عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 10,536
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-28-2017 - 03:48 PM ]


وعلى هذا، قد تسقط أداة الاستفهام، ويبقى السّياق استفهاماً، كما في قول عمر بن أبي ربيعة:
ثّم قالوا : تحبّها ؟ قلت بهراً
عدد الرّمل والحصى والتّراب(24 ).

وقد اختلف أئمة العربيّة في قوله: ((تحبّها)) فعاب أبو عمرو بن العلاء (ت 154هـ) حمله على الاستفهام، لأن حذف الاستفهام غير جائز عنده( 25)، وأومأ إلى الطعن في هذه الروّاية قائلاً: روى بعض الروّاة أنّه إنّما قيل: هل تحبّها... ؟ قلت: بهراً، ولذلك خطّأ المبرِّد (ت 286هـ) حمل بيت أبي ربيعة على الاستفهام، وحمله على الإيجاب ( 26).
وخطّأ الوقّشيّ المبرّد، فقال: قوله هذا هو الخطأ وما حكوه من حذف الألف دليل في اللفظ إلاّ ممّا يعطيه معنى الكلام معروف لهم. ويلاحظ أن الوقّشيّ يجيز حذف الاستفهام على نيّة تقديره تعويلاً على أن معنى التركيب يوحي بذلك، شأنه في ذلك شأن النحّاة الّذين أجازوا حذف الاستفهام على قلّتهم( 27) وقيل إنّه إخبار لا استفهام، والمعنى، ثّم قالوا: أنت تحبّها...و لعلّ أهمّ ما نلحظه في العرض السّابق حول أداة الاستفهام إنكار بعضهم حذف الهمزة بلا دليل، ورؤيته بيت عمر بن أبي ربيعة على التقرير أو الإخبار))، وتأكيد بعضهم الآخر أنّ بيت عمر بن أبي ربيعة هو استفهام، وهذا الخلاف يؤكد وجود ظاهرة التنغيم والاعتماد عليه في تأويل البيت، فمن يسلّم أن الجملة استفهام عوّل على لفظها بنغمة الاستفهام، لذلك تأوّل الاستفهام ولاشيء غير ذلك. أمّا من رأى أنّها تقرير فقد لفظها بنغمة التقرير، وهو محقّ في ذلك، أي إن كلا الرأيين صواب، والاختلاف نابع من الوجهة التنغيمية، ولا سيّما أننّا علمنا اعتماد العلماء أصحاب هذه الآراء والتأويلات على السّماع وتدوين القاعدة النحوية.
ومّما حذف فيه حرف الاستفهام مستعاضاً عنه بالتنغيم الخاصّ بهذا المعنى، قول الحضرمي ابن عامر الأسديّ ردّاً على من عيّره بفرحه لموت أخيه وميراثه إيّاه
أفرح أن أرزأ الكرام وأن
أورث ذوداً شصائصاً نبلا( 28)

ويمكن أن تكون جملة أفرح أن أرزأ الكرام.. استفهامية، وليس فيها أداة استفهام، وإنّما طريقة نطقها بصورة تناسب الأنماط التنغيّمة للجمل الاستفهامية يدلّ على أنّها استفهاميّة ـ أي أأفرح أن أرزأ الكرم ... ؟
ومن هذا القبيل ـ أيضاً ـ قول الكميت الأزدي:
ما ترى الدّهر قد أباد معداً
وأباد القرون من عهد عاد (29 ).

فهذا البيت يقرأ بنغمة صوتية مستوية، ممّا عبّر فيه عن الاستفهام بالتنغيم، والتقدير: أما ترى... ؟ تعويلاً على أن معنى التركيب يوحي بذلك، ممّا حذف منه حرف الاستفهام مستعاضاً عنه بالتنغيم الخاصّ بهذا المعنى.
وكقول رسول اللهّ صلى الله عليه وعلى أصحابه أجمعين: ((يا أبا ذرّ عيّرته بأمّه....)) أراد أعيّرته... ؟( 30).
ومن ذلك ما رواه ابن عبّاس من أن رجلاً قال: (إن أمّي ماتت وعليها صوم شهر فأقضيه)، أي: أفأقضيه؟( 31).
ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين: ((أتاني آتٍ من ربّي، فأخبرني أنّه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنّة، قلت: وإن سرق، وإن زنى ... ؟ قال: وإن سرق وإن زنى)).
وفي أحيان كثيرة تكون قرينة التنغيم أعظم أثراً من القرينة اللفظية، أي الأداة، إذ يبدو الحديث الشريف بهذا القدر ـ للوهلة الأولى ـ خبرياً تقريرياً يوهم أنّه لا يكون إلاّ خبراً مثبتاً، ولكنّه قد يكون بالتنغيم إنشاء استفهامياً....
وروي أنّ الحسن أو الحسين (عليهما السلام) أخذ تمرة الصدقة، فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخرجها من فيه، قال: (ما علمت ...)، أي أما علمتَ .... ؟
وقد علّق ابن مالك (ت 672هـ) على حذف حرف الاستفهام في هذا الحديث يقول: ((ومن روى ما علمتَ، فأصله، أما علمتَ.)). ؟ وحذفت همزة الاستفهام، لأنّ المعنى لا يستقيم إلاّ بتقديرها(32)
حقاً أن الاستغناء عن الهمزة والاعتماد على التنغيم في التعبير عن الاستفهام قد وجد فيما يعرف بعصور الاحتجاج قريباً من نشأة الدّرس اللّغوي( 33) عند العرب، ممّا يستغرب معه جعل الأئمة هذه الظاهرة قائمة على تقدير همزة الاستفهام المحذوفة، وهو حذف مقصور عندهم على الضرورة، أي إنّهم لم ينسبوا هذا المعنى إلى ما رافق تركيبه من التنغيم.
وقد ترد ((لولا)) الشرطية للاستفهام على سبيل التحضيض، فكيف أدرك النّحاة هذا التحضيض، إنّه لا يتأتّى من خلال الجملة المكتوبة، ولكنّ القرينة الحالية، ثم القرينة التنغيمّية الدّالة عليها، هي الّتي غيرّت معنى (لولا)، من الّدلالة الشرطية إلى الدّلالة التحضيضيّة، وقد يكون للجوّ الخاصّ بها ما يمنحها صورة أخرى غير التحضيض الذي هو الحثّ مع الإزعاج، ففي قوله تعالى: (لولا أخّرتني إلى أجل قريب) المنافقون (10). ليس ثمة تحضيض في المعنى، وإنّما هو دعاء، بدليل تمام الآية: )وأنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت، فيقول: ربِّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب، فأصدّق، وأكن من الصّالحين( المنافقون (10).
وقد يكون لصيغة الأمر دلالات أخرى يؤدّيها التنغيم تخرج عن هذه الأبواب، أو يتفّرع كلّ باب منها بسببه فروعاً شتى، فنحو الفعل ((اخرج)) مثلا: قد يكون طلباً محضاً، ويكون زجراً وتوبيخاً، وقد يكون رجاء، فالجمل العربية تقع في صيغ وموازين تنغيمية، هي هياكل من الأنساق النغمية ذات أشكال محدّدة، ولكّل جملة صيغة تنغيميّة خاصّة، والصيغة التنغيمية هي منحنى نغمي خاصّ بالجملة، يعين على الكشف عن معناها النّحويّ، والتنغيم في الكلام يقوم بوظيفة الترقيم في الكتابة، غير أنّ التنغيم أوضح من الترقيم في الدّلالة على المعنى( 34).
ففي جملة مثل: ((أولئك الفدائيون الأشدّاء ..)).
قد تكون ((أولئك الفدائيون)) معاً عنصراً واحداً (مبتدأ مكوّن من مبدل منه وبدل، في هذه الحالة يكون العنصر الثاني (الخبر)، هو كلمة ((الأشدّاء))، وقد يكون المبتدأ هو كلمة (أولئك)، وحدها، ويكون الخبر هو (الفدائيون الأشداء) معاً (منعوت ونعت)، فتكون الجملة على إحدى هاتين الصورتين:
• الصورة الأولى: أولئك الفدائيون الأشداء: مبتدأ، وبدل، والأشداء: خبر.
