بابٌ في التنبيه على بُطلانِ القولِ بدلالةِ الرّسمِ القُرآنيّ على المَعاني المُستنبَطَة
أ.د عبد الرحمن بودرع
يَنبغي التّحذيرُ من أوهام هذا المذهَب في تَفسير مَعاني القُرآن والتماسِ دلالاته، فدلالاتُ القُرآن ليسَت في هندسَة حُروفه وإنما في أصواته بمَخارجها وفي أسباب نزوله وفي تفسير الآيات بعضها لبعض وتفسير السّنّة للقُرآن وتَفسير الصحابَة وفي إجماع أهل العلم به.... هذا، ولم يَعقد العُلَماءُ قَديماً ولا المُعاصرونَ اليومَ مصنفاتٍ لما يُسميه الكاتبُ عَجائب الرسم القُرآنيّ؛ وكأنّ القرآنَ الكريمَ نَزَل مرسومَ الحُروفِ بالرسم الخطّيّ المَعْهود وأنَّه تَوقيفٌ لا يَجوزُ تَبْديلُه، وأنّه تُستنبَطُ منه المَعاني ويُلجأ إليْه في التأويل. لقَد رددنا عليْه منذُ سنينَ بما يَكفي من الأدلَّةِ على بُطلانِ مَذهبه وردَّ عليه عُلَماءُ كثير وباحثونَ ومتخصصونَ، ولكنَّه عادَ لتَكْريرِ الأوهام نفسِها في شبكات التواصُل الاجتماعي. وأقولُ للقُرّاء: ينبغي التّركيزُ على مَنابعِ التفسيرِ ومَوارِدِه في أصولها المُقرَّرَةِ الصحيحَةِ شَرْعاً وعَقْلاً وعَدَم الالتفاتِ إلى هذا المَنزع الشّكلانيّ الذي يُسقطُ كلَّ القيم التفسيريّة المُعتَبَرَة ويَرفعُ قيمَةَ الرسمِ فقط.
ويُمكنُ الرجوعُ إلى المصادر التالية:
– مُختصَرُ التّبيين لهِجاءِ الـــــتّنزيل، لسُليْمان بنِ داود بنِ نَجـــاح،
– والبَديع في رَسْم مَصاحف عُثمان، لأبي عَبْد الله محمّد بنِ يوسفَ الجهنيّ،
– وأهمّ مَن ألّفَ في الرسمِ، ممّن يُرجَعُ إليْه في هذا الفنّ ويُتَّخَذُ حُجّةً: أبو عَمْرو عُثمان بنُ سَعيد الدّاني (ت.444هـ): صاحبُ كتابِ«المُقْنع في معرفةِ مَرسومِ مَصـــاحفِ أهلِ الأمصارِ»، [تحقيق: نورة بنت حَسَنبن فهد الحميّد، دار التّدمريّة، الرياض، ط.1، 1431هـ-2010م]، الذي جَمَعَ ما يَحْتاجُ إليْه دارسُ القرآنِ الكَريم ومُفسِّرُه، والأهمُّ من ذلِك كلِّه أنّه -وهو الحجّةُ في بابِه- لَم يُشغَلْ ولم يُعْنَ بالتعليلات العقليّة التي هيْمَنَت على بعض الباحثينَ في عصرِنا هذا، ممّن تَمحّلوا واعتسَفوا وزَعموا أنّــهم سيستخرِجون الجَديدَ الذي لم يَهْتَدِ إليْه القُدَماءُ ولم تَسْطِعْه الأوائلُ.