دراسات نحوية لأنماط الضمير ( إيَّا )
في القرآن الكريم
د. محمد عزيز عبد المقصود
الحمد لله الذي أنزل القرآن بلسان عربي مبين, وصلاة وسلامًا على أفصح الفصحاء, وأبلغ البلغاء سيدنا محمد بن عبد الله, وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد
فإن القرآن الكريم قد حظي بدراسات لغوية متنوعة, سواء كانت نحوية, أو صرفية, أو بلاغية, أو أدبية, أو غير ذلك, وكل هذه الدراسات إنما تصب في قالب واحد, وتسير في مجرة واحدة, ألا وهي الدراسات اللغوية القرآنية التي مهما تحدث فيها القدامى و المحدثون, ومهما لمسوا جوانب كثيرة من جوانب اللغة في القرآن الكريم, فإن لغة القرآن لا تنفد أبدا, وإنما يفتح هؤلاء أبوابا لهؤلاء؛ لينهلوا من معين واحد ألا وهو معين القرآن.
مما لاشك فيه أن الدراسات النحوية في القرآن الكريم, قد حظيت بمكانة كبيرة بين العلماء الدارسين للقرآن, وعكف هؤلاء وهؤلاء على استخراج جواهر نحوية من القرآن الكريم جعلت المكتبة النحوية زاخرة بمصنفات عظيمة, وأبحاث لها قدرها العلمي, ومكانتها العالمية.
إن دراسة الضمير" إيا " في القرآن الكريم لهي دراسة لها كيانها الخاص, وطابعها المتميز؛ حيث إنني أردت من هذه الدراسة الوقوف على علاقة السياق بعضه ببعض من استخدام الضمير " إيا ", مع مراعاة اللاحقة التي تلحقه من خطاب وتكلم وغيبة, وما يتركه استخدام هذا الضمير من معان متنوعة في سياقات مختلفة, والوقوف على هذه المعاني بالدرس والتحليل مع عرض جوانب بلاغية تخدم الدراسات النحوية لهذا الضمير، وذكر معان تفسيرية كذلك, ومن هنا جاء عنوان البحث" دراسات نحوية لأنماط الضمير " إيا " في القرآن الكريم.
وقمت في الدراسة بتصنيف جدول لمواضع الضمير " إيا " في القرآن الكريم, تناولت فيه مواضع مجيء هذا الضمير مع لاحقته في القرآن وتحليل هذا الأمر, وكذلك قمت بتصنيف جدول آخر تناولت فيه مواضع إعراب هذا الضمير, وأشرت في الدراسة إلى العلاقة بين استخدامات هذا الضمير عند النحويين واستخداماته في القرآن الكريم, وتحليل ذلك, وأشرت كذلك في نهاية الدراسة إلى أهم النتائج.
أردت من هذه الدراسة أن أنال شرف الدارسين الذين خاضوا هذا الخضم العظيم, وإن له لمهابة ترجف لها القلوب, وتحار فيها العقول, وكفى بالباحث شرفا أن وقعت عينه على لآلئ ثمينة, كان النظر إليها عبادة, وكتابتها سعادة, وبغيتي منها الإفادة, والله أسأل أن يعلمنا ما ينفعنا ويزيدنا علما وزيادة.
" إيا " ضمير نصب منفصل تلحقه ياء المتكلم وكاف المخاطب وهاء الغائب وفروعها ، فنقول مع المتكلم: إياي، وإيانا، ومع المخاطب : إياكَ، إياكِ، إياكما، إياكم، إياكنَّ، وللغائب: إياه، إياها، إياهما، إياهم، إياهن "( 1).
وهناك خلاف بين النحويين حول " إيا " ولواحقه : هل الضمير هو مع لواحقه، أو هو وحده واللواحق حروف أو هو واللواحق أسماء أضيف هو إليها ، أو اللواحق وحدها وإيا زائدة لتتصل بها الضمائر؟ وذلك على النحو التالي(2 ):
ـ مذهب سيبويه أن الضمير هو " إيا " وحده، وما اتصل به حروف تبين أحوال الضمير من تكلم, وخطاب, وغيبة. وعزي إلى الأخفش , واختاره الفارسي .
ـ وذهب الفراء إلى أن هذه اللواحق هي الضمائر , وإيا دعامة زائدة تعتمد عليها الضمائر.
ـ وذهب الزجاج إلى أن اللواحق ضمائر موافقا بذلك الفراء، إلا أنه قال: إن "إيا " اسم ظاهر أضيف إلى اللواحق ، فهي في موضع جر به.(3 )
ـ وذهب ابن درستويه إلى أن " إيا " بين الظاهر والمضمر.
