منهاج النحو التعليميّ في ضوء علم التخطيط اللغويّ الحديث - د. حسن الملخ (عضو المجمع)
لا يستند اختيار المادة التعليميّة في اللغات إلى الخبرة أو الرغبة أو العشوائيّة في الطرح والاختيار، بل إلى أُسُسٍ علميّة دقيقة، أخذت صورتها من علم التخطيط اللغويّ الذي يقوم على بناء سياسة لغويّة، تمكّن اللغة الوطنيّة تمكيناً حقيقيّاً في الدولة التي تتبنّاها على مستوى التداول والتعليم والكتابة والخطاب الرسميّ، إضافة إلى التشريع القانونيّ الذي يؤطّر ما يحفظ للّغة سلامتها بمؤسّسات رسميّة، تمارسُ دوراً مسؤولاً في الحفاظ على اللغة وترقيتها وتعليمها وجعلها أداة التواصل والخطاب والبحث العلميّ؛ لتبقى لغتنا جزءاً حقيقيّاً من هُويّة الأمّة، ووحدتها اللغويّة، وصورة الوطن اللغويّة.
وأكثر ما يبرزُ التخطيط اللغويّ العلميّ السليم في المنهاج التعليميّ الذي يُعدّ الركيزة الأساس في ديمومة اللغة حيّةً سليمةً بين أبنائها الناطقين بها، والمنتمين إليها؛ لهذا لا يستقيم أن ندّعي حبّنا للغتنا العربيّة ولأدبنا العربيّ الخالد من غير أن نترجم هذا الحبّ إلى سياسة لغويّة قائمة على التخطيط اللغويّ السليم الحديث، من هنا يتلاقى المسؤولون والمتخصّصون والمحبّون للغة العربية في الحديث عن تقوية اللغة العربيّة في مجالات مختلفة، أهمّها المجال التعليميّ التربويّ؛ فالتعليمُ الناجحُ خيرُ ضامِنٍ للمستقبل الزاهر، فكيف نبني منهاجاً تعليميّا علميّاً يقدِّمُ اللغة العربيّة -والحديث هنا عن النحو والصرف، أو ما يسمّى «قواعد اللغة العربيّة»- لأبنائنا تقديماً عصريّاً حديثاً يعود عليهم وعلينا وعلى لغتنا العربيّة وعلى مستقبلنا بالخير؟
ثمة مواصفات علميّة لمنهاج النحو والصرف في اللغة العربيّة، تبدأ من الخبراء الذين يضعون المنهاج، وتنتهي بالاختبارات العلميّة الناجحة التي تقيس الكفاءة الحقيقيّة التي وصل إليها الطلبة مروراً بالمادة التعليميّة نفسها، ومعلِّم اللغة العربيّة والطالب المتلقّي للمادة النحويّة والصرفيّة.
وأوّل هذه المواصفات ما يمكن أن يُسمَّى «الأهليّة المعرفيّة»، بمعنى أن يكون الخبير الذي يشارك في وضع المنهاج مؤهَّلاً تأهيلاً حقيقيّاً في مجال التخصّص المعرفيّ الدقيق للمنهاج، أي من ذوي الاختصاص العالي في النحو والصرف، لا أن يكون متخصِّصاً بمجال آخر من مجالات اللغة العربيّة كالنقد الأدبيّ، أو الأدب الجاهليّ، أو العروض، أو البلاغة، أو اللسانيّات الحديثة، أو الدلالة والأصوات، وغيرها من المجالات المعرفيّة الكثيرة في اللغة العربيّة وآدابها.
فعدم اختيار ذوي الاختصاص الدقيق في النحو والصرف يُشبه أن نختار طبيب أنف وأذن وحنجرة لإجراء عمليّة في القلب، أو البطن، لا لشيء إلا لأنَّه طبيب، ووراء ذلك ما وراءه، وينبغي أن يتمّ التعمّق في التأهيل المعرفيّ إلى فحص السيرة العلميّة والعمليّة للخبير اللغويّ قَصْدَ التأكّد من عناصر التفوّق في التأهيل لديه، كالأبحاث ذات العلاقة بالأبعاد التعليميّة، ومدى تفوّقه في تدريس المواد الأوّليّة المتخصّصة في النحو والصرف، ويُفضّل أن يكون تربويًّ على نحو ما، كأن يكون عمل في المدارس أو دَرَسَ شيئاً عن التربويّات التعليميّة.
