( أعمال المجمع ) أعمال المجمع : 1 ـ دراسة الألفاظ والأساليب والمصطلحات الجديدة في العلوم والآداب والفنون التي لم تدرسها المجامع من قبل . 2 ـ دراسة لهجات القبائل في الجزيرة العربية وما حولها تصحيحا وتأصيلا . 3 ـ إصدار مجلة علمية محكمة ورقية وإلكترونية دورية . 4 ـ دراسة ما يقدّمه المتصفحون من أسئلة ومقترحات. 5 ـ التواصل مع الدارسين وطلبة العلم بواسطة الهاتف (الخط الساخن) كل يوم . 6 ـ تقديم الرأي والمشورة في الصياغة اللغوية لجهات معينة (الجهات الرسمية، القضاء، المحاماة، العقود) . *** للتواصل مع المجمع عبر بريده الشبكي / m-a-arabia@hotmail.com /*** |

مجمع اللغة العربية بمكة يعلن عن إطلاق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 9,495
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي ضوابط الاختصار في اللغة

كُتب : [ 06-13-2019 - 06:02 AM ]


ضوابط الاختصار في اللغة
د. عبد الله أحمد جاد الكريم






تحدثنا فيما سبق عن أسباب الاختصار ونتائجه، وقد تعرَّفنا على مكانةِ الاختصارِ في اللغة الغربية، ومكانته عند العرب وأهميته لديهم، وقد ظهرت لغتنا العربية في هذا المظهر الرائع وهذا الثوبِ المُخْتَصَرِ البديعِ الدقيقِ، ولم يكن ذلك اعتباطيًّا أو ارتجاليًّا دون ضوابط أو شروطٍ تحكمُه وتُقَعِّدُ له، وفي هذه الأسطر أُوْجِزُ الحديث عن أهمِّ ضوابط الاختصار وشروطه؛ كما يلي:
أولاً: ألا يُؤَثِّر الاخْتِصَارُ عَلَى تَمَامِ المَعْنَى وَصِحتِهِ:
الأصل في اللغة العربية ولـدى العرب أنْ يُؤَدِّي الاختصار إلى تمام المعنى؛ لأن "من كلام العرب الاختصار المُفْهِمُ[1]"، ولذلك يؤكد النحاة والعلماءُ أنه "ليس في الكلام اجتماع حرفين لمعنى واحدٍ؛ لأن في ذلك نقضًا لما اعتزم عليه من الاختصار في استعمال الحرف[2]"، وكما يرى ابن السراج أنه: "قد احتيج إلى جميع حروف المعاني لِما في ذلك من الاختصار[3]".

وعليه، فإذا كان المعنى واضحًا جليًّا، جاز الاختصار، وإذا أدَّى الاختصارُ بوسائِلِهِ أو روافِدِهِ المُختلفة إلى لبسٍ أو غموضٍ في المعنى، امتنع الاختصار حينئذٍ، بل يحبذ الاختصارُ الذي يُؤَكِّدُ المعنى وَيُحَسِّنُه وَيُجَوِّدُهُ، ويزيده وضوحًا وتوكيدًا، وهذا يتحقق بفضل الله تعالى مع كثير مِن وسائل الاختصارِ ومظاهره، وكما سنرى فيما بعد مع شواهد الاختصار وأبوابه.

ثانيًا: مُوافقة المختصر لقواعد اللغة العربية:
وعن ذلك يقول ابن جني: "العربُ إذا غيَّرت كلمةً من صورةٍ إلى أخرى، اختارت أن تكون الثانية مُشابهة لأصول كلامهم ومُعتاد أمثلتهم، وذلك أنك تحتاج إلى أنْ تُنيب شيئًا عن شيءٍ، فأَولَى أحوال الثاني بالصواب أن يُشَابِه الأول، ومن مُشابهته له أن يُوافق أمثلة القوم، كما كان المناب عنه مثالاً من مُثلهم أيضًا[4]".