ـ وذهب الكوفيون غير الفراء إلى أنه بجملته هو الضمير يعني " إيا " ولواحقه, وهناك رأي آخر للكوفيين يرى أن " إيا " دعامة, واللواحق هي الضمائر.
ـ وذهب الخليل والأخفش والمازني فيما نقله ابن مالك واختاره إلى: أن " إيا" ضمير، وأن اللواحق ضمائر أضيفت إليها " إيا ".
ـ وذهب الخليل فيما ذكره ابن عصفور إلى أن " إيا " اسم ظاهر, واللواحق ضمائر أضيف إليها " إيا ", فهن في موضع خفض بالإضافة .
والذي نميل إليه من الآراء السابقة ما ذهب إليه سيبويه ومن نحا نحوه؛ لأن اللاحقة في " إيا " كاللاحقة في : أنت, وأنتما , وأنتم، وأنتن ، وكاللواحق في اسم الإشارة.( 4)
لغاته: ذكر أبو حيان عدة لغات لـ " إيا" نوجزها فيما يلي (5 )
ـ لغة بكسر الهمزة وتشديد الياء " إيّا "، وبها قرأ الجمهور.
ـ لغة بفتح الهمزة وتشديد الياء, " أيّا "، وبها قرأ الفضل الرقاشي.
ـ لغة بكسر الهمزة وتخفيف الياء, " إيا " وبها قرأ عمرو بن فائد عن أبي.
ـ لغة بإبدال الهمزة المكسورة هاء. " هِيا ".
ـ لغة بإبدال الهمزة المفتوحة هاء، " هَيا " وبذلك قرأ " ابن السّوَّار الغَنَوي".
وذكر ابن مالك أنه يقال بكسر الهاء وتشديد الياء، " هِيّا ".( 6)
ومن صور استخدامات الضمير " إيا " الصورة المستخدمة مع أسلوب التحذير, لكنها لم تستخدم في القرآن الكريم.
السورة الآية رقمها اللاحقة
الفاتحة إياك نعبد وإياك نستعين .....5..... كَ
النساء ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله.... 131.... كم
الإسراء ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم...... 31..... كم
العنكبوت وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم...... 60...... كم
سبأ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين..... 24...... كم
سبأ أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون...... 40...... كم
الممتحنة يخرجون الرسول وإياكم...... 1...... كم
البقرة واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون...... 172...... هـ
الأنعام بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه...... 41..... هـ
التوبة وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه..... 114...... هـ
يوسف إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه .....40..... هـ
النحل واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون..... 114..... هـ
الإسراء وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ......23...... هـ
الإسراء وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه.... 67...... هـ
فصّلت واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون...... 37...... هـ
الأنعام ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم .......151...... هم
البقرة وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون ...... 40..... ي
البقرة ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون...... 41....... ي
الأعراف قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي..... 155....... ي
النحل إنما هو إله واحد فإياي فارهبون..... 51 ......ي
العنكبوت يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون..... 56...... ي
يونس وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون...... 28..... نا
القصص ما كانوا إيانا يعبدون..... 63..... نا
الرقم السورة عدد مرات ذكر الضمير
1 الفاتحة 2
2 البقرة 3
3 النساء 1
4 الأنعام 1
5 الأعراف 2
6 التوبة 1
7 يونس 1
8 يوسف 1
9 النحل 2
10 الإسراء 3
11 القصص 1
12 العنكبوت 2
13 سبأ 2
14 فصلت 1
15 الممتحنة 1
الجملة 15 24
ملاحظات عامة على ما سبق:
ـ ورد الضمير " إيا " مع لواحقه أربعا وعشرين مرة في القرآن الكريم في خمس عشرة سورة.
ـ ورد الضمير " إيا " مع لاحقة المخاطب ثماني مرات، مرتين مع لاحقة المفرد المخاطب " كَ "، وست مرات مع لاحقة جمع المخاطب " كم ".
ـ ورد الضمير " إيا " مع لاحقة الغائب تسع مرات، ثمانٍ منها مع لاحقة المفرد الغائب " هـ "، ومرة واحدة مع لاحقة جمع الغائب " هم ".
