( أعمال المجمع ) أعمال المجمع : 1 ـ دراسة الألفاظ والأساليب والمصطلحات الجديدة في العلوم والآداب والفنون التي لم تدرسها المجامع من قبل . 2 ـ دراسة لهجات القبائل في الجزيرة العربية وما حولها تصحيحا وتأصيلا . 3 ـ إصدار مجلة علمية محكمة ورقية وإلكترونية دورية . 4 ـ دراسة ما يقدّمه المتصفحون من أسئلة ومقترحات. 5 ـ التواصل مع الدارسين وطلبة العلم بواسطة الهاتف (الخط الساخن) كل يوم . 6 ـ تقديم الرأي والمشورة في الصياغة اللغوية لجهات معينة (الجهات الرسمية، القضاء، المحاماة، العقود) . *** للتواصل مع المجمع عبر بريده الشبكي / m-a-arabia@hotmail.com /*** |

مجمع اللغة العربية بمكة يعلن عن إطلاق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > مشاركات مفتوحة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 9,321
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي من أعلام اللغة المعاصرين (10) أ.د الشاهد البوشيخي

كُتب : [ 03-15-2017 - 01:59 PM ]


من أعلام اللغة المعاصرين

يستضيء هذا الرِّواقُ بأحد أعلام العربية المعاصرين وعلمائها الشاهدين على تاريخها، نجتني من سيرته رُطبًا جنيًّا، ونقتطف من محاورته أفكارًا ورؤًى تنير دروب السالكين مهادَ العربيةِ، وتضيء آفاق الباحثين عن لآلئها بين الأصداف، وتقدم جزءًا من حق هؤلاء العلماء علينا، وتُزْخِرُ المكتبة العربية بإشراقات من حياة هؤلاء السادة وآثارهم الساطعة وسِيَرِهم الناصعة، فهم الذين جَلَوا بكلامهم الأبصارَ الكَليلةَ، وشَحَذوا بمنطقهم الأذهانَ العَليلة، فنبَّهوا القلوبَ مِنْ رَقْدتها، ونقلوها مِن سوء عادتها، فداوَوها من العيِّ الفاضح، ونهجوا لها الطريق الواضح.
(10) أ.د الشاهد بن محمد البوشيخي
أستاذ الدراسات المصطلحية والنقدية
[IMG]
[/IMG]
تتلألأ نجومُ اللغة في سماء العربية فتشِعُّ ضياءً وتتوهَّجُ إشراقًا فتُظهر لك كل جديد، والدكتور الشاهد بن محمد البوشيخي نجم في سماء العربية لغة وأدبًا، دائمًا يهديك جديده في خِلْعة من البهاء، ويأخذ بيديك إلى نظرته الوليدة في سلاسة وعذوبة وحجة ناصعة وبيان دامغ، حتى تصدر طريقته ونبغ فيها، وصارت سيرته مثلًا للعالم الرئيس الرَّيِّضِ في علمه وبابته، فأحببنا أن نأخذ منها بقبس نستضيء به في حوالك الليالي ، ونتلمس منها الهدى في بلوغ المعالي.

*تخرجه العلمي ومسيرته العملية:
ولد الدكتور الشاهد البوشيخي عام ( 1945م )، بالحريشة، ناحية فاس، جمع القرآن الكريم حفظا ورسما ( 1955م ). حصل على شهادة التعليم الثانوي من القرويين عام ( 1963م )، فشهادة الدروس العادية للمعلمين ( 1965م )، فشهادة الباكلوريا من التعليم الأصيل ( تعليم القرويين ) ( 1965م )، فشهادة الأدب من كلية الآداب بفاس( 1967م )، فشهـادة فقـه اللغة مـن كلية الآداب بفـاس ( 1967م )، فشهادة الحضارة الإسلامية من كلية الآداب بفاس ( 1968م )،
فشهادة الكفاءة التربوية العليا من المدرسة العليا للأساتذة بفاس ( 1968م )، فشهادة استكمال الدروس في النقد الأدبي ( 1971م )، فدبلـوم الـدراسـات العليـا فـي النقـد الأدبـي ( الـدراسة المصطلحية ) ( 1977م )، فدكتوراه الدولة في النقد الأدبي ( الدراسة المصطلحية ) ( 1990م ).

*الكتب و البحوث العلمية المنشورة :
أ – في الدراسة المصطلحية:
- مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبين للجاحظ، نشر مرتين: الأولى بدار الآفاق ببيروت ( 1982م )، والثانية بدار القلم بالقاهرة ( 1995م ).
- مصطلحـات النقـد العربي لـدى الشعـراء الجاهلييـن والإسلاميين قضايا ونماذج. نشريات القلم بباريس ( 1993م ).
- نصوص المصطلح النقدي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين. نشريات القلم بباريس ( 1993م ).
- دليل المصطلحات الفقهية ( بالاشتراك ). منشورات الإيسيسكو ( 1421هـ ) ( 2000م ).
- علم المصطلح وتطبيقاته في العلوم الصحية ( إشراف ومراجعة ). المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط. نشر أكاديميا. بيروت.
- مشـروع المعجـم التاريخي للمصطلحات العلـميـة.( دراسـات مصطلحـية 1 ) فـاس. ( ط1/2002).
- نظرات في المصطلح والمنهج.( دراسات مصطلحية 2 ) فاس. ( ط1/2002 ).
- نحو تصور حضاري للمسألة المصطلحية. ( دراسات مصطلحية 3 ) فاس. ( ط1/2002 ).
- القـرآن الكـريـم والـدراسة المصطلحية.( دراسات مصطلحية 4 ) فاس. ( ط1/2002 ).
- نحو معجم تاريخي للمصطلحات القرآنية المـعـرفة.( دراسـات مصطلـحيـة 5 ) فـاس. ( ط1/2003).
- نظرات في قضية المصطلح العلمي في التراث.( دراسات مصطلحية 6 ) فاس. ( ط1/2006 ).
- جهود معهد الدراسات المصطلحية في خدمة السنة المشرفة.( دراسات مصطلحية 7 ) . فاس. (ط1/2009 ).
- مصطلح الأمة بين الإقامة والتقويم والاستقامة.( دراسات مصطلحية 8 ) فاس. ( ط1/2010 ).
- نظرات في تعريب العلوم الصحية وأهمية المصطلح الصحي في التراث.( دراسات مصطلحية 9 ) فاس. ( ط1/2010 ).
ب - في غير الدراسة المصطلحية:
- أعمال اليوم الدراسي عن مشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين إعداد وتقديم ( ضمن سلسلة: من جهود العلماء في إصلاح التعليم بالمغرب ). فاس ( 2000م ).
- القرآن الكريم: طبيعته ووظيفته. ( رسائل الهدى1 ) فاس ( 2000م ).
- القرآن الكريم روح الأمة الإسلامية. ( رسائل الهدى 2 ) فاس ( 2000م ).
- شروط الانتفاع بالقرآن الكريم. ( رسائل الهدى 3 ) فاس ( 2001م ).
- مظاهر تكريم الإنسان في القرآن الكريم. ( رسائل الهدى 4 ) فاس ( 2003م ).
- المؤسسة التعليمية المغربية بين الواقع المشهود والموقع الشاهد. ( رسائل الهدى 5 ) فاس ( 2004م).
- القرآن والإنسان.( مكتبات هادفة. السلسلة القرآنية 4 ). فاس. ( 2009م ).
- نظرات في المسألة النسائية في القرآن الكريم.( مكتبات هادفة. السلسلة القرآنية 6 ). فاس. ( 2010م).
ج-مقالات:
-مفهوم الأمن في القرآن الكريم
-المنهج مشكلة أمتنا الأولى!
-مفهوم الحياة في القرآن الكريم
-المسلمون بين الشدائد والبشائر
-الشاهد البوشيخي في تجديد الفهم للمصطلح القرآني
-الشاهد البوشيخي يؤسِّسُ منهجاً قرآنيا لفقه واقع الأمة، وتجديد حياتها!
-نظرات في مفهوم الحوار في القرآن الكريم
-مظاهر التكريم الإلهي لبني الإنسان
-الهُدى المنهاجي في القرآن الكريم
-الهوية الإسلامية في ضوء العولمة
-نظرات في المصطلح والمنهج
-المضامين التنموية للثقافة الإسلامية
-التعليم الشرعي ضرورة تنموية
-أولويات البحث العلمي في الدراسات القرآنية


*المناصب العلمية والمؤتمرات التي شارك فيها:
تولى الدكتور الشاهد البوشيخي عضوية كثير من الهيئات والمؤسسات العلمية الرفيعة منها:
- الأمين العام لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية ( مبدع ) منذ ( 2007م ) حتى الآن.
- مـدير معهـد الـدراسات المصطلحية منـذ تأسيسه سنـة ( 1993م ) حتى ( 2006م ).
- مدير مجلة « دراسات مصطلحية » منذ تأسيسها سنة ( 2001م )حتى الآن.
- رئيس شعبة اللغة العربية وآدابها من ( 12/1994م ) إلى ( 12/1996م ).
- رئيس وحدة مصطلحات القرآن والحديث وعلومهما بالدراسات العليا بجامعة سيـدي محمد بن عبد الله كلية الآداب ظهر المهراز ( وحدة المعمقـة 97/1998 – 99/2000 ).
- رئيس وحدة القرآن والحديث وعلومهما بالدراسات العليا بجامعة سيدي محمد بن عبد اللَّه كلية الآداب ظهر المهراز.( وحدة للدكتوراه منذ 1998م ).
- رئيس لجنة المتابعة عن جمعيات العلماء بالمغرب المكلفة بإصلاح التعليم.
- نائب رئيس المجلس العلمي المحلي لجهة فاس بولمان.
- نائب رئيس المكتب الإقليمي في المغرب لرابطة الأدب الإسلامي العالمية ( 2000 - 2005م ).
- أمين من أمناء رابطة الأدب الإسلامي العالمية ( 1996م - 2000م ).
- مستشار في مجلة « الأدب الإسلامي » العالمية ( سابقًا ).
- مستشار في مجلة « المشكاة » المغربية.
- مستشار في مجلة « آفاق أدبية » المغربية.
- مستشار في مجلة « مداد » ( المركز الدولي للأبحاث والدراسات )بالسعودية.
- مستشار في مجلة « الأصول والنوازل » جدة. السعودية.
- محكم رسمي في مجلة « الإسلام في آسيا » بماليزيا.
- خبير محكم لدى المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ( الإيسيسكو ).
- خبير محكم لدى المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن.
- خبير محكم لدى مكتب تنسيق التعريب في العالم العربي ( الأليكسو ) بالرباط.
- خبير محكم لدى عدد من الجامعات المحلية والدولية في تقييم ما يرشح للنشر.
- عضو مراسل في مجمع اللغة العربية بدمشق.
- عضو اتحاد كتاب المغرب.
- عضو رابطة علماء المغرب( سابقًا ).
- عضو مؤسس للجمعية المغربية للتراث.
- عضو الهيئة العلمية لجمعية ملتقى العلوم والمجتمع.
- عضـو الهيئة الاستشارية لجائـزة الإمـام عبد الحميد بن باديس.
- عضو لجنة جائزة محمد السادس للفكر والدراسات الإسلامية.
- عضو شبكة تعريب العلوم الصحية التابعة لمنظمة الصحة العالمية – المكتب الإقليمي لشرق المتوسط بالقاهرة.
- عضـو المجلس العلمي لمركـز الأميـر عبد المحسن ابن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية بالشارقة.
- عضو اللجنة العلمية بشعبة اللغة العربية ( سابقًا ).
- عضو مجلس الكلية ( سابقًا ).
- عضو اللجنة العلمية لكلية الآداب – ظهر المهراز فاس ( سابقًا ).
- مشرف على نحـو ثلاثمائة رسـالة جامعية ( دكتوراه أو ماجستير ).
- مشارك في عشرات المؤتمرات والندوات العلمية المحلية والدولية.
- ناشر لعديد من البحوث والمقالات في المجلات المحكمة المحلية والدولية.
- مخطط مشروع « المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية العربية » والمشرف على إنجازه.
- مخطط مشروع « الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم » والمشرف على إنجازه.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 9,321
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-15-2017 - 02:06 PM ]


*ملامح شخصيته ومنهجيته:
الدكتور البوشيخي مَعْلَمة حية نابضة بهموم العلم والثقافة ليس في الواقع المغربي فقط، وإنما في واقع الأمة الإسلامية.
له عدة إسهامات في تحريك الحس الحضاري، وإيقاظ الشعور الجماعي للأمة من خلال ما يكتب وما يحاضر به في المحافل الثقافية والعلمية.