لكنَّ الأهليّة المعرفيّة لا تعني أن يكون الخبراء كلّهم من ذوي الاختصاص العالي في النحو والصرف؛ لأنَّ المنهاج التعليميّ، وبخاصة لطلبة المدارس، ذو متطلبات خاصّة، وله أبعاد تتجاوزُ سَرد الأمثلة والقواعد إلى بناء شخصية الطلبة وطنيّاً ودينياً ووجدانيّاً وعقليّاً، وتزويدهم بالقيم الإيجابيّة التي يرضى عنها المجتمع، فاللغة في مضمونها رسائل معرفيّة في مختلف الاتجاهات؛ لهذا يجب حين إعداد المنهاج التعليميّ في النحو اللجوء إلى فكرة الفريق العلميّ المؤهّل، وبؤرته المتخصّص بالنحو والصرف، ثم يأتي بعد ذلك أهل الاختصاص في الأدب؛ لكثرة النصوص الأدبيّة التي تمرّ في تعليم النحو والصرف، وفي التربية؛ لأنَّ التعليم العام تربية، وفي الاجتماع؛ لأنَّ اللغة ظاهرة اجتماعيّة تمثّل قيم المجتمع وأفكاره وعاداته، وفي الشريعة؛ لأنَّ الدين رسالة حياة، وفي التاريخ؛ لأنَّ التاريخ تراثنا، وفي التربية الوطنيّة؛ لأنَّ الانتماء للوطن أهمّ مبادئ التعليم أيّاً كان، إضافة إلى معلِّم خبير في تدريس اللغة العربيّة، مارَسَ تعليم النحو والصرف سنوات طويلة، فصارت خبرته مفيدة جداً في رَفْد زملائه في الفريق العلميّ بآراء نافعة مبنية على التجربة الحقيقيّة.
على أن يكون الفريق كلّه مؤمناً بأنَّ العمل في تأليف كتاب تعليميّ عام يمثّل الوطن، وفي سبيل هذا الهدف ينبغي أن تتجانس الرؤى لا أن تتعارض، وأن تتوافق لا أن تتفارق، وأن تتكامل لا أن يوزّع الفريق الكتاب، فيكون لكلِّ واحد منهم عددٌ من الصفحات؛ لأنَّهم في النهاية شركاء في الكتاب كلّه من ألفه إلى يائه مروراً بشكله ومضمونه، لا يتفاضلون، فلكلّ منهم دوره المهمّ في العمل، فإذا اعترض الخبير الاجتماعيّ على دلالة مثال نحويّ، فلا يعني هذا أنَّ القاعدة النحويّة خطأ، بل يعني أنَّ المثال مع أنَّه صحيح نحويّاً إلا أنَّ في حاجة إلى تغيير لوجود ما لا يُقبَل فيه من الناحية الدلالة الاجتماعيّة.
وثاني مواصفات المنهاج التعليميّ في النحو والصرف يتعلّق بالمحتوى العلميّ للمنهاج، أي: بالمادة النحويّة نفسِها، وهذه المحتوى يكون صالحاً إذا توافرت فيه الشروط الآتية:
أمّا الشرط الأول فأن تُحذَف من المنهاج المصطلحات التنظيريّة التي تنتميّ إلى نظرية النحو والصرف، مثل: مصطلحات العمل والعلة والقياس والشاهد، والشاذّ، واللهجات، كما يجب أن تحذف الخلافات النحويّة بين النحاة أفراداً وجماعات ومذاهب؛ فلا يجوز أن يُعرَّف تعليميّاً الفاعل بأنَّه معمولٌ مرفوع بأثر من عاملٍ لفظيّ مقترن بزمان محصّل متقدِّم عليه أصالة واستلزاماً؛ لأنَّ هذا التعريف على صحّته تعريف بالماهية والنظرية لا بشرائط التعليم؛ فالتعريف التعليميّ يمكن أن يُصاغ بقولنا: الفاعل اسم مرفوع ينفّذُ الفعل المقدّم عليه حقيقة أو مجازاً، مثل:
- حضَر زيدٌ.
- عشِقَ الفلاحُ الأرضَ.