ونُدلل على ذلك أيضًا بما قالـه ابن جني[5]: "وكان أبو الحسن يذهب إلى أن ما غُيِّر لكثرة استعماله إنما تصورَتْه العربُ قبل وضعِـه، وعلمت أنه لا بد من كثرة استعمالها إياه، فابتدعوا بتغييره علمًا بأنه لا بد من كثرته الداعية إلى تغييره، وهذا في المعنى كقول الشاعر:
رأى الأمـر يُفْضِي إِلَى آَخِر ♦♦♦ فَصَيَّر آَخِـرَهُ أَوَّلاَ

ويُشترط أن يكون الكلام بعد الاختصار وقبله جيدًا، ولكن بعده أجود وأبلغ، وهذا ما عناه سيبويه بقوله: "لو حَسُنَ الكلام بالذي لا يستغني عنه، لحَسُنَ الذي يستغني عنه[6]"؛ أي: إن العرب قد انتقلت بالاستغناء أو الاختصار من كلام فصيح إلى كلام أفصح وأبلغ وأجود، بل أكثر قدرةً على إيصال المعنى وتجويده، فمثلاً إذا قلنا: "فَهِمَ الطالبُ الدرسَ، فَذَاكَرَ الطالبُ الدرسَ، فَنَجَحَ الطالبُ في الاختبار"، فالكـلامُ السابق سَلِيْمٌ وفَصِيْحٌ، وَيُمْكِنُ اختصاره بما لا يتعارض مع قواعد اللغة العربية في قولنا: "فَهِم الطالب الدرس، فذاكَره، فنجَح".

ثالثًا: اخْتِصَارُ المُخْتَصر لا يجوز:
ولذلك فإنه لا يجوزُ حذفُ الحرف قياسًا، ومن ذلك ما ورد عن ابن جني: "حذفُ الحَرْفِ ليس بقِياسٍ؛ لأنَّ الحروفَ إنما دخلت الكَلامَ لضربٍ مـن الاختصار، فلو ذهبت تحذفها لكنتَ مُخْتَصرًا لها هي أيضًا، واختصارُ المُخْتَصَرِ إجحافٌ به، ومِن ثَم أيضًا لم يَجُزْ حَذْفُ المصدرِ والحال إذا كانا بدلاً من اللفظ بفعلهما، ولا الحال النائبة عن الخبر، ولا اسم الفعل دون معموله؛ لأنه اختصارٌ للفعل [7]".

وفي (شرح التسهيل) لأبي حيان: لا يجوزُ حذفُ (لا) من لا سيما؛ لأنَّ حذفَ الحرف خارجٌ عن القياس، فلا ينبغي أن يُقال لشيءٍ منه إلا حيث سمع، وسبب ذلك أنهم يقولون: حروف المعاني إنما وُضِعت بدلاً من الأفعال طلبًا للاختصار، ولذلك أصلُ وضعها أن تكون على حرفٍ أو حرفين، وما وُضِعَ مُؤَدِّيًا معنى الفعل واختصر في حروف وضعه، لا يناسبه الحذف لها.

وقال ابن هشام في (حواشي التسهيل): لا يجوز حذف جواب (أمَّا)؛ لأن شرطها حذف، فلو حذف الجواب أيضًا لكان إجحافًا بها، وقال صاحب (البسيط): "القياسُ يقتضي عدم حذف حروف المعاني وعدم زيادتها؛ لأن وضعها للدلالة على المعاني، فإذا حذفت أخَلَّ حذفُها بالمعنى الذي وُضِعَتْ له، وإذا حُكِمَ بزيادتها نافَى ذلك وضعها للدلالة على المعنى، ولأنهم جاؤوا بالحروف اختصارًا لا يُسَوِّغُ حذفه ولا الحكم بزيادته، فلهذا مذهب البصريين المصير إلى التأويل ما أمكن صيانةً عن الحكم بالزيادة أو الحذف[8].