إن الذي يتدبر خطاب الرجل في كل ما يكتب وما يقول يشدُّه هذا التفكير والنظر الطويل في البحث عن أسباب وعلل الأزمات المحدقة بالأمة، واقتراح الحلول والعلاج لها، ويأسره هذا التعبير المتين والأسلوب الرصين الذي يختزل المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة وهو يقبس من القرآن الكريم ومن البلاغة العربية.

والأستاذ البوشيخي إلى جانب ذلك كله داعية إسلامي قدير يحمل همَّ الدعوة إلى الله، ويسعى إلى استرداد ذات الأمة المهربة، وحمل أبناء الإسلام على الرضاع من لبنه الخالص بتصور شامل يستوعب فقه الدين وفقه الواقع، ويتسلح بالعلم والعمل. إننا بحق أمام رجل وهبه الله ـ عـز وجـل ـ من الطاقات والملكات، ناهيك عن تواضعه الجم وخلقه الرفيع الذي يشهد له بالقدوة والحكمة.

أن تدخل إلى رحاب عقل العلاَّمة الدكتور الشاهد البوشيخي فأنت تفتح عينيك على مدى مساحة الأفق الرحب الذي يختزن عمق الرؤى وشمولية التطلعات صوب الحياة والإنسان.. صوب الأفكار الأصيلة المنبثقة من القرآن الكريم والسنة النبوية.


*نظـراته في « الوعـي الحضاري وإشكـالات الـمصطلح والـمفهـوم »:
النظرة الأولى: في ضرورة ضبط مصطلح الأمة.
المصطلح عنوان المفهوم، والمفهوم أساس الرؤية، والرؤية نظّارة الإبصار التي تريك الأشياء كما هي؛ بأحجامها وأشكالها وألوانها الطبيعية، أو تريكها على غير ما هي: مصغَّرة أو مكبَّرة، محدَّبة أو مقعَّرة، مشوهة النسق والخلقة، أو ملونة بألوان كالحمرة والزرقة. وما عهد قراءة الغرب بعينيه لتراثنا ببعيد. وما أثر نظارتيه الزرقاء والحمراء فينا بخفي.
ولقد كان مدار وحي الرحمن جل وعلا، مذ آدم حتى محمد عليهما الصلاة والسلام، على حفظ مصطلح الذكر من أن يصيب مفهومه تغيير أو تبديل؛ فتفسد الرؤية، ويقع الإفساد في الأرض إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (الحجر: 9) والتطابق بين الكتاب وأم الكتاب في الملأ الأعلى تام؛ وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (الزخرف: 4) والتطابق بين الكتاب، ودين الله، وفطرة الله، وخلق الله، في الكون تام فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (الروم: 30) ومن غيّر فقد أفسد ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها (الأعراف: 84).
وإنما مدار عمل الشيطان وحزبه، مذ إبليس إلى قيام الساعة، على محاولة تغيير المفهوم وتبديل المصطلح، أي تغيير الدين، والفطرة، والخلق؛ وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله (النساء: 11)، وفي الحديث القدسي: «خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم..» (أخرجه مسلم في كتاب الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار).
وما الجهود التي بذلها المستكبرون في الأرض، المعبِّدون الناس للطاغوت، قديما وحديثا، إلا صور من تلك المحاولات لتغيير المفهوم وتبديل المصطلح. وهذا فرعون ومومن آل فرعون في القديم، يتنازعان مفهوم مصطلح سبيل الرشاد وقال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (غافر:29).
جواب: وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد مصطلح «سبيل الرشاد» متنازع بين مؤمن آل فرعون وبين فرعون.
وها هو اليوم مصطلح شريف كالجهاد، يغير مفهومه المتكبرون في الأرض، ويبدلون مصطلحه ليصير إرهابا، بعد أن غيروا مفهوم الإرهاب ليصير فعلا بعد أن كان حالا، ومكروها بعد أن كان مطلوبا. وكذلك الأمر في أغلب المصطلحات التي تقوم عليها الحياة؛ كالخير والشر، والعدل والظلم، والحق والباطل، والسلام والإجرام… غيّر مفاهيمها العالون في الأرض أصحاب الأهواء، ولووا أعناقها كما لوى فرعون عنق مفهوم الفساد، وهو يقول عن موسى إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد (غافر 26).
وكأني بجميع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين في المنطق الإبليسي مفسدون، وكأني بهم في المصطلح الإبليسي المعاصر إرهابيون.
ألا ما أحوج الأسماء كلها التي عُلِّمها أبونا آدم إلى من يصونها ويحميها؛ بحراسة مفهومها، وصيانة استعمالها وتنزيلها.
وألا ما أحوج الأرض اليوم إلى من يقيم فيها مصطلح الذكر كما أنزل، لتستدير من جديد كهيأتها يوم خلق الله السماوات والأرض، ويقام الميزان والوزن بالقسط، فيقال للحق حق، وللباطل باطل.
ألا إن شأن المصطلح العام لعظيم، وتغييره أو تبديله مما يحسبه الناس هينا وهو عند الله عظيم، ومسه بسوء مس بالنظام العام للكون والحياة والإنسان.
هذا، والأمة اليوم، وهي على عتبة تجديد النطق والعمل بالشهادتين، تعاني من أمر المصطلح ما تعاني:
تعاني من أمر المصطلح الأصل، الذي به قامت، وعليه قامت، وله قامت، المصطلح الذي به كانت الأمة الوسط، وبه كانت خير أمة أخرجت للناس، وبه كان رجالها شهداء على الناس: مصطلح القرآن والسنة البيان؛ لا تفهمه حق الفهم، ولا تقوم به، أو عليه، أو له، ولا تقيمه، كما أمرت صدقا وعدلا، كما ينبغي له.
وتعاني من أمر المصطلح الفرع، الذي يمثل خلاصة تفاعلها مع التاريخ وفي التاريخ، المصطلح الذي يمثل كسبها وإسهامها الحضاري، في مختلف المجالات: مصطلح العلوم والفنون والصناعات؛ لا تعلمه حق العلم، ولا تقوّمه حق التقويم، ولا توظفه حق التوظيف.
وتعاني من أمر المصطلح الوافد، الذي يمثل فيضان الغرب وطوفانه الذي أغرق أغلب أجزاء الأمة، ولاسيما في العلوم المادية والعلوم الإنسانية، نتيجة هبوطها وارتفاعه. إذ المصطلح في الأمة اليوم:
• إما مصطلح أصل فيجب أن يقام:
وإقامة المصطلح الأصل هي الأصل، وإذا لم يقم الأصل، لم تقم الفروع، ومن ثم كان البدء ضرورة عند محاولة القيام بإقامة المصطلح، إقامة المصطلح الأصل: مصطلح الوحي الإلاهي، مصطلح كلام الله ، مصطلح كلام رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، … مصطلح القرآن والسنة البيان؛ ففيهما خلاصة حق مصطلح الخلق من رب الخلق، وفيهما خلاصة حق مصطلح الأمر من رب الأمر. وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ (المائدة:48)، أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (الأعراف: 54).
وذلك يستلزم فيما يستلزم:
- إقامة لفظ المصطلح الأصل؛ بـأن يكون لفظه هو المستعمل في التواصل بين الناس بيانا وتبينا.
- وإقامة مفهوم المصطلح الأصل؛ بأن يفهم من لفظه ما فَهِمَه أو فُهِّمه من أنزل عليه أول مرة دون تغيير أو تبديل، بدلالة زمن التنزل للألفاظ.
- وإقامة العمل بالمصطلح الأصل؛ بالتخلق بما يقتضيه مفهومه في الفرد والجماعة والأمة؛ ذلك بأن الدليل على حاق التحقق هو التخلق. وكل ادعاء للفهم دون شاهد من العمل فإنما هو محض افتراء. ولو أحسنوا الفهم لأحسنوا العمل.
- وإقامة بيان المصطلح الأصل؛ بأدائه كما حُمِل، بعد حَمْله كما أُنْزِل. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَه (آل عمران:187).
ولا إقامة للبيان دون إقامة لما سبق من التبين، لفظا ومفهوما وعملا.
• وإما مصطلح فرْع فيجب أن يُقَوّم:
بالنسبة لذاته أولا أي مدى كفاية جهازه المصطلحي في تمثيل بنية التخصص في كل تخصص.
وبالنسبة لأصله ثانيا أي مدى ملاءمة مصطلحاته ومفاهيمه للأصل الذي تفرعت عليه.
وبالنسبة لحاجة الأمة إليه ثالثا أي مدى استجابته وإجابته عن بعض حاجات الأمة الآنية أو المستقبلية.
وذلك يقتضي فيما يقتضي:
- حل معضلة النص توثيقا وتحقيقا وتكشيفا.
– وحل معضلة المصطلح إحصاء ودراسة وإعمالا.
• وإما مصطلح وافد:
فيجب قبل اعتماده أن يستقيم؛ بإخضاعه لفظا ومفهوما لعدة عمليات حتى ينسجم مع رؤية الأمة وخصوصيتها قبل المصادقة عليه للتداول.
النظرة الثانية: الوعي الحضاري مصطلحا ومفهوما.
والدرس له بمنهج الدراسة المصطلحية المعتمد في المعهد (معهد الدراسات المصطلحية) في الوقت المتاح للإعداد متعذر؛ ولذلك اقتصر على تناوله مفردا ومركبا كالآتي:
• مفهوم الوعي: وقد ذكرت له المعاجم عدة معان متقاربة متكاملة أهمها:
معنى الحفظ ولاسيما للحديث وهو أكثرها. جاء في لسان العرب: وعى الشيء والحديث يعيه وعيا وأوعاه: حفظه وفهمه وقبله فهو واع، وفلان أوعى من فلان أي أحفظ وأفهم ومنه الوَعِيّ: الحافظ الكَيّس الفقيه
ثم معنى الضم وهو أضلها عند ابن فارس. قال في المقاييس الواو والعين والياء كلمة تدل على ضم شيء . أما صاحب التحقيق فقال: والتحقيق أن الأصل الواحد من المادة هو حفظ مع احتواء بأن يحفظ شيء يجعله في ضمن شيء آخر واستيلائه (عليه) كالظرف، ماديا كان أو معنويا .
وزاد المعجم الوسيط في العصر الحاضر:
معنى سلامة الإدراك مشيرا إلى أنه مولد.
ومفهوم شعور الكائن الحي بما في نفسه وما يحيط به مشيرا إلى أنه مما أقره المجمع في علم النفس.
ولم تكد عبارة المعجم الفلسفي للمجمع تختلف عن ذلك.
أما المفسرون لكلمة واعية في آية الحاقة: 12 والشارحون لحديث «أبي أمامة: لا يعذب الله قلبا وعى القرآن» فأضافوا:
معنى الانتفاع مما حُفِظ، وإلا فلا وعي. قال قتادة: قوله أذن عقلت عن الله، فانتفعت بما سمعت من كتاب الله وقال ابن الأثير في (وعى القرآن): أي عقله إيمانا به وعملا، فأما من حفظ ألفاظه وضيع حدوده فإنه غير واع له .
فتحصل من هذا:
1 – أن مدار الوعي في المعاجم على المعاني المتكاملة الآتية: الجمع والضم، والحفظ والفهم والعلم، والعقل والتدبر والانتفاع، ومجموع ذلك يؤدي ويدل على سلامة الإدراك التي منها لدى علماء النفس: «إدراك المرء لذاته وأحواله وأفعاله إدراكا مباشرا وهو أساس كل معرفة».
• أن مجموع تلك المعاني يرشد إلى أن مكونات الوعي المعنوي -وهو موضوعنا- ثلاثة:
مادة هي موضوع الوعي، فهي التي تُحفظ وتُفهم…
وإنسان هو القائم بفعل الوعي، فهو الذي يعقل ويتدبر…
ونتيجة هي ثمرة فعل الوعي، فهي التي تميز الوَعِيّ، من الواعي، من غير الواعي، من الدّعِيّ.
وقد كادت كلمة ابن عطية النادرة في آية الحاقة تفي بالغرض حين قال إنها عبارة عن الرجل الفَهِم المنوّر القلب الذي يسمع القول فيتلقاه بفهْم وتدبر».
هذا عن الوعي لدى المعجميين والمفسرين والمحدثين
أما عن الوعي لدى المستعملين العرب المعاصرين في مختلف المجالات والتخصصات فبحر لا ساحل له، يمده من خلف الديار بحار، تحول، قبل السيطرة على متنه رقميا ببرامج حاسوبية، وعلى درسه منهجيا بالدراسة المصطلحية – تحول بينه وبين أي محاولة علمية جادة لضبطه -كغيره من نظائره- مصطلحا ومفهوما.

