مجمع اللغة العربية بمكة يعلن عن إطلاق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,479
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي الميراث من بديع التراث مسكوكات لغوية وأمثال وحكمة فمن يقتني؟!

كُتب : [ 10-13-2021 - 01:45 PM ]


الميراث من بديع التراث مسكوكات لغوية وأمثال وحكمة فمن يقتني؟!
محمد صادق عبدالعال




ولأن حروف العربية ومفرداتها شبيهةُ الآس في حضور وديمومة، فلا مرَّ الخريف بأغصانها فنخر فيها، ولا طاف عليها طائف من حرٍّ ورمضاء فقضَّ منها كل غضٍّ، واستحالت من خضرة إلى صفرة ويباس؛ فالعربية وحروفها البديعة لم تزل قائمة على أصولها الخلَّاقة مبدعة برَّاقة، لها رونق خاص؛ لذا كان لازمًا علينا بعد سلسلة من التراث والنبراس، وقد سبقتها إشكالية في جمال التناص أن نُعرِّج عروج المشتاق لبستانه الماتع، ونرتقي ارتقاء الحصباء للنيل من سراج السماء، فكان المقتطف من بديع كلام العرب من حِكَمٍ بالغة، ومسكوكات شبيهة الذهب والتِّبْرِ، وأمثال لا زلت مضاربها بين الناس قائمة، ولازمة تتطلب الذكر وقت أن يطابق المثل الواقعة؛ فيا لجمال العربية غنية ثرية رغم أنف الكارهين!! ومع بعض من فرائد الحكم نعيش سطورًا ليست بالطويلة، وإن طالت فمسيرةُ شهر في الجنان ووارف الظلال كساعةٍ فيما سواها، والسُّقيا من عذب نهر، والله المستعان.



• أ/ محمد رجب النجار يعرض مسكوكاته وروائع النثر القديم:

ومن حسن حظي ويمن الطالع أن أطالع مقالًا بمجلة العربي، يرى كاتبه أ/ محمد رجب النجار في مقاله "أمثال ومسكوكات لغوية" أن عبقرية اللغة تقاس أحيانًا بما تمتلكه من مسكوكات أو صيغ لغوية يتناقلها أبناء اللغة جيلًا فجيلًا، شفهيًّا أو كتابيًّا، ومثل هذه المسكوكات الموروثة تماثل أمثال السائرة، وهي في الأصل ضرب من هذه المسكوكات في بنيتها الأسلوبية والوظيفية؛ من حيث إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه، ويستطرد الكاتب قائلًا:

"ولغتنا العربية الخالدة ثرية بمثل هذه المسكوكات الموروثة منذ العصر الجاهلي وصدر الإسلام، وظلت حية في معظمها حتى اليوم، واستخدمها العرب في لغة الحياة اليومية منها ذكرًا وليس حصرًا:



• بالرِّفاء والبنين: وهي من مسكوكات العرب التي كانت تُقال منذ العصر الجاهلي، وأظنها لا زالت قائمة حاضرة حتى عصرنا هذا؛ لِما فيها من عذوبة وسمو ورقي في العبارة تعنى: الالتزام والاتفاق وحسن الاجتماع والعشرة والسكينة.



• حَنَانَيْك: مسكوكة لغوية تُقال في الاستعطاف الرقيق عُرفت في الجاهلية وامتدت حتى الإسلام.



• حيَّاك الله وبيَّاك: من عبارات التحية والترحيب عند العرب في الجاهلية والإسلام؛ قال ابن الأنباري: "إن لكلمة حياك عدة معانٍ من التحية وهي السلام؛ أي: سلم الله عليك، وأما قولهم: بياك، فتعني أيضًا حياك على سبيل التأكيد، وقيل أنها تعني بؤاك الله منزلًا مرتفعًا، وتركت العرب الهمز وأبدلوا من الواو ياء؛ ليزدوج الكلام فيكون بياك على وزن حياك.



• عَم صباحًا: مسكوكة جاهلية عريقة تقال للتحية في الصباح، واستخدمها المسلمون أيضًا، ولا تزال تتردد، لكن الأفضل منها تحية الإسلام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



• ليت شعري: تركيب عربي عريق كانت العرب ترددها منذ العصر الجاهلي، عندما تتمنى العلم بشيء تود أن تعرفه جاء في الحديث: ليت شعري ما صنع فلان؛ أي: ليتني شعرت أو ليت علمي حاضر أو محيط بما صنع فحذف الخبر.



• طوبى لك طوبى لهم: مسكوكة دالة في معناها على الاستحسان، وفيها معنى الدعاء للإنسان؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ [الرعد: 29][1]، وفي الحديث الشريف عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من الناس ناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس ناسًا مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه)).