وقال ابن جني في (الخصائص) تفسير قول أبي بكر: إنها دخلت الكلام لضربٍ من الاختصار: إنك إذا قلت: ما قام زيدٌ، فقد أغنت (ما) عن (أنفى)، وهي جملة فعل وفاعل، وإذا قلت: قام القومُ إلا زيدًا، فقد نابت (إلا) عن (أستثني)، وإذا قلت: قام زيدٌ وعمرو، فقد نابت (الواو) عن (أعطف)، وكذا (ليَتَ) نابت عن (أتمنى)، وإذا قلت: هل قام أخوك؟ فقد نابت (هل) عن (أستفهم)، و(الباء) في قولك: ليس زيد بقائمٍ؛ نابت عن (حقًّا)، وفي قولك: أمسكتُ بالحبل، نابت عن المباشرة وملاصقة يدي له، (ومِنْ) في قولك: أكلتُ مِنْ الطعَامِ، نابت عن (البعض)؛ أي: أكلت بعض الطعام، وكذلك بقية ما لم نُسَمِّه، فإذا كانت هذه الحروف نوائبَ عما هو أكثر منها من الجمل وغيرها، لم يَجُزْ من بعد ذلك أنْ تُنْتَهَكَ ويُجْحَفَ بها.

قال: ولأجل ما ذكرناه من إرادة الاختصار فيها، لم يَجُزْ أنْ تعملَ في شيءٍ من الفضلات: الظرف والحال والتمييز والاستثناء، وغير ذلك، وعِلته أنهم قد أنابوها عن الكلام الطويل لضربٍ من الاختصار، فلو أعملوها لنقضوا ما أجمعوه، وتراجعوا عما اعتزموه.

ويؤكد العلماء أن حذف الحرف يأباه القياس؛ لأن الحروف إنما جيءَ بها اختصارًا ونائبة عن الأفعال، فما النافية نائبة عن أنفي، وهمزة الاستفهام نائبة عن أستفهم، وحروف العطف عن أعطف، وحروف النداء عن أنادي، فإذا أخذت تحذفها كان اختصارًا لمختصر وهو إجحاف، إلا أنه ورَد حذف حرف النداء كثيرًا؛ لقوة الدلالة على المحذوف، فصار القرينة الدالة على المحذوف كالتلفظِ به.

ويقولون أيضًا: ليس الأصل في الحروف الحذف إلا أن يكون مضاعفًا فَيُخَفَّف؛ نحو: إنَّ، ولكنَّ، ورُبَّ[9].

ويُؤكد ابن جني مِرارًا أن: "اخْتِصَارُ المُخْتَصَرِ إِجْحَافٌ "[10].
وعليه، فمن ضوابط الاختصار أو شروطه: عدم اختصار المختصر.


المصدر

---------------
[1] الكامل المبرد (1 /17 ، 3 /18).
[2] الخصائص (3 /107).
[3] الأصول لابن السراج (1 /66)، وينظر: شرح المفصل (3 /92).
[4] الخصائص (2 /66-67).
[5] الخصائص(2 /31).
[6] الكتاب (2 /281).
[7] ينظر: الخصائص (2/ 273،281)، والأشباه (1 /56)، واللباب (1 /263،268).
[8] ينظر: الأشباه (1 /56) .
[9] ينظر: الخصائص (2 /281)، والأشباه (1 /56)، واللباب (1 /263، 268).
[10] ينظر: شرح المفصل (8 /116)، وينظر: الكتاب لسيبويه (4 /218)، والأشباه (1 /58).

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 5,909
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-13-2019 - 11:24 AM ]


منقول :من موقع ملتقى اهل الحديث

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه والتابعين أما بعد :
فلقد وقعت على بحثٍ جميل لفضيلة الدكتور : عبد الغني أحمد جبر مزهر ، أستاذ الحديث المساعد بكلية التربية للبنات بالرياض- الأقسام الأدبية واسمه : قواعد الاختصار المنهجي في التأليف ، وهو منشورٌ في مجلة البحوث الإسلامية - (59 / 337) ، وهذا الذي أضعه هو جزء من بحث الدكتور حفظه الله :

الاختصار :