فالفاعل (زيد) اسم مرفوع ينفّذُ فعل الحضور المعبَّر عنه بالفعل الماضي (حضَر)، كذلك الفاعل (الفلاح) ينفّذُ فعل العشق للأرض، وإن لم يكن للعشق شكل محدّد، ويمكن لهذا الفاعل الطبيعيّ أن يُسألَ عنه، فنقول:
- من حضَرَ؟
- من عشقَ الأرضَ؟
ولا يجوزُ في المنهاج التعليميّ الحديثُ عن الأسباب النظريّة الفلسفيّة لرفع الفاعل، كما لا يجوزُ ربط الفاعل بالمبتدأ بحجة أنَّهما في موقع المسند إليه إلا من باب تأكيد أنَّهما واجبا التقدير إن استترا، وأنَّ الفعل إذا تقدَّم على الفعل صار مبتدأ، مثل الفاعل المستتر للفعل (حضَر) في جملة:
- نعمْ، لقد حضَر.
والمبتدأ الذي كان فاعلاً في جملة:
- الحقُّ انتصرَ.
من غير تجاوز ذلك إلى جدَلٍ نحويّ لا طائلَ تحته في التعليم الأوّليّ.
وأمَّا الشاهدُ فليس له مكانٌ في النحو التعليميّ؛ لأنَّ التعليم مبنيّ على صحّة القواعد النحويّة التي نعلِّمُها؛ فهي ليست متهمةً في درجة موثوقيّتها حتى نأتي للطلبة بشاهدٍ على صِدقيّتها، أو نزرعَ في نفوس أبنائنا -من غير قصْدٍ- الشكَّ في قواعد اللغة العربيّة عندما نؤيّد كلّ قاعدة بشاهدٍ من شواهد العربيّة في النحو والصرف مع ما في الشواهد من غرابة السّبْك أو المعنى أو اللفظ أو الفكرة أو القيمة الاجتماعيّة أحياناً؛ فقد آنَ لنا أن نعلِّم أبناءَنا قواعد العربيّة بريئة من كلّ شكٍّ؛ فقد ثبتت براءتها منذ نشأتها الأولى، وصارَت أحكامُها قطعيّة بالممارسة التاريخيّة الطويلة جيلاً بعد جيلٍ، ولكن الشاهد يمكن أن يردَ في المنهاج التعليميّ على أنَّه مثال متوافقٌ مع القاعدة النحويّة لا على أنَّه حجّة لغويّة، وبخاصة إذا كان مأنوساً في محتواه الدلاليّ ولفظه الصوتيّ، كالآيات القرآنيّة الواضحة.
وأمّا الشاذّ بأنواعه كلِّها؛ فلا حاجةَ لمتعلِّم العربيّةِ إليه ابتداءً، فقد أدرَك مَن قبلنا عند تأسيس النحو من كلام المقعّدين التربويّين قولهم: «عليك ببابٍ من النحو يطّرد وينقاسُ»؛ لهذا لا يجوزُ للمعلِّم استعراض قدرته الفائقة في تعقيد الطلبة بمسألة شاذّة تُنفِّرُهم من النحو وأستاذه، كما لا يجوزُ أن يُكتَبَ في المنهاج شيءٌ عن فاعل منصوبٍ في شاهد قديم منسيّ متروك.
وقد يتحوّلُ غير الشاذّ إلى شاذٍّ إذا جاءَ في غير مكانه، أو ورَدَ قبل أوانه، كالحديث عن الفاعل المجرور لفظاً بحرف جرّ زائد، مثل: «كفى باللهِ وكيلاً» قبل أن يتعلَّم الطلبة حروف الجرّ وأنواعها؛ ذلك أنَّ من أسُسِ التخطيط اللغويّ أنَّ المعلومة العلميّة المبنيّة على معلوماتٍ عدّة لا تُشرَحُ إلا عندَ اكتمال عناصرها، كالدائرة الكهربائيّة لا تضيء إلا اتّصلت وسرى فيها التيّار الكهربائيّ.
