( أعمال المجمع ) أعمال المجمع : 1 ـ دراسة الألفاظ والأساليب والمصطلحات الجديدة في العلوم والآداب والفنون التي لم تدرسها المجامع من قبل . 2 ـ دراسة لهجات القبائل في الجزيرة العربية وما حولها تصحيحا وتأصيلا . 3 ـ إصدار مجلة علمية محكمة ورقية وإلكترونية دورية . 4 ـ دراسة ما يقدّمه المتصفحون من أسئلة ومقترحات. 5 ـ التواصل مع الدارسين وطلبة العلم بواسطة الهاتف (الخط الساخن) كل يوم . 6 ـ تقديم الرأي والمشورة في الصياغة اللغوية لجهات معينة (الجهات الرسمية، القضاء، المحاماة، العقود) . *** للتواصل مع المجمع عبر بريده الشبكي / m-a-arabia@hotmail.com /*** |

مجمع اللغة العربية بمكة يعلن عن إطلاق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > ركن المجمعيين ( أعضاء المجمع ) > مقالات أعضاء المجمع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
يوسف سليمان
عضو جديد

يوسف سليمان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2857
تاريخ التسجيل : Aug 2015
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 11
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي إبراهيم العجلوني .. مباهج الكتابة ومناهجها (2)

كُتب : [ 08-20-2015 - 03:13 AM ]


إبراهيم العجلوني .. مباهج الكتابة ومناهجها


كتب: يوسف سليمان الظاهريّ



كان ذلك قبل سبع سنوات خلت، وانا يومئذ شاب تتفجر الصبوة من لساني، ويتلألأ الغزل في عيني، وكنت - غير فخر - فتى لا يمل الدؤوب والسعي، اتطلب الآداب والعلوم والفنون في كتب واسفار تباعدت معانيها، وتقادمت عهودها، واتتبع مغارس العلم، ومساقط الفن المخبوء المستكن في مطوي الصدر، ومنشور اللسان، وهو امر شاق جدا، كان، ولذيذ جدا، كان، كذا ركِّبت، وعلى هذا جبلت، وهيهات ان يكون لامرئ بتغيير خلق الله يدان!!

"لن يخلو الزمان من قائم للأدب بحجة".. بذا كنت اعلل النفس، واطامن من غُلوائها.. وذلك اني كانت تأخذني فترة اجد النفس فيها منبوذة على حدود النشاط فأغمض عيني لأجمع عليّ رأيي وفكري، فانتهي الى مثل الغيبوبة من الحسرة واللهفة والألم.. فاكثر ما تقرأه غث بارد لا يحرك في قارئه عاطفة، لأنه لا يصدر عن عاطفة، ومنذا الذي يرضى ان يحمل نفسه الى "ثلاجة" وهو يعد في العقلاء.. دع عنك المخالفة عن قانون العربية، والتردي في مهواة التجديد الذي هو - على الحقيقة - انعتاق من عقال المنطق، ومجاوزة عن سبيل الفن.. وقد علمت: ان من عمل عملا ليس عليه اهل المنطق فهو رد، ومن احدث في امرنا ما ليس منه فهو رد.. وليس من غرضنا هنا الفحص عن امر زعانف الادب أحلاس المقاهي، ولكنه - كما يقول المتبني - شيء "اوجبته الصورة" ودعت اليه سياقة الكلام، فان إلف القبيح متلفة للإحساس والعقل جميعا، وبالله نستدفع البلايا.

"ارجو أن لا يغيب عنك اننا لا نذم الجديد من حيث هو، بل لما يحتف به - في احايين كثيرة - من ضعف في المبنى، وفساد في المعنى".

كان من اثر ذلك الفتور، أني هجرت الأدب، واطرحته وراءي ظهريا، فقد انقرضت دولته، وخلا وجه الزمان من اعلامه الذين درجوا وتبددت في الثرى اعيانهم، "فلا تجدهم الا في كتاب، او تحت تراب" كما يقول الذهبي.. "او هكذا خيل الي".. وجعلت اردد مع العرجي الشاعر "قد كان شيئا كان ثم انقضى".

