (الجذر) إلى اليهود وهو الذي أَنْبَهَ على أن العرب هم أصحابها. ولعل هذا يكون العامل الرئيس في تحامل اللسانيين الاجتماعيين على الموقف العربي المحافظ، واحتفائهم بأتاتورك وتحوله عن الحرف العربي.
ومثلما حملت الانحيازات الثقافية هؤلاء على التحامل على العربية فإن منهج تشومسكي الفكري ورؤاه الإنسانية( وهو اليهودي) حملته على إنصاف العربية وأهلها. يقول د. نهاد: "ولعله جديراً باحتفاء خاص هنا أن تشومسكي بنظريته اللسانية ينسجم مع موقفه السياسي، وأن نظريته وموقفه ينتصفان للعربية والعرب؛ إذ إن نظريته العقلية ترى البشر جميعاً سواء بما رُكِّب فيهم بالفطرة من القدرة على اكتساب أية لغة. وإذن ينقض فرضية وورف_سابير (الأنثروبولوجية) ودعواهما أن اللغة التي يتكلمها المرء( حتى بمعزل عن المحيط الثقافي الذي يقيم فيه) تحدد طريقة تفكيره، وأن بنية اللغة نفسها ترسم حدود الإدراك، وإذن تقيم هذه الفرضية تمايزاً فكرياً بين بني البشر على أساس من تمايز لغاتهم" ص72

- منهج الكتاب:
ينبئ الكتاب عن منهج علمي مضبوط يتمثل القضية المطروحة من جوانبها المتعددة، وهو، وإن جرى على المتعارف، إلا أنه ينفرد بسمات منهجية تَسِمُ أعمال المؤلف كلها. ويتمثل منهجه العلمي في الوجوه التالية:
أولاً: تحديد قصد الكتاب وبيان أسئلته المباشرة. وهذا منهج سائد لديه؛ أن يضع القارئ في صورة القضية التي يناقشها منذ البدء، دون أن يعنِّي القارئ بمقدمة غائمة عائمة؛ فهو يجعل هذه الأسئلة تقوم مقام المقدمة، ولعل هذا يوجه القارئ منذ البدء، كي يعرف ما يريده الكاتب منه، وكي يعرف مضمون الرسالة التي يريد إيصالها. وفي هذا الكتاب نجده يحدد سؤاله العام : ما صورة العربية في اللسانيات الأمريكية؟ وهو السؤال المحوري الذي يتفرع إلى أسئلة أصغر تقصد، في النهاية، إلى الإجابة عنه.
ثانياً: ضبط المصطلح؛ إذ يتكئ الكتاب على صدق علمي كبير يتمثل في ضبط المصطلح العلمي المستخدم، فهو يتناول المصطلح بالشرح والضبط ومسوغات الاستعمال، ويجلو ما قد يعرض من لبس نابع من تداخل المصطلحات وفوضاها. ولعل مصطلح "اللسانيات"، وهو محور عريض في الكتاب، أظهر مثال على ذلك؛ إذ تراه يدل على تعدد المقابِلات الاصطلاحية العربية له، منتهياً إلى أن سيرورته في الاستعمال هي التي مكَّنت له في لغة اللسانيين العرب، فصار "المصطلح" مصطلحاً عليه بهذه التسمية.(ص 29)
ولعله مما يقع في هذا الباب احتراسه الشديد من اللبس ومزالق التعميم؛ فتراه حريصاً على تحديد مجال بحثه في الكتب الأمهات في اللسانيات الأمريكية، مُخْرِجاً من ذلك المقالات التعريفية القصيرة المنشورة على الشبكة.
ثالثاً: الموضوعية والإنصاف. ومن أمثلة ذلك أنه يناقش آراء (ألين كاي) في الازدواجية في اللغة العربية، وينتهي من ذلك إلى أنه غالى كثيراً في إقامة الفروق بين العامية والفصحى، لكن ذلك لم يمنعه من إنصافه بقوله: " لكن من الإنصاف القول إنه تطالعنا في العرض من حين لآخر ملحوظات وآراء خاصة يبديها الباحث ويصدر فيها عن اشتغاله بالعربية وملابسته للناطقين بها" (ص59).
رابعاً: التسلسل الموضوعي. فهو يبدأ بموضوعات تمثل مقدمات كلية وتوطئة للموضوع الرئيس، وهو بذلك يضع القضية المطروحة في سياقها التاريخي والثقافي والاجتماعي واللغوي. ومن هذه المقدمات: أسئلة الكتاب، ومنشأ سؤال الكتاب في بعده التاريخي، والدراسة المناظرة في الموضوع نفسه (الدراسة السابقة)، ولماذا اللسانيات الأمريكية؟.........فإذا ما استنفد هذه المقدمات وصارت صورة الموضوع واضحة، انتقل إلى الموضوع الرئيسيّ الثاني وهو موارد العربية في كتب " اللسانيين الأمريكيين الأفراد" : بلومفيلد وسابير وهياكاوا وزليج هاريس، وقد وصفهم بالرواد لأنهم يمثلون بواكير الحركة اللسانية الأمريكية. ولعله أفردهم بالذكر على نحو شخصي لأنهم لم يكونوا يمثلون مدارس لسانية مستقرة الأعراف والأنظار. فإذا ما فرغ من هؤلاء "اللسانيين الأفراد" انتقل إلى المدارس والاتجاهات اللسانية الأمريكية عموماً؛ فتراه يتخذ على كل مدرسة أو اتجاه مثالاً واحداً حسب مسوغاً انتقاءه ذاك الكتاب، ومن أمثلة ذلك:
- العربية في اللسانيات التاريخية. ومثاله: كتاب "ونفريد ليمان" اللسانيات التاريخية. (ص55)
- العربية في اللسانيات الكلاسيكية_ الاستشراقية. ومثاله: كتاب "ألين كاي" لغات العالم الرئيسة.(ص57).
- العربية في اللسانيات الأنثروبولوجية. ومثاله: كتاب " وليم فولي" اللسانيات الأنثروبولوجية.(61).
......................إلخ.
فإذا فرغ من هذا الاستعراض الشامل وصل إلى مُستصفى الموضوع، وهو تحليل الخطاب اللساني الأمريكي في صورته العلمية والثقافية حين تناول اللغة العربية. أما منتهى الكتاب فتأميل أن ترقى الدراسات اللسانية العربية من الاستهلاك إلى الإنتاج، ولا سيما في سياق الأطروحات الجامعية التي يقدمها الطلبة العرب.

