( أعمال المجمع ) أعمال المجمع : 1 ـ دراسة الألفاظ والأساليب والمصطلحات الجديدة في العلوم والآداب والفنون التي لم تدرسها المجامع من قبل . 2 ـ دراسة لهجات القبائل في الجزيرة العربية وما حولها تصحيحا وتأصيلا . 3 ـ إصدار مجلة علمية محكمة ورقية وإلكترونية دورية . 4 ـ دراسة ما يقدّمه المتصفحون من أسئلة ومقترحات. 5 ـ التواصل مع الدارسين وطلبة العلم بواسطة الهاتف (الخط الساخن) كل يوم . 6 ـ تقديم الرأي والمشورة في الصياغة اللغوية لجهات معينة (الجهات الرسمية، القضاء، المحاماة، العقود) . *** للتواصل مع المجمع عبر بريده الشبكي / m-a-arabia@hotmail.com /*** |

مجمع اللغة العربية بمكة يعلن عن إطلاق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 11,296
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي الرد على أستاذة بالجامعة البريطانية تدَّعي أن اللغة العربية لا تصلح لتدريس العلوم

كُتب : [ 12-17-2016 - 06:18 AM ]


الرد على أستاذة بالجامعة البريطانية تدَّعي أن اللغة العربية لا تصلح لتدريس العلوم
بقلم د.مصطفى شعبان

نشرت الدكتورة أمل قصري، الأستاذ بكلية الهندسة بالجامعة البريطانية، مقالًا في مجلة scientific amrican، عن أسباب تدهور التعليم الجامعي في مصر، أكدت فيه أن نظام الاختيار عبر ما يسمى مكتب التنسيق، عفى عليه الزمن ولم يتطور ليواكب التغيرات التي لحقت نظم التعليم في مختلف دول العالم.

وطالبت قصري باشتراك الطلاب في المشروعات البحثية والخروج من المدرجات ليزوروا الأماكن التي تمكنهم من تطبيق ما يدرسونه ومواجهة المشكلات، مضيفة أن الإنجليزية، هي لغة العلم واللغة العربية لم تشهد تطورًا لتتواكب مفرداتها مع التطور المستمر، مما يجعل تدريس العلوم بغير الإنجليزية ضربًا من الخيال، واذا تم استخدام العربية كلغة للعلم سيفقد الطالب القدرة على الاطلاع.

واختتمت الأستاذة بالجامعة البريطانية مقالها بتأكيد أنه لم يتم تطوير البرامج الدراسية منذ سنوات والأسوأ من ذلك أن تلك البرامج يتم استنساخها في كل الجامعات، حتى أصبحت الجامعات الحكومية والخاصة نسخة واحدة خالية من أي ابتكار، ولا توجد في مصر سوى جامعة واحدة تدرِّس برامج تشمل العلوم الحديثة.

وأقول وبالله التوفيق: إن كلام الأستاذة الفاضلة يحمل في جنباته جَنينَ إبطاله ونقضه بكل سهولة، وإني لأجد ردَّ هذه الأضغاثِ-بحول الله- على طرفِ الثُّمامِ، فإن من الحيثيات التي ذكرتها وادَّعت أن العربية من أجلها لا تصلح لتدريس العلوم التجريبية الحديثة ثلاث حيثيَّات:
أولاها: أن العربية في عصرنا ليست لغة العلم.
ثانيتها: أن العربية لم تشهد تطورًا في مفرداتها حتى تتواكب مع التطور المستمر.
ثالثتها: أن مناهج تعليم العربية لم يتم تطويرها، وما هي إلا استنساخ.