ظلِلت على الهِجران دهرا يسيرا، ركنت فيه الى التبطّل ومعالجة بعض اسباب الحياة.. ولم يكن إلا "كلا ولا" حتى عدت الى ضلالي القديم، اطوّف ما شاء الله لي ان اطوف على "حوانيت" الوراقين ودور الكتب، وهي مألف عتيق - كما سلف عليك - كيف صبري عن بعض نفسي، وهل يصبر عن بعض نفسه الانسان؟

واني لفي ذلك اذ وقع لي كتاب لو اطلعت عليه لخلتك في دنيا حافلة بالنغم الحلو، واللفظ المعجب، والمعنى الشريف، ولرأيت ثم نعيما وعلما كثيرا.. فما شئت من بيان محلق جرى فيه صاحبه على عرق، وما شئت من اطلاع مدهش على جمل من مضايق العقول "الفلسفة" التي زلت فيها اقلام، وضلت في محاراتها أفهام.. وبالجملة فهو كتاب استولى فيه صاحبه على كل ما هو به كاتب فنان مبدع، وهذا حسبك اعجابا يذكر، وهذا حسبه فوزا يعد.

ذلكم هو "الشذرات" لصاحبه الاستاذ ابراهيم العجلوني الذي ما انس لا انس اني اتيت عليه - لعظيم احتفالي به - قراءة، وتعقلا، وحفظا لبعض اساليبه، في يوم او بعض يوم.

وانا مما عرفت العجلوني، ودنوت اليه، ووصلت سببا مني باسباب منه؛ ذاكر من امره وخبره كثيرا الى قليل مما عرف عن غيره من ادبائنا واساتيذنا وكتابنا واولي الصدارة فينا، ولو هيأ الله لكل علم صديقا وفيّا ينقله الى دنيا الناس احاديث واخبارا، كان يكون لنا على الايام، ادب يصطفى وفن يتبلج على سواد الحياة.

عرفت العجلوني معرفة الرأي اول ما عرفته، ثم عرفته معرفة الصحبة، وعرضت هذا على ذاك فيما بيني وبين نفسي، فلم اجد الا خيرا مما كنت ارى، وتبدت لي انسانية هذا الرجل كأنها نغمة تجاوب اختها في ذلك العالم الاديب.. كنا روحين تناظرتا من بعيد وتناسمتا من قريب فما يكاد ينطق حرفا او حرفين حتى احس كأن معاني نفسه تنسرب في نفسي، واضحة بينة ليس بينهما حجاب.. فحن الدم الى الدم، وعلقت النفس بالنفس، وتعانقت القلوب في ساعة من غفلات الخلائق، فعرفته وعرفني.

اضطربت انظار الحكماء والمناطقة، وتناصت حججهم «اي: اخذ بعضها بناصية بعض» في الصداقة ما هي؟ والصديق من هو؟ وحق لهم؛ فالصداقة معنى تصيبه المعرفة وتعجز عن ادائه الصفة.. ولوعورة هذا المسلك تركوا التعريف بالحد الى الرسم مع ان الاول «اي: الحد» اولى لانه ادق في الدلالة على مصاديقه، فقالوا في رسم الصديق: «آخر هو انت لكنه في الشخص غيرك» وكذلك العجلوني.. كان مثالا حيا لكل ما هو مكتوم في كل سابحة من دمي من آلام وآمال.. لا جرم اتخذته حنانا، واصطفيته نجيا.

وهأنذا اعوذ بالقلم والوذ به، استهديه واستنديه واترسم آثاره، لأذكر من صفة ابي السلطان ونعته وحليته غير متحرج ولا متحرف عن مكان الحق.. وانا اعرف ان الاستاذ يكره هذا ويرفضه، ولكني اخالف عن امره مطيعا لما يرضيني، عاصيا لما يرضيه، إظهارا للحق، ورعاية للتاريخ، والا فله العتبى حتى يرضى.

ما رأيت العجلوني مرة الا حسبته دعابة قال لها الله كوني فكانته.. أزهر مشرق كأن بين عينيه نجما يتألق، كذلك طبعه الله وعلى هذا طواه، حتى لو جاهد نفسه على ان لا يكون كذلك ما استطاع مهما الحّ في الجهاد.. لكنك لا تعدم كآبة دفينة غشت على بسمته لا تبوح الا بهذه الغشاوة على بسماته.

