( أعمال المجمع ) أعمال المجمع : 1 ـ دراسة الألفاظ والأساليب والمصطلحات الجديدة في العلوم والآداب والفنون التي لم تدرسها المجامع من قبل . 2 ـ دراسة لهجات القبائل في الجزيرة العربية وما حولها تصحيحا وتأصيلا . 3 ـ إصدار مجلة علمية محكمة ورقية وإلكترونية دورية . 4 ـ دراسة ما يقدّمه المتصفحون من أسئلة ومقترحات. 5 ـ التواصل مع الدارسين وطلبة العلم بواسطة الهاتف (الخط الساخن) كل يوم . 6 ـ تقديم الرأي والمشورة في الصياغة اللغوية لجهات معينة (الجهات الرسمية، القضاء، المحاماة، العقود) . *** للتواصل مع المجمع عبر بريده الشبكي / m-a-arabia@hotmail.com /*** |

مجمع اللغة العربية بمكة يعلن عن إطلاق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > من أعلام اللغة العربية > شخصية الشهر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية إدارة المجمع
 
إدارة المجمع
مشرف عام

إدارة المجمع غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,844
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
Post شخصية الشهر (11) - أ.د. محمد محمد داود

كُتب : [ 02-20-2016 - 11:43 AM ]




شخصية الشهر
تهدف زاوية (شخصية الشهر) إلى إلقاء الضوء على أحد أعلام العربية في الوطن العربي، سواء أكان ذلك بالحوار أم بالكتابة عنه؛ وذلك بهدف إبراز الوجه التنويري والتثقيفي لهؤلاء العلماء، وتقريب مؤلفاتهم للمثقف العربي، وهذا غيض من فيض نحو حق هؤلاء العلماء علينا.


11- الأستاذ الدكتور محمد محمد داود
أستاذ علم اللغة بكلية الآداب جامعة قناة السويس

محمـَّــد محمـَّــد إمــام داود (1375-هـ = 1956-م): لغوي، محقِّق، مفكِّر وداعية إسلامي. حصل على الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من كلية دار العلوم جامعة القاهرة عام 1997م. فاز بجائزة مجمع اللغة العربية "القاهرة" في تحقيق التراث عام 2004 م. قام بمهمة علمية إلى إنجلترا جامعة Leeds عام 2005م. التحق بجامعة UCR (كاليفورنيا بأمريكا)؛ لدراسة علم اللغة الحديث ومناهج التفكير في العلوم الإنسانية 1994/1995م. وهو الآن رئيس تحرير موسوعة بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات، والمشرف العام على موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات، والمشرف العام على المركز الإسلامي بالعمرانية (جمعية المعرفة، مدارس الحسينية، مكتبة العلماء للباحثين والدعاة، معهد معلمي القرآن)، ومؤسس معهد معلمي القرآن الكريم، والمشرف عليه، وعضو الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة. شارك في العديد من المؤتمرات المحلية والدولية عن الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم، وكذلك عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وقام بالتدريب اللغوي في جامعات إندونيسيا بجاكرتا وباندونج في دورة "اسمع وتكلم". حصل على وسام من وزير التربية والتعليم بصفته أحد رجال التعليم البارزين في مصر. من مؤلفاته في مجال الدراسات اللغوية: "القرآن الكريم وتفاعل المعاني"، و"الدلالة والكلام في العربية المعاصرة"، و"العربية وعلم اللغة الحديث"، و"معجم التعبير الاصطلاحي في العربية المعاصرة"، و"الدلالة والحركة في العربية المعاصرة"، و"جسد الإنسان والتعبيرات اللغوية". ومن مؤلفاته في مجال تحقيق التراث: " كشف المعاني في متشابه المثاني، لابن جماعة"، و"شرح كافية ابن الحاجب، لابن جماعة"، و"مشتبهات القرآن الكريم، للكسائي"، و"معجم الألفاظ القرآنية، للقليبي"، و"المختار من مدائح المختار صلى الله عليه وسلم للشاعر الشهيد يحيى الصرصري". ومن مؤلفاته في مجال الدعوة الإسلامية: "آلام أمة بين القدس وغدر اليهود"، و"مواقف وعبر"، و"موعظة البقاع الشريفة بمكة والمدينة"، و"القرآن وصحوة العقل"، و"موسوعة بيان الإسلام الرد على الشبهات"، وله نشاط إعلامي بإذاعة القرآن الكريم والفضائيات والتليفزيون.