• الصورة الثانية: أولئك الفدائيون الأشداء: أولئك، مبتدأ ـ الفدائيون خبر والأشداء "نعت".
ويلاحظ أن بناء الجملة المنطوقة لا يختلف، ولكن يختلف التحليل، وهو اعتبار البنية الأساسية لهذه الجملة المنطوقة، واعتبار البنية الأساسية هو الذي يمدّ التنغيم بما يجعله متطابقاً معها، وهنا لا يمدّ السطح، أو بناء الجملة بالتفسير الدّلالي، بل يكون الاعتماد على البنية العميقة. وهذا يؤكدّ ما أوضحه ((كاتز وفودر))( 35) من أن العلاقات النحّوية المعبّر عنها في البنية العميقة هي التي تحدّد في كثير من الحالات معنى الجملة بدقة.
ويصبح التنغيم ـ وهو قرينة صوتية كاشفاً عن البنية العميقة، ومعرفتها تساعد على تحديد المدلول المراد بالجملة، لأنّ البنية العميقة للجملة تساعد على تفسيرها التفسير الصحيح في كثير من الأحيان، والتنغيم كما رأينا لا ينشئ علاقات نحوية ليست موجودة، ولكنّه يختار بعض العلاقات النّحوية القابعة تحت السّطح المنطوق ويظهر تأثيرها في التفسير، وذلك كقول جميل بن معمر العذري:
لا. لا أبوح بحبِّ بثنةَ إنّها أخذت عليّ مواثقاً وعهوداً. ( 36)
فلو اصطنع النحّاة لأنفسهم علامات الترقيم لوجد القارئ نقطة للوقف بعد (لا) الأولى، ولأدركوا، أنّ (لا) هذه بنفسها تكون جملة مفيدة يستحسن في تنغيمها أن نقف عليها لتمام الفائدة، ولما توّرطوا في اعتبارها حرف نفي مؤكّداً توكيداً لفظياً بحرف على مثل صورته قال له، ومن الواضح أن هناك فرقاً بين أن تكون( 37). (لا) الأولى حرف نفي مؤكداً، أو جملة كاملة الإفادة يستحسن السكوت عليها، ويتطلب التنغيم في حالة التوكيد وصل الكلام، وفي حالة الجملة المفيدة وقفة واستئنافاً. ومن هنا يكون التعبير بالتنغيم لوناً آخر تقتضيه القرينة الحالية: ومن هذا المنطلق عدّ جملة من اللغويين (لعلّ) في قوله تعالى: )وما يُدريك لعلّه يزكّى( سورة عبس (3).
لو أنعمنا النظر في هذه الآية الكريمة، وقرأها قارئ على أسماعنا لوجدنا ملاك القول فيها أنّ الاستفهام مفهوم من سياق الجملة بما يرافقها من تنغيم خاصّ، هو في الأصل صورة من صور التعبير عن الظرف النّفسي الذي تشتمل عليه الجملة. ولعّل عدم تعويل العربية على التنغيم في الفصل بين المعنيين الاستفهام، والإخبار، فيما سبق توضيحه مع إمكانها ذلك، ممّا أوحى إلى النحّاة بإهمالهم التنغيم ووظيفته في إهمالهم دراستهم للغة العربية، وهذا الإهمال واضح في حديثهم من قول قتيله بنت النّضر:
ماكان ضرّك لو مننت وربّما منّ الفتى وهو المغيظ المُحْنِقُ( 38)
فقد جعل النّحاة (ما) في قول الشاعرة (ما كان ضّرك) نافية، وحملوا الكلام على النّفي، والتقدير: ((ماكان ضّرك بمنّك))( 39)، وغنّي عن البيان أنّ التنغيم في النفي يختلف عن تنغيمه في الاستفهام، ومثل ذلك يقال عن خلافهم في قول الشاعر:
إنّ الكريمَ وأبيك يعتمل إن لم يجد يوماً على من يتَّكل( 40).