من أنواع التأليف المنهجي (الاختصار) ، وقد ولع به كثير من المؤلفين المتقدمين ، والمتأخرين ، وربما كان التأليف فيه وفي نحوه من أنواع التأليف من مظاهر ضعف الحياة العلمية ، فإنه لا يدل على الإبداع والتجديد ، وإن كانت الحاجة تدعو إليه في بعض الأحيان .
قال العلامة محمد كرد علي في كتابه (خطط الشام ): (( ضعفت الحياة العلمية في دمشق في عهد الدولة الجركسية ، وكثر الجماعون ، والمختصرون ، والشارحون من المؤلفين ، والسبب أن حكومة المماليك كانت تشدد على من خالف أصول المذاهب الأربعة ، وهي الحنفي ، والشافعي ، والمالكي ، والحنبلي ( [1]) قال في (كشف الظنون) في بيان أنواع المؤلفات من جهة مقدارها: (( وهي تنحصر من جهة المقدار في ثلاثة أصناف:
الأول: مختصرات تجعل تذكرة لرءوس مسائل ينتفع بها المنتهي للاستحضار ، وربما أفادت بعض المبتدئين الأذكياء بسرعة هجومهم على المعاني من العبارات الدقيقة .
الثاني: مبسوطات تقابل المختصرات ، وهذه ينتفع بها للمطالعة .
الثالث: متوسطات ، وهذه نفعها عام )) ( [2]) معنى الاختصار لغة: قال في اللسان: " اختصار الكلام إيجازه ، والاختصار في الكلام أن تدع الفضول ، وتستوجز الذي يأتي على المعنى .
والاختصار: حذف الفضول من كل شيء)) ( [3]) وفي القاموس: اختصر الكلام: أوجزه ، وحذف الفضول من كل شيء ( [4])
والاختصار في اصطلاح العلماء لا يبعد عن معناه في اللغة .
قال الشيخ الموفق بن قدامة في شرحه على مختصر الخرقي : (اختصرت هذا الكتاب) يعني قربته ، وقللت ألفاظه ، وأوجزته .
والاختصار: تقليل الشيء ، فقد يكون اختصار الكتاب بتقليل مسائله ، وقد يكون بتقليل ألفاظه مع تأدية المعنى ، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم[5]: « أوتيت جوامع الكلم ، واختصر لي الكلام اختصارا » ([6]) وقال البهوتي (1051هـ): (( هو ما قل لفظه وكثرت معانيه )) ([7]) وقال الخطيب الشربيني في مغني المحتاج: (( والمختصرات فيه -أي الفقه- وهي ما قل لفظها ، وكثر معناها )) ، وقال: (( والاختصار إيجاز اللفظ مع استيفاء المعنى )) ، وقيل: ما دل قليله على كثيره ( [8]) وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (1392 هـ) في حاشية الروض المربع: (( الاختصار تجريد اللفظ اليسير مع بقاء المعنى )) ( [9])


أغراض الاختصار وفوائده :

إن الكثير من أصحاب المختصرات يبين في خطبة كتابه غرضه من تأليف ذلك المختصر ، وما دعاه إلى تأليفه ، ويضمن ذلك الفوائد التي تنجم عن هذا الاختصار ، وأجمل هذه الفوائد والأغراض فيما يلي:
1 - تيسير الحفظ ، واستحضار مسائله ، فإن المطولات يصعب حفظها أو يتعذر .
2 - تقريبه للفهم ، والتذكير بأهم مسائله ، فالمختصر أشبه بالتذكرة الموجزة ، تخلو من الاستطرادات ، والتفريعات الكثيرة التي من شأنها أن تنسي المسائل المهمة ، والقضايا الكبيرة .
3 - اجتناب التكرار ، والتطويل الممل ، والاقتصار على ما لا بد من معرفته .
4 - تصغير حجم الكتاب ليسهل حمله واصطحابه في السفر ونحوه ، فقد يكون أصل الكتاب مجلدات يختصر في مجلد لطيف سهل المحمل .
5 - الاقتصاد في الوقت ، حيث يطرح من أصل الكتاب ما لا أهمية كبيرة لقراءته ، والعمر أعز وأقصر من أن يتسع لذلك ، ومن يقدر أهمية الوقت يدرك أهمية المختصرات في العلم .
6 - حذف الموضوعات الواهيات ، وطرح العقائد الفاسدة ، والأقوال الشاذة ، أو التنبيه إليها ، وكذلك تصحيح وتقويم النقول ، وهذه من أهم فوائد الاختصار ، وأجل أغراضه ، حيث يؤدي إلى تهذيب الكتاب الأصلي ، وتقويم مادته ، ولا يعني هذا أن المختصر طليق اليد ، حر القلم يغير ما شاء ، ويطرح ما شاء ، ويزيد أو ينقص ما شاء ، فإن للاختصار ضوابط لا بد من مراعاتها ، وقواعد لا بد من اتباعها ، وإلا فقد خلا من الأمانة العلمية ، وسيأتي بيان هذه القواعد قريبا بإذن الله تعالى .
7 - قد يكون المختصر في بعض الأحيان أعلم من مصنف الكتاب الأصلي ، فيأتي المختصر أعظم نفعا وأجل فائدة من الكتاب الأصلي .
ومن ذلك تفسير البغوي المتقدم المسمى (معالم التنزيل) ، فإنه وإن كان مختصرا من تفسير الثعلبي -كما تقدم- إلا أنه أجل منه شأنا ، وأرفع مكانة ، فإنه صانه عن الحكايات الواهية ، والأخبار الموضوعة ، والثعلبي لم يكن له كبير علم بالحديث ، فحشا تفسيره بالقصص الباطلة ، والأخبار المصنوعة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (( والبغوي تفسيره وسط ، مختصر من الثعلبي ، لكنه صانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة )) ( [10])


