تَغْرِيدَاتُ الْقُشَيْرِيِّ
جمعها وحققها
الدكتور محمد جمال صقر
(بَابُ الصَّادِ)
صَئِيُّ الصَّادِ
"الْمُصَابَرَةُ هِيَ الصَّبْرُ عَلَى الصَّبْرِ، حَتَّى يَسْتَغْرِقَ الصَّبْرُ فِي الصَّبْرِ، فَيَعْجِزَ الصَّبْرُ عَنِ الصَّبْرِ، كَمَا قِيلَ:
صَابَرَ الصَّبْرَ فَاسْتَغَاثَ مِنَ الصَّبْرِ فَصَاحَ الْمُحِبُّ بِالصَّبْرِ صَبْرَا"!
الصَّبْرُ الْجَمِيلُ
"قِيلَ فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى!-: "فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا":
الصَّبْرُ الْجَمِيلُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْمُصِيبَةِ فِي النَّاسِ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ".
صُحْبَةُ الْأَشْرَارِ
"صُحْبَةُ الْأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَخْيَارِ".
صِدْقُ التَّقَلُّبِ
"الصَّادِقُ يَنْقَلِبُ فِي الْيَوْمِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَالْمُرَائِي يَثْبُتُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً"!
صِدْقُ الطَّلَبِ
"صَحِبْتُ -أي أبو عثمان الحيري- أَبَا حَفْصٍ -أي الحداد- مُدَّةً وَأَنَا شَابٌّ، فَطَرَدَنِي مَرَّةً، وَقَالَ:
لَا تَجْلِسْ عِنْدِي!
فَقُمْتُ، وَلَمْ أُولِهِ ظَهْرِي، وَانْصَرَفْتُ إِلَى وَرَائِي وَوَجْهِي إِلَى وَجْهِهِ، حَتَّى غِبْتُ عَنْ عَيْنَيْهِ. وَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَحْفِرَ عَلَى بَابِهِ حُفْرَةً لَا أَخْرُجُ مِنْهَا إِلَّا بِأَمْرِهِ؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَدْنَانِي، وَجَعَلَنِي مِنْ خَوَاصِّ أَصْحَابِهِ".
صِدْقُ الْعَارِفِينَ
"رَكِبَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْوَزِيرُ فِي مَوْكِبٍ عَظِيمٍ؛ فَجَعَلَ الْغُرَبَاءُ يَقُولُونَ: مَنْ هَذَا؟ مَنْ هَذَا؟
فَقَالَتِ امْرَأَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى الطَّرِيقِ: إِلَى مَتَى تَقُولُونَ: مَنْ هَذَا، مَنْ هَذَا! هَذَا عَبْدٌ سَقَطَ مِنْ عَيْنِ اللهِ؛ فَابْتَلَاهُ اللهُ بِمَا تَرَوْنَ!
فَسَمِعَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى ذَلِكَ؛ فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الْوَزَارَةِ، وَذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ، وَجَاوَرَ بِهَا"!
صَمْتُ الْخَائِفِينَ
"سُئِلَ حَمْدُونُ عَنِ التَّوَكُّلِ، فَقَالَ:
تِلْكَ دَرَجَةٌ لَمْ أَبْلُغْهَا؛ وَكَيْفَ يَتَكَلَّمُ فِي التَّوَكُّلِ مَنْ لَمْ يَصِحَّ لَهُ حَالُ الْإِيمَانِ"!
صَمْتُ السِّرِّ
"سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ عَنْ صَمْتِ السِّرِّ، فَقَالَ:
تَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ".
صَمَمُ حَاتِمٍ
"جَاءَتِ امْرَأَةٌ، فَسَأَلَتْ حَاتِمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ صَوْتٌ؛ فَخَجِلَتْ، فَقَالَ حَاتِمٌ:
ارْفَعِي صَوْتَكِ!
فَأَرَى مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَمُّ؛ فَسُرَّتِ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ، وَقَالَتْ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الصَّوْتَ؛ فَغَلَبَ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّمَمِ"!
صَوْتُ الدَّاعِي
"فِي الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ: إِنَّ الْعَبْدَ يَدْعُو اللهَ -سُبْحَانَهُ!- وَهُوَ يُحِبُّهُ؛ فَيَقُولُ:
يَا جِبْرِيلُ، أَخِّرْ حَاجَةَ عَبْدِي؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ.
وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو اللهَ وَهُوَ يُبْغِضُهُ؛ فَيَقُولُ:
يَا جِبْرِيلُ، اقْضِ لِعَبْدِي حَاجَتَهُ؛ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ".
صُوَرُ الْمَعَانِي
"قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: إِنَّ اللهَ -تَعَالَى!- لَمَّا خَلَقَ الْأَحْرُفَ جَعَلَهَا سِرًّا لَهُ، فَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ!- بَثَّ فِيهِ ذَلِكَ السِّرَّ، وَلَمْ يَبُثَّ ذَلِكَ السِّرَّ فِي أَحَدٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ؛ فَجَرَتِ الْأَحْرُفُ عَلَى لِسَانِ آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ!- بِفُنُونِ الْجَرَيَانِ وَفُنُونِ اللُّغَاتِ، فَجَعَلَهَا اللهُ صُوَرًا لَهَا".