عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 10,096
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 09-16-2019 - 09:16 AM ]


وحتَّى يُمكِن للسوق العربي أن يَفرِض ذاته في ساحة النشْر العالميَّة، يَنبغي أن تَخِفَّ المؤسَّسات التعليميَّة الجامعيَّة إلى توقيع اتفاقيات مع دور نشْرٍ علميَّة مُتخصِّصة لإدراج اللغة العربية ضمن قوائم اللغات المُترجَم إليها، وكذلك إصدار طبعة عربية مِن مجلاتها الدورية، على أنْ تتعهَّد هذه المؤسَّسات بتقديم الأكْفاء مِن أبناء الوطن؛ لِيَكونوا مِن ضِمن فريق العمل الذي يَقوم بأعمال الترجمة الصَّحيحة السَّليمَة، وبذا ستَجد أفضَل المُقرَّرات العالَميَّة والكتُب العِلميَّة طَريقها إلى جامِعاتنا في الوقْت ذاته الذي تَطرَحه المُجتمَعات المُتقدِّمة.



وسيَكون شُيوع المُحتوى العربي للمَعرفة مُقدِّمةً لنِتاج عِلميٍّ عرَبيٍّ، تَنشَط على إثْره حرَكة التأليف بالعربيَّة بسَواعد أبناء الأمَّة، فيُصبِح مؤشِّرًا على عَودة الإسهام المعرفي العربي في الحَضارة الإنسانية.



ب- مُشكِلة المُصطَلح:

على الرغْم مِن جُهود مَكتب تنسيق التعريب، وجهود اتِّحاد المَجامع العربية في توحيد المُصطَلحات؛ إلا أنَّ المُشكلة ما زالتْ قائمةً، وأسباب ذلك تعود لاختِلاف مَصدَر المُصطَلح أو تَنوُّع المُترجِمين؛ مما يؤدي إلى اختلافٍ في تَرجمتِه، ويُضاف إلى ذلك البُطء الشديد في الترجمة والتعريب؛ فقد ذكر أحد المُهتمِّين أنَّ ما يُطرَح في العالم (7300) مُصطلح سنويًّا - بمُعدَّل 20 مُصطلَحًا يوميًّا - فيما يُعرَّب (2500) مُصطلح، فيَبقى قرابة (5000) في قائمة الانتِظار.



ومَهما يَكنْ مِن أمرِ توحيد المُصطَلح أو تَعريبه، فلا يُمكِن أن يكون مانِعًا للتَّعريب؛ ففي دراسة إحصائية حول نِسبة المُصطَلحات في الكُتب العلميَّة، ظهَر أنها لا تزيد على 3%، والباقي لا يَعدو كونه كلامًا إنشائيًّا، فهل يُعقَل أن نُوقِف التَّعريب لهذا السبب؟! وللتَّوفيق بين الأمرَين؛ لا ضَير في الإبقاء على المُصطَلح الأجنَبيِّ في الكتاب العربي كما هو، إلى حين تَرجمتِه وإقراره.



جـ- مشكلة المدرس الجامعي:

يَبدو أنَّ غالبيَّة أعضاء هيئة التدريس في الكليات العِلميَّة في الجامعات العربيَّة ممَّن درَس في دول أجنبية، أو درس العِلم بلُغة أجنبيَّة، وفي كلا الحالتَين تجد قِلَّةً منهم يُجيدون اللغة العربية للتدريس بها؛ ولذا يَلجؤون إلى التدريس بالعامِّية العربية مع التَّطعيم بالأجنبيَّة، مع اختِلافٍ في كفاءتهم بها؛ مما يُحدِث فجْوةً عِلميَّةِ العمَليَّة التعليميَّة، وقد أكَّد 75% مِن أعضاء هيئة التدريس بكلية الهندسة بجامعة الملك سعود تَفضيلهم تدريس العلوم الهندسيَّة باللغة العربية، فيما أكَّد 85% منهم إمكانية التدريس بالعربية في حال توفَّرت المراجع والمُقرَّرات بالعربيَّة، وهي حَماسة لا يَنبغي إغفالها مِن فئة اتُّهمتْ بالضَّعف والعجز عن تدريس العلوم بلُغتِها.