عيوب الاختصار :

مع ما ذكرنا من فوائد للاختصار ، فإنه لا يخلو من عيوب في الجملة ، ولا سيما إذا وقع ممن لا يحسنه ، وتصدى له من لا نأتمنه .
ومن عيوب الاختصار وبعض المختصرات ما يلي:
أ- حذف الكثير من المحسنات اللفظية ، والتراكيب والجمل ، والاستغناء عن صور التشبيه ، والأمثال التي تثري الكتاب ، وتوضح مسائله ، وتزيد الملكة الأدبية والعلمية لدى قارئه .
ب- حذف طرق الأحاديث وأسانيدها من الكتب المسندة ، مما يفقد الكتاب قدرا كبيرا من قيمته العلمية ، وأحيانا فإن الكتاب الأصلي يفقد ، ويبقى المختصر ، فإذا كان خاليا من الأسانيد فإن الحكم على أسانيد المصنف وعلى الأحاديث التي أوردها يكون غير ممكن .
ج- صعوبة فهمه ، وحل ألفاظه في بعض الأحيان ، فإن بعض المختصرات لا يكاد يفهم إلا مع شرح يوضحه ، ومن المعلوم أن الفهم يعين على الحفظ ، وأنه أهم من الحفظ المجرد عنه ، وإذا عسر فهمه وعسر حفظه فقد الغرض الأهم من تصنيفه .
د- تأثر المختصر بتخصص المختصر ، ومدار اهتمامه ، فإذا كان لغويا تركز اهتمامه على الجوانب اللغوية أكثر من غيرها ، وأعمل الحذف فيما عداها ، وإذا كان المختصر فقيها دار اهتمامه على النواحي الفقهية في الكتاب ، وربما اصطبغ الكتاب بميوله المذهبية ، وترجيحاته الفقهية .
هـ- حذف النكت ، واللطائف العلمية ، والوقائع التاريخية الصغيرة ، والاقتصار على الوقائع الكبيرة وحسب ، وذكر الأسماء مختصرة ، وربما مقطوعة عن الأنساب والأخبار .
و- لا تخلو مادة المختصر من الغموض ، وهذا يؤدي إلى تخليط وتشويش خاصة على القارئ المبتدئ .
ز- بروز شخصية المختصر ، وفرضها على القارئ ، وفرض فهمه وحكمه على الكتاب ومسائله ، مما يؤدي بصورة غير مباشرة إلى إهمال أو تذويب شخصية القارئ ، ومن هنا كانت المطولات من الكتب القيمة أقوى في تربية الملكة لدى القارئ ، وتنمية مداركه ، وقدرته على الاستنباط والتحليل ، والنظر والترجيح ، وهذا له أثره في تكوين ملكة الإبداع والتجديد ، وعكسه أدعى إلى الرضا بشخصية المتلقي المتلقن الذي يؤدي به إلى التقليد ، وخاصة عند حذف آراء العلماء وأدلتهم وأصولهم .
ح- قد يؤدي الاختصار وكثرة الرجوع إلى المختصرات إلى قطع الصلة بالأمهات والمبسوطات ، وهذا ما يعاني منه كثير من طلبة العلم في عصرنا ، فإن الكثير منهم إذا رجع إلى أصول الكتب مل وسئم ، وضاق صدره بعباراتها ، وخفي عليه كثير من مصطلحاتها .
والأنكى عندما يغدو التعليم مقتصرا على المذكرات التي تتصف غالبا بقلة مادتها ، وركاكة أسلوبها ، وضحالة موضوعاتها ، فلن يعود المتعلم إلى الأمهات أبدا ، اللهم إلا في اقتطاف المعلومة على وجه السرعة في البحوث والرسائل العلمية .
ط- ومن العيوب إضاعة الوقت ، فإنه لو بذل مثل هذا الوقت أو نحوه في التأليف والابتكار لكان أولى وأكثر نفعا .
ي- قد يؤدي الاختصار إلى أن يدمج الكتاب المختصر مع الأصل ، فيصيران شيئا واحدا ، ويضيع جهد المصنف للأصل ، ويهمل ذكره ، وهذه جناية علمية ، ونكران للجميل ، ونسبة للفضل إلى غير أهله ،
والواجب المحافظة على الأصل ، ونسبته إلى مصنفه لا إلى من اختصره .
وأكتفي بضرب مثال واحد على هذا الدمج بذكر كتاب مشهور متداول ، وهو كتاب (سبل السلام شرح بلوغ المرام) حيث إن أصل هذا الكتاب ليس للصنعاني ، وإنما هو للقاضي شرف الدين الحسين بن محمد المغربي اليماني ، والصنعاني قام باختصار هذا الأصل الذي هو (البدر التمام شرح بلوغ المرام) ، فهل من الإنصاف أن يقال: (سبل السلام شرح بلوغ المرام) أو يقال: (سبل السلام في اختصار البدر التمام شرح بلوغ المرام) .
إن جل طلبة العلم الذين يدرسون هذا الكتاب لم يسمعوا بأصله ، ولا بمؤلف الأصل ، أليس هذا نكرانا لحقه؟


