"البيان في روائع القرآن"، في ضوء "اللغة العربية معناها ومبناها"،
إطلالة على حركة تفكير الدكتور تمام حسان،
رحمه الله، وطيب ثراه!
ج1/2
https://www.youtube.com/watch?v=ECDrR_P3IiM
بسم الله -سبحانه، وتعالى!- وبحمده، وصلاة على سوله وسلاما، ورضوانا على صحابته وتابعيهم، حتى نلقاهم!
في إحدى المحاضرات الصرفية القافوية عام ستة وثمانين وتسعمئة وألف، انفتح باب المدرج ليطل منه من لم أميز ملامحه أو لا أذكرها، فانتفض إليه أستاذنا الدكتور أمين علي السيد، ورحب به، ثم عاد، فذكر لنا ذِكْر الكبير التقدير أنه الدكتور تمام حسان -رحمهما الله، وطيب ثراهما!- وكأنه جاءه يُسلِّمه قبل أن يذهب، مقدمة كتابه "في علم النحو"!
ثم بعد زمان طويل حضرت مناقشة بعض رسائل الدكتور تمام حسان العلمية، ثم لقيتُه بعقبها، وجادلته في شأنها قليلا، وشرح لي وللواقفين على أوراق أخذتُها وألصقتها بكتابه "اللغة العربية معناها ومبناها"، نظريةَ تشومسكي التوليديةَ التحويلية، ثم ذكر في الموازنة بينه وبين تشومسكي، أن تشومسكي يجوس خلال دروب اللغة الدقيقة، وأنه يشرف عليها من فوق! وفي تلك الأيام زار تشومسكي نفسه القاهرة، وحاضر في الجامعة الأمريكية، محاضرة سياسية مجّانية؛ ودُعي إلى المحاضرة في علم اللغة، فطلب عشرين ألف دولار!
ثم بعد زمان طويل آخر تشرفت بمشاركة الدكتور تمام حسان في الإشراف على "نحوُ النص دراسةٌ تطبيقية لمفاهيم علم النص: قصةُ موسى عليه السلامُ في النص القرآني نموذجًا"، رسالةِ إبراهيم محمد أحمد الدسوقي، التي نال بها عام سبعة وألفين الميلاديَّ درجةَ الدكتوراة، من قسم النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة، وكنت أقول للطالب عندئذ: إنما شاركتُ أستاذنا لأخدمه. وقد صار هذا الطالب رئيس قسم اللغويات وأصول اللغة ورئيسَ تحرير المجلة العلمية للغة والثقافة بكلية اللغة العربية من جامعة السلطانِ عبدِ الحليم معظمِ شاهَ الإسلاميةِ الماليزية، وانقطعت عني أخباره، إلى أواخر العام الماضي؛ إذ رغب في إخراج الرسالة كتابا بعنوان "نحوُ النص ولغةُ القرآن"، ولم يجد من يقدمه غيري، فكان مما كتبتُه عني وعنه في هذه المقدمة: "حُقَّ لي وله أن نفخر باقتران اسمَيْنا باسم سيبويه العصر"!
ولا يقولن أحد: ما للدكتور تمام وللإشراف على الموضوعات النصية؛ فقبل عشرة أعوام من مناقشة هذه الرسالة (1998)، ترجم الدكتور تمام "النص والخطاب والإجراء"، كتابَ روبرت ألان دي بو جراند، الذي حدد المعايير السبعة التي يصير بها الملفوظ نصا، وتَوَّجَهُ بمقدمة طويلة حار بعض العلماء في وصفها قياسا إلى الكتاب المترجم نفسه!
وقبل ترجمته هذا الكتابَ بخمسة أعوام (1993)، نشر الطبعة الأولى من كتابه "البيانُ في روائع القرآن"، ثم طوره في طبعته الثانية عام ألفين -أي بعد ترجمته كتاب دي بو جراند بعامين- من جزء واحد في ثماني صفحات وستمئة، إلى جزأين اثنين في أربعين وتسعمئة.
