عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية د. عبدالعزيز بن علي الحربي
 
د. عبدالعزيز بن علي الحربي
مؤسس المجمع

د. عبدالعزيز بن علي الحربي غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 17
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 278
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي مَعركَةُ ابنِ مالك..!! (كاملة) د. عبد العزيز بن علي الحربي

كُتب : [ 03-24-2014 - 07:38 PM ]


مَعركَةُ ابنِ مالك..!!
السائل ( طارق ): لا يخفى على فضيلتكم ما كتبه بعض الدارسين عن ابن مالك، وأنه كان يضع الشواهد الشعرية لتقوية المذهب الذي يختاره في النحو، فما رأي فضيلتكم؟
الفتوى 125 : عرضتُ لهذه المسألة المثيرة قبل حين في بعض دروسي على ألفية ابن مالك، وأول من يعرف أنه أشار إليها مجرّد إشارة: د. طه محسن العاني ثم نعيم سلمان البدري بدراسة واسعة اتهم فيها ابن مالك بوضع مئات من الشواهد، تلاها دراسة منشورة عام 1433 للدكتور جواد الدخيل، وجاء من بعدهم الباحث فيصل المنصور في بحث ماجستيريٍّ تكميلي، وانتهى إلى ما انتهى إليه البدري من حيث ثبوت التهمة (هذه المعلومات نقلتها من رسالة بعثها إلى منتدى مجمع اللغة الشبكي عضو المجمع، د: سليمان خاطر) والحكم في هذه المسألة يحتاج إلى نقل ونظر، فأما النقل: فإنه لا يعلم أنَّ أحدًا ممن جاء بعد ابن مالك ألمح إلى شيء من ذلك، وفيهم الدّراكة الفطن، كابن هشام، ومتتبع عثرات النحويين بالمناقيش والرّد عليها، كأبي حيّان، والمعنيّ بعلمه وتصانيفه، كابن عقيل، هؤلاء وغيرهم لم يذكر أحد منهم ما يشير إلى تدليس بن مالك، أو وضعه، فليس –إذًا- في النقل سوى العدم.
وأما النظر وما يعضده من قرائن، فليس فيه ما يمنع، وذلك من وجوه:
أولها: أنه من الممكن أن يضع العالم بالشرع والعربية أو أحدهما كلامًا منسوبًا إلى غيره، أو غير منسوبٍ تقوية لحجّته، أو يضعه في مسألة لا يقول بها؛ طلبا للتفرّد، أو يصنع ذلك متأولا، وكلّ بن آدم خطّاء. يوضحه (الوجه الثاني): وهو أنّ في تراثنا شواهد لا تحصى كثرة لعلماء، بل لأئمّة زهّاد، كانوا من الوضّاعين، ولعلّك تذهل حين تنظر فيما قاله أئمة الجرح والتّعديل في حفصٍ بن سليمان القارئ، الذي يقرأ عامة أهل الأرض في العصور المتأخرة بروايته، فقد رمي بأغلظ عبارات الجرح، واتفقوا على تركه، وقالوا عنه: كذّاب ووضّاع، وهو عدل في القراءة، كما قال الإمام الذهبي باتفاق، ولا أستطيع أن أصدّق أنّ العدالة تنشطر إلا في مثل هذه الصّورة، التي تثبت أن كتاب الله محفوظ، سواء رواه العدول أم غيرهم، وفي هذه المسألة تفصيل يأباه هذا الموضع، خلاصته أنّ موضوعات حفص –رحمه الله- أحاديث قليلة، معناها يوافق نصوصا صحيحة.
(الثالث): إذا كان الوضع قد وقع من الكبار في الحديث، وهو إسناد كلام إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يقله، فلأَن يضع النحويّ -واحتمال الورع عنده أقل- أقرب إلى الإمكان وأولى، لاسيما أن النحويين لم يكن لديهم من الصَّيارفة النُّقاد أمثال يحيى بن معين ولا علي بن المديني، وفي شواهد النحو واللّغة أبيات عن مجاهيل لا يُدرى من قائلها.