ضوابط الاختصار :

إن المقصود الأول بهذا البحث هو بيان ضوابط الاختصار في التأليف المنهجي ، والتنبيه على قواعده .
إن كتب العلماء ومؤلفاتهم حمى ، وعملهم حق محفوظ لهم ، فليس لأحد أن يعتدي على هذا الحق ، أو يصادره لنفسه ، أو يعتسف في استغلاله ، وإن الأمانة العلمية -وهي جزء من الأمانة الواجبة- تقتضي رد الحق إلى أهله ، والاعتراف للفاضل بفضله ، ونسبة العمل إلى عامله .
وهناك فئة من المختصرين لكتب العلماء هجموا على ما لا يحسنون ، وتكلفوا ما لا يتقنون ، يريد أحدهم أن يضرب بسيف غيره ، ويستدفئ بثوبي زور ، فيصدق عليهم القول: أراد أن يصل إلى داره فتسلق جدار جاره ، والمثل: طار قبل أن يحوصل ، أو تزبب وهو حصرم .
وأمثال هؤلاء لا يسمى عملهم اختصارا ، ولا يعد من العلم في قبيل ولا دبير ، بل هو تشويه وتمويه ، فإن أحدهم يتصرف في مصنف غيره تصرف الجزار في أضحيته ، فهم يضعفون الأقوال الراجحة ، ويطمسون الحقائق الواضحة ، ويدسون في المختصرات ما لا نسب بينه وبين الأصل ، ونرى أحدهم يجعل كتاب غيره ميدانا للانتصار لرأيه ، والانتقام لنفسه ، فيستبدل عقيدة السلف بالتعطيل ، وربما ضعف الصحيح ، وصحح الضعيف ، ولم يرغ للمؤلف حرمة ، ولم يحفظ له حقا ، ولم يقم للأمانة العلمية وزنا ، فهل هذا اختصار؟
إن ثمة ضوابط وأسسا منهجية للاختصار دون مراعاتها ، فإنه يفقد قيمته ، وتضيع فائدته ، ويصبح ضرره أكبر من نفعه .
وهذه هي أهم القواعد التي توصلت إليها بعد البحث والنظر: -يقصد قواعد وضوابط للاختصار - والله أعلم
1 - تحري حسن القصد ، وسلامة النية في عمله ، ورجاء نفع الأمة .
2 - الاستقصاء لمسائل الكتاب (الأصل) وفوائده ، والاقتصار على حذف ما يغني مذكوره عن محذوفه ، من التكرار ، وتوضيح الواضح الجلي .
3 - المحافظة على المعاني التي قصدها المصنف ، وصبها في قالب لغوي سهل ، وحذف عويص اللغة وتعقيداتها إن وجدت .
4 - توضيح الأمور المشكلة والوجوه المحتملة ، بإرجاع الضمائر إلى مراجعها ، وإزالة الإشكال والإبهام بالمجاز بين ، كأن تكون الكلمة اسما لأكثر من موضع ، أو يكون الاسم يشترك فيه أكثر من راو . . . إلخ .
5 - عدم الإخلال بأدلة الكتاب (الأصل) وأفكاره الأساسية ، مع حذف ما يبعد أو يندر وقوعه من الافتراضات البعيدة .
6 - حذف الأقوال الشاذة البين شذوذها ، والآراء المبتدعة الواضح خطرها ، وهذا ليس من العبث بالكتاب ، بل من الإصلاح فيه ، ومن تغيير المنكر ، والنصح للمسلمين .