• ولنفس الكاتب أقصد د/ محمد رجب النجار/ مقال آخر في باب تراث عربي، بعنوان: "من روائع النثر القديم" ينبش فيه الكاتب عن جواهر ونفائس العربية، التي صارت بالتقادم تراثًا وإرثًا مهجورًا؛ حيث كشف النقب عن أمثال وحكم تراثية، لم نعد نراها ولا نمر عليها إلا مرور كرامٍ عبر وريقات تقويم العام مثل:

• أربعة تؤدي إلى أربعة: الصمت إلى السلامة، والبر إلى الكرامة، والجود إلى السيادة، والشكر إلى الزيادة.



ثم يذكر أربعًا أخرى من الشمائل التي تسوِّد العبد؛ أي: تجعله سيدَ قومِهِ: الأدب، والعلم، والصدق، والأمانة، ثم يعمد إلى مقدسات فيختار: اختار الحكماء أربع كلمات من أربعة كتب:

من التوراة: من قنع شبع، ومن الإنجيل: من اعتزل نجا، ومن الزبور: من سكت سلم، ومن القرآن الكريم: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101].



وتنقل الكاتب بين المسكوكات والحكم ومضارب الأمثال وخبرات الرجال، فذكر قصة الأحمقين في ملحة الوداع للرجلين اللذين تمنى كل منهما ما تمنى، ثم جاء ثالث، فكان على درجة من الحمق أكبر، ثم عمد الكاتب إلى نسخ سطور من أدب الوصايا من كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف"؛ حيث أورد وصية جامعة على حد قوله جمعت خلالًا، لو عملنا ببعضها لكنا في سباق مع الريح أينا إلى السماء يرقى، ثم عمد إلى التفصيل في قصة المتكلمة بالقرآن، وإن كان في القصة بعض القول بأنها ليست حقيقية، لكنه ذكرها، وكم من خطباء يستعذبون ذكرها إذا صعدوا المنابر إحداثًا للدهشة في ذاكرة الحضور وجذب الانتباه[2].



ولي رأي متواضع في ذلك أن مثل تلك الحكايات من أمر المتكلمة بالقرآن يُخشى أن تتخذ مجاًلا للسخرية أو الاستهزاء فيكون النص القرآني المقدس عرضة لذلك، وخاصة ممن لا يخشون ربهم ولا يجلون كتابهم الكريم، أو أولئك الذين طمر الجهل عقولهم فلم يستطيعوا التميز بين ما هو من كلام الله وما هو من كلام الناس.



• المسكوك بين المختار والمتروك:

ولعل العارف بتلك المسكوكات السامع بها يجد أن منها ما تقادم به العهد حتى استُهلك استهلاكًا، أو طواه الزمان بتكوير ليله على نهاره، ومنها ما هو حيٌّ حتى زماننا هذا، ومجاراة لما ذهب إليه الناقد الكريم لمجموعتي القصصية "أول أيام الشتاء" أن تلك المسكوكات السالف ذكرها نقلًا ربما تكون مادةً ما زالت مستخدمة، أو بها شيء من التناول، لكن للعرب كلمات قديمة، ربما يكون الآخذ بها الآن كركيزة للقص أو السرد يكون حقًّا منغلقًا على حقبة بعينها ممنوعًا من أن يصل للجمهور، ومنها ما ورد في أسس البلاغة للزمخشري؛ إذ يقول في بعض من صفحاته:

• كانت العرب تقول: نعوذ بالله من قرع الفناء، وصفر الإناء، وما أصغيت لك إناء، ولا اصفرَّت لك فناء؛ وفي الحديث: ((صفرة في سبيل الله خير من حمر النعم))؛ وهي الجوعة وخلو البطن من الطعام؛ [أساس البلاغة للزمخشري، كتاب الشعب 112، ص: 532][3].



• وفي باب الضاد أورد الزمخشري مأثورة للعرب قديمة بها من الدعاء والخير الوفير؛ فقالوا: اضأن ضأنك، وأمعز معزك؛ أي: أعزها الله لك، وضأنت ضأني ومعزت معزي وسقاء ضائني، وكانوا يقولون رجل ضائن: أي لين الجانب، وقيل: هو الذي لا يزال حسن الجسم وهو قليل الطعم[4].