فقد جعل بعضهم (على)، في البيت زائدة شذوذاً، وجعلوا (مَنْ) موصولة المحلّ على أنها مفعول به للفعل (يجد) والمعنى والتقدير: ((إنّ الكريم يعمل بجد إن لم يجد من يتكل عليه، وزعم آخرون أن (على) غير زائدة، وأنّ (من) استفهامية، وأنّ المعنى والتقدير عندهم: إن لم يجد يوماً شيئاً فعلى من يتكّل ؟ وغنّي عن البيان أن غياب التنغيم عن عبارة (على من يتكّل) هو الذي أفسح المجال لهذا الخلاف في توجيهها، ولهذا السبب نفسّر خلافهم في إعراب (ما) من قوله تعالى (قال فبما أغويتني لأقعدَنّ لهم صراطك المستقيم) سورة الأعراف (16).
فقد ذهب بعضهم إلى أنّها مصدرية، وأنّ المعنى والتقدير: (أقسم بإغوائك لي لأقعدنّ)، أو بسبب إغوائك لأقعدنّ، وذهب بعضهم الآخر إلى أن (ما) استفهامية، وإلى أنّ التركيب على الاستفهام، والاستئناف، والتقدير بأيّ شيء أغويتني.. ؟ ثم ابتدأ مقسماً، فقال لأقعدنّ ... ( 41). ومثل ذلك يقال عن خلافهم في قول سالم بن وابصة:
ولا يؤاتيك فيما ناب من حدث إلاّ أخو ثقة فانظر بمن تثق (42 ).
فقد ذهب بعضهم إلى أنّ (من) استفهامية، وأنّ الأصل (فانظر) ثّم استأنف فقال: بمن تثق....؟ وقيل إنّ الأصل فانظر من تثق به، فحذف الباء ومجرورها، وزاد الباء في (من) تعويضاً( 43).
ولولا تغييب الكتابة لقرينة التنغيم المميّز بين الإثبات والاستفهام لما كان هذا الخلاف في توجيه هذا البيت.
ومن هذا القبيل خلافهم في إعراب (ما)، في قوله تعالى: )أو لم يتفكروا ما أصابهم من جِنّة، إن هو إلاّ نذير مبين( سورة الأعراف (184). فقد قيل: إنّ (ما) في هذه الآية الكريمة نافية، والمعنى أولم يعلموا انتفاء الجنون عن صاحبهم، وقيل: إنّها استئنافية، استفهامية، والمعنى: أو يتفكَّروا أيّ شيء بصاحبهم من الجنون مع انتظام أقواله وأفعاله.
وقيل: إنّ (ما) موصولة، والكلام إثبات، وعلى ذلك يكون الكلام خارجاً على رغم المشركين، ولكّن أبا حيّان (ت 745 هـ)( 44) ضعّف حمل (ما) على الموصولية، كما ضعّف حملها على الاستفهام.
ولاشكّ أنّ التنغيم الخاصّ بمعنى الاستفهام عن التنغيم الخاص هو بمعنى التقدير والإثبات هو عنصر دلالي كبير يهدي إلى تفسير الجملة تفسيراً صحيحاً( 45). ولولا (هذه القرينة لما كان هذا الخلاف في توجيه معنى مثل هذه التراكيب وإعرابها). وقد يساعد التنغيم كذلك على التوزيع التحليلي للنصّ الواحد بحيث يمكن مع تنغيم معين أن يكون النصّ كلّه جملة واحدة ومع تنغيم آخر يكون أكثر من جملة، ومثال ذلك هذه الآية الكريمة:
قال تعالى: قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين...( يوسف (75) يوزّعها التنغيم على جملتين، لكن تختلف عناصر كلّ منها، فقد تكون الجملة الأولى: جزاؤه من وجد في رحله، والتنغيم هنا إثبات. والجملة الثانية: فهو جزاؤه، والتنغيم هنا إثبات. وقد تكون الجملة الأولى هي: جزاؤه ... ؟ والتنغيم تنغيم استفهام.
والجملة الثانية: (من وجد في رحله، فهو جزاؤه)، والتنغيم هنا تنغيم إثبات، ويسّوغ تنغيم الاستفهام في (جزاؤه) ؟ وقوعها بعد قوله تعالى: قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين( يوسف (74).

رد مع اقتباس