7 - عدم التحريف في أقوال المصنف ، أو نسبة رأي أو مذهب إليه لم يقل به ، ولو كان المذهب الحق ، والرأي الصواب؛ فإن العدل يقتضي أن لا يقول قولا لم يقله ، أو ينسب إليه مذهب لم يذهب إليه ، إذ قد يذهب إلى ذلك بعض المختصرين ، لتكثير سواد أهل الحق ، وتأييد مذهبهم ، غير أن هذه الغاية النبيلة لا تسوغ مثل هذا العمل القبيح الذي لا يعدو أن يكون كذبا ، ولا يجوز أن نداوي الحمى بالطاعون .
وليطمئن المشفقون على الحق وأهله فإن الله تعالى جاعل قلتهم كثرة ، ولله الحجة البالغة .
8 - عدم المبالغة في الإيجاز بحيث ينتهي إلى الإغلاق والغموض ، فينافي الغرض الذي قصده ، فيفر من بشاعة التطويل إلي شناعة التعقيد .
9 - قصد الكتب المهمة بالاختصار التي تعظم الفائدة باختصارها ، ويعم النفع بها ، فليس كل كتاب حريا ببذل الوقت في تقريبه للناس ، وتيسير انتشاره بينهم .
10 - مراعاة نوعية الكتاب الذي يروم اختصاره ، ليحدد ما هو من مباحثه الأصلية ، ومقاصده الأساسية ، وما ليس كذلك ، حتى لا يقع في المحذور ، وهو حذف الضروري؛ فيخل بقصد المؤلف الأول ، وغايته الأساسية من تأليفه ، ويخلط بين فضول الكتاب وأصوله .
فإذا كان الكتاب من كتب الحديث المسندة مثلا ، فإنه لا يحسن أن يحذف أسانيده ، ويبقي على المتون فقط ، إذا لم يكن الكتاب مشتهرا ونسخه كثيرة منتشرة .
وإذا كان الكتاب في الرجال ، الرواة فلا يحسن أن يبقي شيئا من سيرة الراوي الذاتية ، ونسبه ، وصنعته ، ولقبه ، ويحذف الحكم عليه وبيان حاله في الرواية .
وهكذا ينبغي أن يكون نظره دقيقا للكتاب الذي يتصدى لاختصاره ، فليس المقصود من الاختصار تقليل الصفحات ، والتخلص من المجلدات .
11 - نسبة الكتاب إلى مصنفه ، والتنويه به في عنوان المختصر ، أو في مقدمته ، أو فيهما؛ حتى لا يؤدي عدم التنويه به إلى طمس ذكره ونسيان أمره ، في حين أن الجهد الأساسي هو له ، لا للمختصر .
12 - عدم التغيير في ترتيب الكتاب الأصلي ، وفي سياقه دون الحاجة إلى ذلك ، لأن هذا وسيلة بل حيلة تؤدي إلى انتحال تأليف غيره ، ونسبته إلى نفسه ، وليس له فيه إلا تقديم المتأخر ، أو تأخير المتقدم ، أو العبث في سياقه ، وهذا التغيير لا مسوغ له ، فإن رام التسهيل ، وتيسير الوصول إلى مسائله ومباحثه ، فليجعل ذلك في فهارس مفصلة في آخر الكتاب .
13 - أن يبين عمله في الكتاب بيانا واضحا ، وطريقته في الاختصار ، ومنهجه في ذلك ، حتى يمكن الحكم على عمله بالصواب أو بالخطأ ، ليبرأ صاحب الأصل من خطئه ، ويخرج من عهدته ، وكذلك ينبغي أن يبين مسوغات عمله واختصاره لهذا الكتاب .