• وفي مادة "ر ي ع": طعام كثير الريع، وأراعت الحنطة وراعت، وقولهم: وأراع الناس هذا العام، وكان من مأثور العرب وتراثهم مقولة: يبنون بكل ريعة، وملكهم كسراب بقيعة، وقولهم: ووعظته فأبى أن يريع، وفلان ما يريع لكلامك، ولا يريع لصوتك؛ وقال لبيد:

لزجرت قلبًا لا يريع لزاجر ♦♦♦ إن الغوِيَّ إذا نهى لم يُعتبِ[5]



ومن التراث المحفوظ والمنقول، وعبر موقع تقني لقاموس المعاني فوائد لغوية، وهي ما يقال عنه إثراء ثقافي لغوي نقلت تلك السطور نصًّا لاستكمال هيئة مبنية على أسس التراث العربي الأدبي القديم؛ لكي ننفذ منها للقول بأنه: يوجد فارق كبير بين كلمات القرآن الحية المعاصرة لكل حين، وبين المنقول والمثبت بكتب التراث أعرض عنه الناس أو عملوا به، فلا ضير، لكن كلمات القرآن الكريم منارة للعبَّاد المتعلم والأمي؛ ومما نُقل على سبيل الذكر:

• أوائل الأشياء للقارئ والناظم والسائل.



الصبح أول النهار.

الحافرة أول الأمر؛ وهي من قول الله عز وجل: ﴿ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴾ [النازعات: 10]؛ أي: في أول أمرنا.

الغسق أول الليل.

ويقال في المثل: النقد عند الحافرة.

الوسمي أول المطر.

أي: عند أول كلمة.

البارض أول النبت.

الفرط أول الوراد.

اللبأ أول اللبن.

الزلف أول ساعات الليل واحدتها زلفة.

الباكورة أول الفاكهة.

الزفير أول صوت الحمار والشهيق آخره.

البكر أول الولد.

النقبة أول ما يظهر من الجرب.

الطليعة أول الجيش.

العلقة أول ثوب يتخذ للصبي.

النهل أول الشرب.

الاستهلال أول صياح المولود إذا ولد.

النشوة أول السكر.

غزالة الضحى أولها.

الوخط أول الشيب.

عروك الجارية أول بلوغها مبلغ النساء.

ريق الشباب وريقه أزله.
سرعان الخيل أوائلها.

حدثان الأمر أوله.
تباشير الصبح أوائله

قرن الشمس أولها.


غزالة الريح أولها.




• أسماء تقع على الحسان من المخلوقات:

الوضَّاح: الرجل الحسن الوجه، والغَيْلَم والغانية المرأة الحسناء.

الأسْحَج: الوجه المعتدل الحسن، المُطَهَّم الفرس الحسن الخَلْق.



• ومن العبارات التراثية والكلمات ذات الأثر منها الظاهر حتى يومنا هذا، ومنها ما اندثر حتى توارى بين طيات الزمان والكتب، أو أسعفته حيل العصر فرُفع على مواقع وشبكات يُحمد للحافظين إياها تمسكهم بهذا التراث، وخرج من أفواه عرفت كيف تصوغ الحكم ليصل الكلم إلى مستقر العقول والأفئدة.



• أبو منصور الثعالبي في الميدان يعرض الدرر:

ولا يجوز لنا إذا ذكرنا التراث العربي بعبارات وكلمات ومصطلحات أن نتخطى من عركتهم الحياة، فنقلوا لنا تجاربهم على هيئة أمثال وحكم، يعمل بها من يعمل، ويستعذب ذكرها من يرى فيها إسعافات لفقرٍ لغويٍّ، أو عجز أدبي، حتى يقال أجاد وأبان، ومن المأثور والمنقول من درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد ابراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة.



• وخليق بنا قبل أن نرتقي لبعض من حكم ودرر الحكمة للثعالبي أن ننوِّهَ إلى فضل هذا الأديب العلامة صاحب التصانيف الأدبية المولود سنة خمسين وثلاثمائة، وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وأبو منصور الثعالبي الفراء وسُمِّيَ بالثعالبي لأنه بدأ حياته يخيط جلود الثعالب، فنُسب إلى صناعته تلك بالثعالبي؛ ويقول عنه ابن بسام صاحب الذخيرة: "كان في وقته راعى ببليغات العلم، وجامع أشتات النثر والنظم، رأس المؤلفين في زمانه، وإمام المنصفين بحكم أقرانه، وذكر الرواة أنه صاحب كتاب يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر".

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,479
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-13-2021 - 01:46 PM ]


مسببات الإهانة[6] (ص: 12):

• قيل: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم:

• الجالس على مائدة لم يُدْعَ لها، والمتآمر على رب البيت، وطالب الخير من أعدائه، وطالب الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين من غير أن يُدخِلاه،، والمستخف بالسلطان، والجالس مجلسًا ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمع منه.