وعلى قاعدة (فإن لم يصبها وابل فطل) يمكن القول بالخرص لا بالدرس:
1 – إن الوعي في الاستعمال المعاصر واسع الانتشار في مختلف المجالات والتخصصات.

2 – إن حضوره في صنف العلوم الإنسانية
كالفلسفة وعلم الاجتماع وعلم السياسة وما يشبهها أكثر بكثير من حضوره في صنف العلوم المادية والعلوم الشرعية.
3 – إن استعماله بالمفهوم الغربي المترجم حديث السن، وإن كان أصله الغربي يرجع إلى عدة قرون.
4 – إنه يستعمل بمفهومين بارزين:
- أحدهما: يراد به الفقه الذي ينبغي أن يكون للشخص عن ذاته ومحيطه بمفهومهما الشامل في مجال ما. وهذا الأكثر انتشارا. وهو الذي يوصف بأوصاف حسب المجالات فيقال: الوعي السياسي، والوعي الاجتماعي والوعي القومي…الخ.
- وثانيهما: يراد به نوع من الإدراك المباشر للذات والمحيط، به نحدد موقعنا في الزمان والمكان. وهو الذي يقابل في علم النفس اللاوعي ، بمعنى الانقطاع عن العالم الذي تمثل الغيبوبة صورته القصوى.
• إن من التعاريف التي عُرف بها:
• أنه جميع العمليات النفسية الشعورية.
• أنه قدرة إدراكية يستعملها الإنسان في إدراك ذاته وإدراك الوجود من حوله.
• أنه إدراك للذات والأشياء في ديمومتها، فهو انفتاح على الحاضر والماضي والمستقبل (برغسون).
• مفهوم الحضارة: وأبرز معاني الحضارة اللغوية:
الإقامة في الحضر قال القَطَامِي:
ومن تكن الحضارة أعجبته
فأيَّ رجال بادية ترانا
وهي من الحضور نقيض المغيب قال صاحب التحقيق: والتحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة هو ما يقابل المغيب؛ أي الحالة المتحصلة المستقِرّة بعد القدوم إلى شيء .
وقد تطور معناها إلى معنى قدحي عند ابن خلدون؛ إذ جعل الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره وأنها مؤذنة بفساده أي إنها مظاهر الترف والتنعم التي يقبل عليها المجتمع بعد إقبال الدنيا عليه فتهلكه. قال مفصلا فيها القول:
والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله، فلكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنق فيه تختص به ويتلو بعضها بعضاً، وتتكثر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعم بأحوال الترف، وما تتلون به من العوائد. فصار طور الحضارة في الفلك يتبع طور البداوة ضرورة، لضرورة تبعية الرفه للملك.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 9,321
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-15-2017 - 02:09 PM ]