- خامساً: الاتساق المنهجي. وأبرز أدلته انتقاء مثال واحد للمؤلف أو مؤَلَّف واحد في كل مدرسة أو اتجاه.

- سادساً: تحقيق الأسماء ( الأعلام والكتب)؛ فهو يحقق اسم المؤلِّف بالحرف العربي والحرف اللاتيني، تَوَثُّقاً من أن الحرف العربي قد لا يدل على هيئة النطق على الوجه المعروف بالإنجليزية. ومِثْلَ ذلك فعل بأسماء الكتب وترجماتها العربية.

سابعا: ضبط لغة الكتاب وإحكام طباعته.
وهذا الكتاب مسبوك ومصوغ بلغة رائقة شديدة الضبط محكمة البناء، الألفاظ على قدر المعاني بلا زيادة ولا نقصان، فلا ترى جملة زائدة ولا عبارة مُقْحَمَة، وهذا ما يجعل مهمة من يتصدى لعرض الكتاب صعبة؛ إذ يصعب تكثيف نصٍّ ولد في أصله مكثفاً. ويزيد من دقة النص ضبط المواضع التي قد تشكل على القارئ أو تجعل الوظائف النحوية تلتبس إحداها بالأخرى. ومن تمام هذا الضبط إحكام الطباعة وتبرئتها من الأخطاء الفاقعة التي باتت تميز كثيراً من المطبوعات العربية، على أن الكمال المنشود في هذا " الفن" غاية بعيدة وإن تحرينا تدقيق النص مرة تلو الأخرى.


وصفوة القول أن هذا الكتاب يمثل جهداً فريداً في تحليل الخطاب اللساني الأمريكي الذي تناول العربية منذ نشأة اللسانيات الحديثة، وهو يمثل أساساً مكيناً للدراسات اللسانية الثقافية التقابلية التي تتناول " صورة اللغة عند الآخرين" من منظور النقد الثقافي المقارن. ولعل هذا يكون حافزاً للدكتور نهاد أن يمضي في استجلاء صورة العربية في اللسانيات الأمريكية الجديدة، أو لسانيات ما بعد الحادي عشر من أيلول ومضاهاتها كمّا ومنهجاً ومضموناً بصورتها العربية التي أبرزها في هذا الكتاب، ولعله يختط بذلك منهجاً في الدرس اللساني العربي يستبطن الأنظار اللسانية المنطوية على رؤى سياسية وأمنية خالصة.

رد مع اقتباس