• براعة[7]:

لما انهزم أمية بن عبدالله لم يَدْرِ الناس كيف يهنئونه، فدخل عبدالله بن الأهتم، فقال: الحمد لله الذي نظر لنا عليك، ولم ينظر لك علينا، وقد تقدمت الشهادة بجهدك، فعلم الله حاجة الإسلام إليك فأبقاك له.



1- ولعل قارئ تلك المأثورة التراثية يلحظ حسن التصرف لعبدالله بن الأهتم، وإنقاذ الموقف حتى ولو شابه بعض الرياء أو المجاملة.



• كثرة المنى[8]:

قال ابن المقفع، وهو مؤلف عربي من أصل فارسي وقد ترجم كتاب كليلة ودمنة من الفارسية إلى العربية، ومن كتبه الأدب الصغير والكبير: كثرة المنى يُخلق العقل، ويطرد القناعة ويُفسد الحسن.



• الدنيا في إقبالها وإدبارها[9]:

قيل: إذا أقبلت الدنيا على إنسان أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.



وتلك تراثية وحكمة تستحق الوقوف أمامها امتثالًا لبلاغتها وجمعها لطبيعة النفس البشرية التي لا تقنع، والتي قال المولى عز وجل فيها: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات: 6 - 8]، وقوله: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ [المعارج: 19 - 21]، والعديد من الآيات التي تكشف للإنسان حقيقة نفسه الأمارة، وهنا نجد أن التراث يقتبس من أنوار القرآن الكريم مسالك دربه وطرائق التماس الحكمة؛ ليظل القرآن الكريم هو النص الأسمى الذي منه نلتمس العلم والحكمة.



• رأس العجز[10]:

قيل: رأس العجز أن تقيم، وأن تخيم فلا تريم؛ يقصد بها: تفارق، يُقال ما رام مكانه: ما تركه، فمن طلب جلب؛ أي: كسب وتحرك، ومن تنقل تبقَّل، ومن جال نال، ومن سار مار؛ أي: جمع لهم المِيَرة للطعام والسفر ونحوه؛ كما في قوله تعالى على لسان إخوة يوسف عليه السلام: ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ [يوسف: 65]، ومن سعى رعى، ومن لزم المنام رأى الأحلام، ومن التراث الشعري أيضًا ما يعزز ذلك المطلب قول ابن الوردي:

حبك الأوطان عجز ظاهر
فاغترب تلقَ عن الأهل بدل
فبِمُكْثِ الماء يبقى آسنًا
وسرى البدر به البدر اكتمل


مقتطفات هي كالبدر يسطع ويشرق في ظلمة الليل الكحيل، حتى ولو سطعت لبعض حين، ثم خَفَتَ نورها، لكنها محفوظات تهدي الناس لمراتع الحكمة والبيان.



• المؤدب أولى بالتعظيم[11]:

قيل للإسكندر: إنك تعظم مؤدبك أكثر من تعظيمك لأبيك؟! فقال: إن أبي سبب حياتي الفانية، ومؤدبي سبب حياتي الباقية؛ ردٌّ مقنع ربما لا يكون الفصل لكنه الاعتراف بفضل العالم على المتعلم، ودعوة لاحترام العلم وإجلال العلماء، وفي الدارج عندنا من علمني حرفًا صرت له عبدًا.



• لطيفة[12]:

دخل رجل على مريض فقال لأهله: آجركم الله، فقيل له: إنه لم يمت، فقال: يموت إن شاء الله.



• طرفة[13]:

لسعت عقرب رجلًا، فقال أعرابي عند دوائه، فقيل له: ما هو؟ قال: الصياح حتى الصباح.



• أجْدِر بالداء أن يزول[14]:

قيل: إذا كان الطبيب حاذقًا، والعليل عاقلًا، والقيِّم فهمًا فأجدر بالداء أن يزول.



• عاقبة العداوة[15]:

قيل: لا تُعادِ أحدًا؛ فإنك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم.



والمعلوم أن قائل الحكمة هنا يحذر من مغبة العداوة بين الناس؛ لِما لها من أثر على زوال نعمة الأمن والأمان والسكينة بين الناس، وقد سبقت آيات القرآن الكريم لأفضل من ذلك، وأسمى بقوله تعالى في سورة الحجرات وهي من سور التأديب في القرآن والتربية الاجتماعية الصالحة: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات: 10]، وكلمة إخوة جاءت خبرًا لكونها صفة للمؤمنين لتلزم الناس بذلك الأمر للتحاب والمودة، وكذلك السنة النبوية المطهرة اشتملت على العديد من نبذ العداوات والمباغضة بين الناس؛ لكونها من المهلكات والحالقة للدين؛ ففي حديث للنبي الكريم معلم البشرية جمعاء، وقد صدَّر حديثه بمجموعة من الأوامر الناهية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يَبِعْ بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى ها هنا ويشير إلى صدره - ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه))؛ [رواه مسلم]، ولقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بالحسد لاعتباره آفة الآفات التي تجلب وتجر في أذيالها العداوة والبغضاء، والتآمر والفتن، فصلُّوا على معلم الناس الخير.