أما في العصر الحاضر فلها مفهومان مدحيان بارزان:
- أولهما: أنها جملة مظاهر التقدم المادي والمعنوي التي يعرفها مجتمع من المجتمعات
– ثانيهما: أنها مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني المقابلة لمرحلة الهمجية والتوحش والاستعمالان معا وافدان من الغرب، حسب رؤية الغرب.
ومصطلح الحضارة إنما هو ترجمة لمفهومهما معا، دون تعريب أو أسلمة.
• مفهوم الوعي الحضاري:
وهو مركب وصفي من مصطلح الوعي بالمفهوم الأول، ووصف الحضاري من مصطلح الحضارة بالمفهوم الثاني. أي إنه مجموع الفقه الذي ينبغي أن يكون للشخص عن ذاته ومحيطه بمفهومهما الشامل، في اتجاه إنتاج المستقبل الأفضل بمفهومه الشامل، له ولأمته وللبشرية جمعاء.
- فبـ مجموع الفقه يخرج بعض الفقه، ويخرج ما لم يصل من الفهم إلى درجة الفقه.
- وبـ ينبغي أن يكون يخرج ما هو كائن مما لم يصل إلى درجة ما ينبغي أن يكون.
- وبـ مفهومهما الشامل تخرج الذات الخاصة والجزئية، والمحيط الخاص والجزئي. ويدخل الزمان عموديا، والمكان أفقيا، على امتدادهما.
- وبـ في اتجاه إنتاج يخرج العلم الهائم غير القاصد، والفقه الساكن غير المحرّك.
- وبـ المستقبل الأفضل بمفهومه الشامل له ولأمته وللبشرية جمعاء يخرج كل نظر قصير، أو مصلحي، أو جزئي.
ويبقى مع ذلك تأثر الواعي الحضاري ضرورةً بالرؤية التي منها ينطلق، والمعايير التي بها يزن الأفضل من غيره، والمفاهيم التي له عن الكليات والمكونات العامة للذات والمحيط والمستقبل الأفضل.
هذا، ومجال تحرك هذا المصطلح بهذا المفهوم هو مجال الفكر الإصلاحي، بما له من استيعاب وتوظيف للمعطيات التاريخية والواقعية، زمانيا ومكانيا ويشريا، من أجل صنع المستقبل الأمثل، مستفيدا من الموجود إلى أقصى الحدود، ومن الممكن إلى أقصى حد ممكن.
ذلك بأنه –وهو مصطلح مركب من شقين- ينبغي أن يكون على الأقل مكونا من عنصرين كبيرين:
1 – عنصر المادة/الموضوع التي هي إدراك للذات والأشياء في ديمومتها حسب تعريف برغسون للوعي.
2 – عنصر الوصف/الهدف الذي هو رسم لملامح مستقبل شامل أمثل يمثل «مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني» حسب التعريف القيمي للحضارة/الوصف، لا للحضارة/المظاهر التي يتجلى فيها الوصف.
والمفروض أن يكون لهذا المفهوم موقع في نسق أو أنساق الوعي والحضارة، يحدد خصائصه وعلائقه، وضمائمه -إن كانت- وقضاياه، وييسر فهمه بغيره، وفهم غيره به. ولكن ذلك ومثله لا يستطاع:
في غيبة حل معضلة النص، بالإعداد العلمي الشامل للنص.
وفي غيبة حل معضلة المصطلح، بالإعداد العلمي الشامل للمصطلح،
وفي غيبة حل معضلة المنهج، بالإعداد العلمي الشامل للمنهج.
النظرة الثالثة: إشكالات المصطلح والمفهوم.
تلكم كانت نظرات في الوعي الحضاري مصطلحا ومفهوما.
فماذا تثير تلك النظرات من إشكالات ؟
للجواب عن السؤال لابد من تقديم بعض المقدمات الممهدات:
المقدمة الأولى: في أن المصطلح الأصيل، أولى في الاستعمال من المصطلح الدخيل أو الذي يحتاج إلى تأصيل؛ ذلك بأنه يمثل استمرار الذات، ويمنع القطيعة مع التراث، ويسهل التواصل والحوار بلغة الذات، ويمكن لمصطلحات ومفاهيم الذات، ويجعل الخطاب يتغلغل، والرسالة تبلغ، إلى أعماق الذات، في أقل الأوقات وبأقل النفقات.
المقدمة الثانية: في أن المفهوم الجاهز البناء، أولى في الإحالة عليه من المفهوم الذي يحتاج إلى بناء أو إعادة بناء؛ ذلك بأن الطاقة في الجاهز تصرف في الترويج والتمكين، والإحالة عليه إحالة على معلوم محدد. أما الذي يحتاج إلى بناء، فأغلب الجهد فيه ينصرف أولا إلى إعطائه حق الوجود. وفي ذلك ما فيه من ضياع الطاقة والوقت والجهد، لاسيما في مجالٍ رصيدُ الأمة المفهومي فيه ليس بهين.
المقدمة الثالثة: في أن الأمة أمة القرآن، فلا تجمعها ولا تحركها مصطلحات كمصطلحات القرآن، ذلك بأن الأمة صنعت بالقرآن؛ عرفت ربها بالقرآن، وصدقت نبيها بالقرآن، وتعلمت دينها من القرآن، وعرفت الدنيا والآخرة بالقرآن، وكونت رؤيتها ومنهاجها بالقرآن؛ به قامت، وعليه قامت، وله قامت. هو الذي أمدها بأصول المصطلحات، وهو الذي بنى لها مفاهيم تلك المصطلحات. فلا يجوز لمن حمل هم الإصلاح والبعث في الأمة، أن يلتمس الهدى المصطلحي أو المفهومي في غير عالم القرآن الذي هو أصل أصول الإصلاح.
إن المصطلح القرآني، لقرآنيته، ذو طبيعة جامعة.
وإن المفهوم القرآني، لقرآنيته، ذو طبيعة منهضة.
فالقرآنَ القرآنَ يا أهل الإصلاح !!
المقدمة الرابعة: في أن غموض المصطلح واضطراب المفهوم، يمنع وصول الرسالة بدقة إلى الخاصة من الأمة بله العامة. وهذا الأمر في غاية الوضوح.
ولذلك على المتصدين للإصلاح -بارك الله تعالى في جهودهم- أن يرفعوا اللافتات الدقيقة الواضحة، وان يخاطبوا الأمة بما يسهل عليها وعيه واستيعابه، وإلا كثر المجهود وقل المردود.
وبناء على ما تقدم،
فالإشكالات التي يثيرها الوعي الحضاري مصطلحا ومفهوما كثيرة متعددة منها:
1 – أنه غامض غير دقيق في تسميته للمراد وإحالته عليه مفردا ومركبا، ولاسيما حين يوضع في سياق بعث الأمة، ودفعها للنهوض من جديد: ما المقصود بالوعي المراد من الأمة بالضبط؟ ما المقصود بالحضاري بالضبط؟ ما المقصود بالمركب منهما؟ ما علاقته بكتاب ربها؟ ما علاقته بسنة نبيها؟ ما علاقته بتراثها؟ ما علاقته بآلامها الحاضرة؟ ما علاقته بآمالها وتطلعاتها؟
إن المصطلح، أي مصطلح، لا يفلح في أداء وظيفته أو وظائفه حتى يدق.
وإن المصطلح، أي مصطلح، يجب أن يعين مسماه (أي مفهومه) كما يعين العَلَم مسماه.
فهل الوعي الحضاري يعين مسماه كما يعين العَلَم مسماه؟
2 – أنه غريب عن الجهاز المصطلحي والمفهومي للأمة مفردا ومركبا؛ فلم تألف الأمة في مصطلحها الأصل قرآنا وسنة، ولا في مصطلحها الفرع في مختلف أصناف العلوم الشرعية والإنسانية والمادية، شيئا يقال له «الوعي الحضاري»، ولا شيئا يقال له الوعي، أو الحضارة، بالمفهومين اللذين يستعملان بهما اليوم.
3 – إن التمكين له، وهو الضخم القامة والحجم، تمكين تتأثر به –إن لم نقل تتضرر به- مساحات هائلة من الخريطة المفهومية للأمة؛ ذلك بأنه قابل لأن يبتلع عددا من المفاهيم، ويحيل عددا من المصطلحات بغير حق على التقاعد، ولكنه في الآن ذاته غير مرشح لا مصطلحيا ولا مفهوميا لوراثتها.
وبالمثال يتضح المقال:
لنقرأ هذا النص لأحد العلماء الغيورين المتعطشين شوقا إلى نهضة الأمة والتمكين للدين. يقول في سياق تحديد المقصود بالوعي الحضاري: الوعي هو الوقود الحقيقي لحركة العمران التي انطفأت في الأمة منذ قرون. ولابد من إشعال الوعي الحضاري الذي يدركه كل مسلم، وينطلق من خلاله إلى الإصلاح والتغيير .
في هذا النص جملتان كبيرتان:
الجملة الأولى تقرر أن الوعي هو الوقود الحقيقي لحركة العمران التي انطفأت في الأمة منذ قرون.
وباستعمال معجم الأمة المصطلحي وجهازها المفهومي، لا يستطاع فهم المراد من هذه الجملة، وذلك بسبب كلمة «الوعي» التي تتصدر الجملة، وتتصدر الحكم، والتي أسند إليها ما أسند من تأثير كبير وخطير في تاريخ الأمة؛ إذ يلتفت المتلقي من أبناء الأمة اليوم وراءه إلى التاريخ فلا يجد ذكرا لهذا المصطلح الذي فعل كل هذا، والذي أمد الأمة على مدى قرون بهذه الطاقة العمرانية الهائلة؛ يفتش في الموروث ثم يفتش،… يُرجع البصر في الأصول والفروع، فينقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير.
ماذا يصنع لفهم المراد؟
يرجع إلى مخزونه من معجم الأمة، فتتسابق إليه المصطلحات الجديرة بذلك الإسناد، يقْدمها مصطلح الإيمان، وتتزاحم على ذاكرته ألفاظ الدين والإسلام والوحي والقرآن وأشباهها؛ زحزحها لفظ الوعي بغير حق عن مواضعها، فيضع مصطلح الإيمان بحق، مكان مصطلح الوعي بغير حق، فتستقيم له العبارة هكذا:
الإيمان هو الوقود الحقيقي لحركة العمران …
فيفهم المراد، ويطمئن إلى الإسناد الحقيقي للإسناد.
ومثل ذلك يمكن أن يقال عن:
الجملة الثانية: «ولابد من إشعال الوعي الحضاري الذي يدركه كل مسلم وينطلق من خلاله إلى الاصلاح والتغيير».
أي لابد من تعويض مصطلح الوعي الحضاري بمصطلح الإيمان أو شبهه؛
فالإيمان هو الذي انطفأ قبل ويجب أن يشعل،
وهو الذي يدركه كل مسلم، وينطلق من خلاله إلى الاصلاح والتغيير،
أما الوعي الحضاري فيكاد النسق المفهومي المرجعي للأمة يتبرأ منه تبرؤا.
خاتمة:
الأمة، كما تقدم، لها معجمها الاصطلاحي الخاص:
فيه المصطلح الأصل: مصطلح القرآن والسنة البيان. وهذا أساس البنيان.
وفيه المصطلح الفرع: مصطلح العلوم والفنون والصناعات. وهذا، بعد التقويم له على هدى الأصل، منه تتكون طوابق البنيان.
وبهما معا، على رتبهما، يستقبل المصطلح الوافد: مصطلح ما جد على الأمة مما ليس عندها في مختلف العلوم والفنون والصناعات. وهو، بعد المصادقة على استقامته، فيه بعض التكميل للبنيان.
ذلكم المعجم الخاص، ولاسيما المصطلح الأصل، قد فرطت فيه الأمة غاية التفريط؛ فلم تعد تفهمه حق الفهم، ولا تعمل به حق العمل.
فوجب تجديد العناية به، ليتجدد مفهومه والعمل به، ويتجدد إعمال مصطلحه بعد إهماله.
ولن ينهض بذلك في الأمة إلا الجيل الراسخ الناسخ، الذي خرج من الظلمات إلى النور، ليخرج الناس بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.
فهل إلى ذلك الخروج أو الإخراج من سبيل؟


*العربية وتجديد أمر الدين:
منذ أن أهبط الله تعالى آدم عليه السلام إلى الأرض والدين يتنزل، حتى خُتِمَ وكَمُلَ على يد سيدنا محمد [، وهو بين آدم عليه السلام ومحمد عليه السلام كان يُجَدّد، ثم استمر بعد محمد [ يُجَدّد، لكن التجديد الذي تم على يد الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كان يَمَسُّ النص نفسه لأنهم رسل الله تعالى، والله جل وعلا يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أُمُّ الكتاب.
أما بَعْدَ محمد [ فإذا قال قائل ونطق ناطق بتجديد الدين، فإنما المقصود تجديد التديّن : تديّن الناس، فأما النص فقد كَمُلَ وانتهى، ولا سبيل إلى المساس به {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة : 4). لكن بعد الرسول الخاتم لا نبي، فمن يقوم بالوظيفة؟ وظيفة التجديد، ذلك بأن هذا الإنسان، وكل ما يحيط به، يَبْلى ويحتاج إلى أن يجدد، أي أن يُصَيَّر جديدا كما كان أول مرة، فذلك ما بشر به رسول الله [ في حديث أبي داود المشهور «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، وفي رواية «يجدد لها أمر دينها» (رواه أبو داود). هذا التجديد أي تصْيير الدين الذي جاء به محمد [ كأنه جديد كما كان أول مرة، هو تجديد تدين الناس وتطبيق الناس للدين.
ومن ثم كان المنهاج العام لهذا التجديد هو:
أولا : تجديد فهم الناس، أي تجديد فهم المسلمين لهذا الدين الذي جاء به رسول الله [.
ثانيا : تجديد العمل به، أي تجديد العمل بهذا الدين على جميع المستويات في الفرد، في الأسرة، في المجتمع، في الدولة، في الأمة جمعاء بصفة عامة.
ثالثا : تجديد التبليغ نفسه؛ لأن الإسلام لمّا يعم الأرض، فلو أنه عم الأرض تلقائيا لانتهى التبليغ، ويبقى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن ظهور الدين بالمعنى الشامل لا بمعنى ظهور الحجة كما قيل أول مرة، ظهور الدين بمعنى شموله للكرة الأرضية كلها وهو شيء موعود من عموم الآيات {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} (التوبة : 33) هذا الظهور الشامل والمفصل في الأحاديث أيضا كحديث : «إن الله زوى لي الأرض- أي جعلها كالزاوية وضعت أمامه [ – فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها….»(رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح) هذا الظهور قادم في المستقبل لَـمَّا ندركه بعد، ولكنه قادم بتبشير رسوله [ وإخباره بالغيب.
والسير التاريخي، والتطور القريب لما حدث في القرنين الأخيرين، والتطور الكبير الذي عرفته البشرية في المجال التقني كل ذلك يبشر بقرب هذا الوقت. وقد يكون -وأحسب أنه كائن إن شاء الله تعالى- قد يكون هذا القرن 15هـ هو القرن الذي لن تغرب شمسه حتى يكون الظهور الكامل لدين الله الحق {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} فتجديد التدين في الأمة تلقائيا يقتضي، تجديد فهم الدين، وتجديد العمل بالدين، وتجديد تبليغ الدين.
العربية وتجديد فهم الدين :
وإذا انتقلنا إلى النقطة الثانية التي هي العربية وتجديد فهم الدين نقول : ما هو حال الأمة اليوم في هذا الأمر؟ ما فهم الأمة اليوم للدين؟
وحين أقول الأمة لا أقصد بها ما يسمى اليوم بالوطن ولا بالدولة، ولكن أقصد كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في الكرة الأرضية كلها، هم جميعا يمثلون الأمة، هم جميعا قطع غيار متناثرة عبر الكرة الأرضية، منها يتشكل الكيان العام على ما هوعليه الآن، وعلى ما سيكون عليه غدا إن شاء الله تعالى. هذه الأمة فهمها للدين اليوم متأثر بمؤثرَيْن كبيريْن جعلاه ليس كما ينبغي :
المؤثر الأول : التأثر بالغرب القديم وهو مؤثر تاريخي يجوز أن أسميه من باب (الحج عرفة)، وقد تأثرت الأمة قديما بمفاهيم الغرب القديم التي تسربت إلى فهمها بصفة عامة عبر قرون، تسربت بزعامة الفكر اليوناني وغير اليوناني، تسربت وظهرت بأشكال مختلفة؛ شكل المنطق، وشكل التصوف، وأشكال أخرى، كل ذلك -على ما كان عليه وعلى ما صار عليه في تاريخنا- لم يأت به محمد . ومن عاشر القرآن الكريم، وعاشر السنة المشرفة، وعاشر وصحب الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين وتابعيهم، أي عاشر وصحب خيرَ القرون، وفَقه عنهم ما قالوا وما فعلوا، فسيرى أن الإسلام الذي كان، والدين الذي كان في خير القرون، ليس هو الذي يَدْرُج الآن في الأمة. وليس الذي كان بعد ذلك فيما تعاقب من القرون بعد خير القرون. فهذا المؤثر أثر تأثيرًا بالغا تسرب حتى إلى الأصلين : أصول الفقه وأصول الدين بنسبة ليست هينة.
المؤثر الثاني هو الغرب الحديث الذي له مقذوفات حضارية، فكرية، ثقافية، اجتماعية، أشكال من القذائف نفثها في روع الأمة، ونشِّئَت عليها ناشئات وليست ناشئة واحدة، فصار الأمر في غاية الخطورة، وصار تخليص الأمة من هذه الشوائب التي تشوب فهمها للدين، ليس بالأمر اليسير. ولكنه يسير على من يسره الله عليه.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 9,321
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-15-2017 - 02:11 PM ]