الوجه الرابع: أنه لا برهان على صحة ما نسب إلى بن مالك من الوضع أو التدليس، والبرهان لا يُماري فيه العقلاء، وإنما هي أدِلّة رجحانية اقتنع بها أصحابها ومن صدَّقهم، وليس في الباحثين –فيما أعلم- من انتهى في خاتمة بحثه إلى يقين أو رجحان يُقنعنا نحنُ بأنّ تلك الشواهد كلها أو جلّها ذكرها أحد قبل ابن مالك، بل جميعهم يقرّ بأنها من قلمه؛ وضعا، أو تدليسا، أو تمثيلا، وأما اقتناعه هو فهذا أمر يعود إليه، ففي الناس من يقتنع بأدنى سبب ولو كان حَدْسًا.
الوجه الخامس: يَثْبتُ الحكم بالوضع أو التدليس على الرجل بحكم الثقات من أهل عصره، وبما يقوله الأئمة العارفون المعروفون بالعلم والرواية من بعده، وليس في ترجمة ابن مالك ولا غيرها إلّا الشهادة له بسعة الرواية، وقوة الدين، وصدق اللهجة، والتبحر في علوم اللّغة، والاطلاع على مالم يطلع عليه غيره من شواهدها، ويجعلونها موضع تحيّر وتعجّب، كما في ترجمته في الطبقات وغيرها، و قال صاحب نفح الطيب: "وأما اطلاعه على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو واللّغة فكان أمرا عجيبا، وكان الأئمة الأعلام يتحيرون في أمره" كأنهم يردّون ذلك إلى قوة تضلّعه وسعة علمه، ولم يجعلوا ذلك علامة على وضعه أو تدليسه، لما عرفوه من حاله وصدقه، وكلام أهل عصره ومصره، وهو نهج معروف لدى علماء الجرح، كما قال بن عديّ في "سلّام بن أبي مطيع": " لم أر أحدًا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وله أحاديث يرويها عن قتادة ليست بمحفوظه، وهو مع ذلك كلّه عندي لا بأس به". ولكن الشواهد المنسوبة إلى ابن مالك ليست عشرين ولا مئتين، بل هي مئات، تنبّه الوَسنان، وتزعج اليقظان، وتقضّ المضاجع، ولولا يقين القوم بعدالته لما بقيت ثاوية يقولونها بأفواههم ويكتبونها بأيديهم، وتدوي في الآفاق وهم رقود.
الوجه السادس: إنّ ابنَ مالك –رحمه الله- كان من المتوسّعين في الاستشهاد، المتساهلين في الجرح والرّواية، وهو بمنزلة ابن حبان عند أهل الحديث حتى إنهم حذّروا من تساهله، وتوسع ابن مالك في الاستشهاد بالحديث مشهور، وكذلك بالشاهد الشعري ولو لم يعرف قائله. ومن ذلك انتصاره لرواية "توضأت قط" واستدلاله به على مجيء "قَطْ" في الإثبات. وكذلك احتجاجه بقول الشاعر –وهو مما اتُّهم بوضعه- :
جوابًا به تنجو اعتمدْ فوربّنا *** لَعَن عملٍ أسلفتَ لا غيرُ تُسألُ
فهذا البيت لا يعرف قائله، وقد جمع من الركّة ما لو قيل لي: إن واضعه وضعه اليوم لما أنكرت، وبخاصّة كلمة "اعتمد" وذلك أن الشاعر ولو كان من المتقدمين، قد تنحدر به ملكته إلى أدنى درجات البيان، حتى يُظَن أنَّ ما قاله ليس من شعره، فلا يسوغ لقائل أن يحكم على بيت أو أبيات لسهولتها، أو ضعفها في التأليف أن يقول: إنها من وضع المتأخر، وأحسب أن الشيخ كان كعصا موسى. فإذا كان ابن مالك متساهلا تساهلا منهجيَّا عن قصد واقتناع –وأنا أرى أن التوسع والتوسيع في العربية منهج صحيح- فاحتمال تلقيه تلك الأبيات من شيوخه وهو الحافظ اليقظ وجمعه لها، أو ظفره بها في كتاب مجهول، أو معلوم عنده، احتمال غير بعيد، لا سيما أن كثيرا من الكتب أتلف في عصره أيام التتار، واستُضيم الإسلام وأهله بإغراق وإتلاف مالا يحصى من كتب العربية والشريعة وغيرها.