وأمّا اللهجات القديمة والحديثة فخارج الرؤية العلميّة لمنهاج ناجحٍ؛ لأنَّها تمثّل الجزءَ غير الجامع بين أبناء الأمّة في حين تشكّل قواعد لسان العرب الجزءَ الجامع لأبناء العربيّة أجمعين، بمعنى أنَّ اللهجات لا تنتمي إلى مستوى الأمّة في الطرح، فلا يجوز أن يفخر مؤلِّفو المنهاج بأنَّ التصغير مستعمل في اللهجة العاميّة الشعبيّة، كما في الأغنية الشعبيّة:
- مَيِّل يا اغْزَيِّل.
ثم يُتعبون أنفسَهم بتفصيح كلمة (اغْزَيِّل) إلى (غُزَيِّل) تصغير (غَزال)، لكي يُقال على سبيل الفخر: إنَّ العاميّة قريبة من الفصحى بدليل استعمالها ظاهرة تصغير الأسماء؛ فهذه المسألة لا شأنَ للمتعلِّم المبتدئ بها؛ إذ يكفيه من الفخر أن يفخر باللسان الجامع.
وأما الخلافات النحويّة فهي مادّة لتعليم البحث في النحو، لا لتعليم النحو نفسِه، فمكانها قاعات دروس المتخصّصين في النحو والصرف؛ لتأهيلهم ليصبحوا باحثين؛ لهذا يجب أن تحذَف كلِّ إشارة إلى المدرسة البصريّة أو الكوفيّة، أو رأي سيبويه مثلا في موازاة رأي ابن هشام الأنصاريّ.
وأمّا الشرط الثاني فأن تُفرَز المادة النحويّة إلى مستويات علميّة وعُمريّة تناسب المتعلِّمين، والفرز العلميّ يعتمد معيارين:
أوّلهما: المعيار الكمّيّ في الاستعمال الحقيقيّ الناجز من أساليب اللغة بحسب مبدأ الكثرة في الشيوع، فيُعلَّم الأكثر شيوعاً قبل الأقل شيوعاً.
وثانيهما: المعيار الإيصاليّ بإيصال المعلومة النحويّة الظاهرة بعلاماتها الطبيعيّة الظاهرة قبل المعلومة النحويّة ذات الخروج إلى علامات فرعيّة أو مقدّرة، أو ذات التحرّك الموقعيّ بالتقديم أو بالتأخير، أو ذات التغيّر بالشكل التحويليّ للزمن أو لنوع الجملة أو لماهيّة الاسم وجنسه.
لكنَّ ثمة مشكلة في الإفادة من المعيارين: فالفرز بحسب المعيار الكمّيّ غير ناجز في اللغة العربيّة باستثناء محاولات يسيرة جزئيّة هنا وهناك؛ لأنَّ التحليلات الإحصائيّة للظواهر النحويّة والصرفيّة ما تزال تُراوحُ مكانها.
والفرز بحسب مبادئ الإيصال التعليميّ أمر فيه خِلاف بين الباحثين من النحاة والتربويّين. ومع هذا فلا يكون التعليم ناجحاً إلا باختيار ذي التردّد الأكثر في الاستعمال، فمثلاً لا ينبغي تعليم حالة جواز الابتداء بالنكرة إذا كان المبتدأ النكرة مسبوقاً بواو الحال؛ لأنَّ هذه الحالة لا تكاد توجد في العربيّة إلا في شواهدها القليلة اليتيمة.
كما لا يجوز صبّ كلّ المعلومات النحويّة عن الفاعل في العربيّة مرّة واحدة في سنة واحدة، فهذا الدرس يمكن تقسيمه إلى المراحل المقترحة الآتية:
- المرحلة الأولى: الفاعل الحقيقيّ المرفوع بالضمة الظاهرة.
- المرحلة الثانية: الفاعل الحقيقيّ المرفوع بالضمة الظاهرة المقترنة بتنوين الرفع.
- المرحلة الثالثة: الفاعل الحقيقيّ المرفوع بضمة مقدّرة بمانع الثقل أو التعذّر أو الاشتغال بحركة المناسبة.
- المرحلة الرابعة: الفاعل المرفوع بعلامة إعراب فرعيّة مشابهة للضمة، أي: الواو في الأسماء الخمسة وجمع المذكر السالم.
- المرحلة: الخامسة: الفاعل المرفوع بعلامة إعراب فرعيّة غير مشابهة للضمة، أي: الألف في الاسم المثنّى.
- المرحلة السادسة: الفاعل المرفوع تأويلاً بسبب البناء.