• التعليم يبدأ من تطوير الأستاذ، وجعله يمثِّل القدوة والأسوة العلمية والأخلاقية.
• الكلمة تموت على لسان إنسان لا يُحسن نطقها، وتحيا نفس الكلمة على لسان إنسان آخر يُحسن نطقها ويتقن أداءَها.
• ينبغي أن تحدد: ماذا تسمع؟ وكيف تسمع؟ وكيف تتكلم؟ وأن تُراقَب من الآخرين.
• ينبغي أن نُجَوْجِلَ أنفسنا، حتى لا نتعرض إلى إهلاك المعرفة القديمة.
• فكرة التجديد والتطوير والتحديث عامةً هذه فكرة قرآنية إسلامية دائمة لا تقف عند حد.
• الإسلام لا يخشى النقد أبدًا، ولكن فرق بين النقد وبين السب والشتم والتطاول والتعالي.
• لدينا قواعد راسخة: (يَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، (هِيَ أَقْوَمُ)، (لَيْسُوا سَوَاءً).
• اللغة تموت حينما يتنكَّر لها أهلها، ويسمحون بهذا الاحتلال اللغوي.
• العظمة لا تتأتَّى من فراغ، وكذلك السقوط لا يكون هباء بدون أسباب.
• الجامعات الحكومية في مصر كلها يمكن أن يكفيها عُشْر ما فيها من أساتذة.
• عمل المجامع له قيمته وأهميته فيما يهدف إليه، ولكن يُؤخذ عليه أنه بعيد عن المعاصرة، بعيد عما يحتاجه الناس.
• كلام + كلام+ كلام= كلام. أما كلام + فعل = وعي = حضارة = تنمية.


كل هذا وغيره كثير... فإلى تفاصيل الحوار:


• في البداية نود إلقاء الضوء على الشخصيات والمحطات المؤثرة في تكوينكم العلمي.
- بسم الله الرحمن الرحيم، التكوين العلمي والتكوين الفكري والتكوين الإيماني هذه محاور رئيسة في رحلة حياتي؛ أولا: التكوين الإيماني الشيخ عبد الحليم محمود والشيخ محمد متولي الشعراوي– رحمهما الله– لهما الفضل في هذا الجانب؛ لأن البناء الإيماني يجعل التوجه والطموح يرقى فوق المصلحة وفوق الدنيا إلى مقصد أعلى، وهو مرضاة الله عزو جل، ثم ننتقل إلى التكوين الفكري، أستاذنا الدكتور رشدي فكار، له أثر بارز في حياتي، ومن الساحة العربية والإسلامية القريبة لنا فضيلة الأستاذ الشيخ محمد الغزالي، الذي يُعتبر فكره مشروع حضارة لأمة لم يُستفد به بعد. في جانب اللغة، أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين، وأستاذنا الدكتور العلامة كمال بشر، أستاذنا الدكتور طه أبو كريشة، وأستاذنا الدكتور عبد الغفار هلال، وآخرون ممن يُشهد لهم في هذا المجال. ومُعْجَب أيضًا في منهجية البحث اللغوي بأستاذنا العلامة الدكتور محمود فهمي حجازي. ومن الجانب الآخر أنا أفدت في الغرب من علماء؛ لأنني كانت لي دراسة في جامعة (U C R) بمنطقة ليفرسايد بولاية كاليفورنيا؛ فتأثرت بالمدارس اللغوية التي عندهم، مثل جيو ليونز، وديفيد كريستال.