الردُّ على الحيثية الأولى: أن العربية في عصرنا ليست لغة العلم.
أقول للأستاذة: لا تُحمِّلي العربية ذنبَ خِذْلان أبنائها لها وتسلُّط أعدائها عليها، فمتى كانت الإنجليزية لغة العلم؟! إن الغرب المتقدم الآن كان منذ مائتي سنة تقريبًا لا يزال غارقًًا في الصراعات الطائفية والحروب والحملات العصبية، والنزاعات العرقية، وكان سلطان العربية سابغًا لأرجاء واسعة من آسيا وإفريقيا وأروبا، فمتى كانت الإنجليزية لغة العلم؟!
لقد ظلَّت العربية لغة العلم قبل عصور أوربا المظلمة الوسطى وبعدها لقرون عديدة، ولم تكن الإنجليزية قد برزتْ على مسرح اللغات التاريخية بعدُ، فقد تُرجمتِ العلومُ من العربية إلى اللاتينية؛ كالفن والعمارة والطب والصيدلة والزراعة والفلك والرياضيات والموسيقى واللغة والجغرافيا، وظلت حركة الترجمة سريعة لم تتوقف من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر، وكانت كل تلك العلوم مدونة بالعربية الفصحى، وإليك على سبيل المثال لا الحصر تلك الأمثلة:
1-ترجم ستيفن البيزي عام 1127، كتيبًا عربيًا حول النظرية الطبية إلى اللاتينية.
2-طوّر الخوارزمي (من اسمه اشتقت كلمة “خوارزمية”) طريقة لأداء العمليات الحسابية باستخدام الأرقام العربية في القرن التاسع، والتي نقلها ليوناردو فيبوناتشي إلى أوروبا، كما ترجم روبرت من شيستر كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة للخوارزمي نحو عام 1145.
3-كانت لابن الهيثم مؤلفات في علم البصريات باللغة العربية، اعتمد عليها إسحاق نيوتن ورينيه ديكارت كمصادر في أبحاثهم. وكانت أيضًا العلوم الطبية متطورة للغاية عند المسلمين، بشهادة المشاركون في الحملات الصليبية، الذين اعتمدوا على الأطباء العرب في أكثر من مناسبة، كما ذكر جان دي جوانفيل أنه تم إنقاذه على يد طبيب مسلم عام 1250.
4-ترجم جيراردو الكريموني وحده 87 كتابًا من العربية للاتينية، منها المجسطي، وكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة للخوارزمي، وكتاب الهيئة في إصلاح المجسطي لجابر بن أفلح، والبصريات للكندي، وكتاب جوامع علم النجوم والحركات السماوية للفرغاني، وتصنيف العلوم للفارابي، وأعمال الخيمياء والكيمياء والطب والصيدلة للرازي، وأعمال ثابت بن قرة، وحنين بن إسحاق، والزرقالي، وبني موسى، وشجاع بن أسلم ،والزهراوي، وابن الهيثم (بما فيها كتاب المناظر).
5-ترجم روبرت من شيستر عام 1144 كتاب الكيمياء لجابر بن حيان (الذي ترجم في أوروبا بعنوان كتاب تراكيب الكيمياء (بالإنجليزية: Book of the Composition of Alchemy)، وترجم جيراردو الكريموني (قبل عام 1187)كتاب الرسائل السبعين.
6-كان لترجمة أعمال الخوارزمي أكبر الأثر على علم الرياضيات في أوروبا. فقد كتب الأستاذ الجامعي فيكتور كاتز قائلاً: "معظم الأعمال الأولى في الجبر في أوروبا، اعتمدت في الأساس على الترجمات لأعمال الخوارزمي والعلماء المسلمين الآخرين. كما أنه كان هناك إقرار بأن معظم علمي حساب المثلثات المستوي والكروي ينسبان إلى العلماء المسلمين".كما أن كلمة "algorithm" (خوارزمية)، مشتقة من الترجمة اللاتينية لاسم الخوارزمي "Algorismi"، وأيضًا كلمة "algebra" (جبر) مشتقة من عنوان كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة، لذا فهما يصنفان ككلمات إنجليزية من أصل عربي. كما ترجمت الأعمال الفلكية والرياضياتية العربية للبتانيوالفزاري إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر.