- الوجه السابع: كما أنه –رحمه الله- له مصادر يجهلها أعلام النحاة من بعده، بما يدل على أنه اطلع على ما لم يطلع عليه غيره. فقد نقل كلامًا عن ابن أفلح في أنه يقال: أَكَان، بمعنى أصار. فقال أبو حيان معلقا عليه: ((لا أعلم في النحاة من يقال له: ابن أفلح))، ويقول أبو حيان في موضع آخر: (( وابن مالك حاشد لغة، وحافظ نوادر)) وقال في قول الشاعر: تعزَّ فَلا شيء على الأرض باقيا... " لا أعرفه إلا من جهته" قاله في البحر (2/282). وربما قال ابن مالك عن المسألة من المسائل: ((وهذا لا يصح لأنه غير مسموع)) الهمع (1/544). كما اختار أن يقال: (فسافلاً) قياسًا على (فصاعدًا) فعلق عليه أبو حيان بقوله: ولم أرها لغيره، فإن لم ينقل عن العرب فهي ممنوعة (الهمع: 2/335). بل إنه يصرّح أحيانا بأنه لم يظفر بشاهد على ما اختاره، ومن ذلك: إجازته أن يُردَّ اللام إلى ( أَخِيّ) عند الإضافة إلى الياء، فيقال: أَخِيّ، كأبِيّ، قياسًا عليه، وذكر شاهدا على (أَبِيّ) ثم قال: ولم أجد لذلك شاهدًا أي (لأَخِيّ) لكن أجيزه قياسًا.
الوجه الثامن: إن النحاة من بعده حين يرتابون في بيت من الأبيات يسارعون بالطعن فيه، فهذا بدر الدين وهو ابن ابنِ مالك يقول في غير بيت: هذا من صنع النحويين، كقوله عن البيت المشهور:
أيها السّائل عنهمْ وعَني *** لستُ من قيسٍ ولا قيسُ مِني
وكذلك ابن هشام قال: لم أعثر على قائله. على أن هذا البيت أقوى وأمتن من كثير من الأبيات التي اتهم بها ابن مالك. وهذا أبو حيان يقول في قول الراجز:
أكثرت في العذل مُلحًّا دائما *** لا تكثرنْ إني عسيتُ صائما
قال عنه: "مجهول، لم ينسبه أحد من الشراح إلى قائله، فسقط الاحتجاج به" لِمَ لَمْ تقل يا أبا حيان، ويابن هشام عن أبيات ابن مالك _إن كانت مجهولة أو مظنونة الوضع-: ما قلتماه هنا؟ أزاغ البصر عنها وحدها؟ أم هابا أن يطعنا في الشيخ؟ أم عرفا قائلا غيره؟ أم أيقنا أنه واضعها فتهيّبا؟ وهذا أبعدها.
- الوجه التاسع: الشواهد التي اتُّهم بها ابن مالك أرى أنها تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: شواهد اتُّهم بوضعها ظلما، لبحث قاصر لدى المتّهِم، وثبت وجودها منسوبة أو غير منسوبة لغير ابن مالك.. ومما وجدته من ذلك، قول الشاعر:
- كَرَبَ القلبُ من جواه يذوبُ *** حين قال الوشاة: هندٌ غضوبُ
فهذا البيت ينسبه كثير من النحويين والمحققين إلى كحْلبة اليربوعي، أو كلْحبة. وممن نسبه الأزهري في التصريح (1/690). وكذلك قول الآخر:
بِكا اللّقوة الشَّغْواء جلتُ فلم أكن *** لأُولعَ إلا بالكميِّ المقنَّعِ
جعله محقق شرح الكافية من إنشادات ثعلب، ورقمه فيها (451).
ومن ذلك قوله:
- نَدِمَ الْبُغاةُ وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ *** والبغيُ مرتعُ مبتغيه وخيمُ