• لا شك أن التعليم الجامعي في مصر يعيش أزمة حقيقية تتمثل في نظام الفصلين الدراسيين؛ حيث أصبح التعليم مجرد تلقين لمقررات معينة يؤدي الطلاب الامتحان فيها. برأيكم كيف يمكن تطوير التعليم الجامعي بحيث تُخصص مساحة للإبداع وإعمال العقل؟
- التعليم يبدأ من تطوير الأستاذ، وجعله يمثِّل القدوة والأسوة العلمية والأخلاقية؛ بمعنى أن أذاكر أنا والطالب، ولا أستنكف أن أستفيد من الطالب، والطالب يستفيد مني. نحن على مائدة مستديرة للبحث، وأعلِّم الطالب وأنا معه أن الفكرة الأفضل هي التي ترتفع؛ هذه هي القدوة العلمية والبحوث الجادة. القدوة الأخلاقية ألا نتاجر في الأولاد بالمذكرات ونحو ذلك، أو بمسائل الإشراف ونحو ذلك. للأسف هذا كله موجود، الأستاذ لابد أن يخاف على الطالب من الإلحاد، من المخدِّرات، من غول شديد في المجتمع يكاد يبتلعه، فيحاول أن يتجاوز المادة المعرفية فقط إلى ما هو أبعد من ذلك، لاحتضان الطالب. استيعاب الطلاب بمساحة من الحوار والتفاهم والحب والألفة والمودة شيء مهم جدًّا؛ فالأستاذ لا يعطي معلومات فقط، ولكن يعطي أسوة وقدوة، فيرى الطالب فيه والدًا، وأنه مُرَبٍّ، وأنه معلِّم، وأن الطالب إذا أخطأ لا يجد ملاذًا يحتمي به إلا الأستاذ، يذهب معه إلى البيت، يتكلم معه. ويوم انفصل التعليم سواء في الجامعة، أو المدرسة عن الخُلُق ضاع التعليم، وأصبح الأستاذ يأخذ سيجارة من الطالب، فضاعت الأسوة. ولم يعد المدرس أو الأستاذ في الجامعة يمثل قيمة يتمنى الطالب أن يكون مثلها. من هنا الجامعات الآن مصالح، الجامعات الآن لا تعبر عن القيمة المعرفية، ولا الخُلُقية؛ ولذلك العظمة لا تتأتى من فراغ، وكذلك السقوط لا يكون هباء بدون أسباب، الانهيار والسقوط له أسبابه؛ فالأستاذ – عندنا – صار مشغولاً بأمور أخرى، البحوث عندنا يندى لها الجبين، أنت لو أعددت بحثًا جيدًا تعبت فيه سنوات، وترى غيرك بالتدليس والقص واللزق...إلخ، أخذ رسالة، وساعده أستاذه لمصالح ما أو ما شابه؛ ليُعيَّن في الجامعة، ويُزاح الأفاضل ليُعيَّن مثل هؤلاء؛ هذا هو الانهيار؛ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: "إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"، هذا معنى ضياع الأمانة؛ فقيام ساعة أي مؤسسة أو أي إنسان عندما تضيع مثل هذه الأمور، لن يحترمه أحد، ولن يحترمنا العالم، وجامعاتنا ليست على المستوى. أقول: إن الجامعات الحكومية في مصر كلها يمكن أن يكفيها عُشْر ما فيها من أساتذة، والنفقة تُوجَّه إلى النفقة الحقيقية. يا أخي من سوء الإدارة عندنا في الجامعة أنك لا تجد دورة مياه على المستوى، أنك لا تجد أماكن على المستوى؛ البيئة التعليمية سيئة جدًّا جدًّا، ثم يلي ذلك الصراع على الجدول، والصراع على المذكرات، ثم تلفيق البحوث العلمية وعبارات مثل (خليه ياكل عيش، ومشِّي أمورك، وعلشان خاطري، وعلشان خاطر فلان... وما شابه ذلك)، مسائل التلقين في الجامعة عار، مسائل المذكرة عار على الجامعة، التعليم لا بد أن يقوم على التفكير والإبداع والحوار، للأسف لم تعد تعبر الدرجات العلمية في الجامعة عن قيمتها الحقيقية وقيمتها الأدبية الحقيقية....إلخ؛ كل هذا أفسد الجامعة.
العظمة لا تتأتى من فراغ، والانهيار له أسبابه، نحن بلا منازع استوعبنا كل أسباب الانهيار، ارتكبناها سواء في التعليم قبل الجامعي، أو في التعليم الجامعي؛ وبالتالي السوء ليس في التعليم وحده، بل السوء في مصر كلها؛ لأن كل المؤسسات القائمة هي مخرجات للتعليم. حين يكون التعليم فيه مشكلة؛ فالسياسة فيها مشكلة. حين يكون التعليم فيه مشكلة فالاقتصاد فيه مشكلة، فالطب فيه مشكلة، فالإعلام فيه مشكلة، فالهندسة فيها مشكلة. الأساس هو التعليم، إذا أردت أن تنظر إلى مستقبل أمة فانظر إلى تعليمها. الرئيس الأمريكي الأسبق عندما رأى أن خطط التعليم في الصين قد تطورت وسبقت أمريكا خرج وأعلن قائلاً: أمريكا أمة في خطر. التعليم في دولة في خطر، الدولة كلها إذن في خطر.