د- الضَّعف والتشتُّت في الترجمة والتعريب في الوطن العربيِّ:

يُعاب على الأمَّة العربية قِلَّةُ الترجمة ومَحدوديَّتُها أمام نماذج دوليَّة؛ ففي إحصائيَّة حَول التَّرجمة في العالم، تبيَّن أنَّ اللغة العربية تحتلُّ المرتبة (18) عالميًّا بترجمة (325) كتابًا سنويًّا؛ أيْ: ما يُعادِل (1.2) كتاب لكلِّ مليون، فيما نصيب الكيان الصهيوني (100) كتاب لكل مليون، وأما إسبانيا، فالنسبة (250) كتابًا لكل مليون، وشتَّان ما بين هذه الأرقام.



ويَزيد الأمر عَجزًا ودهْشةً إذا ما عرفنا أنَّ غالبيَّة الكُتب المترجمة تَحمِل طابعًا أدبيًّا أو اجتماعيًّا، فيما لم تتعدَّ نِسبة الكُتب العِلميَّة 14%.



ويردُّ بعض الباحِثين الأمرَ إلى قِلَّة الدَّعم المادِّي وعَدمِ وفْرَتِه؛ فالتَّعريب بحاجة إلى دعمٍ مادِّيٍّ كبير يَتجاوز إمكانيات البلد الواحد، ويَعتقِدون بضَرورة أن تتبنَّى مشروعَ التعريب عربيًّا جهةٌ مركزيَّة قويَّة على صعيد الوطن العربي، لها إمكانيات ضَخمة مُتوفِّرة، ويَذهَب آخَرون إلى أنَّ تَنسيقَ التَّعريب أمرٌ مِحوَريٌّ مانِع مِن بَعثرة الجُهود؛ فلا تَتكرَّر ترجمة الكِتاب الواحِد، أو تتعدَّد تَسمِيَة المُصطَلح.



ومما لا شكَّ فيه أنَّ هذه العوائق لا تَعدو أنْ تكون تَفصيلات فنِّيَّة إجرائيَّة، لا تَمسُّ جَوهر القضيَّة الذي يَتركز في أهمِّية القرار السياسي، الذي - وحده - يُذلِّل العقَبات، ويَدفع مَسيرة التعريب، فيَخلُق الهيئات التنفيذية لذلك، ويَجعل تعريب العلوم وتطويرها خيارًا إستراتيجيًّا ضِمنَ خُطَطه الإستراتيجية؛ السياسية والاقتصادية والمَعرفيَّة.



وللتدليل على أنَّ القرار السياسي هو القول الفصْلُ في التعريب، أَذكُر قصَّة الزعيم (هوشى مينه) الذي أمَر بالفتْنَمة الشامِلة، وإحلالها بدلاً مِن الفرنسية التي هَيمنَتْ على المجتمع الفيتْنامي أكثر مِن ثَمانين سنةً، غير أنَّ أساتذة كلية الطب رأوا استِحالة تحقُّق هذا الأمر؛ لأنَّ فَتنمَة الدِّراسات الطبية - بزعْمِهم - عمَلية مُستحيلة؛ لجهلِ أساتذة كلية الطبِّ وطلَبَتِها باللغة الفيتنامية، فطلبوا منه في مُقابلةٍ شَخصيَّةٍ العُدولَ عن قَراره أو استثناء كلية الطب مِن الفَتنَمة، فما كان مِن القائد الفيتناميِّ الذي أصغى لهم لساعات، إلا أنْ حسَم المُقابَلة قائلاً لهم: "يُسمَح لكم بالتدريس باللغة الفرنسية بصورة استثنائية هذه السنَة فقط، مع ضرورة تعلُّمكم وطلبتكم اللغة الفيتنامية الوطنيَّة خِلال أَشهُر الدِّراسة التِّسعة، على أن تُجرى الامتحانات في سائر المستويات في نهاية السنَة باللغة الفيتناميَّة، ثم تُستأنَف الدِّراسة في السنة المقبلة باللغة الفيتنامية".