• حبر الأمة وإمام الأئمة الشافعي وشيء مما نُسب إليه:

وقبل النهوض لتراثية أخرى من هذا الكتاب الماتع من درر الحكم للثعالبي نما لذاكرتي أبيات شعر نسبت للإمام الشافعي رحمه الله، ومثبتة بنسخ من ديوانه، وقد نفى جمهور من العلماء وأهل العلم ذلك؛ لكونها ليست بأخلاق فضيلة الإمام الشافعي رضي الله عنه ولا من نسج قريضه:

لما عفوت ولم أحقد على أحد
أرحت نفسي من هم العداواتِ
إني أحيِّي عدوي عند رؤيته
لأدفع الشر عني بالتحياتِ
وأُظهر البِشْرَ للإنسان أبغضه
كأنما قد حشا قلبي تحياتِ
ولست أسلم ممن ليس يعرفني
وكيف أسلم من أهل العداواتِ
[ديوان الإمام الشافعي].



وبالتأكيد العلة في الأبيات ترجع إلى الدعوة إلى إخفاء العداوة والبشاشة لمن يعاديك، وإظهار خلاف ما يبطنه المرء وهذا من الناحية الشرعية لا يكون، وإن كانت من الناحية البيانية والإبداعية رائعًا، ونرجع لدرر الحكم في معنونة باسم لمن الفضل[16]؟



قيل: الفضل لمن نبذ الحسد وأراح الجسد ولزم الجَدَد؛ يقصد به الأرض المستوية، وفي المطابق ما يفسر ذلك المثل القائل: من سلك الجدد أمِن العِثار، ويُضرب في طلب العافية، ولا أرى المأثور يتعارض مع قولهم:

ما نيل المطالب بالتمني ♦♦♦ ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا



أي: مجاوزاة الصعاب والأراضي الصعبة الوعرة منها وغير الوعرة لنَيل المطلوب.



والحديث القدسي المعروف والمحفوظ لكثير منا يدعو لذلك، أو أن تلك الحكمة انبثقت عن أنواره؛ لقوله عز وجل: ((عبدي، خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب، إن قلَّ فلا تحزن، وإن كثُر فلا تفرح، إن أنت رضيت بما قسمته لك، أرحت بدنك وعقلك، وكنت عندي محمودًا، وإن لم ترضَ بما قسمته لك، أتعبت بدنك وعقلك وكنت عندي مذمومًا، وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحوش في الفَلاة، فلا يصيبك منها إلا ما كتبته لك)).



ومن أراد أن يبحث عن المناقب والحكمة، فليرجع إلى منابعها الأصلية والأصيلة ليجلس بين يدي حفاظها وكتابها، وليلتمس منهم علمًا ليفتح الله له آفاق البلاغة والبيان.



• أربع قليلها كثير[17]:

قيل: أربع القليل منها كثير: الوجع، والنار، والدين، والعداوة.



وفي هذا المأثور المختصر الذي كوَّن مربعًا مخيفًا مزعجًا على رأسه النار، وقال القائل: إن عظيم النار من مستصغر الشرر والوجع يقصد الألم، ومعلوم أن الألم والوجع عَرَضٌ للمرض، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))؛ ليعزز قيمة الترابط ويظهر صلى الله عليه وسلم ناتج الشقيقة والانفصال في المجتمع الواحد والدين من ضنك الحياة؛ ولقد استعاذ منه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: ((وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال))، وفي المأثور أيضًا: (الدَّين هم بالليل ومذلة بالنهار)، وتبقى العداوة في مستقر المربع ورابع أضلاعه الخطرة التي تهدد كِيان المجتمع بالخوف والترقب، وقلة الراحة والسكينة.



• ومن جميل ما نقل التراث واستقر في بطون الكتب الردودُ المقنعة المختصرة المفيدة، والتي تكشف عن بلغاء لهم في البيان باع وباع، حتى ولو قيل: كذا وكذا دون معرفة الاسم أو صاحب الكلمة المختصرة كهذا الرد الرائع[18]؛ قال الفضل بن مروان لرجل عاتبه: بلغني أنك تُبغضني، فلم ينكر الرجل! وقال له: أنت كما قال الشاعر:

فإنك كالدنيا نهاب صروفها ♦♦♦ ونوسعها ذمًّا ونحن عبيدها



فانظر لتلك المقارنة والمطابقة التي أعيت صاحب العتاب من أن يجد ردًّا على ذلك، حين وصفه بحب الناس للدنيا وهي المحفوفة بالغرور، ولقد علم الناس عنها ذلك، وعلى الرغم فهم عبيد لها وإماء.