• يولي الدكتور محمد داود التدريب اللغوي عناية خاصة. هل أدت مراكز التدريب اللغوي في الجامعات رسالتها المنوطة بها؟ وما الذي تطمحون إليه من تطوير لهذه المراكز؟
- التدريب اللغوي ينبغي أن ينتقل من التدريب الميت إلى التدريب الحي. التدريب الميت كأنك تدرب الناس على لغة ميتة، حين تدرب بالكتابة والحفظ ونحو ذلك. يعني اللغة أصوات، كما قال القدماء والمحدثون، وحياة اللغة في أصواتها، واللغة التي لا تُنطق تموت؛ ومن هنا ينبغي أن ننظر إلى أهمية التدريب الصوتي، التدريب على اللغة المنطوقة. أقول لك (وأنا ضمن هذه الملاحظة، ولا أتحدث هنا بمنطق براءة الذمة أنني أعيب على الآخرين، وأنني بري من هذا الأمر، بل أنا جزء من هذه المنظومة التي تحتاج إلى علاج، وأرجو من الشباب أن يستدركوا ما أصابتنا الغفلة فيه، فلم نقم به): التدريب الحي والتدريب الصوتي والمهارة الصوتية حتى لا تغيب اللغة الحية المنطوقة نطقًا سليمًا صحيحًا في عُقْر دارها، عند الأستاذ، وعند المعلم... إلخ، هل تجده يتحدث في المحاضرة وفي المناقشات الجامعية وداخل المجامع بنفس الأسلوب ونفس الأداء الصوتي الذي يتحدث به في الشارع وفي المحافل الاجتماعية وفي حفلات السمر ونحو ذلك؟! اللغة فقدت هنا عنصر الصوت، وعنصر الحيوية. الكلمة تموت على لسان إنسان لا يُحسن نطقها، وتحيا نفس الكلمة على لسان إنسان آخر يُحسن نطقها ويتقن أداءَها.
مهارة الكلمة لها اليوم مدارس، تبدأ أولاً بتدريب اللسان، تدريب اللسان على النطق بكل حرف، الصور والأنماط المختلفة من التفخيم والترقيق ونحو ذلك، ثم بعد ذلك طرق الأداء التي ترتبط بالمعنى من حزن وفرح واستفهام وتنغيم...إلخ، ثم بعد ذلك المهارة على انسيابية الحديث، سهولة الحديث، أن يكون الكلام مألوفًا، وكيف يُحْدِث بروازًا صوتيًّا لهذه الكلمة؟ وكيف يحدث تعجبًا بالصوت لهذه الكلمة؟ وكيف يحدث نغمًا مشوقًا لهذه الكلمة... إلى آخر هذه الأمور.
لذا أرجو أن تنتقل مراكز التدريب من التدريب على لغة ميتة إلى لغة حية، وبدون ذلك لن يكون شيء، والتدريب يكون على اللغة المنطوقة، بداية القرآن يساعدهم في ضبط اللسان، بعد ذلك اختر من الشعر، واختر من الحياة العامة، واختر من الروايات... كل شيء؛ بل الآن نريد أن نعلم أبناءنا شيئًا جديدًا؛ لغة الفيس بوك، ولغة الشيخ جوجل... هذه اللغة من بيئة جديدة تقوم على التيسير والسهولة والاختصار والإيجاز، لم يعد موضوع الإنشاء القديم هو الذي يُجدي وينفع الآن، ينبغي أن نحدِّث أنفسنا، وأن نُجَوْجِلَ أنفسنا، حتى لا نتعرض إلى الإهلاك؛ فـ"جَوْجَلَة المعرفة" تعني أن تنظِّم نفسك بالأسلوب الذي يسمح أن تُوضع على منطقة التأثير على الشيخ جوجل، على الإنترنت، على شبكة المعلومات الدولية. مَنْ لم يصنع ذلك سيكون خارج منطقة التأثير فيتعرض لهذا المصطلح؛ فكلاهما يرتبط بالآخر وهو: إهلاك المعرفة القديمة.

• تسود حالة من تفرنج الشعوب العربية، واستخدام رطانات أعجمية سواء في الحديث، أو الإعلانات واللافتات، أو الكتابة ذاتها. كيف لنا أن نعزز الانتماء بالعربية واستخدامها لغة للحديث والكتابة والإعلان...إلخ.
- هذا يمثِّل حالة من الشعور بالدونية عند العرب، فيتبعه شعور بالدونية للغتهم عندهم؛ لأنهم يشعرون بأنهم أقل من الآخر؛ وبالتالي فكرة الغالب والمغلوب، والمنتصر والمهزوم موجودة في هذا الجانب النفسي. وما من شك إن لم تتغير هذه الحالة تغيرًا نفسيًّا وعلميًّا وثقافيًّا، يتبعه تغير لغوي فنحن ننزلق إلى مهانة أكثر، وإلى تغريب أكثر. يعني تغريب هنا وتهويد هناك في القدس. محو الشخصية العربية، ومحو الهُوِيَّة العربية يُعمل فيه بالكامل؛ ولذلك المستقبل لا يبشر بخير أبدًا. ومن مواقف الذين يعتزون بلغاتهم الرئيس الفرنسي عندما قاطع أحد رجال الأعمال عندما تكلم بالإنجليزية في مؤتمر قائلاً له: كيف تتكلم بالإنجليزية وأنت فرنسي؟! فقال: لأن المؤتمر بالإنجليزية. فقال له: ولكنك فرنسي، ثم غادر المؤتمر، فسأله الصحفيون: لماذا خرجت من المؤتمر؟ قال: أنا لا أطيق أنا أرى فرنسيًّا لا يحترم لغته.

• وعلى مَنْ تقع المسؤولية؟
- المسؤولية مشتركة بين الجانب السياسي والجانب العلمي؛ فكلاهما يكمِّل الآخر ويعاضده ويعاونه.