7-كتاب القانون في الطب لابن سينا أحد أعظم أعمال الترجمة لكتب طبية، والذي ترجم إلى اللاتينية، ثم طبع وانتشر في أوروبا. ظل هذا الكتاب المرجع الأساسي في الطب في أوروبا، حتى بداية العصر الحديث، وخلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر وحدهما، طبع الكتاب أكثر من 35 مرة. لاحظ ابن سينا ظاهرة نقل العدوى لبعض الأمراض المعدية التي تنتقل عبر الهواء من قبل شخص مريض، وشرح كيفية اختبار بعض الأمراض الجديدة حينها. وقد كتب ابن سينا أيضًا كتاب الشفاء، والذي كان بمثابة موسوعة عامة في العلوم والفلسفة، وقد حظي هذا الكتاب أيضًا بشعبية في أوروبا. كتب أبو بكر الرازي كتاب الحاوي في الطب، والذي وصف فيه بعناية بل وميّز بين مرضي الحصبة والجدري، وقد كان لهذا الكتاب أيضًا أثره في أوروبا. كما كتب الزهراوي كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف، وهو موسوعة طبية اشتهرت بسبب قسم الجراحة بها. تضمن هذا الكتاب وصف ورسوم لأكثر من مائتي جهاز جراحي، العديد منها من اختراع الزهراوي نفسه. وقد ترجم جيراردو الكريموني جزء الجراحة في الكتاب إلى اللاتينية، واستخدم من حينها في كليات الطب الأوروبية لقرون، وظلوا يصدرون منه الطبعات حتى نحو عام 1770.
8-ترجمت أعمال الفلسفة الإسلامية القديمة إلى العبرية واللاتينية والإسبانية اليهودية، مما ساهم في تطور الفلسفة الأوروبية الحديثة.
ومن أهم من أثر في الفلسفة الأوربية ابن رشد مؤسس مدرسة ابن رشد الفلسفية في النهضة العلمانية في أوروبا الغربية.
أسس ابن سينا مدرسة في الفلسفة، أثرت في العالمين الإسلامي والمسيحي على حدٍ سواء. كان ابن سينا من المعلقين المهمين على أعمال أرسطو، معدلاً فيها في بعض الجوانب بأفكاره الخاصة، و كان لابن رشد أيضًا مرسة فلسفية، جعلته أحد أكثر الفلاسفة المسلمين تأثيرًا في الغرب، اختلف ابن رشد مع ابن سينا حول تعليقات ابن سينا على أعمال أرسطو في بعض الجوانب مثل وحدة الفكر، وظل تعليق ابن رشد حول تلك المسألة هو السائد في أوروبا خلال العصور الوسطى. وقد اتفق دانتي أليغييري مع الرؤية الرشدية لنظرية علمانية الدولة في كتابه De Monarchia.
9-انتقلت عدد من التقنيات المستخدمة في العالم الإسلامي إلى أوروبا في العصور الوسطى، ومنها تقنيات زراعة عدد من المحاصيل، إضافة إلى عدد من الأجهزة الفلكية منها الإسطرلاب الإغريقي الذي طوره الفلكيون العرب ليستخدم في أي خط عرض جغرافي، والصفيحة الزيجية وهو إسطرلاب اخترعه الزرقالي، وآلة السدس، وعدد من الأجهزة الجراحية إضافة إلى المسننات المتقدمة التي استخدمت في الساعات المائية والآلات ذاتية التشغيل.ورغم أن التقطير كان شائعًا في عصر الإغريق والرومان، إلا أنه أعيد اكتشافه مرة أخرى في أوروبا العصور الوسطى نقلاً عن العرب، حتى أن كلمة "alcohol" (التي تستخدم لوصف السائل الناتج عن التقطير) مشتقة من كلمة "الكحول" العربية.وكذلك كلمة "alembic" (من الكلمة اليونانية "Ambix") هي في الأصل كلمة عربية (الأنبيق). وفي المجمل، يمكن القول بأن انتقال التقنية القديمة والحديثة من الشرق الأوسط إلى أوروبا عصر النهضة، مثّل أحد أكبر عمليات انتقال التقنية في التاريخ العالمي.