هذا حال الأمة بصفة عامة، فما الذي يلزم لتصحيح فهم الدين؟ وما علاقة العربية بذلك؟.
العربية ها هنا هي الوسيلة التي بها إلى جانب أمور أخرى يتم الحسم، لا بد من التمكن من عربية عصر التنزيل لكي نفقه الدين، هذا الدين أنزل بلسان عربي مبين. في المراحل السابقة قبل رسول الله [ كان التجديد، بالمعنى الذي ذكرت، يتم بلسان الأقوام {وماأرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} لكن بعد الرسول [ لا سبيل إلى التجديد إلا باللسان العربي.
نجدد ماذا؟ يُجَدَّد ماذا؟ يُجَدَّد التديُّن. وأين يوجد الدين؟ يوجد في كتاب الله عز وجل، وسنة الرسول هذا الأصل. أي يوجد في الكلام الذي هو الوحي. ولم يكن للصحابة غير هذا. وبه فعلوا ما فعلوا في التاريخ، فكان هذا الخير العظيم، وكانت هذه العمارة الضخمة المكونة من خمسة عشر طابقا في تاريخ الأمة، هذا الأصل لا سبيل إلى فقهه لتجديد تدين الناس به، أي لتجديد فهم الناس له، إلا بمعرفة عربية عصر التنزيل، أي معرفة العربية التي كانت في الوقت الذي كان يتنزل فيه القرآن، لأن العربية التي جاءت بعدُ عرفت تطورات دلالية. إذا أردنا أن نفهم القرآن بعربية القرون المتأخرة أخطأنا. لأن بعض الألفاظ تطورت دلالاتها، فإذا أسقطنا الدلالات المتأخرة على ألفاظ عصر التنزيل، فإنه يحدث إشكال عظيم ولن نفهم القرآن الذي أنزل بذلك اللسان، ولكن سنفهم قرآنا آخر نحن وضعناه لأنفسنا.
هذه الأولى.
والثانية هي أن هذا القرآن وإن كان أنزل بألفاظ اللسان العربي وبتراكيبه وعلى نمطه، إلا أنه هو نفسه طور دلالة الألفاظ فيه، لِنَقْلِ المسلم العربي إذ ذاك، والمسلمين بعد، مما كان مألوفا لديهم ومعهودا في دلالة الألفاظ، إلى ما يريد الله عز وجل أن يرتقوا إليه، وأن يرتفعوا إلى مستواه، فكانت الدلالة القرآنية. هذه الدلالة لها خصوصية يمكن تسميتها بعربية القرآن. هناك عربية عصر التنزيل، وهناك عربية القرآن. في القرآن خصوصيات دلالية لا توجد في الشعر العربي، ولا في النثر العربي، لأن الناطق بذلك الشعر وذلك النثر بشر، أما الناطق الآن بهذا الكلام في القرآن فهو رب البشر. وإذن لا بد من التمكن من العربية لإحداث التجديد المطلوب. لا سبيل لنا، بغير هذا، إلى تحقيق هذا المراد، لا سبيل.
العربية وتجديد العمل بالدين :
عمل الأمة اليوم بالدين كما سبقت الإشارة متأثر بواقعه، وإذا رصدناه رصدا عاما نجد أنه يكشف التخلق بدين الإسلام اليوم، بالمعنى الذي قلت عن الأمة. هذا التخلق يكشف عن جهل، إلا من رحم الله، وهم قليل. يكشف عن جهل بأنواع مختلفة من الجهل. ويكشف كذلك عن أشكال من الأهواء التي هي من الظلمات التي ينبغي أن يُخرج منها الناس إلى النور.
هذا الواقع يقتضي أن يُركز أولا في تخليق الأمة وتجديد عملها بهذا الدين، على التحقق من فهمها له -كما سبقت الإشارة- فالتحقق قبل التخلق، ثم من بعد ذلك يأتي بذل المجهود لجعلها تَلْبَس الدين، لأن الدين لباس.، الدين خلق {وإنك لعلى خلق عظيم}(القلم : 4) ومما فسر به هذا الكلام: إنك على دين عظيم. ثم {ولباس التقوى ذلك خير}(الأعراف : 25). الدين : «ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل».
فإلباس الأمة الدين يقتضي تلقائيا العربية، لتتصل الأمة مباشرة بالأصل، ولتتخذ هذا الأصل وسيلة للمحاسبة والمراقبة والمتابعة أيضا; فقول الله عز وجل {ولكن كونوا ربانين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}(آل عمران : 78) تعليم الكتاب ودراسة الكتاب للتحقق مما في الكتاب، ثم من بعد ذلك تأتي نتيجةُ ذلك التي هي الربانية التي تتجلى خُلُقاً في عباد الله عز وجل الذين تعلموا الكتاب ودرسوه، فبسبب {بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} ينتج أن تكونوا ربانين، و«نضَّر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها -ها هنا التحقق- فأداها كما سمعها» الأداء فيه أداء اللفظ، وهذا الذي يستعمل عند علماء الحديث، وفيه الأداء العملي التخلقي، والإنسان كما يؤثر بالمقال يؤثر بالحال، بل إن التأثير بالحال أولى من التأثير بالمقال.
يمكن أن نقول إذن : إن أهم شيء يدفع المسلم دفعا إلى التخلق إنما هو حَاقُّ التذوق، بمعنى أنه إذا تذوق هذا الدين كما قال رسول الله [: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا» (رواه مسلم)، هذا الذوق، إنما يحصل، أو من أسباب تحصيله، التمكن من اللغة التي بها نطق القرآن، ونطق بها سيدنا محمد [ وأعرب وأبان، فمن حصل له فقه المعنى بعثه بعثا، ودفعه دفعا، لكي يتخلق بذلك.
العربية وتجديد تبليغ الدين
هذا التبليغ فيه الصورة الفردية، وفيه الصورة الجماعية وفيه الصورة التي هي الصورة الحقة الكبيرة، هي صورة الأمة. وهنا لا بأس أن أفرق بين منهاجين عامين : منهاج يستطيع به الفرد أن ينتقل، ومنهاج لا يستطيع به حتى الفرد نفسه في الحقيقة أن ينتقل إلا داخل إطار الأمة، وسيدنا محمد [ اشتغل في المرحلة المكية بهذا النقل الفردي، ولكن في المرحلة المدنية تكونت الأمة رسميا. وفي أول وثيقة لرسول الله [ عبر بلفظ الأمة، الوثيقة السياسية الأولى التي وضعها [ في المدينة. بعد ذلك ظلت الأمة تتطور وتنمو حتى وصلت إلى مرحلة الاكتمال. وبذلك انتهت رسالة رسول الله وجاءه {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} (سورة النصر) انتهت عملية البناء والتأسيس جملة.
ولكن هذا التأسيس لم يتم إلا في الصورة النموذجية الكبرى التي هي الأمة، فنحن اليوم لتجديد تبليغ الدين يجب أن نعمل على تأهيل الفرد، ليكون حقا مبلغا، أي ليفهم حق الفهم، ويتخلق حق التخلق، أي يتحقق ثم يتخلق، ثم يتأهل تلقائيا بسبب ذلك للشهادة على الناس. هذا شيئ مهم، ولكنه بمثابة اللبنات الأولى.أما الهدف الكبير فهوالسعي العام لإظهار الأمة.
الأمة الآن ليست في الوضع الذي يصلح للشهادة، نحن وظيفتنا الشهادة على الناس {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}(البقرة : 142) هو وحده [ يكفي للشهادة، ونحن جميعا نقابله [. الأمة بمجموعها تؤدي وظيفته بمفرده [. هذا الوضع لا يكون إلا إذا كانت الأمة، هل الأمة الآن موجودة؟ لا يكاد يوجد شرط من شروط وجودها الآن، لا أقول، لا يوجد، ولكن يكاد لا يوجد، لقد مُزقنا ووُزِّعنا ووُضعت الحواجز بين أجزاء الأمة بأشكال مختلفة. وبين ما ينبغي أن نصير إليه وما نحن فيه،، مسافات ومسافات. ولكي تعود الأمة من جديد صالحة، لكي تكون، ثم لكي تتأهل فتصير صالحة بوضعها العام للشهادة على الناس كما ترك [ الأمة بعد حجة الوداع، تحتاج إلى جهود وجهود.
فلذلك لا بد في هذا الاتجاه نفسه، من الدفع -بأشكال مختلفة- لكل قطعة من القطع التي تتكون منها هذه الأمة جغرافيا، إلى أن تحسِّن أحوال العربية في بلدها. لابد من هذا. هذه مسؤولية الأفراد والجمعيات، ومسؤولية الجماعات والمنظمات الدولية كالإسيسكو وغيرها، مسؤلية عامة، مسؤولية الدول، لا يجوز ولا يعقل في دولة إسلامية أن يكون لها لسان غير اللسان العربي، بحكم أنها دولة إسلامية، لابد أن تتخذ اللسان الرسمي هو اللسان العربي. لو أردنا الآن أن نجتمع فمن شروط هذا الاجتماع اللغة الواحدة، اللغة الجامعة. ما هي اللغة الجامعة لهذه الأمة في آسيا وإفريقيا وغيرها؟ لن تكون غير لغة القرآن التي اختارها الله عز وجل، فهي التي تجمعنا. ومن ثم ينبغي أن تتقوى في كل بلد، إلى أن يجعل من لسانه اللسان العربي. وإنه من المناكر التاريخية اتخاذ ألسنة غير اللسان العربي في مناطق متعددة من العالم الإسلامي. هو من المناكر التاريخية التي تجب منها التوبة، سواء في الهند، أو ماليزيا، أو إيران أو في أي مكان، فجمع كلمة شعوب الأمة {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات : 13) هذه الشعوب الإسلامية لابد أن تجتهد في الاجتماع على اللغة العربية، وأن تسعى لاتخاذ اللسان العربي في مرحلة تمهيدية لِسَانًا لَهَا، ثم بعد ذلك يكون تأهيل الأمة للشهادة على الناس تلقائيا بوصلها بالأصل؛ لأن جميع أشكال الوصل التاريخي (كما أشرت في الأول) لا تجمع الناس، بمعنى إذا حاول شخص أن يرجع بالأمة إلى القرن الماضي، وأن ينطلق منه، ويتخذه الأساس، أو القرن السابع، أو القرن الخامس، كل هذه القرون ليست لها الخيرة الشرعية، ولا تصلح للاقتداء، ولا تصلح لتجديد الدين من جديد، إنما يُجَدَّدُ الدين انطلاقا من الأصل، فلابد من وصل الأمة بالأصل.
ثم لابد بعد في هذه الأمة من التواصل، بعد هذا الوصل بالأصل، على أساس هذا الأصل.
ثم بعد ذلك الاتصال المطلوب الذي ينبغي أن يكون بين شعوب الأمة لتتوحد في أي شكل من أشكال التوحد، لابد من هذا لابد.
قدر هذه الأمة أن تتوحد، سواء سمينا أنفسنا الولايات المتحدة الإسلامية، أوسميناها شكلا آخر، لابد أن نتوحد، لنكون أمة واحدة. لأن لفظ الأمة في حد ذاته يشعر، بل يستلزم وجود شيء واحد يُؤَم، ووجود إمام يُؤتم به، ووجود الجميع يَؤُم أمراً واحداً، ويقصد قصدا واحدا. أمة الإسلام ليست هي هذه القطع المتناثرة اليوم إلا من جهة كونها قطع غيار صالحة لصنع الأمة المنتظرة.
حب العربية من حب الدين :
ومن ثم أختم بأن حب العربية هو من حب الإسلام، وكره العربية هو من كره الإسلام، الذي يكره العربية يكره الإسلام والذي يحب العربية يحب الإسلام، فالتلازم بينهما تام، ولا يمكن غير هذا.
ومن ثم لابد من ثلاثة أمور ينبغي أن نجتهد فيها نحن هنا في المغرب، ويجتهد فيها المسلمون في أي نقطة من الأرض، لجعل هذه الأمور الثلاثة تُحل فيها العربية محلها المطلوب.
المجال الأول : هو مجال التعليم بجميع أنواعه؛ يجب أن يكون اللسان السائد فيه، من الأوَّلي حتى نهاية التعليم العالي، هو اللسان العربي. وكل تأخر في تحقيق هذا المقصد يؤخرنا، ويؤخر التنمية في بلادنا، وفي أي بلد آخر. إنما تقفز الشعوب، وتحدث لها الطَّفْرَة الحضارية بلغتها؛ لأن الإنسان عندما ينطق بلغته، ويفكر بلغته، ويخترع بلغته، يسرع في العملية. وقد جُرِّب هذا فَصَحّ في عدة جهات هنا في المغرب وفي غير المغرب.
فلذلك كان التعريب نفسه شرطاً للتنمية الحقيقية للأمة؛ لأن التعريب يصل الزمن ببعضه، ويهيئ صاحبه للانتقال إلى المستقبل بقوة كبيرة.
المجال الثاني هو مجال الإعلام الذي يجب أن يتكلم العربية.
والمجال الثالث هو الإدارة : التي يجب أن تتكلم العربية أيضا.