• هناك انتقادات لمجامع اللغة العربية في العالم العربي أنها لا تنتج، وأنها منكفئة على الماضي، ولا تلتفت إلى مسايرة ركب الحياة المعاصرة. ما تعليقكم؟
- على قدر حجمك على قدر ما يُوجَّه إليك من نقد؛ فلأن المجامع عظيمة، ولأن دورها عظيم يُوجَّه إليها الانتقاد. المجامع فيها أساتذتنا وعلماؤنا وسدنة العربية، والعلماء في كل العلوم من العرب والمستعربين وغيرهم هؤلاء الأعلام الأفاضل في كل ما يتصل بشؤون اللغة العربية ومصطلحاتها، وهو أمر ومسئولية جسيمة تؤكِّد دور هذه المجامع؛ لكن السياسة التي تعمل بها المجامع-وأمثِّل هنا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة لأنني خدمت فيه بوجه ما مدة من السنوات في لجنتي تحديث المعجم الوسيط والألفاظ والأساليب– سياسة تُجهض كل هذه الجهود، لديَّ أفكار ومقترحات ونقد ذاتي أقول "ذاتي"؛ لأني جزء من هذا المجمع شئتُ أم أبيتُ أحتفظُ به لأقوله لمسؤولي المجمع حين يُطلب مني ذلك؛ لأن قول ذلك من خلال أي منبر سيُفهم ويُؤوَّل على أنه هجوم على المجمع وتطاول، وبدلاً من الاستفادة منه سيضر، وهذا ما لا أريده؛ بل الخير للغة والمجمع والمجتمع هو ما أريد. والله من وراء القصد.

• يعاني الكثير من طلاب الجامعات من صعوبة فهم النحو العربي. هل تكمن المشكلة في ضعف الطلاب أنفسهم، أم أن النحو يحتاج أن يُقدم بصورة أخرى؟
- هل تعلم أن النحو في الزمن الأول كان يُدرس من خلال نص؟ أن تأتي إلى نص فتحلل هذا النص أين الفعل؟ أين الفاعل؟ أين كذا؟ خلال هذا النص كيف يُنطق هذا النص، وما هي المحاذير؟ أقول لك إن تدريس الفاتحة بداية وآخر سورة الفتح. جرِّب هلاّ صنعت ذلك في الجامعة. جرِّب عليهما صوتيًّا وصرفيًّا ونحويًّا ولغويًّا وحلل كل ذلك. هذا يقوم مقام مناهج كثيرة جدًّا يحفظها الطلاب ويخرجون لا يفهمون شيئًا، ويتأثر الفهم، ويتأثر الوعي، وتتأثر القواعد، يتأثر كل شيء. ولكن ليس تدريبًا مصمتًا اقرأ يا بنيّ ويحفظ ويمضي. ولكن حرفًا حرفًا، حركة حركة، جملة جملة. هذا هو الكلام. يعني مثلاً عندما يقول الولد "القرآن الكريم" هل هي (أَ) (بالتفخيم) أم (أَ) بالترقيق؟ هذا تدريب صوتي. فيعرف أن صوت الهمزة غير مفخم وأنه مرقق في كل القرآن الكريم، وكذلك الحاء...إلخ. إلى غير ذلك من التدريبات الصوتية التي يأخذها الإنسان من خلال القرآن الكريم. وقس على ذلك النحو.

• "اللغة كيف تحيا؟ وكيف تموت" عنوان أحد كتبكم مؤخرًا. ما الرسالة التي حاول الكتاب توصيلها للقارئ؟ وهل حقًّا يمكن أن تموت اللغة؟
- اللغة تموت بموت اهتمام أهلها بها، بزهد أهلها فيها، بتنكر أهلها لها، بعدم جعل هذه اللغة في أحاديثهم إذا تحدَّثوا، في إعلاناتهم إذا أعلنوا، في حياتهم العلمية. الذي دفعني إلى هذا الكتاب أننا عندنا ما يشبه بالاحتلال اللغوي في البلاد العربية لماذا؟ لأن العرب وحدهم هم الذين ارتكبوا جريمة السماح بالاحتلال اللغوي، من خلال التعليم بغير اللغة الوطنية؛ هذا كله مجرَّم في أوربا، في أمريكا، في إسرائيل، في الصين، في اليابان. والعقلية العربية وحدها هي التي أنتجت ذلك لماذا؟! لأن اللغة لا تُعزل عن شحنتها الثقافية. فالشرق فيه حرية منضبطة بالدين؛ الحرية في جانب العقيدة عند الغرب مختلفة عنا. فاللغة حين يتنكَّر لها أهلها، ويسمحون بهذا الاحتلال اللغوي، حين يكون فيها ذلك الزهد، والاحساس بالدونية...إلخ، فهذه اللغة تموت بمعنى تختفي. وهناك لغات ماتت، أكثر من ثلاثين ألف لغة ماتت في تاريخ البشرية منذ بدايتها وحتى الآن، والإحصاءات العالمية تقول ذلك. أقول ذلك: لأن أهلها ماتوا. متى تموت اللغة؟ إذا مات آخر متحدِّث باللغة فقد ماتت اللغة.


يتبع..