ولقد اذكر اني كنت اذا حزبني امر، وضاقت علي المذاهب، واضطربت نفسي اضطراب الموج في تياره يممت شطر ابي السلطان فلا يفتأ يحاورني ويداورني يفتل في الذروة والغارب، نافخا فيّ من روحه برقى السحر، حتى اقوم عنه كما قال الاول:
«سمين الضواحي لم تؤرقه ليلة
-وانعم- ابكار الهموم وعونها»

وهو الى ذلك، ساكن الهيبة، رقيق الحاشية، حلو المنطق، ذكي العينين، خفيض الصوت، رفيق اليد واللسان، لا يصدر في اكثر امره الا عن رأي وأناة.

ومن اعجب العجب «والصيام في رجب» ان العجلوني اذا جد الجد فهو «اخو غمرات» لا يبالي ما هو مقدم عليه، على ما قال سعد بن ناشب المازني:
«إذا هم القى بين عينيه عزمه
ونكب عن ذكر العواقب جانبا»
وشواهد ذلك اكثر من ان تحصر.

«إذا جد عند الجد، أرضاك جده
وذو باطل، إن شئت ارضاك باطله»

وبعد ذلك، فلو ذهبت احلل العجلوني، وارده الى «عوامله الاولية» لقلت: انه يكاد يكون في اصل خلقه مجموعة معان، لولا ان تجسد بعضها، فاستحال لحما وعظاما، لظل سابحا بكل خلقه في مسابح الارواح.

لا شك ان ثقافة ابي السلطان العربية قد ظاهرته على هذا الذي سلكه واصطنعه في البحث والنقد، فهو رجل قد خالط العربية منذ طراءة الصبا واوائل الشباب، وعرف مناهج الكتب والكتاب في مختلف فنون القول وخبر مصطلحات الاقدمين واعرافهم اللغوية، وهذا فرق ما بينه وبين سواه من الكتاب والنقاد، فأنت قد تجد ناقدا ذا ذوق وبصيرة، ولكن محصوله اللغوي على قدر الحاجة، وقد تصادفه جمع بين الذوق والبصيرة واللغة، ولكن معارفه التاريخية لا تتجاوز الشائع العام الفاشي على الألسنة، وقد تراه فاز من الثلاثة باوفر الحظ والنصيب، ولكنك لن تجد عنده ما تجد عند ابي السلطان من الأنس بالمكتبة العربية في فنونها كلها، وذوبان هذه الفنون في بنيانه، فهي تجري في عروقه كالدم لا يحس به.
اما البيان عند العجلوني فذلكم شرح يطول وما زال يقوى ويشتد، ويبدع ويفتن حتى بلغ مكانا عليا، واسلوبه في الكتابة عال واتاه بعد دربة طويلة، وقد افضى به ذلك الى الاحساس العميق باللفظ العربي في ترجيعه وتنغيمه، في الدلالة والالفاظ والتراكيب والصور.

واسلوب صاحبنا بعد ذلك اسلوب كاتب يحترم قارئه ويحبه، ويؤنسه ويمتعه، ولا يتعالى عليه بالاغماض، ولا يستخف بالثرثرة وفضول الكلام، ولو خرج هذا الرجل من الملالة والثورة المتفجرة في نفسه، لاتى بكل عجيبة وغريبة.

وبعد، فهذا حديث موجز عن ابي السلطان، فاقبل منه ما تقبل، وانكر منه ما تنكر، ومن فهم غير الذي اردنا فهو وما فهم، لكنك لو عرفت ما عرفت، وذقت ما ذقت لنسبتني الى التقصير، ولقضيت علي بالعجز، على ما قال ابن السبكي في ترجمة ابيه تقي الدين من «طبقات الشافعية»:

«وانا اعرف ان الناظرين في هذه الترجمة على قسمين، قسم عرف الشيخ كمعرفتي ((يريد والده)) وخالطه كمخالطتي، فهو يحسبني قصرت في حقه، وقسم مقابله، فهو يحسبني بالغت فيه».. وكما يقول اهل الذوق والوجد: "من جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي".




رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
الادب, البيان, الفن, عجلوني, كتابة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:32 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc. Trans by