ـ ورد الضمير " إيا " مع لاحقة المتكلم سبع مرات، خمس منها مع لاحقة المفرد المتكلم " ي "، ومرتين مع لاحقة جمع المتكلم " نا "
الآية الضمير إعرابه
إياك نعبد وإياك نستعين إياك مفعول به مقدم
ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإياكم معطوف على الاسم الموصول
ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم وإياكم معطوف على الضمير " هم "
وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وإياكم معطوف على الضمير "ها "
وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين إياكم معطوف على الضمير " نا "
أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون إياكم مفعول به مقدم
يخرجون الرسول وإياكم إياكم معطوف على اسم ظاهر
واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون إياه مفعول به مقدم
بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إياه مفعول به مقدم
وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه إياه مفعول به ثان
إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه إياه مفعول به بعد إلا
واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون إياه مفعول به مقدم
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه إياه مفعول به بعد إلا
وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه إياه مستثنى بإلا
واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون إياه مفعول به مقدم
ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم إياهم معطوف على الضمير " كم "
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون إياي مفعول به مقدم
ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون إياي مفعول به مقدم
قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي إياي معطوف على الضمير " هم "
إنما هو إله واحد فإياي فارهبون إياي مفعول به مقدم
يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون إياي مفعول به مقدم
وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون إيانا مفعول به مقدم
ما كانوا إيانا يعبدون إيانا مفعول به مقدم
ملاحظات عامة على الجدول السابق:
ـ ورد الضمير " إيا " ثلاث عشرة مرة مفعولا به مقدما.
ـ ورد الضمير " إيا " مرتين مفعولا به بعد الفعل.
ـ ورد الضمير " إيا " مرة واحدة مفعولا به ثانيا.
ـ ورد الضمير " إيا " سبع مرات معطوفا ، وجاء المعطوف عليه مرة اسما موصولا، ومرة اسما ظاهرا، وخمس مرات ضميرا، وجاءت أداة العطف بين المعطوف والمعطوف عليه ست مرات حرف الواو، ومرة حرف أو.
ـ ورد الضمير " إيا " مرة واحدة مسثنى بإلا.
( إيّاكَ نعْبدُ وإيّاكَ نستعينُ )
الأصل " نعبدك ونستعين بك "، فلما أراد الاعتناء والاهتمام بالمفعول قدم، فصار: " إياك نعبد وإياك نستعين ". ويجوز أن يعدى " استعان " بنفسه وبالباء.( 7)
يقول أبو حيان:" سب أعرابي آخر فأعرض عنه , وقال: إياك عني, فقال له: وعنك أعرض, فقدما الأهم ".(8 )
ويلاحظ أن الفعل المستخدم مع العبادة والاستعانة هو المضارع " نعبد " و " نستعين " الدال على التجدد والاستمرار, والفاعل مع هذين الفعلين ضمير مستتر تقديره " نحن ", وأتى هذا الفاعل بصيغة ضمير المتكلمين ولم يأت ـ مثلا ـ بصيغة الإفراد " أعبد وأستعين "، وهذا دليل على أن العبادة لله تعالى لا تتأتى بصورتها المتكاملة للمسلم إلا في سياق جماعة مسلمة لا منفردة.
فإن قيل: لم كرر الضمير " إياك "؟ قيل: " كرر " إياك " ؛ ليكون كل من العبادة والاستعانة سيقا في جملتين ، وكل منهما مقصود, وللتنصيص على طلب العون منه، بخلاف لو كان" إياك نعبد ونستعين "، فإنه كان يحتمل أن يكون إخبارا بطلب العون، أي وليطلب العون من غير أن يعين ممن يطلب ".( 9)
(ولقدْ وصّينا الذين أوتوا الكتابَ منْ قبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقوا الله)( 10)
يلاحظ أن الضمير " إيا " في هذه الآية ورد معطوفا على اسم ظاهر هو الاسم الموصول " الذين " وحرف العطف المستخدم" و" الدالة على الجمع المطلق بين المتعاطفين(11 ), وهذا المعنى يتناسب مع سياق الآية ومعناها؛ فتقوى الله وعبادته قضية رئيسة تجمع بين الأمم كلها أمر بها الأنبياء جميعا, وهذا العطف رد على من قيّد عطف الضمير المنفصل على الاسم الظاهر بالشعر، " بل من موجب انفصال الضمير كونه يكون معطوفا ، فيجوز: قام زيد وأنت, وخرج بكر وأنا لا خلاف في جواز ذلك، فكذلك ضربت زيدا وإياك".(12 )
( ولا تَقْتُلوا أوْلادَكُم خشيةَ إمْلاق نحْنُ نَرْزقُهم وإيّاكُم )( 13)
يلاحظ هنا أن الضمير " إيا " عطف على الضمير " هم " الذي محله المفعول به ، وظاهر التركيب أن الآباء موسرون وأن قتلهم إياهم إنما هو لتوقع حصول الإملاق والخشية منه فبدئ فيه بقوله " نحن نرزقهم " إخبارا بتكفله تعالى برزقهم، فلستم أنتم رازقيهم ".( 14)
والآية تطمئن الآباء أن الله تعالى وحده لا غيره هو المتكفل برزق الأولاد لا أنتم أيها الآباء فلم الخوف من الفقر إذن؟
ويلاحظ أنه عبر بالجملة الاسمية " نخن نرزقهم " الدالة بمعناها على الاستمرارية, وكذلك استخدم الفعل المضارع " نرزقهم " الدال على التجدد والاستمرار, وهذا يتلاءم مع المعنى المراد من الآية, فالله عز وجل لم يضمن للآباء الرزق فقط, لكنه ضمن لهم استمراريته, وتجدده
والتفكير في القتل في سياق هذه الآية ليس لأن الآباء فقراء، ولكنهم يتوقعون الفقر وإن كانوا أغنياء، وهذا دليل على ضعف النفس البشرية التي ـ وإن ضمن لها الله عز وجل رزقها ـ تُشغل بطلب ما قد ضمن لها عما خلقت من أجله.