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
إدارة المجمع
مشرف عام
الصورة الرمزية إدارة المجمع
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,844
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

إدارة المجمع غير موجود حالياً

   

Post

كُتب : [ 02-20-2016 - 11:44 AM ]




• ولكن كيف تقول ذلك، والعربية لغة القرآن الكريم؟!
- الموت هنا جزئي، هي موجودة في إطار الجانب الديني؛ في خطب الجمعة وتفسير القرآن والعبادات ونحو ذلك. ولكن ماذا عن اللغة في الاقتصاد؟! ماذا عن اللغة في المحافل العلمية؟! ضعيفة. اللغة الإنجليزية الآن موجودة في عُقر دارنا، واللغة الفرنسية موجودة في عُقر دارنا. هل تعلم أن اللغة الإنجليزية مسيطرة على أكثر من 80% من الإنتاج الثقافي؟! ما من شكّ أن كلمة الفصل في حياة اللغة أيضًا في أهلها؛ إذا أرادوا ذلك فعلوا. وهناك ثلاثة قرارات مهمة: قرار علمي، وتكون له السيادة أولاً، ثم قرار سيادي الممكِّن للقرار العلمي، ثم قرار اقتصادي، الذي يمكِّن من التنفيذ، النفقة على هذه المشاريع؛ وللأسف نحن عندنا في حياتنا صراع بين القرارات الثلاث: العلمي والسيادي والاقتصادي؛ فبدلاً من أن يصنعوا حضارة، فإنهم يتصادمون، يتعاركون، يتفككون. الأمر المهم أيضًا: اللغة والهُوِيَّة، (والهُوِيَّة-بضم الهاء-نسبة إلى ضمير الغائب "هو" مع إضافة ياء النسبة)، والهُوِيَّة هي السمات المميِّزة لشخص أو مجتمع أو أمة بين الأمم، وأهم عناصرها: الدين والثقافة واللغة، أهم محور هو اللغة؛ لأن اللغة هي وعاء للدين، ووعاء للثقافة، فاللغة تمثل عنصرًا قائمًا بذاته، وتمثل عنصرًا ناقلاً وحافظًا للعنصرين الآخرين (الدين والثقافة).

• شاركتم من قبل في دورات تدريبية للدعاة وأئمة الأوقاف. برأيكم هل نحتاج بالفعل تجديدًا للخطاب الديني؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي مواطن الداء؟ وكيف يكون العلاج؟
- فكرة التجديد والتطوير والتحديث عامةً هذه فكرة قرآنية إسلامية دائمة لا تقف عند حد؛ لأنك تطور اليوم، وبعد أعوام ستحتاج إلى تطوير جديد، وبعد أعوام أخرى ستحتاج إلى تطوير. هذا أمر لا يقف عند حد، إنما التطوير والتجديد أمر مستمر؛ لأن الحياة فيها مستحدثات، فيها تطوير، فأنا أحدِّث نفسي، كي أوافق هذه الحياة. مسائل التفكير العلمي نحتاجها في الدعوة، اللجوء إلى العلم مسائل تحتاجها الدعوة، البعد عن الإنشاء والقصص ونحو ذلك الغير الهادف نحتاجها في الدعوة... إلخ. المختصر المفيد نحتاجه الآن في لغة الفيس ولغة الشيخ جوجل، الدعوة على الفيس تختلف عن الدعوة على كذا وكذا، الدعوة على التلفاز، الدعوة على الجرائد. اليوم اختلفت المنابر أصبحت ذات تأثير عالمي. المسائل تحتاج بالفعل إلى تطوير وتحديث في جوانب عديدة. والدليل على أن التطوير فكرة قرآنية إسلامية متجددة دائمًا: قول الله عز وجل: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)؛ فالأقوم والأفضل والأحسن مطلب قرآني متجدد؛ الإصلاح مطلب قرآني متجدد؛ التطوير مطلب قرآني متجدد. فالأقوم في فضائها الدلالي تتسع لكل هذه المعاني من التطوير والتحديث والإصلاح. لكن ينبغي ضبط المصطلح. ما المقصود بتجديد الخطاب الديني؟ لأن عدم تحديد المصطلح جعل التجديد ينتج عراكًا وصدامًا يصل بالناس إلى السجن؛ لأنك لم تقل: ما المقصود بالخطاب الديني؟ ما المرجعية في تطوير الخطاب الديني؟ من الذي يقوم بهذا التطوير؟... إلخ. فالتطوير وجد فيه كل أناس وكل مدرسة فرصة لفرض نمطها الفكري، حتى تحول تطوير الخطاب الديني إلى صراع وعراك ومحاكم أفضت بالناس إلى السجن، وأصبحت المشكلة الاختيار بين حلول المشكلة. وكل تراث أمة، وكل إنتاج بشري فيه الصواب والخطأ، لكن فرق بين النقد وبين الهدم، فرق بين العبث وبين التقويم، والقرآن له قاعدة في ذلك: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، القرآن أمرك أن تصطفي. هم قالوا ذلك لزمانهم. هل هم ربطوا عقولنا وكتفوا أيدينا وألزمونا بذلك؟! أبدًا. اصطفِ ما شئت، ودعهم إلى ما ذهبوا إليه. ليست هناك مشكلة. القاعدة عندنا (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) هذه هي القاعدة، والقاعدة عندنا أيضًا في التعامل مع الأشخاص: (لَيْسُوا سَوَاءً) لماذا؟ حتى لا نأخذ الناس جملة واحدة في أي تيار... لا تقل: كل السلفيين كذا، كل الأصوليين كذا، كل العلمانيين كذا...إلخ. لدينا قواعد راسخة: (يَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)، (هِيَ أَقْوَمُ)، (لَيْسُوا سَوَاءً).