*قضية استعمال اللغة العربية في الـمغرب محاولة لحصر الإشكال واقتراح الحل 1
أولا- مقدمة في موجبات الاستعمال :
- الموجب الشرعي :
{الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ}(الأنعام : 1).
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}(سورة الكهف : 1).
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}(الفرقان : 1).
{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ}(الروم : 22).
{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}(الشعراء : 192 – 195).
ألا إن الله جل وعلا اختار الإنسان، واختار للإنسان القرآن، واختار للقرآن اللسان.
فهل بعد اختيار الله من اختيار؟
ألا إن المغرب قد اختار اختيار الله جل وعلا منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا.
وحمله إلى أوروبا هاديا منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا.
وحفظ القرآن وحافظ على لسانه منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا.
فهل بعد هذا الاختيار الراسخ في الاختيار من اختيار؟
وهل يكون لحادثة 1912 وما تناسل منها قدرة على نقض هذا الاختيار؟
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء}(إبراهيم 24- 27).
إننا ما دخلنا التاريخ بالماركسية أوالليبرالية، وما سطَّرنا إسهامنا الحضاري فيه باللغة الفرنسية أو الإنجليزية أو الاسبانية.
وإنما دخلنا التاريخ من بابه الواسع بالإسلام، وسطرنا إسهامنا الذهبي فيه بلغة القرآن: كتاب الإسلام. ولن ندخله مرة أخرى أو نكتب في دفتره الذهبي بغير الإسلام ولغة الإسلام.
وإن الدين في ربطه للإسلام بالعربية صريح.
وإن التاريخ في جهره باستعمال العربية في المغرب فصيح.
وإن الدستور في أول سطر فيه عن دين الدولة ولغتها الرسمية أصرح: (المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية)(**).
وإن الميثاق الوطني للتربية والتكوين على ظروفه هو في ثاني مرتكز له أفصح وأصرح (يلتحم النظام التربوي للمملكة المغربية بكيانها العريق القائم على ثوابت ومقدسات… عليها يربى المواطنون… وهم واعون أتم الوعي بوجباتهم وحقوقهم، متمكنون من التواصل باللغة العربية، لغة البلاد الرسمية، تعبيرا وكتابة…)
فهل بعد هذه الشرعيات يتلجلج في استعمال العربية بالمغرب متلجلج، أو يحاجج فيه -وحجته داحضة عند ربه- محاجج؟
- الموجب التنموي :
لا جرم أن المحور الأساسي في عملية التنمية أو العمران، على اختلاف مفاهيمها، هو الإنسان، وأنه لا انطلاق في اتجاه التنمية والعمران بدون إعداد الإنسان، وأن ذلك الإعداد لابد أن يمر بمراحل حتى يصل إلى درجة الإبداع، أو الفعل الحضاري، أو الشروع في الكتابة في السجل الذهبي للتاريخ من:
استيعاب لما هو كائن عموديا وأفقيا.
وتحليل علمي مخبري له.
وتعليل منطقي موضوعي لظواهره.
وتركيب استشرافي لما ينبغي أن يُرتقَى إليه.
هذه المراحل تسَرِّع قطعها أمور، على رأسها شرط اللغة الأم؛ إذ ثبت علميا وتجريبيا (تجربة المجمع الأردني مثلا) أن الاستيعاب باللغة الأم يكون أسرع، والتواصل بها يكون أسهل، والقدرة على الإبداع تكون أكبر.
وإنما اللغة العلمية الأم في هذا البلد هي العربية، اعترف بذلك المعترفون، أو جحده الجاحدون.
- الموجب الحضاري :
نحن دينيا وتاريخيا وجغرافيا وحضاريا… جزء لا يتجزأ من الأمة الإسلامية أو العالم الإسلامي، عند العدو والصديق معا.
ولكي نتواصل مع مكونات هذه الأمة عموديا (تاريخيا) نحتاج ويحتاجون إلى الوصل بالمشترك الذي هو الإسلام، ولغته التي هي العربية.
ولكي نتواصل أفقيا (جغرافيا) نحتاج ويحتاجون إلى الوصل بالمشترك الذي هو الإسلام، ولغته التي هي العربية.
ولكي نحضر في المستقبل، شاهدين على الناس كما أُمِرنا، نحتاج ويحتاجون إلى الوصل، فالاتصال، فالتواصل بالمشترك الذي هو الإسلام، ولغته التي هي العربية.
هذا قدرنا الرحيم الحكيم الكريم،
فلنسبق إلى الاختيار التاريخي بالاختيار، قبل أن يجرفنا اختيار التاريخ بالاضطرار.
ثانيا- مظاهر إشكال الاستعمال :
الإشكال للأسف كبير كبير، ومظاهره للأسف غليظة خطيرة، ومحاولةً لحصرها يمكن تصنيفها إلى ثلاثة:
- مظهر إهمال الاستعمال :
وذلك:
إما جهلا بالعربية أصلا، كما هو حال عدد ممن كتب عليهم بعد حادثة 1912 أن يَجهَلوا أو يُجَهَّلوا العربية. ومن جهل شيئا عاداه كما يقال، َبله أن يستعمله.
وإما عادة، غلبت نتيجة محيط محيط، كما هو حال ذوي اللسانَين الذين غلب عليهم بحكم العادة استعمال غير العربية.
وإما رفضا لاستعمال العربية أصلا، وذلك بحمد الله، وإن وجد، قليل، كما هو حال بعض من تمكن من قبله بغض الإسلام ولغته العربية، عافاهم الله تعالى.
- مظهر فساد الاستعمال :
وذلك بالخروج عن نحو العربية بمفهومه الشامل، ولاسيما في:
الصرف (كنحت دَمَقرَط الفاسد، بدل دَقرَط الصحيح)
والتركيب (كاستعمال إن… وإن… بمعنى سواء…).
والدلالة (كاستعمال التكريس بمعنى الترسيخ، والطرح بمعنى مطلق الوضع…).
ومن تصفح صحيفة، أو استمع إلى قناة، أو قرأ بعض ما تقذفه بعض المطابع دون احتساب، أو صحح أوراق امتحانات الطلاب، أو أشرف على الرسائل والبحوث الجامعية، وكان ممن قُدِّر له أن يصحب لسان القرآن، ولسان السنة البيان، أو الشعر القديم أو النثر الفصيح… فإنه سيصاب بالذهول من هول ما أصاب اللسان العربي من خروق اتسعت على الراقع.
وحتى الساعة لا يزداد الخرق إلا اتساعا.
وحتى الساعة لم يُستمع لأجراس الخطر التي تصرخ هنا وهناك بعنف.
وحتى الساعة لم يُتدخَّل لإطفاء الحريق الذي يكاد يأتي على الأخضر واليابس:
نامت نواطير مصر عن ثعالبها
فقد بشمن وما تفنى العناقيد

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 9,321
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-15-2017 - 02:14 PM ]


