د. عبدالعزيز بن علي الحربي
رَمى بي البصرُ – وفي يدي مُقلّب القنوات (الرَّيموت)- إلى قناة يتحدث فيها رجل بصوت جَهير أجشّ، يتكلم بجوارحه كما يتكلم بلسانه، أعني أنه حين تكون الكلمة مضمومَةً ،يمد شفتيه، ويجمع حاجبيه، ويفتحهما حين الفتح ،ويلوي شدقه حين الكسر، ومن حرصه على الإعراب أنه لا يسكّن، وإذا وقف وقف بالحركة لا بالسكون، وأنا لا أحفظ نصَّ كلامه، ولكني أذكر بعض ما أتذكره أو ما يشبهه، فمما قال – وقَفَهُ الله-: (كثيرٍ جدّا بعضَ الناسِ تراه غيرِ مبالياً بمن حَولِه) أو كما قال.
يظن – أبقاه الله (في بيته) – أن الإعراب هو ضبط أواخر الكلم بالحركات الواضحة كيفما شاء المتكلم ،وإخراج اللسان عند النطق ثم إدخاله في الفم حتى تسمع صوت المِزلاج (كما يقول لكم مضيفو الطائرة) يا سلام! حين يكون الإعراب بهذه السُّهولة!! و يا حسرة على العباد !من النحويين الذين ضاعت أعمارُهم سبهللاً في تصنيف قواعد الإعراب وقوانين النحو والصرف!! ويا خيبةً لمجامع اللغة التي أنشأناها، لقد جهدت في أن أبقى معه دقائق ،ولكنَّ صبري لم يصبر، وخشيت أن يفطن إلى آية يستشهد بها ويفعل في ألفاظها كما يفعل في سائر كلامه، فأصاب بإغماء.. ولقد ذكرت بذلك رجلاً من العامَّة، يشهد للرجل بالعلم الغزير، وأنه كالبحر الهائج المائج، قلت له : كيف شهدتَ له بذلك ؟ قال : أما سمعته حين يتكلم يرفع وينصب، قل : ما شاء الله ! فقلت : ما شاء الله !ولا عجب في ذلك،
فإن العالم لا يعرفه إلا العالم لأنه مثله، وهو أيضا يعرف الجاهل ؛ لأنه كان قبل ذلك جاهلا، وأما الجاهل فلا يعرف العالم، لأنه لم يكن عالما.
وخاتمة الكلام: إنني لا أستطيع أن أقول عن ذلك المفوَّه الذي حرَّك كلّ ساكن إلا أنه (كلّه حركات) وأنا لا أسخر ،ولكنّي أعجب ، فقد نهينا عن السّخرية، وفي قدرتنا أن لا نسخر ، وأما العجب فلا نملكه، فاللهمَّ لا تؤاخذنا فيما لا نَمْلِك وتَمْلِك.