• رأستم موسوعة "بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات" التي أنتجت (24) مجلدًا في هذا الشأن. هل نجح علماء الإسلام في العصر الحديث في محاورة الآخر، وإبراز الوجه التنويري والحضاري للإسلام، والخروج من خندق الاتهام والدفاع والرد على الشبهات إلى خندق الندية والتفاهم والتشارك؟ وكيف السبيل لذلك؟
- ما من شك أن هذه الموسوعة شارك فيها أكثر من ثلاث مئة عالم وباحث وخبير، وهي موسوعة فكرية؛ رد فعل فكري، رد فعل علمي موثَّق، يقوم أولاً على بيان فكرة المهاجِم، ثم بيان فكرة الرد على ذلك، ثم بيان الخلاصة والتفصيلات التي تتأتَّى بهذا البيان. أيضًا من منهجنا أننا لا ندافع ولا نهاجم؛ لأنه ليس للإسلام سوأة يُدافع عنها. إذن فما عملنا؟ هو بيان الحقائق، بيان الحقائق كما أرادها الله عز وجل بأن الدين ليس إنتاجًا بشريًّا، وإنما الدين وحي من الله عز وجل، جاء هاديًا للعقل، جاء خطابًا للعقل؛ فنحن نبيِّن ما أراده الله عزو جل بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالدليل العقلي قبل الدليل النقلي، نحن نخاطب العقول، فالحوار هو الأساس في هذه المسائل. هل نجح العلماء؟ نعم نجح العلماء، وطفنا بأكثر من عشرين جامعة إسلامية على مستوى العالم الإسلامي والعربي مثل إندونسيا والجزائر وتونس والمغرب والسودان، كذلك في إنجلترا وأمريكا... طفنا بهذه البلاد كلها فعرَّفنا بالمنهج، حتى هذه الأقسام تصنع بحوثًا، وهي ليست الكلمة النهائية، لكنها أكبر قاعدة علمية موثَّقة، أكبر رد فعل فكري تبني عليه، تضيف إليه، تأخذ منه... وهكذا، لأن العقول دائمًا تتفاعل.
الأمر الأكثر أهمية هو أن الآخر لا يريد الحوار، الآخر الآن يريد السّبّ، ويريد الشتم، هم الآن يحاولون عَلْمَنَة الإسلام من الداخل. ما المعنى؟ أي سحب المضمون الإسلامي الذي عليه السَّلَف والخَلَف؛ الثوابت المُتَّفق عليها، وجعل التفسير أو المضمون العلماني هو الموجود والمعترف يه والسائد والمقبول، والآلة الإعلامية تعمل في ذلك. الإسلام لا يخشى النقد أبدًا، ولكن فرق بين النقد وبين السب والشتم والتطاول والتعالي. وينبغي أن نتفق بداية: الدين عِلْم أم ليس بعلم؟ الدين علم له أهله، فينبغي أن يكون الحوار بين أهل التخصص، حتى لا يكون عبثًا، الدخلاء يفسدون في كل شيء، حتى إنهم لما قالوا مصطلح: تطوير الخطاب الديني، كل إنسان ركب هذا المصطلح بفكره، فالدين أو الإسلام لا يخشى النقد، ولكن كما قلت: فرق بين النقد وبين السب والتطاول...إلخ. شاركتم بالعديد من المؤتمرات حول لغة القرآن الكريم، ما مدى خصوصية هذه اللغة؟ وأين يكمن تميزها؟
القرآن تفرد في الأداء الصوتي، سواء على مستوى الفاصلة، وما من شك أن هذا الجانب فيه أمور لم تُناقش في كتب السابقين، على مستوى الحركة قبل مستوى الحرف في المسألة الصوتية قوله تعالى: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ). وانظر إلى توافق الحركتين مع المعنى؛ اتجاه الماء النازل من السماء من أعلى إلى أسفل ألا تراه يتوافق مع حركة الكسرتين (َمَاء مُّنْهَمِرٍ) ؟! في مقابل (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) ألا ترى أن الفتحتين بينهما وبين اتجاه الماء من الأسفل إلى أعلى توافق؟! هذا على مستوى الحركة، أما على مستوى الحرف، فلو تتبعت الحروف المفخَّمة والدلالات التي تعبر عنها؛ دلالات الشدة والقوة والفخامة، حروف الهمس والحروف الضعيفة. لو تأملت الدلالات التي تعبر عنها. مثال النوع الأول: الحروف المفخَّمة؛ القرآن عندما يعبر عن الذين دخلوا النار وعويلهم وقدر التألم والتوجع والأنين منها فيقول: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا) بالطاء، و"يَصْطَرِخُونَ" أساسها من الصراخ من مادة (ص ر خ)، لو جئتها على افتعل فأنت تزيد تاء الافتعال فتكون (اصترخ) بالتاء، لكن التاء حرف مهموس لا يناسب قوة الصراخ والعويل وشدة التألم؛ فاستخدام القرآن الطاء المفخَّمة التي تناسب بصوتها المفخَّم الشديد المستعل القويّ هذا المعنى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا). هذا توافق على مستوى الكلمة والوزن...إلخ.