- مظهر المزاحمة في الاستعمال :
وله صورتان كبيرتان:
< صورة مزاحمة اللغات الأجنبية ولاسيما الفرنسية بحكم حادثة 1912 وهي مزاحمة إبعاد لا مزاحمة إمداد وإسناد. وعند واقع التعليم منذ الابتدائي حتى نهاية التعليم العالي الخبر اليقين؛ حصصا ومعاملات وتخصصات …. وآفاقا وتوجّهات وارتباطات…
ولكثير من مؤسسات القطاع العام والخاص إمداد وإسناد لذلك الإبعاد.
ولحسيس العولمة بالخارج والداخل هدير وزئير، وهي تفور تكاد تَمَيَّزُ من الغيظ، لمن ألقي فيها إذا ألقي فيها شهيق وزفير..
هذه صورة وهي الأكبر والأخطر، والأدهى والأمر.
< وصورة مزاحمة اللهجات المحلية. وكثيرا ما يضخم خطرها تغطية وصرفا للأنظار عن الخطر السابق الأكبر.
ثالثا- محاولة لحصر الإشكال:
تلك المظاهر على تنوعها وتباعدها، مردها عند التأمل في عللها، ومحاولة حصرها، إلى سبب واحد وحيد هو الجهل.
أجل، الجهل بأنواعه الثلاثة أيضا:
أ- جهل بجدوى الاستعمال :
الذي هو سبب الترك والإهمال؛ إذ لو عرف الجاهلون به فوائد العلم به حاضرا ومستقبلا، وفوائد استعماله في مختلف المجالات لطلبوه وقدموه، ولو عرف ذلك الرافضون لرفضوا ما هم فيه وتابوا مما هم عليه إليه. ولو عرف ذلك المعتادون لغيره لعادوا إليه.
ولكنه الجهل المفوت لكثير من الخير، وجزى الله خيرا صاحب المثل القائل: (الّلي ما عَرفَك خَسرَك= الذي ما عَرَفَك خَسِرَك)
ب- جهل بصحة الاستعمال :
الذي هو سبب فساد الاستعمال؛ إذ لم يعد اكتساب العربية من الأصول الصحيحة الفصيحة التي كانت قبل حادثة الاحتلال (الاستعمار) في العالم الإسلامي، ونُزِّلَت مُستَنبَتَاتٌ منزلة الأصول، تَعرِف منها وتُنكٍر. وحَدَثَ في هذا الظرف وأُحدِثَ «الحديث» مبتوتا مقطوعا أو يكاد من القديم، فكان، نتيجةَ الشرخِ الأخدود، شروخ في اللغة وفي غير اللغة….
ولن يستقيم أمر اللغة إلا بميزان اللغة….
ولن يستقيم أمر العربية إلا بميزان العربية…
وإنما رأس البيان، في ميزان العربية وبميزان العربية، القرآن.
وما لم يؤسس التعليم على القرآن فلن يستقيم لاستعمال العربية ميزان.
ج- جهل بضرورة وحدة الاستعمال :
الذي هو سبب المزاحمة في الاستعمال؛ إذ لو علمنا وأيقنا أن لابد من لغة واحدة في الاستعمال لتسهيل الجمع ومنع التفريق، وتسريع التفاهم ودفع التصادم، وتكثير الائتلاف وتقليل الاختلاف …. إلى غير ذلك من لوازم رص الصف والانطلاق الجماعي في اتجاه التنمية الشاملة، والإبداع الحضاري المتميز.
لو علمنا ذلك لاخترنا، واقعا واستعمالا، كما اخترنا، دستورا وميثاقا، العربية والعربية خاصة، لأسباب كما تقدم متعددة كثيرة.
رابعا- اقتراح حل للإشكال :
لا جرم بعد الذي تقدم أن الحل يكمن في هذا اللفظ القليل المفيد:
القضاء العلمي المنهجي الشامل على الجهل بأنواعه الثلاثة:
أ- القضاء العلمي على الجهل بالبحث العلمي للإشكال استيعابا وتحليلا وتعليلا وتركيبا من مُؤَهَّلِين مُعافَين، أقوياء أمناء لا تأخذهم في العلمية لومة لائم.
ب- القضاء المنهجي بالتخطيط والتنفيذ المحكم التدريجي الذي لا يؤخر ما حقه التقديم، ولا يقدم ما حقه التأخير، ولا يساوم على ثابت من أجل متغير، ولا على اختيار بسبب ضغط كبار.
ح- القضاء الشامل بتتبع الإشكال في كل المجالات حسب الأولويات على المستوى الرسمي والشعبي معا.
ولا شك أن ذلكم القضاء يتطلب على رأس ما يتطلب:
1 – القرار السياسي السريع والإرادة السياسية الحازمة الحاسمة.
2 – التعاون الصادق المستمر من جميع مؤسسات المجتمع ومكوناته.
خامسا- خاتمة في لوازم البدء والإتمام:
وإنما يلزم الإتمام بالشروع كما يقرر ذلك علماؤنا. وأول الشروع، الشروع في السير في الاتجاه :
اتجاه من يبده القرار إلى الإسراع في اتخاذ القرار (فقد بلغ السيل الزبى ووصل الحزام الطُّبيَينِ.)
اتجاه من يعلم الحال والمآل إلى الإلحاح في الطلب بالتي هي أحسن لتحسين الحال والمآل
اتجاه من يجهل واقع الأوضاع إلى الحرص على الاستماع للتي هي أقوم بالتي هي أسرع.
وأخيرا : وا لغتاه!
وا عربيتاه!!
فهل يسمع المعتصم النداء؟
وهل يسارع أهل الحل والعقد لكشف البلاء؟
وهل يتعاون أحياء الأمة على كشف الغمة؟


*ضرورة العـودة إلى القرآن الكريم
قال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم (المائدة:15-16). وقال : «خيركم من تعلّم القرآن وعلمه» (رواه البخاري).

لقد أمرنا ربنا أن نَذكر نعمَه علينا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم(المائدة:11). وإن من النِّعم العظمى علينا أنْ جعلنا من أبناء آدم وهي نعمة يجب أن تُذكر، لأن هذا المخلوق -أبانا آدم- كرّمه الله -سبحانه وتعالى- واستخلفه، إذ قال قبل أن يَخلقه: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة (البقرة:30). إنه تعالى كرّم هذا الخليفة وكرّم أبناءه من بعده جميعًا حيث كونهم بني آدم: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا (الإسراء:70)؛ إنها نعمة عظيمة ينبغي أن نتفكر فيها ونذكرها، لأن النعم إنْ لم تُذكر لن تُشكر، فأول الشكر للنِعم أن تُذكر. ونعمة «التكريم» نعمة عظيمة جدًّا، ونِعمة «الخلافة» عن الله نعمة عظيمة جدًّا، ولكن على قدر النِعم تكون المسؤولية. هل مَنّ الله علينا بهذه النعمة العظيمة فقط؟ ما أكثر نعم الله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا (إبراهيم:34).

نعمة الإسلام :

من النِّعم التي فوق هذه النعمة هي نعمة الإسلام التي قال الله عنها: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا (المائدة:3)، نعمة الإسلام إذن أعظم من النعمة السابقة. فكَم من أبناء آدم لا يتمتعون بنعمة الإسلام التي بها -لا بغيرها- يتم الفوز في الدنيا والآخرة. إنها نعمة كبيرة ينبغي أن نُفكر فيها فلِـمَ اجتبانا الله واصطفانا من بين أبناء آدم ليَمُنّ علينا بهذه النعمة؟ ينبغي أن نفكر ونَذكر هذه النعمة ذكرًا يدفعنا إلى الشكر، ونتأمل في الفوائد الكثيرة لها، وحسبك أن النجاة بها في الدنيا، والفوز والنجاة الحقيقية بها في الآخرة، إذ لا فوز هناك إلا بالإسلام: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (مريم:71-72). والمسلمون «مُتقون»، إذ لا يُتصور إسلام بغير تقوى، وهدايةُ الله في كتابه -الذي هو الهدى- لا تنفع غير المتقين، وهم وحدهم الذين يهتدون بهذا الكتاب: فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (البقرة:2)، كما أن قبول الأعمال إنما يكون من المتقين، ووراثة الجنة تكون بما عملنا هنا: تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (الأعراف:43)، والوارثون للجنة هم المتقون: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ (المؤمنون:10-11). إذن نعمة الإسلام لا تُقدّر بثمن لفوائدها في الدنيا وفائدتها العظمى في الآخرة، إذ الحياة حياتان، حياة صغيرة بمثابة مقدمة لموضوع لا نهاية له اسمه «الآخرة» وهي الحياة: وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون(العنكبوت:64). وبالتالي فإننا نتمتع بنعمة أخرى أعظم من هاته النعمة، حيث نشترك فيها مع العديد من الأمم مضت من المسلمين، لأن جميع الأمم السابقة هم مسلمون؛ جميع الأنبياء كانوا مسلمين، موسى مسلم، وعيسى مسلم، وأتباعهما مسلمون، ودينهم الإسلام لا غيره. فمقولة الأديان السماوية، خرافة، لأن الدين واحد عند الله وهو الإسلام: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ (آل عمران:19)، إلا أنه نزل على مراحل حسب حاجات الإنسان وحسب حكمة الله سبحانه. وحين وصلت الأمة إلى مستوى من النضج، جاءها الكتاب الذي نَزل منه بعض الكتب من قبلُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ (النساء:44)، أما هذا فـألم، ذلك الكتاب هو الذي في الذِّكر الأصل، وهو كتابٌ مصدقٌ لما بين يديه من الكتاب ومهيمنٌ عليه. فهذا هو الكتاب، نَزل في صورته الخاتمة، في الصيغة الأخيرة لأبناء آدم نزولاً تامًّا كاملاً لا نقص فيه ولا عيب: لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ (فصلت:42).

نعمة الشهادة على الناس

إن كان الإسلام نعمة تشترك فيها الأمم الأخرى قبل أمة محمد ، فما هي النعمة التي لا يشاركنا فيها غيرنا إذن؟ إنها نعمة «الشهادة على الناس». ما نَزل من الكتاب من قبلُ، استحفظ عليه الناس: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (المائدة:44). أما هذا الكتاب -حيث لن يأتي بعدُ لا نبي ولا رسول -فحُفظ من الله- سبحانه وتعالى- : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون(الحجر:9). فمن الذي يقوم بوظيفة الأنبياء التي تتلخص في تجديد أمر هذا الدين وتبليغ رسالة الله لمن لم تَبلُغه؟ تلك هي رسالة هذه الأمة، وهي النعمة الثالثة الكبرى التي تخص المسلمين من هذه الأمة (أمة محمد )، لأن رسالته تتشخص بـيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا (الأحزاب:45)، فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا (النساء:41)؛ هذه الصفة الملخِّصة لوظيفته ورسالته هي نفسها لأتباعه من بعده في صورة أمة: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (البقرة:143)، هي نفس الصفة التي للرسل: وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة:143). هذه النعمة تتضمن ما سواها وتزيد، وفيها التشريف الكبير، ولكن -كما أشرت في البداية- ما من نعمة إلا وتَستَتبع مسؤولية؛ إذ هي أمانة تتطلب الأداء، فإن أُديت كان الجزاء العظيم، وإن لم تؤد كان الوزر الغليظ، فعلى قدر الأمانة يكون الأجر أو الوزر. وبما أن هذه الأمانة عظيمة جدًّا، فإن أجرها -إن حملناها بأمانة وأديناها بكفاءة- سيكون عظيمًا جدًّا. ولكن إذا لم نَحملها بأمانة ولم نؤدها بكفاءة وجدارة، فإن وزرها لا يكاد يُتصور؛ مَن ضُربت عليه الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله سبحانه صارت لهم الولاية علينا. مَن يريد العزة فإن العزة لِله جميعًا. والعزة أصلاً لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكننا نعيش حياة الذُّل، حالة الذُّل على المستوى المحلي وعلى المستوى العالمي، لِم هذا كله؟ إن القصة تتلخص في شيء بسيط اسمه «هدى الله»، الذي قال الله فيه لأبينا آدم بعد أن أَهبطه من الجنة إلى الأرض: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا (طه:123-124)؛ لأن الهدى موجود وأعرض عنه، كما عبر في الآية: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا (الأعراف:175)؛ هي بمثابة جلدٍ يَلبسه فأزاله، والأصل في اللباس أن يقي ويستر، فحين انسلخ أتبعه الشيطان، لأن الأصل الأول حين أكل أبونا آدم وأُمّنا حواء من الشجرة، بدت لهما سوءاتهما. فالمعصية تخرق الجُنة أيْ الرداء أو الدِرع الذي يمنعنا من الضلال: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (الأعراف:26). هذا الذي هو واقعٌ سببه واضح جلّي، إنه الانسلاخ من «هدى الله»، والإعراض عن «هدى الله»: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (طه:124).

