حتى لا نظلم النحو والنُّحاة
د. محمد مصطفى الكنز
النظر النحوي - فيما ظهر لي – أنواع :
الأول: نحو نابع من روح العربية، كان هدفه إقامة اللسان على الجادة، وتجنيبه مزالق الزلل، وذلك حفاظا على لغة كتاب الله عز وجل . وهذا النحو هو نحو البدايات؛ أي: حين نشأ هذا العلم لأجل تحقيق هذا الهدف النبيل .
ثم لما أصبح النحو علما قائما بذاته، أخذتْـه الصنعةُ، واعتملت فيه علوم أخرى، وتعاورت الأنظار عليه، فانحرف عن غايته الأولى، إلى غاية أخرى؛ وهي العلم لذات العلم، وهذا هو النحو الثاني .
ثم لما نضج علم النحو حتى احترق ، وتربَّع العلماء على عرشه تعمقا واستقصاء، نظروا إليه نظرة رفاهية، وهو ما يمكن أن أسميه بترف العلم، فظهر النحو الافتراضي، ومنه كلمة المبرد (286هـ) في المقتضب: " فإن قلت: الذي التي اللذان الذين التي في الدار جاريتهم منطلقون إليهما صاحباها أخته زيد -كان جيدا بالغا" .
ومنه ما ذكره السيوطي (911هـ) في "الأشباه والنظائر" حيث أورد مسألة لابن العريف القرطبي (ت367هـ) تبلغ من وجوه الإعراب: ألفي ألف وجه وسبعمائة ألف وجه وأحدا وعشرين ألف وجه وستمائة وجه، أي 2.721.600 وجه، وهي: "ضربَ الضّاربُ الشّاتمُ القاتِلُ محبك وادك قاصدك معجبا خالدا في داره يومَ عيدٍ" .
ويحتاج كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة لدراسة مستقلة؛ لأن لكل نوع منها قواعده الخاصة، ونظره المستقل، ولا ينبغي الخلط بينها، بل يجب أن تدرَس وفق مراحل تطورها، وظروف سياقها الثقافي الذي ظهرتْ فيه .