يقول الدكتور محمود الجليلي عضو المجمع العلمي العراقي:

«إن اتساع اللغة العربية يجعلها قابلة للتطور لتستوعب النمو السريع في مختلف العلوم والفنون، وقد سبق لها أن استوعبت العلوم والفلسفة قبل مئات السنين، وهي الآن ماضية في نفس السبيل».

ويؤكد الأستاذ خير الدين المهندس في كلية الهندسة بجامعة حلب السورية : «أن عبقرية اللغة العربية متأتية من توالدها. فكل كلمة فيها تلد بطوناً ، والمولودة بدورها تلد بطوناً أخرى، فحياتها منبثقة من داخلها، وهذا التوالد يجري بحسب قوانين، وصيغ، وأوزان، وقوالب، هي غاية في السهولة والعذوبة».

ويجزم الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله عضو أكاديمية المملكة المغربية والأمين العام للمكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي سابقًا بأن : «في مصنفات العلوم والفنون ذخيرة لغوية، كانت هي القوام الأساسي للتفاهم بين العلماء، والتعبير عن أعمق النظريات التقنية يوم كانت الحضارة العربية في عنفوان ازدهارها، ويكفي أن تتصفح كتابًاً علميًّاً أو فلسفيًّاً لتدرك مدى هذه القوة وتلك السعة الخارقة. ففي العربية إذن مقدرات شاسعة لا يتوقف حسن استغلالها إلا على مدى ضلاعتنا في فقه اللغة».
ويقول الأستاذ بنعبد الله:«أن اللغة العربية أصبحت في العصور الوسطى لغة الفلسفة والطب ومختلف العلوم والفنون، بل أصبحت لغة دولية للحضارة. ففي عام 1207 م لوحظ وجود معهد في جنوب أوروبا لتعليم اللغة العربية. ثم نظم المجمع المسيحي بعد ذلك تعليمها في أوروبا، وذلك بإحداث كراسي في كبريات الجامعات الغربية. وفي القرن السابع عشر اهتمت أوروبا الشمالية والشرقية اهتمامًاً خاصًّاً بتدريس اللغة العربية ونشرها. ففي 1636م قررت حكومة السويد تعليم العربية في بلادها. وعند ذلك الحين انصرفت السويد إلى طبع ونشر المصنفات الإسلامية، وبدأت روسيا تعتني بالدراسات الشرقية والعربية على الخصوص في عهد البطرس الأكبر الذي وجه إلى الشرق خمسة من الطلبة الروسيين. وفي عام 1769م قررت الملكة كاترينا إجبارية اللغة العربية. وفي عام 1816م أحدث قسم اللغات السامية في جامعة بتروكراد».

فأين كانت الإنجليزية في ذلك الوقت يا أستاذة؟! ومتى كانت لغةَ العلم؟!
إنَّ إعلاء مكانة العربية مسؤوليات أبنائها، وإرادة شعوبها، وعزيمة حواضرها، فمتى كان للعربية حواضر كبغداد وقرطبة والقاهرة، ومتى كان لها الكلمة العليا كانت لغة العلم والرُّقي والنهوض بالأمة، فإن اللغة رمز هُويَّة الأمة وعنوان حضارتها، فالمشكلة يا سيدتي مشكلة أمة وحضارة لا مشكلة اللغة، مشكلة أمة تكالبَ عليها أعداؤها من جانبٍ فأعاقوا سَيْرها وأوقفوا انطلاقها، وتخاذل عنها أبناؤها من جانبٍ آخر فاستقوَوا بضواري الغرب الرَّابضين حول عرينها يقتنصون كل سانحةٍ ويستبقون لكل فرصة حتى ينقضُّوا عليها فريسةً هيِّنة وحِمى ضائعًا ومرتعًا خِصبًا غاب عنه حُماته.
وقد حملت الأندلس مشاعل النور لثمانية قرون وظلَّت العلوم تُدرَّسُ في جوامعها وجامعاتها بالعربية الفصحى، وكانت لغة العلم باقتدار، فما الذي حدث اليوم؟! هل تغيرت خصائص اللغة وطبيعتها فأصبحت تنوء بحِمل أعباء ابتكار المصطلحات العلمية وتئِطُّ عن تحمُّل تسارع العلوم وتقدمها وتطورها المتنامي؟! لا وربي،،،،! إن الخَوَر والضَّعف والوَهْي قد لحق بأبنائها وشعوبها هوية وانتماءً وثقافة ودينًا، فما حدث للعربية الآن إنما هو انعكاس لحالتهم المرضية المُزْمنة، وما هو بحادثٍ في جسد العربية وبنيانها الذي كفل الله حفظه ما دام كتابه محفوظًا، وإنما نَخَرَ في جسد الأمة حتى انبعث من أبنائها من ينادون بإحلال العَامِّيَّات والدَّوَارِجِ محلها، وحتى نَبَتَ منهم وبكل أسفٍ مَنْ يرميها بكُل فاقة وعِلَّةٍ، ويصفها بالعجز والتراجع والقصور.
وما كل ذلك إلا تَعِِلَّاتٌ لإزاحة العربية عن ساحة المعركة ليقينهم بأنه متى ما تمسك أبناؤها بركائزهم الدينية والثقافية واللغوية عادت حضارتهم وسادت وكان للعربية الكلمة وارتدتْ لغةَ العلمِ كما كانت.
فالعربية كانت وما زالت وستظلُّ لغة العلم والدين والحضارة على رَغْم مَنْ رَغِمَ.


التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان ; 12-17-2016 الساعة 12:04 PM
رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 11,296
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 12-17-2016 - 07:13 AM ]


الرَّدُّ على الحيثية الثانية: أن العربية لم تشهد تطورًا في مفرداتها حتى تتواكب مع التطور المستمر.
أقول: هذا ادِّعاءٌ خُلْوٌ من المنهجية العلمية، عَرِيٌّ من الموضوعية التي يتشدَّقُ بها الغربيون دائمًا، ضرورة أن لغة من اللغات الحية لم تشهد على مرِّ التاريخ تطورًا على مستوى المفردات كالذي شهدته العربية ومفرداتها، فإنها تتمتع بنظام توسَّعي في التوليد والابتكار لا يوجد في لغات الدنيا، وتلك اللغة الصينية على سبيل المثال أكثر لغات العالم من حيث عدد المتحدثين اليوم ولا يوجد بها نظام "الاشتقاق" الموجود في اللغة العربية، فاللغة العربية لغة اشتقاقية، قائمة في الأساس على الجِذْر الثلاثيِّ للمفردات؛ لذلك فإن خزائنها من المفردات يمكن أن تزداد دائمًا وتتوسع بصفة مستمرة، وكل الكلمات المشتقة من أصل ثلاثي تحمل المعنى الأصلي لذلك الأصل، بخلاف غيرها من اللغات، فالاشتقاق من أبرز سمات هذه اللغة وخصائصها، بعكس اللغات الأوروبية وغير الأوروبية، فهذه الطريقة حيوية توليدية أشبه بطريقة توالد الأحياء، وليست آلية جامدة، خلاف طريقة اللغات الأخرى التي تكون طريقة آلية أكثر منها توليدية، وبذلك لم ينقطع سيل الألفاظ الجديدة في اللغة العربية. وكان الاشتقاق بذلك حاضنًا لكل جديد مواكبًا لكل تطوُّرٍ علمي وتَقَنِيٍّ، وإليك على سبيل المثال لا الحصر تلك الأمثلة:
1-قد اشتق العرب كثيرًا من أسماء الأعيان، والمجامع اللغوية أجازت هذا الاشتقاق للضرورة في لغة العلوم، ورأوا التوسع في هذه الإجازة بجعل الاشتقاق من أسماء الأعيان جائزًا من غير تقييد بالضرورة. واشتقوا من أسماء الأعيان المعرّبة كالدرهم والفهرس، فقالوا: دَرْهَمَ وفَهْرَسَ، ويقال من الكهرباء والبلّور: كَهْرَبَ وبَلْوَرَ. كما وضعت المجامع قواعد الاشتقاق من الاسم الجامد العربي والاسم الجامد المعرَّب. وقررت أنه تصاغ مَفْعَلة قياسًا من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه هذه الأعيان، سواء أكانت من الحيوان أم من النبات أم من الجماد، فيقال: مَبْقَرة ومَلْبَنة ومأسدة.