5- تَجارب الأمم في التدريس بلُغَتها:

قرَّ في أذهان الفرنسيين أنْ لا كيان للشخصيَّة الفرنسية إلا بتَمثُّل اللغة القوميَّة ومَعرفتها؛ ولذا تجدهم أكثر الدول حرصًا على لُغتِهم، فلا يدَّخرون في سبيلها وسعًا؛ ولذلك يَعدُّ وزير الثقافة الفرنسي نفْسَه أهمَّ وزير فرنسي؛ لأنه المسؤول الأول عن أهمِّ الصادِرات الفرنسية، وهي اللغة والثقافة والعلوم، وكان التعليم العالي واحِدًا مِن المَنظومات التي جهدت ألا يَدخلها تأثير خارجيٌّ أو لُغة دخيلة.



ولم تكن أغلب الدول الأوروبية مِن مثل ألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، واليونان، وتركية، وفنلندا، وحتَّى شُعوب أوروبا الشرقية - بأقلَّ اهتِمامًا مِن فرنسا؛ فجميع هذه الدول تَدرُس الطبَّ وسائر العلوم التطبيقية بلغاتها الأمِّ.



وكذا فعلتْ بعض الدول الطامِحة للتقدُّم في شرق آسيا، وأما الصِّين فلم تَقف اللغة الصينيَّة - التي تُعدُّ مِن اللغات التصويرية البدائية بعدد حُروفها الذي يزيد على سبعة وأربعين ألف حَرفٍ، منها ثلاثة آلاف حَرف على الأقلِّ واجِب مَعرفتها؛ ليُمكِن التعامُل باللغة الصينيَّة - عائقًا أمام تعليم كافَّة العلوم بها، ولم يَتعذَّر أهلُها بصعوبتها، أو عدم قدرتها على الوفاء بعلوم العصْر ومُصطَلحاته.



ولعلَّ تجربة دولة الكيان الصهيوني في تدريس جميع العلوم، بما فيها الحاسِب، والهندسة، والطب، باللغة العِبريَّة - أمرٌ يَستحِقُّ الاهتمام والدِّراسة؛ فبعد أن كانت هذه اللغة جثَّةً هامِدةً لأكثر مِن ألفي سنة، إلا أنهم أحيَوها حتَّى غدتْ لغة العلوم عِندَهم منذ أمَدٍ بعيد، والأغرَب مِن ذلك أنَّ مَن بعثها لا يَعدو أن يكون فردًا واحدًا آمَنَ بأهميَّة اللغة العِبرية لخلْق دولته، فبدأ بنفْسِه وعلَّم زوجته أصول اللغة، ثم كان ولدهما أول مولود يتعلَّم العِبريَّة ويتحدَّث بها دون سواها، ثم شرَع يَفتح رياض الأطفال؛ ليدرس النشء بها، وقد واجَهَه مِن الصعوبات الكثير، منها ندرة وجود الكتب العِبريَّة، وكذلك قِلَّة وجود المُدرِّسين المؤهَّلين لتعليمها، وبعض الصعوبات المالية، ومِن غريب الاتِّفاق أنها ذات العقَبات التي يتذرَّع بها بنو يَعرُبَ اليوم، غير أنَّ ذلك لم يَفُتَّ في عَضُدِ الرجل، بل عَمل بجهد وإخلاص، حتَّى وصلت العِبريَّة إلى ما هي عليه اليوم.



ومِن هنا؛ نجد أن تمسُّك الأمم بتعليم العلوم بلغاتها لم يَهْوِ بها إلى ركب التخلُّف والانحِدار، وكذا تمسُّكنا كأمَّة عرَبيَّة بالتعليم بغير لُغتِنا لم يجعلْنا نأخُذ بناصية العلم، فيَرتقي بنا إلى مَصافِّ الدول المتقدِّمة، وأمَّا مَن سلَك سبيل العرَبية في التعليم - وأعني به سورية - فلا يدَّعي أحد أنَّ العِلم فيها مُتأخِّر قرنًا مِن الزمان؛ وإنما الفَجوة الحاصِلة هي ذات الفَجوة التي تَفصِل العربَ جميعًا عن مُواكَبة سباق العلوم؛ لأنَّ تأخُّر التعليم العالي سِمة عامة تكاد تكون غالِبةً على أنظمة التعليم العربي، وما المُحاولات الأخيرة في العديد مِن الدول العربية للنُّهوض به إلا اعتراف بقصوره وضرورة تحديثه وتطويره؛ ليُساير مُتطلبات العصر ويُلبِّي احتياجاته.