- المرحلة السابعة: الفاعل المرفوع تأويلاً بسبب البناء والاتصال بالفعل في حالة ضمائر الرفع.
- المرحلة الثامنة: الفاعل المرفوع تأويلاً بسبب المصدر المؤوّل.
- المرحلة التاسعة: الفاعل المستتر جوازاً أو وجوباً.
- المرحلة العاشرة: الفاعل واجب التقديم.
- المرحلة الحادية عشرة: الفاعل واجب التأخير.
- المرحلة الثانية عشرة: الفاعل بين تذكير الفعل وتأنيثه.
وهذه المراحل المقترحة يمكن أن تُعلَّم في اثني عشر مستوى تعليميّاً، كما أنَّ الإعراب في المراحل الستّة الأولى إعراب موقعيّ، يُكتفى فيه بتحديد أنَّ الكلمة مجرّد فاعل؛ لكي يتمّ في المراحل اللاحقة بعد أن يكون المتعلِّم قد كبُر قليلاً تعليم الإعراب التحليليّ مع ضرورة عدم الانتقال من مرحلة إلى أخرى إلا بالتذكير بما سبق للبناء على مفهوم التغذية الراجعة.
أمّا مسألة تحديد السنّ المناسبة لكلّ مرحلة فتحتاج إلى دراسات تربويّة، تبقى في الأحوال كلّها على أهميتها نسبيّة الدلالة.
وأمّا الشرط الثالث فأن تقوم القواعد النحويّة على أمثلة مأنوسة صحيحة ذات قيم إيجابية يقبلها المجتمع بعيداً عن الطائفيّة والتعصّب والإقليميّة أو خدش الحياء الاجتماعيّ أو الشعور الدينيّ؛ لأنَّ الأمثلة في بعدها غير النحويّ ذات رسالة في التربية، تقوم أول ما تقوم على ما نحبّ أن يكون عليه أبناؤنا، فلا يجوز أن تعلِّمَ الأمثلةُ الضرب والقتل والسرقة والتطرّف والإرهاب والقمع والتعدّي على الآخرين إلى غير ذلك من القيم المرفوضة اجتماعيّاً ودينيّاً.
على أن تُردف القواعد النحويّة والصرفيّة بتمرينات متناسبة متنوّعة تُرسِّخ القواعد، والتنوّع يعني أوّل ما يعني عدم حصر النحو في سؤال الإعراب وحده، فالتمرينات النحويّة ينبغي أن يكون فيها سؤالات التعريف؛ لفحص مدى تمثّل المفاهيم، والتمثيل؛ لمعرفة القدرة على التطبيق الابتداعيّ الحرّ، وإخراج المطلوب المطابق من نصٍّ جميل، وإكمال الفراغ؛ لمعرفة القدرة على التطبيق المقيّد، والتصحيح؛ لتفعيل القواعد النحويّة في ميز الصواب من الخطأ، والضبط لقياس صوابيّة الأداء اللغويّ، وتعداد الحالات؛ لقياس استظهار الأشكال وتمثّل الأنواع، وتحديد الفروق بين المتشابهات الشكليّة لتعليم دقّة النظر في اللغة، وشرح بعض القواعد بأمثلة مناسبة من إنشاء المتعلِّمين، والتعليل التعليميّ، واختيار الجواب الصحيح، أمّا الإعراب فلا نشغل عقل الصبيّ به كما قال الجاحظ إلا بالحدود الدنيا التي يحتاج إليها؛ لأنَّه في محصول القول علمُ البرهان النحويّ.
وينبغي أن تكون التمرينات منسجمة تمام الانسجام مع القواعد المشروحة، فلا يجوز أن يأتي تمرين على قاعدة لم تُشرَحْ في المنهاج، كما لا يجوز تجاوز بعض القواعد من غير تمرين أو أكثر، وفي الوقت نفسه لا يجوز التهوين من مسألة سهولة بعض القواعد أو التمرينات؛ لأنَّنا نعلِّم أبناءنا ولا نتحداهم بما يُعجِزُهم؛ وكثيراً ما يُظنّ المعلِّم أيّاً كان مستواه أنَّ قاعدة نحويّة ما هي من السهولة في الإدراك بحيث لا تحتاج إلى سؤال عنها؛ فإذا سأل عنها سؤالاً عابراً؛ اكتشف أنَّ الطلبة ما كانوا لها بعارفين.