ولو تركنا المجال للسياحة في وصف الدنيا، وأقوال الناس عنها من سَلَفٍ وخلف، لَما وسعت تلك السطور ولا أحبارنا وإن مدَّها المدد؛ لكن قول المولى عز وجل في محكم التنزيل: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185] كفيل وكافٍ، ولقد تعدد ذكرها وتشبيهها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة؛ لكن ما نحن بصدده هو المأثور، والدنيا في التراث، وسنَجُول جولة ونصول صولة ولن نطيل، فمعظم الشعر والنثر قد خاضا حتى الثمالة في ذلك، وما كان تناولهم لها بمستهلك أبدًا؛ إذ اجتمعوا على واحدة وهي الدنيا إلى زوال، لكن المعالجة الأدبية والبلاغية عندهم فاقت كل إبداع، ووددتُ لو أسرد لقليل من نماذج لشعر في ذلك إن أراد الله لنا سردًا أو أراد لنا صرفًا عنها؛ وكدأبي دائمًا سوف تقلني مركبة الزمن لتغوص في أعماق الأعماق لأُصيب مما ينعت بكونه تراثًا وارثًا أدبيًّا لأقلام أربابها طيُّ النسيان.



• ابن الوردي وآخرون ... وتراثهم النفيس:

اطرح الدنيا فمن عاداتها
تخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الراغب في تحصيلها
عيشة الجاهل فيها أو أقل


وهنا الشاعر قد أسدى نصيحة بطرح الدنيا لاعتبارها لا تنصف صاحب فضيلة، وأعقب البيت الأول بنظرية صاغتها ظروفه أو عركتها أحواله، فصارت الدنيا كما عبر وقدَّر في البيتين اللذين اندرجا بين مجموعة من الأبيات في القصيدة يتنقل فيها الشاعر بين اليأس والرجاء؛ ليقول في بيت آخر:

قيمة المرء ما كان يحسنه ♦♦♦ أكثر منه أو أقل



والشاهد لنا من المثال هو محاولة إقصاء الكلمات والعبارات التراثية عن كلمات ونصوص القرآن؛ لأن تلك الكلمات التراثية والأفكار لبشرٍ يخطئ ويصيب، أو قد يتحامل فيكيل بما لا يحب أن يكيل به، أو يبالغ ليبلغ منتهى وعمق الحكمة فنراه يقوله: تخفض العالي وتعلي من سفل؛ فيها مبالغة حتى وإن كان ذلك بعضًا من الواقع والملموس والمحسوس للناس.



• لامية العجم لمؤيد الدين الطغرائي:

وهنا يختص الشاعر من الدنيا عناصرها وبخاصة الزمن فيقول مبالغًا:

وحسن ظنك بالأيام معجزة
فظُنَّ شرًّا وكن منها على وَجَل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت
مسافة الخلف بين القول والعمل


يصدر الشاعر قرارًا حازمًا في أول شطر من بيته، ثم يأمر بسوء الظن استنادًا لمقولة سوء الظن من حسن الفطن ليضع هو الآخر بيتًا، كما فعل ابن الوردي يبرر لنفسه حكمه الصادر بعاليه فيذكر: قل الوفاء، وزاد الغدر وفاض، واتسعت الفجوة بين القول والعمل.



وما قيل في السابق يقال في اللاحق: تراث الشعر والنثر وعباراته وجمله منها ما يقوم على خبرات ذاتية إنسانية تحكم بالجزء على الكل أو على الكثير بالقليل مما يستند لِما أورده القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، لكن القرآن الذي هو الفصل وليس بالهزل يضع القيم والمبادئ ويرسخ في أذهان الناس مبدأ التفكر والمقارنة، وذهب لذلك المفسرون كما سبق أن بيَّناه في قيام السنة النبوية المطهرة بتعميم الخاص والعكس، وتقيد المطلق وإطلاق المقيد.



ولسنا بصدد الحديث عن شيء لا نعلم منه إلا القشور، لكن الحالة تتطلب التذكير الدائم بأن ثمة اختلافًا بين القرآن الكريم ونصوصه وكلماته، وإرث العرب وتراثهم ومن حيث البيان والمصداقية والديمومة.