14 - مراعاة الإيجاز والتحقيق في تكميل نقص الأصل ، وتتميم مباحثه: من ذكر الساقط ، وملء البياض ، وإكمال العبارات الناقصة ، وغير ذلك .
15 - المحافظة على مزايا الكتاب الأصلي التي تميز بها عن المؤلفات الأخرى ، وما يعد من خصائصه ، فإن الاختصار إذا طمس هذه المزايا والخصائص فإنه يكون قد سلب الكتاب أكرم نفائسه .
16 - عدم التصدي لهذا العمل إن لم يكن قد تأهل له ، فإن التأليف ليس تسويد الصحائف ، وصرم الأوقات ، وما كل رامي غرض يصيبه ، وما كل دام جبينه عابد .
17 - عدم الوقيعة بالمصنف ، أو الغض من قدره ، أو غمزه ، أو غمز كتابه ، أو عيب طريقته ، والاستخفاف بمنهجه ، فإنه لا يعيب إلا معيب ، ولا يغتاب إلا عاجز .
وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوب
وكل اغتياب جهد من لا له جهد .
إن من حق المصنف الدعاء له ، والترحم عليه ، وبيان خصائص كتابه ، والتماس العذر له إن وقع له تقصير ، مع الإنصاف وعدم الاعتساف .
18 - دراسة منهج المصنف دراسة عميقة؛ للتوصل إلى معرفة المقاصد الأساسية من تأليفه .
19 - تحقيق الأصل عند اختصاره ، سواء أكان مخطوطا أم مطبوعا ، ومقابلة نسخه إن كان له أكثر من نسخة ، وذلك أن الاختصار لا يعني الإيجاز والحذف من الكتاب وحسب ، به من تمامه إكمال الكتاب ، وتتميم النقص فيه .


والله تعالى أعلم .





[1]- خطط الشام (4 \ 49). وممن ولع به ابن منظور صاحب لسان العرب فقد ذكر في ترجمته أن الكتب التي علقها بخطه من مختصراته خمسمائة مجلدة، فلا يعرف كتاب مطول في الأدب وغيره إلا وقد اختصره .


[2] - كشف الظنون (1 \ 35) .

[3] - اللسان (خصر) (4 \ 243).

[4] - القاموس المحيط (خصر) (2 \ 21).

[5] - صحيح البخاري الجهاد والسير (2815),صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (523),سنن الترمذي السير (1553),سنن النسائي الجهاد (3089),مسند أحمد بن حنبل (2/250).

[6] - مقدمة المغني مع الشرح الكبير ص (13). والحديث أخرجه الدارقطني بهذا اللفظ (4 \ 144) وأصله في الصحيحين، أخرجه البخاري (9 \ 75)، ومسلم (2 \ 64) دون قوله: (واختصر).

[7] - الروض المربع ص (11).

[8] - مغني المحتاج (1 \ 9، 11).

[9] - حاشية الروض المربع (1 \ 45).

[10] - مجموع الفتاوى (13 \ 354).


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:58 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. Trans by