( وَكأيّنٍ منْ دابةٍ لا تحْمِلُ رزقَها اللهُ يرزقُها وإيّاكُم )( 15)
جاء التركيب " الله يرزقها وإياكم " عطف الضمير " إيا " على ضمير المفردة الغائبة " ها ", ونلاحظ في الآية هنا أن كلمة " دابة " أتت نكرة دالة على الشمول والعموم ، فهي شاملة بجنسها أي حيوان مهما كان صغيرا أو كبيرا , واتت جملة " لا تحمل رزقها " في موضع صفة لهذه الدابة، فهذه الدابة ليست قادرة على حمل رزقها " إما لضعفها وعجزها عن ذلك وإما لكونها خلقت لا عقل لها فيفكر فيما يخبؤه للمستقبل، أي يرزقها على ضعفها ".( 16)
وقوله تعالى" الله يرزقها " جملة اسمية دالة على الاستمرارية، أي استمرارية رزق الله تعالى لهذه الدابة , ونلاحظ أن جملة " الله يرزقها " لا يوجد بينها وبين جملة " لا تحمل رزقها " أي وسيلة من وسائل العطف، فالمعنى : أن الله تعالى لم يدع مجالا لأحد حتى يفكر في كيفية تدبير رزق هذه الدابة ، وهذا يناسب المعنى المراد من عطف الضمير " وإياكم " على محل ضمير الدابة " ها " فالذي شغل نفسه برزق هذه الدابة بصفتها هذه أليس قادرا على تدبير رزقكم وحفظه لكم؟
ولذلك جاء التركيب" الله يرزقها وإياكم " ولم يقل:" الله يرزقكم وإياها "
ويلاحظ كذلك أن الدابة ليس لها عقل تفكر به؛ كي تدخر ـ مثلا ـ شيئا للمستقبل، وأنتم لكم عقول وتدخرون ومع ذلك تخشون الفقر، وفي هذا بعد عن فهم حسن التوكل على الله تعالى ، أليس هو القائل " ومن يتوكل على الله فهو حسبه ".( 17)
( وإنّا أو إيّاكُم لَعلى هدىً أو في ضلالٍ مُبين )( 18)
يلاحظ في التركيب " وإنا أو إياكم " أن الضمير " إيا " عطف على الضمير " نا" الذي في محل نصب اسم إن، والمراد بالضمير"نا ": الموحدون الرازق العابدون ، والمراد بالضمير " إياكم ": المشركون العابدون الأصنام والجمادات.
فإن قيل: كيف يعطف الثاني بمعناه هذا على الأول بمعناه هذا ، علما بان من معاني " أو " التخيير ؟ ( 20)
قلت: قال أبو حيان:" المعنى أن أحد الفريقين منا ومنكم لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال ، أخرج الكلام مخرج الشك والاحتمال، ومعلوم أن من عبد الله ووحّده هو على الهدى, وأن من عبد غيره في ضلال.. وهذا النوع يسمى في علم البيان استدراج المخاطب, يذكر له أمرا يسلمه وإن كان بخلاف ما ذكر؛ حتى يصغي إلى ما يلقيه إذ لو بدأ به بما يكره لم يصغ، ولا يزال ينقله من حال إلى حال؛ حتى يتبين له الحق ويقبله، وهنا لما سمعوا الترداد بينه وبينهم، ظهر لهم أنه غير جازم أن الحق معه، فقال لهم بطريق الاستدلال: إن آلهتكم لا تملك مثقال ذرة, ولا تنفع, ولا تضر؛ لأنها جماد وهم يعلمون ذلك، فتحقق أن الرازق لهم, والنافع والضار هو الله سبحانه ".( 21)