• شاعر آخر:

هي الدنيا تقول بملء فيها
حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركم حسن ابتسامي
فقَولي مضحك والفعل مبكي
هي الدنيا أشبها بشهد
يسم وجيفة طُلَيت بمسكِ
هي الدنيا كمثل الطفل بينا
يقهقه إذ بكى من بعد ضحكِ


• وللحكمة في تراث العرب كتب لا تسعها الصدور، وإن وسعتها المكتبات والرفوف، وسوف نتعرض من باب العرض لنماذج قليلة منها استشهادًا واعتدادًا:

• لأبي تمام:

وإذا أراد الله نشر فضيلة
طويت أتاح لها لسان حسودِ
لولا اشتعال النار فيما جاورت
ما كان يُعرف طِيب عَرفِ العود


• لابن الشبل:

يُفني البخيل بجمع المال مدته
وللحوادث والأيام ما يدع
كدودة القز ما تبنيه يهدمها
وغيرها بالذي تبنيه ينتفع


• ولآخر:

وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم
إذا كانت الأخلاق غير حسان
فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى
فما كل مصقول الحديد يمان.


ولأخر:

ازرع جميلًا ولو في غير موضعه
فلا يضيع جميل أينما وضعا
إن الجميل وإن طال الزمان به
فليس يحصده إلا الذي زرعا.


ولعل المتتبع لآثار تلك الأبيات التراثية الرائعة يجد أن:

الشاعر أو الحكيم وأقول حكيمًا لِما لمسته أقلامنا حين اطلعنا عليها؛ فالواحد منهم يضع القاعدة أو النظرية ثم يشرع في سياق المثال من الطبيعة المباشرة له ليصبح محك الاختبار من بيئة العمل نفسه، ويكون الشاعر قد جمع بين النظرية والمثال أو التطبيق لتصير القاعدة التي وضعها من تلقاء خبرته قد اكتسبت مصداقية لدى القارئ والمطلع.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,479
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-13-2021 - 01:52 PM ]


• اتحافات شبكة الألوكة العربية:

ومن عوائد وفوائد النشر التقني أتحفتنا شبكة الألوكة الطيبة بسلسلة من روائع النثر والشعر القديم وأمثلة من التراث، حِرْتُ كثيرًا كيف أقتني أعلاها بيانًا وأحسنها بديعًا صِيغ من جناس وطباق وغيرهما، فنسخت ما تيسر لي اختصارًا وانتظارًا لقارئ مهذب يطرق أبواب الشبكة الطيبة يقتني من روائع نثرها وشعرها ليجمل بها نصوصه، ويحفظ منها ما يعلق بذهنه وفكره؛ ليطرد وساوس وهلاوس لنماذج الحداثة الفاضحة التي سعت لتغيير مسارات الفضائل لطرق ليست بالسوية، ولتجعل المواكبة والمعاصرة مبررًا لازدراء التراث القيِّم، ومن بوابات الشبكة الطيبة اخترنا القليل ذكره والكثير العديد نفعه البليغ، فمن السلسلة التاسعة عشر/ شبكة الألوكة /حضارة الكلمة /من روائع الماضي:

• أكثر مصارع العقول، تحت بروق المطامع، الشيء إن لم تكن له بداية، لا تنتظر له نهايةً.



• قال بعض البلغاء: الزم الصمت؛ فإنه يُكسبك فوز المحبة، ويؤمنك سوء المغبة، ويلبسك ثوب الوقار، ويكفيك مؤنة الاعتذار؛ [درر السلوك في سياسة الملوك].



• ومن السلسلة الثامنة:شبكة الألوكة /حضارة الكلمة /من روائع الماضي:

• وقديمًا قيل: إذا أيسرتَ فكل رحلٍ رحلك، وإذا أعسرت أنكرك حتى أهلك. [العود الهندي، (404/ 1)].



• قال الأصمعي: من أمثال العرب: إن البُغاثَ بأرضنا يَسْتَنْسِر؛ يُضرب مثلًا للرجل يكون ضعيفًا ثم يقوى.



• قيل لبعض الحكماء: ما الأشياء الناطقة الصامتة؟ قال: الدلائل المخبرة، والعبر الواعظة؛ [التذكرة الحمدونية].



• ومن السلسلة الثالثة بشبكة الألوكة:

• أحمق من نظر في عيوب الناس فأنكرها، ثم رضيَها لنفسه؛ [اللفيف في كل معنى طريف، ص: ١٥٠].



• إن لله جنودًا، منها العسل، قاله معاوية لما سمع أن الأشتر سُقي عسلًا فيه سم فمات؛ [مجمع الأمثال للميداني (١١/ ١)].