وخير مِثال على أهميَّة التعليم باللغة الوطنيَّة ما ذكَره "الأستاذ عبدالله كنون"، حول استِقدام الحُكومة المغربيَّة لِلَجنَة مِن خبراء البنك الدوليِّ للإنشاء والتعمير بقصْد الاستشارة، فكان رأيُها أنَّ ازدواجيَّة لغة التَّعليم هي مما يَستنزِف ماليَّة المَغرِب، فضلاً عن كونها السبب في هبوط مُستوى التعليم، وأوصتْ باعتِماد لغة البلاد وجعْلِها اللغة الأساسيَّة للتعليم.



وتَعزيزًا لهذه النتيجة؛ فقد أوصَتِ اليُونِسكو (منظمة الأمم المتَّحدة للتربية والعلوم والثقافة) باستِخدام اللغة الوطنية في التعليم إلى أقصى مَرحلة مُمكِنة.



ومِن نافلة القول أنَّ قضيَّة تعريب العلوم لا تَعدو أنْ تكون مُشكِلة مع ذاتنا التي تتأرْجَح بين تَبعيَّة نفسيَّة للآخَر، وشُعور بالدُّونيَّة تجاه لغتنا العربيَّة المُفتَرى عليها بالعجز عن استيعاب علوم العصر، فحالة الاستِلاب التي يَعيشها تعليم العلوم في الجامِعات أوجدتْ نوعًا مِن الانفِصام بين واقع العلوم والتقدُّم العِلميِّ ومَخزون الأمَّة الحَضاريِّ، فلا عُلومُنا استفادتْ مِن علوم الآخَرين لِتُسهِم في الحضارة الإنسانية، ولا هي استنَدتْ إلى ماضيها فأعلَتْ ما بَناه السلف.



وجميل أن يُختَم هذا الجانب برأي "السيد بونور" - المفوَّض السامي الفرنسي في سورية - في لُغتنا: "إنَّ مَن يَزعُمون أنَّ اللغة العربية غير صالِحة للتعبير عن مُصطَلحات العِلم الحاضر هم على خطأ مُبين؛ فالتاريخ يُثبِت أنَّ لغة الضاد كسائر اللغات الأخرى غنيَّة باشتِقاقاتها، وكافية بكثرة تراكيبها للتعبير عن الأفكار الجَديدة، إنَّني أُهنِّئ العرب وأتمنَّى ألا يُضيِّعوا هذا الاحترام المُقدَّس للُغتِهم؛ لأنَّ مَن يُدافع عن لُغتِه، يُدافِع عن أصلِه، وعن حقِّه المُقبِل، وعن كيانه، وعن لَحمِه ودمه".



وهو ما خَلص إليه "فليبسون" في كتابه "الهيمنة اللُّغويَّة": "إنَّ التقدُّم المستمِر الذي حقَّقتْه اللغة الإنجليزية يأتي على حِساب هضْمِ حُقوق اللغات الأخرى، وتقليصها، ومِن ثمَّ القَضاء عليها".



وفي النهاية، ألم يأنِ أن يَخرُج مِن بين ظَهرانينا رجلٌ رشيد يُحاكي قول شاعر إيطاليا الكبير "بيترارك" في القرن الرابع عشر الميلادي: "ماذا؟ لقد استطاع "شيشرون" أن يكون خطيبًا بعد "ديموستن"، واستَطاع "فيرجيل" أن يكون شاعِرًا بعد "هوميروس"، وبعد العرب لا يُسمَح لأحد بالكتابة، لقد جارَينا اليونان غالبًا وتجاوزْناهم أحيانًا، وبذلك جارينا وتجاوزْنا غالبيَّة الأمم، وتقولون: إننا لا نستطيع الوصول إلى شأو العرب، يا للجُنون ويا للخَبال، بل يا لعَبقريَّة إيطاليا الغافية أو المُنطفِئة".



• لم أشَأْ أنْ أُثقِل المَقالة بالتوثيق والإحالات، وما لم أَعْزُه مِن كلام إلى أحد وضعتُه بين حاصِرتَين؛ كيلا يُظنَّ أنه مِن صُنعي.


المصدر

رد مع اقتباس