"التماسك النصي" أو الإحكام والسبك الذي في الآيات بين الكلمات. أنت ترى مثلاً في بداية سورة هود قول الله عز وجل: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) انظر: كتاب أحكمت آياته، ثم قال: ثم فصلت، ثم قال: من لدن، ولم يقل: من عند؛ لأن العندية تتأتى بالأسباب واللدنية لا تجري وفق الأسباب، إنها منحة من الله، ثم انظر إلى قوله تعالى: من لدن حكيم؛ لما قال ربنا: أُحكمت؛ فالإحكام يحتاج إلى حكيم، ولا يسد مسد هذه الكلمة في التماسك والإحكام كلمة أخرى، ولو حتى من داخل القرآن، فلا يصلح: عليم أو بصير أو أي اسم من أسماء الله الحسنى. ولما قال ربنا: ثم فُصلت، قال: من لدن حكيم خبير؛ لأن التفاصيل والدقائق والخبايا والخفايا لا يعلمها إلا الخبير. وتأمل التماسك النصي في القرآن بين بداية السورة وآيات السورة كلها، أعطيك مثالاً: سورة الرحمن: (الرَّحْمَنُ) ولما أخبرهم النبي باسم الرحمن، وكان اسمًا غريبًا عن بيئة العرب، سألوا كما جاء في سورة الفرقان: (وَمَا الرَّحْمَٰنُ) جاءت سورة الرحمن تفسر وتبين وتعرف بالرحمن. (الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الإِنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ... إلخ) فكل آيات السورة تعني أنها مترابطة مع بداية السورة كبيان وتفصيل لهذه الكلمة، وانظر إلى التماسك بين بداية السورة ونهايتها: (الرَّحْمَنُ) في البداية بكل هذه المعاني، وفي النهاية (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ).
أيضًا التماسك بين بداية السورة ونهاية السورة، وأنت ترى في آخر سورة الواقعة (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) السورة التي بعدها هي سورة الحديد أولها: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). فانظر كأنه أمر واستجابة للأمر، هكذا تجد أن القرآن بهذا التماسك على مستوى الحرف الذي ينتظم في كلمة، ومستوى الكلمة الذي ينتظم في آية، ومستوى الآية التي تنتظم في سورة، وعلى مستوى السورة التي تنتظم في القرآن كله. فسبحان مَنْ هذا كلامه.
على مستوى الإحكام الصرفي. يعني القرآن حين يفرق بين جمع وجمع ووزن ووزن، مثلاً (بعُد) و (بعِد)؛ هذا فرق دقيق جدًّا قد لا ينتبه إليه الناس، (أَلَا بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) واحدة بمعنى الهلاك، وواحدة في بعد المسافة. وقد بينت ذلك في كتابي "معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم"، أيضًا القرآن يفرق بين جمع وجمع لمفردة واحدة، فمثلاً كلمة (عين)، القرآن يفرق بين جمع (عين) بالمعنى المعنوي والمعنى الحسي في الجنات، وبين (عين) الجارحة، عضو الباصرة. يقول ربنا (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) انظر إلى هذا الجمع. أما حين يعبر عن عضو الباصرة فيقول: (لَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا) الفرق بين أبرار وبررة، فأبرار هذا للمؤمنين الصالحين في الجنة، أما بررة فتكون للملائكة. وهكذا أنت تجد نمطًا من الإحكام في التعبير، الدقة في التعبير القرآني. (على مستوى الصوت، على مستوى الصرف، على مستوى الجملة، على مستوى الدلالة)؛ هذا باب عظيم جدًّا في القرآن الكريم يمكن أن تجد البحوث اللغوية فيه الجديد؛ لأن القرآن لا ينضب أبدًا عطاؤه في هذا الجانب.








مصطفى يوسف: مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
سمر محمود
عضو جديد
رقم العضوية : 3576
تاريخ التسجيل : Mar 2016
مكان الإقامة : مصر
عدد المشاركات : 1
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

سمر محمود غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-13-2016 - 04:44 AM ]


مشكوووووووووووووووووور


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:17 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. Trans by