هذا الذكر وهذا الكتاب يوم استضاء به أعراب الجزيرة العربية وبَدْوِها، فتحوا الكرة الأرضية شرقًا وغربًا جنوبًا وشمالاً. عقبة بن نافع أدخل حوافر فرسه في البحر وقال: «لو كنت أعلم أرضًا وراء هذا البحر لخضته بفرسي، فاتحًا لها ومُبلغًا نور الله لعباد الله». وفي نحو نصف قرن تقريبًا، امتد من المحيط الأطلسي مع ثلة من الأعراب والبدو -وليس مع جيش منظم أبدًا- لا عُدّة ولا عتاد ولا عدد، وإنما مخلوقات جديدة ولدت ولادة جديدة بنفخ روح القرآن فيها، لأن القرآن روح تُنفخ لا كلمات تُتلى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس(الأنعام:122)؛ فبدون القرآن نحن أموات غير أحياء، وبالقرآن نصير أحياء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (الأنفال:24). فحين نصير أحياء تنفع فينا النِّذارة: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا (يس:70). أما الذي ليس بحي فكأنما تَنفُخ في رماد بارد. الملايير التي تراها في العالم، موتى غير أحياء حتى يَحيوا بالقرآن، فالذي جعل الجيل الراشد الأول يفتح العالم ويحمل النور إلى أقاصي الكرة الأرضية؛ نرى البخاري ومسلم يجمعون سنة رسول الله من أقصى شمال الكرة الأرضية، ونرى طارق بن زياد يحمل النور إلى أوربا، وغيره يحملون النور إلى أقاصي السند والهند في شرق الكرة الأرضية. ذلك كله إنما كان بهذا القرآن فقط، لكن ليس بالقرآن النصّي المعزول الموضوع على الرف بالنص المزين المزخرف، بل بالقرآن الذي يسكن عمق القلب، ويسري عبر العروق ليسكن الخلايا، لينفخ روحًا جديدة فيك، ليولدك ولادة جديدة إلى أن يجعلك خلقًا آخر:ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ (المؤمنون:14). إن القرآن روح بنص القرآن نفسه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا (الشورى:52). القرآن، له نفس خاصيةِ الروح، والتعبير عنه بنفس التعبير الذي عبر به عن الروح التي نعرف جميعًا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (الإسراء:85)، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا. وخاصية الروح العادية التي نعرف، هي توحيد الكيان الصغير للفرد، جمع شتات أجزائه وإعطاؤهما القدرات التي تصير للكائن الحي: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح» (رواه البخاري)؛ إذ ذاك يصير كما صرحت الآية: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ. تلك الروح التي نفخت في القسم الطيني من بني آدم صيّرته خلقًا آخر، والموت ليس فناء، وإنما فصل للعنصرين عن بعضهما، فيرجع العنصر الطيني إلى طينه (إلى الأرض)، وتذهب الروح إلى بارئها غير فانية حتى يعود اللقاء بعدُ. الذي رجع إلى الطين يتجزأ ويتفتت ليس له أي قدرة، كل القدرات اختفت منه بمجرد ذهاب عنصر الروح. كذلكم -وأيم الله- جسد الأمة الإسلامية، إن روحها القرآن، إذا نفخ فيها صارت جسدًا ولم تبق عِضين ولا أباديد ولا شراذم وجزئيات ولا فتاتًا مفتتة كما هو الحال، بل صارت جسمًا واحدًا كما عبر عنه الحديث: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثَل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى» (رواه مسلم). هذه الخاصية هي للجسد، والتي هي مظهر للتراحم والتعاطف والتواد… إنما كانت في الجسد بسبب الروح، وإلا حين يموت الميت قلَّ لجسده أن يحدث فيه مثل هذا.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 9,321
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-15-2017 - 02:20 PM ]


فالأمة الإسلامية يمكن أن تعود جسدًا بسرعة إذا نُفخت فيها الروح، وإنما تنفخ فيها الروح بنفخها في الجزئيات المكونة لها، أي الأفراد، ثم في الأسر، ثم في التكتلات البشرية المكونة للمجموع. إذن فالمدار على القرآن، به ارتفع من ارتفع، وبه اتضع من اتضع كما هو حالنا اليوم، وهو ما يؤكده الحديث: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» (رواه مسلم). لننتبه إلى هذا الجار والمجرور «به»: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ لا بغيره. إذا التمسنا الهدى في غيره أضلنا الله وهو الحال الذي نعيش: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى (البقرة:120) بالحصر. لا ينبغي ولا يجوز أن يلتفت المسلم فردًا أو أسرةً أو جماعةً أو دولةً أو أمةً لغير القرآن: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (الإسراء:9). أقوم على الإطلاق؛ إنما الهدى هدى الله. إن هذه الحقيقة يجب أن تستقر، لا صِدق لاستقرارها إلا بالإقبال الصادق على القرآن تعلمًا وتعليمًا. حين دعا إبراهيم وطلب قال: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ (البقرة:129)، واستجاب الله فـبَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ (الجمعة:2). لا مخرج اليوم مما نحن فيه من الذلة إلى العزة، من الجهل إلى العلم، من الضعف إلى القوة، من الظلمات إلى النور إلا بهذا القرآن. فلنُقبل عليه بصدق، نلتمس فيه الهدى لكل جزئية صغرت أم كبرت، تعلقت بالأرض أم بغير الأرض، يجب أن نجتهد في هذا حيث ما كنا، إن كنت معلّمًا فلأجتهد لأُعلِّم الهدى ما استطعت، إن كنت مفتشًا فلأجتهد أن أوجِّه الأساتذة والمعلمين هذا التوجيه، وإن طُلب مني أن أفعل غير الهدى فينبغي بأي حال ألا أفعل، وإن أُمرت أن أترك الهدى فينبغي ألا أتركه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى (العلق:9-14). هذا الناهي للعبد الذي يصلي بالمقال أو بالحال، هذا الناهي للعبد الذي هو على الهدى، هذا العبد الناهي للعبد الآمر بالتقوى -أي بالهدى- ما الجواب الصريح في آخر السورة؟ كَلَّا لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (العلق:19)، إنما الطاعة، في المعروف. إذا أردنا أن نعرف المعبود الواقعي الحق… من نعبد؟ نزعم أننا نعبد الله، وندّعي أننا نشهد «أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، لكن الواقع لا يصدّق هذا، فهذه الدعوى ليس لدينا عليها بيّنة… إذن من نعبد حقيقة؟

هناك طريقة بسيطة جدًّا ليعرف كل واحد منا معبوده؛ إنه ببساطة، الذي يضحّي بكل شيء من أجل رضاه هو، ولا يضحّي به من أجل أي شيء آخر… إن كان المرأة أو الوظيفة أو المال، فذلك هو المعبود. وصدق رسول الله حين قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة» (رواه البخاري). وليقسْ ما لم يقل كما قال ابن مالك: المعبود هو المحبوب الأكبر ليس باللفظ، ولكن تضحي في الواقع من أجله. المحبة لها تعبير مادي كما قال الرسول : «الصلاة نور، والصدقة برهان» (رواه مسلم). فليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، إذا لم يُصدّق العمل ما في القلب، فليس هذا ما جاء به محمد ، وليس هذا معنى «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، إذ إن أول هدف لـ»لا إله إلا الله محمد رسول الله» أن تُوحِّد المسلم، أن توحد ابن آدم، أن توحده في قِسمَيه الاضطراري والاختياري، هو في القسم الاضطراري عبد لله شاء أم أبى، وفيه قسم اختياري يجب أن يوحّده مع القسم الاضطراري فيصير أيضًا مؤتمِرًا بأمر الله كالقسم الآخر.

وجهات ثلاث يجب أن تتوحد؛ جهة القلب، وجهة اللسان، وجهة الفعل، أن يكون لها إله واحد متعلق بالقلب رهبة ورغبة. «الله أكبر وحده»؛ هذه العبارة ينبغي أن نفكر فيها، ما معنى «الله أكبر»؟ ولماذا امتلأت بها الصلاة؟ لأننا في الواقع لا نجعل الله أكبر، بل نجعل أشياء أخرى أكبر. ولا يمكن أن نقوم بوظيفة الشهادة على الناس ما لم تمتلئ قلوبنا بأكبرية الله. ولذلك كان أول شرط في الإنذار والتبليغ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ بالحصر، ولم يقل الله «وكبّر ربك»، (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّر (المدثر:1-3)؛ لأنه إذا كان أي شيء في قلبك أكبر من الله فإنك ستؤتى منه، وإذا كان الله عندك أكبر من كل شيء وأنك مستعد للتضحية بكل شيء من أجل إرضائه، إذ ذاك يمكنك أن تفعل أي شيء أمَرك الله به وتَقدر عليه بيسر، وتدخل في قول رسول الله لمعاذ بن جبل حين سأله: أخبْرني عن عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ قال : «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه» (رواه الترمذي). هذا التيسير هو بهذه العبودية الصادقة، ولهذا تشير الآية الكريمة: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ (التوبة:24).

إذن تتلخص القضية في الإقبال بصدق على القرآن الكريم في الصورة الفردية والجماعية، مَن شاء أن يتحدث فليكرع من القرآن، فليتضلع من القرآن، من شاء أن يفكر فلينطلق من القرآن، من شاء أن يُترجم فليزن بالقرآن… القرآن هو المنطلق، والقرآن هو الغاية، والقرآن هو الهدف، والقرآن هو الميزان، والقرآن هو الوسيلة، والقرآن كل شيء… لنَعُضّ عليه بالنواجذ ولنُعِد بناء الإنسان على أساس منهاجه الأول الذي اختاره الله سبحانه وتعالى لرسوله ، قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ (آل عمران:73)، وقال كذلك: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا (البقرة:135).
--------------------------------

مصادر التعريف بالشخصية:
1-سيرة ذاتية للدكتور الشاهد بن محمد البوشيخي/ من علماء المغرب: للدكتور عبد الرحمن محجوبي موقع ملتقى أهل الحديث:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=269873

2-الموقع الرسمي لجريدة المحجة: مقالات الكاتب : أ.د. الشاهد البوشيخي:
http://almahajjafes.net/author/bouchikhi/

3-الشاهد البوشيخي: الموسوعة الحرة:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%87%D8%AF_%D8%A7%D9%84% D8%A8%D9%88%D8%B4%D9%8A%D8%AE%D9%8A

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:18 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. Trans by