وهذا البيت ينسبه بعضهم إلى محمد بن عيسى التيمي أو غيره، وقد يكون العزو وهما، لكنّه لا نزاع في أصل البيت، وهو محل الشاهد "ولات ساعةَ مندَم"، وقد استشهد به ابن جرير الطبريّ في تفسيره في أول سورة "ص".
ومن ذلك قول الآخر:
خبيرٌ بنو لِهْبٍ فلاتك ملغيًا *** مقالة لِهبيٍّ إذا الطّيرُ مَرَّتِ
ذكر السمين في الدر المصون (4/649) أنه استدلّ به الأخفش، وتبعه ابن عادل في اللباب (8/173) والبيت في سبكه قوةٌ مقارنةً بما سواه، ولو زدت في إنعام البحث والنظر لوجدتُ غيرها.
- القسم الثاني : أبيات عاضدة لشواهد نثرية أو شعرية، أو لكليهما، فهذه لا مضرَّة فيها ولا أثر ذا بالٍ فيها، وحينئذ إما تكون من شعره أو شعر غيره، وذكرها ابن مالك على سبيل التمثيل، واللّوم ههنا خفيف. ولذلك عندي أمثلة كثيرة يضيق بها هذا اللّحْدُ الضَّيق.
- القسم الثالث: أن يكون في تلك الشواهد أبيات لمسائل قد قال بها من قبله، كمسألة (لا غيرُ) المذكورة في الشاهد السابق، فهذه قال بها طائفة من النحويين قبله، منهم المبرّد، والخطب في ذلك هيّن، ولم يأت بجديد، والمسألة ثابتة عن قياس أو سماع، وقد يكون ذلك البيت مما سمع ولم يُذكر أو يُعرف قائله.
- القسم الرابع: أن يكون في تلك الأبيات ما احتج به ابن مالك نصرةً لقول قاله، لم يقل به أحد قبله، ولم يعرف صاحب الشاهد، ولم يستشهد بهمن قبله، أو بعبارة أخرى: أن تكون صحة المسألة مبنيةً على ثبوت الشاهد ، فهذا يردّ عليه، ولا أعرف له مثالا، بل الظاهر من صنيعه وكلام من بعده أنه لا وجود له، فكم من مسألة اعتاصت عليه، ولم يجد لها شاهدا إلا أن يسكت، ويصرّح بأنه لم يجد لها ما يشهد لها من كلام العرب، وربما خرق الإجماع بقول يقوله، ومذهب يذهب إليه، ويعترف بأنه لم يجد له شاهدا، والمطلع على كتبه يجد ذلك واضحا بيّنا.
والحاصل: أنني لا أستطيع أن أجزم بشيء في هذه المسألة، وأعمل بالبراءة الأصلية، وبراءة ابن مالك حتى تثبت إدانته، وأتّهم بَصِري بالقِصَر، وبأنه لم ير الهلال بالبصَر، ولا أسلّم لمن زعم أنه رآه، وقطع بتدليسه أو وضعه، لأن حكمه مبنيٌ على ظنّ، ولا أتَّبع الظّن في مثل هذا، وقد يكون للمخالف ظنّ يصدّقُه هو لقرائن اجتمعت عنده قربت من اليقين فيعذر، لكنه لا يجوز أن يعلن ذلك إلا ببرهان ينجيه من الله ومن الناس، وهذه مسألة تحتاج إلى بحث ومباحثات طويلة، وأنا لم أَقرأ البحوث المكتوبة في ذلك، سوى بحث فيصل المنصور، وهو آخرها، وأرى أنه قد تعجّل في الحكم، وكان الأولى أن لا يجعل العنوان حاكما على الموضوع، لما في ذلك من استفزاز، وفتح باب للجدل العقيم الذي رأينا مثله في المواقع، ولو ترك الباحث الفاضل للقارئ أن يقرأ ويحكم بنفسه لكان ذلك أقوم قيلا، وأقوى قبيلا.
ولأستاذ النحو المعروف (عضو المجمع): أ.د/ رياض الخوام مقال نفيس في هذا، مصيب في عنوانه وموضوعه، منشور بمنتدى المجمع. والله من وراء القصد.

توقيع : د. عبدالعزيز بن علي الحربي

.

د . عبدالعزيز بن علي الحربي
azz19a@hotmail.com
0505780842

.


التعديل الأخير تم بواسطة إدارة المجمع ; 08-26-2014 الساعة 05:45 PM
رد مع اقتباس