• البعير إن ما قيل له: جمل؛ لأنه يصبر ويتحمل ويجمل؛ [رسالة الصاهل (٣٧٥)]، ومن أراد الاستزادة فليلج تلك الشبكة الراقية في شتى فروعها، وما كان على شاكلتها من إيراد وتذكير بجمال الحكم والمواعظ العربية الحسنة.



ونختم بتلك الكلمات الرائعات والتي تنسب إلى الفاروق عمر، والعهدة على شبكة الألوكة/ شيخ صالح الحمد السلسلة الثالثة من روائع الشعر والنثر القديم؛ حيث أردف عبارات نُسبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: (فإن مُنيتَ بحب الكتابة وصناعتها، والبلاغة وتأليفها، وجاش صدرك بشعر معقود، أو دعتك نفسك إلى تأليف الكلام المنثور، وتهيأ لك نظمه وعندك معتدل، وكلام لديك متسق، فلا تدعونك الثقة بنفسك، والعجب بتأليفك أن تهجم به على أهل الصناعة؛ فإنك تنظر إلى تأليفك بعين الوالد لولده، والعاشق إلى عشيقه؛ كما قال حبيب:

ويسيء بالإحسان ظنًّا لا كمن؟ ♦♦♦ يأتيك وهو بشعره مفتون



ولكن اعرضه على البلغاء والشعراء والخطباء ممزوجًا بغيره، فإن أصغوا إليه، وأذنوا له، وشخصوا بالأبصار واستعادوه طلبوه منك وامتزج، فاكشف من تلك الرسالة والخطبة والشعر اسمه، وانسبه لنفسك، وإن رأيت عنه الأسماع منصرفةً، والقلوب عنه لاهيةً، فاستدل به على تخلفك عن الصناعة، وتقاصرك عنها، واستر برأيك عند رأي غيرك من أهل الأدب والبلاغة).



• والباحث في رسائل الفاروق عمر رضي الله عنه للولاة وأمراء المسلمين في زمن الفتوحات وخلافته الميمونة يرى فيها من البلاغة والبيان ما يهذبان رسائل الخطابة والمراسلات، والحث على نصرة الضعيف ونجدة المظلوم، وتوطيد قيم الإسلام السمحة بصورة تزينها البلاغة، وتمجدها عقيدة الإسلام، فضلًا عما اشتملت على حكم ودرر لغوية وبيانية، ولكن لمن تقول؟ لقد أصبحت العربية وأهلوها في مكان قصيٍّ عن الحضور وبمعزل، ولسان حالها لبنيها: يا بني اركب معنا، ولا نلقي بالتهمة على بعض الأعجمين وحدهم قدر ما هو تقصير وجحود من أصحاب اللسان العربي أنفسهم، ولعل إرهاصات وانبعاثات التغريب الوافدة قد وجدت أفئدة جامدة صلدة لا تريد أن تصغي لغير تيار العولمة الجارف الذي ينخر دون رفق في أصول عريقة، ويغيِّر عن قصد ثوابت عربية، ويصرف الأنظار عن مخططه الأكبر لطمس الهوية العربية بتحويل مسارات القيم لأهواء غير حقيقية، ويصدق فيهم قول أستاذنا العقاد رحمه الله: (إن فداحة الخطأ من سهولة العلم بالصوب لخليقةٌ بأن تفتح بابًا لسوء الظن قبل سوء الفهم)، صدقت والله أستاذنا الكريم، فيا ليت العقلاء يستبصرون والله المستعان.

عجبًا لأمر الضاد ويكأن بقوم ♦♦♦ اتحفوا تبرًا فأبدلوه رملا


المصدر

-------

[1] أمثال ومسكوكات عربية، د/ محمد رجب النجار، العربي، ع: 498، ص: 184 - 187.

[2] من روائع النثر القديم، د/ محمد رجب النجار، العربي، ع: 502، ص: 184 - 187.

[3] أساس البلاغة للزمخشري، كتاب الشعب 112، ص: 532.

[4] أساس البلاغة للزمخشري، كتاب الشعب 113، ص: 552.

[5] أساس البلاغة للزمخشري، كتاب الشعب 112، ص 389.

[6] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 12.

[7] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 16.

[8] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 32.

[9] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 32.

[10] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 46.

[11] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 60.

[12] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 65.

[13] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 54.

[14] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 54.

[15] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 57.

[16] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 58.

[17] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 74.

[18] درر الحكم لأبي منصور الثعالبي، تحقيق ودراسة محمد إبراهيم سليم، مصر، مكتبة ابن سينا، صفحات متنوعة، ص: 72.

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:50 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc. Trans by