لذا فرؤيتنا للقصيدة العربية هي رؤية تنعتق من البنية المقطعية على الرغم من الاختلافات الجوهرية في تحديد مفهوم المقطع عند اللغويين واللسانيين، لاختلاف المنطلقات اللسانية بين من يرى بعدها الوظيفي ومن يرى جانبها المادي الهيكلي وبين من ينظر في الجانب النطقي ولا يتعداه إلى غيره، هذه البنية التي نتحدث عنها هي ما يتشكل من وحدات صوتية صغرى، هي تلك المكونة من صوامت وحركات تنتظم بينها لتؤلف وحدات كبرى، لذا فمنطلق حديثنا ينبثق من روح الوحدة الصغرى البسيطة قبل تشكيلها للمقطع الصوتي، لأن التأليف الفونيتيكي وتناسقه في بنية اللفظ واتساقه في التركيب كله، وتحقيقه للسلاسة والسهولة في المخرج، وموافقته للدلالة الشعرية هو ما يجعل الشعر صناعة حقيقية كانت تعيق فحول الشعراء، فتجعلهم ينقحون كل عام كزهير بن أبي سلمى، ويخطئون في استعمال اللفظ كمن استنوق الجمل فعبر عنه بالصَّيْعريَّة، وغير ذلك من ملاحظات النقد القديم، ومنهم من كان البيت ـ لا القصيدة ـ يُشَقُّ عليه كجرير الذي كان يقول: " قد يمر اليوم وتمر الليلة دون أن أنظم بيتا واحدا من الشعر "، ولعل هذا ما جعل أبا هلال العسكري يكتب كتابه " سر الصناعتين " الشعر والنثر، مبرزا مواضع الصناعة في كلا الفنين، وهي لابد أن تتأسس على ضوابط وقواعد لا يمتلكها إلا ذوو القريحة العليا والملكة المتفتقة والحس المرهف والدربة العالية، مما يجعل التأليف الشعري صعب المراس، لا تتحقق صورته المتكاملة إلا باجتماع ما يشكل البنية اللغوية من أصوات وألفاظ وتعابير ومعان وإيقاع، كل هذه الأجزاء تتداخل في بنية صغيرة الحجم يحكمها بحر شعري ويحكم قبضته عليها مانعا إياها من التململ، مقيدا هذا الشاعر وخانقا أنفاسه دون أن يتمكن من تقييد حريته الفطرية أو يخنق أنفاسه كليا لأنه مجيد يعرف كيف يلتقط الأنفاس وكيف يخلص يديه من قيد الصناعة دون أن يخرج عن ضوابطها فيأتي بالأجزاء مشكلة في براعة شعرية قل لها النظير تمنحه وسام التميز، فهو شاعر أجاد انتقاء الأصوات قبل الألفاظ وأبدع في نظمها كما ينظم صاحب العقد عقده، ينظم خرزها بإحكام صنعة لتبدو في أجمل صورة، فألفها تأليفا بديعا ترابطت فيها العناصر والوحدات فمنحت اللفظ قوته إلى جانب غيره فاتسق التركيب كله واتزن في توافق مع الدلالة ليصنع بيت تلو بيت يمنحك عينا من عيون الشعر العربي تستمتع أذنك بخرير مائها المنساب وتغترف منه زلالا يروي ظمأك ويشفي غلتك لجميل الإبداع وأنيق التعبير الشعري.
---------
[1] أبو الفتح عثمان بن جني الخصائص ج 2 تحقيق محمد علي النجار دار الكتاب العربي لبنان بيروت لبنان ص 160.
[2] المرجع السابق ص 158.
[3] أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البيان والتبيين ج 2 تح محمد عبد السلام هارون ط1 مكتبة الخانجي ص 114.
[4] عبد القاهر الجرجاني دلائل الإعجاز مكتبة المدني ص 234.