وقبل نسبة هذا التطوير إلى أثر ترجمته كتاب دي بو جراند، يجب أن نراعي أن التطوير لا يخلع المطوَّر من أصله، وقد قال بعض المشتغلين بنقد الطبعة الثانية من "البيان في روائع القرآن": "يمكن أن نستنتج مما تقدم أن كتاب البيان في روائع القرآن (...)، إنما هو دراسة تطبيقية وافية لنظرية القرائن النحوية على القرآن الكريم، هيمنت عليه الغاية التعليمية، ثم تلتها الغاية التفسيرية بصفة أقل، ثم الغاية الجمالية بدرجة أقل" [2012، بعيطيش، يحيى، منهج الدكتور تمام حسان في تفسير النص القرآني من خلال كتابه البيان في روائع القرآن، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، العدد 31، 154-155]؛ فعلقه بكتاب "اللغةُ العربية معناها ومبناها"، المنشورِ أول مرة عام ثلاثة وسبعين وتسعمئة وألف، الذي اتسع لنظرية القرائن النحوية المشار إليها، هذه التي قال عنها أستاذنا الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف في تأبين أستاذه الدكتور تمام حسان -رحمهما الله، وطيب ثراهما!-: "نظرية متكاملة عن اللغة العربية تقوم على القرائن النحوية التي تضمن تحقيق المعنى في الجملة، وهي قرائن لفظية وقرائن معنوية، وهذه القرائن تتضافر وتتعاون معا من أجل الوضوح وعدم اللبس في الجملة، والقرائنُ اللفظية هي: العلامة الإعرابية والرتبة والصيغة والمطابقة والربط والتضام والأداة والتنغيم، والقرائنُ المعنوية هي: الإسناد والتعدية والغائية والمعية والظرفية والتقوية والملابسة والتفسير والإخراج والخلاف والنسبة والتبعية. وكل هذا مشروح في هذا الكتاب، وتعنينا منه النتيجة المهمة وهي أنه إذا اتضحت القرائن أمكن الإعراب (...)، وأن بعض القرائن قد يغني عن بعض عند أمن اللبس" [2012، عبد اللطيف، محمد حماسة، الدكتور تمام حسان رائد علم اللغة الأول، مجلة جسور، العدد الأول، 263].
وفي دعوى تطبيق الكتاب ينبغي أن نتوقف حتى نتبين قول الدكتور تمام حسان نفسِه في مقدمة كتابه "الخلاصة النحوية": "كنت قد عبرت في تقديم الدراسة المذكورة -يقصد كتابه [اللغةُ العربية معناها ومبناها]- عن أملٍ أن يتناولها المختصون بالنقد البناء حتى أعرف مدى صوابها وخطئها، ولكن السنين مضت طويلة دون أن أظفر بدراسة نقدية لهذا العمل حتى كدت أفهم من سكوت النقاد عدمَ استحقاق الدراسة لعنايتهم؛ ففوضتُ أمري إلى الله، ورجوته أن يوفقني للإنتاج في عمل آخر. ثم بدأت بشائر النقد تظهر بعد السنين، وتوالى القادحون والمادحون؛ فرحبت بقراءة ما كتبه هؤلاء وأولئك من نقد موضوعي، وتحملت التجريح النادر أيضا بصدر متسع وابتسامة واثقة، وحمدت لكلِّ من تناول الدراسة بالنقد إسهامه في إذاعة أمرها والعناية بها. وكان مما قرأته من نقد أن النظرية لا تَصْدُقُ إلا من خلال التطبيق؛ فكان ذلك حافزا لي على محاولة التطبيق، وكانت النتيجةُ هذه الخلاصةَ النحوية. سيدي القارئ، إن هذه الخلاصة لم يُقصد بها أن تكون متنا من متون النحو التي تعز على الحصر، وإنما أريد لها أن تحقق الأمور التالية: (1) أن تكون تطبيقا للدراسة النظرية المشار إليها وذلك بإبراز تضافر القرائن على بيان المعنى. (2) أن تكون مركزة تركيزا شديدا بحيث تخلو من إبراد الشواهد إلا في أضيق الحدود. (3) أن تلجأ إلى نوع جديد من عرض حقائق النحو عن طريق الأشكال الإيضاحية المُعِينة على تصور العلاقات بين الأحكام. (4) أن تكون مبنية على أنواع الجمل للوصول من داخلها إلى أبواب المفردات طمعا في أن يكون ذلك أكثر كشفا عن الأساليب النحوية. (5) اشتملت أمثلةُ القواعد في هذه الخلاصة على لفظ [زيد] و[عمرو] في معظم الحالات، وجعلتُ ذلك موازيا لما في علوم الرياضة من رمزَي [س] و[ص]؛ فالمهم هو المثال، أما أناقة العبارة فتُلتمس في الشواهد لا الأمثلة" [2000، حسان، الدكتور تمام، الخلاصة النحوية، نشرة عالم الكتب، الطبعة الأولى، 8-9].