وأمّا الشرط الرابع فأن تكون المادة التعليميّة منسجمة في مستوياتها كلّها، لا أن تتعارض بين مستوى وآخر نتيجة تغيير فريق التأليف واختلاف الرؤى العلميّة؛ فالأصل التكامل، على أن تكون المستويات مناسبة حجماً لعُمر المتعلِّمين في الاستيعاب، والزمن المعطى للمعلِّمين في الشرح.
وأمّا الشرط الخامس فأن تُكتَبُ المادة النحويّة والصرفيّة بلغة فصيحة سهلة واضحة مأنوسة تناسب عصرنا من غير تكلّف الإغراب في الصياغة، أو تقليد أسلوب القدماء، فلكلِّ زمانٍ لغته، بل لكلِّ عصر لغته، ولكلِّ جيل لغته، وفي الأحوال كلِّها ثمة فرق كبير في اللغة التي نكتب فيها للشداة في علم العربيّة، واللغة التي نكتب فيها للعلماء وللباحثين، كالفرق في كلام الأب مع ابنه الصغير، وكلامه مع أخيه الكبير، وكلامه مع زميله في العمل.
ولا بأس هنا من إضافة شرط فنّي سادس يتعلّق بالإخراج الفنيّ الجاذب للكتاب من حيث الألوان، ونوع الخطّ، والرسومات، والزخرفة الشكليّة، ولا بأس من أن يكون للكتاب شقيق إلكتروني على شكل نسخة محوسبة من الكتاب؛ فنحن في عصر الحاسوب وتطبيقاته المذهلة.
وثالث المواصفات المهمة في التخطيط اللغويّ إعداد معلِّم اللغة العربيّة إعداداً علميّاً خاصّاً يتجاوز المعرفة العلميّة إلى شيء من مهارة التعليم وأساليبه، وبناء شخصية المعلِّم وفق مفهوم القدوة الصالحة، وهنا ينبغي التذكير بأنَّ تخصّص اللغة العربيّة بوصفها لغة الدولة يعني ضرورة تمييز هذا المعلِّم بميزتين:
الأولى في اختياره لدراسة التخصّص بأن يكون هذا التخصّص للمتفوقين في معدّل الثانويّة بشكل عام، ومعدلّ مادة اللغة العربيّة بشكل خاصّ وفق معادلة مناسبة يضعها الخبراء.
وأمّا الثانية فأن يشعر معلِّم اللغة العربيّة بأنَّه صاحب رسالة تظهر في الاحترام المجتمعيّ له، وفي حافز ما من المدرسة أو وزارة التربية والتعليم يجعل دراسة اللغة العربيّة مطمحاً للمتفوقين لا خياراً أخيراً لمن لم يحالفهم الحظّ أحياناً في التخصّصات الأخرى.
وأمَّا الاختبارات اللغويّة فهي علم قائم بذاته ينبغي أن يُلِّم به معلِّم العربيّة ليعرف قبل كلِّ شيء أنَّ النحو ليس سؤالَ إعرابٍ فحسب؛ وليعرف أنَّ اختيار السؤال عن الشيء أساس تصوّره نظريّاً وعمليّاً؛ لهذا قد يكون من المناسب إعطاء معلمي اللغة العربيّة دورة أو دورات في بناء أسئلة الاختبارات بناء ناجحاً.
وأمّا الطالب فلا نريد منه إلا أنْ يكون ابناً وفيّاً للغته العربيّة، يحترمها ويتعلَّمُها، كما يحترم أباه وأهله، ويتعلّم منهم، فهو وريث اللغة من بعدنا، والمستأمنُ عليها.
وكيف دار الأمر فالتخطيط اللغويّ لا يقوم به لغويّ مثلي وحدَه، بل يحتاج إلى مساعدة ومساندة من خبراء آخرين، لهم رؤيتهم العلميّة في صناعة مُربّي الأجيال، وفي طرائق القياس والتقويم وفق أحدث المنجزات العلميّة في هذا المجال؛ فاللغة لنا جميعاً، ونحن جميعنا عنها مسؤولون؛ لأنَّها صورتنا المعبِّرة عنّا، فكيف نريدُ أن تكون صورتُنا؟