إن كتاب "الخلاصة النحوية"، عند الدكتور تمام حسان نفسه إذن، هو العملُ الذي أضاف به التطبيق إلى التنظير الذي عيب اقتصارُه عليه في كتابه "اللغةُ العربية معناها ومبناها". وإذا اطلعنا على كتاب "الخلاصة النحوية"، وجدناه سبعا وثمانين ومئة صفحة، أغلبها الأعظم جداول ومشجرات ومدرجات، أعاد بها الدكتور تمام حسان تسكين مفردات التراث النحوي، في المساكن التي أعدَّها لها كتابه "اللغةُ العربية معناها ومبناها"- بخمسة أقسام تتقدمها مقدمة في ثوابت النحو العربي وقرائنه: القسمُ الأول الدراسة الصوتية، والقسمُ الثاني الدراسة الصرفية، والقسمُ الثالث الدراسة النحوية، والقسمُ الرابع المكملات، والقسمُ الخامس ظواهر إعرابية، استوعب بها الدكتور تمام حسان على منهج كتابه "اللغة العربية معناها ومبناها"، كل ما يدرسه الطلاب من الأبواب النحوية والصرفية وما يتعلق بها من الأبواب الصوتية، وكأنه يتيح لمعلمي هذه الأبواب تعليمها على منهجه، ويقطع عليهم سبيل الاعتذار باستعصائه عليهم [2024، دسوقي، الدكتور علاء، تطور التفكير اللغوي عند تمام حسان، مجلة كلية الآداب بالوادي الجديد، العدد العشرون، الجزء الثاني: 248-249؛ وقد ذكر الباحث أن كتاب "الخلاصة النحوية" تطبيق نظري، وأن الدكتور تمام حسان طور فيه بعض ما في "اللغة العربية معناها ومبناها"].
ولقد يبدو لي أن عمله بكتابه "الخلاصة النحوية"، أقرب إلى صلة الرحم، منه إلى تطبيق كتابه "اللغةُ العربية معناها ومبناها"، والدكتور تمام حسان أحد أشراف قسمنا (قسم النحو والصرف والعروض)، يعرف الأصول -والأصول أحد أهم كتبه على الإطلاق- أَفْلَتَ كتابُه "اللغة العربية معناها ومبناها"، من القيود التي قيَّدت قسم النحو والصرف والعروض ظلما وعدوانا؛ فحار فيه زملاءُ قسمه، فبدَّد حيرتهم بكتابه "الخلاصة النحوية"، حتى يستطيعوا -إما شاؤوا!- أن يعلِّموه طُلابَهم.
أما عمله الجدير بأن يُعد تطبيق كتابه "اللغةُ العربية معناها ومبناها"، فهو "البيان في روائع القرآن"، الذي تيسرت لي طبعته الأولى، ولم أقرأه إلا في طبعته الثانية! وقد سلسلتُ من قبلُ في التعليق على الكتابين سلسلتين تنتميان إلى منهجي في التعليق على الكتب الذي حاضرت فيه محاضرتي "فنُّ التعليق على الكتب"، ونشرتُ فيه كتابي "دليل المتثقفين"، ولن أشغلكم منهما إلا بأن أقول: لقد وجدتني في أثناء قراءة "البيان في روائع القرآن"، كمن قال له المتنبي:
"وَقَدْ وَجَدْتَ مَجَالَ القَوْلِ ذَا سَعَةٍ فَإِنْ وَجَدْتَ لِسَانًا قَائِلًا فَقُلِ"!