2- استعملت العرب المصدر الصناعي بقلة وأخذته من أسماء المعاني والأعيان كالجاهليّة والإنسانيّة والفروسيّة والألوهيّة. ورأى المجمع القاهري أيضًا قياسية صنع هذا المصدر لشدة الحاجة إليه في العلوم والفنون حيث قال: إذا أريد صنع مصدر من كلمة يزاد عليها ياء النسب والتاء، فيقال: الاشتراكية والجمالية والرمزية والحمضية والقلوية.

3- اشتقت العرب أيضًا من أسماء الأعضاء، فقالوا:
رَأَسَه / أَذَنَه / عَانَه: إذا أصاب رأسه وأذنه وعينه.
ورأى المجمع أن هذا الاشتقاق قياسي، فقال: كثيرًا ما اشتق العرب من اسم العضو فعلاً للدلالة على إصابته... وعلى هذا ترى اللجنة قياسيته.

4- واشتقت العرب أيضا من أسماء الزمان، فقالوا:
أَصَافَ / أخْرَفَ / أضحى/ أَرْبَعَ / أَصْبَحَ / أمسى: إذا دخل في الصيف والخريف والضحى والربيع والصباح والمساء.

5- كما اشتقت من أسماء المكان، فقالوا:
خرْسَنَ / أَنْجَدَ / أعرق / أَتْهَمَ / أعمنَ / أَشْأَم: إذا أتى خراسان ونجدًا والعراق وتهامة وعمان والشأم.

6- واشتقت من أسماء الأعلام، فقالوا:
تَنَزّر / تَقَـيّس / تأمرك: إذا انتسب إلى نزار وقيس وأمريكا.

7- واشتقُّوا من الكلمات المعرّبة، فقالوا مثلا:
كَهْربَ / المُكَهْرب من الكهرباء
جَورَبَ من الجَوْرَب
دبّجَ من الديباج
التأكْسُد / تُأكسَدَ الفلزّ أوالمعدن من الأكْسِدة
التمغنُط من المغْنِطيس/ المُمغْنط (اسم المفعول) / المَغْنَطة

8- وأيضا اشتقت من أسماء الأعداد، فقالوا:
أحّدته أي حسبته واحدا / ثنَّيته أي جعلته اثنين / ثَلَثْت القوم أي صرت لهم ثالثًا.

9- واشتقت من أسماء الأصوات، فقالوا:

فَأْفَأَ أي ردّد الفاء / جَأْجَأَ بإبله: إذا دعاها لتشرب بقوله: جئ جئ.
10- واشتقت من حروف المعاني، فقالوا:

سوّف / لاَلَى / أَنْعَمَ: إذا قال: سوف ولا ونعم.

هذا بالإضافة إلى أن العربية لغة حيَّة متفاعلة تتجاوب مع اللغات الأخرى وتقترض منها وتُقرضها، وهذا ما عُرف بنظام التَّعريب والاقتراض، والقرآن أكبر شاهد على ذلك، فإنه استعمل بعض الألفاظ التي اقترضتها العرب من اللغات الأخرى كالفارسية والحبشية، وأخضعتها لنظام التعريب حتى صار اللفظ مصبوغًا بالصبغة العربية فلا تكاد تفرقه عن غيره من الألفاظ العربية الأصيلة، ومن مثل ذلك: (القسطاس): الميزان من الرومية، و(الصراط): من اليونانية، و(ياقوت): من الفارسية، و(ملائكة): من الحبشية، و(طوبى): أي: الجنة من الهندية...فالاحتكاك بين اللغات ظاهرة طبيعية كنتيجة للاحتكاك بين الأمم والحضارات، وهو تناغم يصبُّ في مصلحة اللغات ولا يعيبها بل يزيدها مرونة وحيوية وقدرة على البقاء والتطور...والمعاجم الانجليزية مملوءة بالألفاظ المقترضة من العربية كما يقول كثير من الباحثين المعجميين، !!!!!!!وبخاصة في لغة العلم!!!!!!! وانظر مثلًا:
Down= أسفل، من الكلمة العربية (دُون)،،،Cut = قطع ،،،Canon = من القانون العربية،،،Candel = الشمعة من القنديل العربية،،،Tail = من كلمة ذيل العربية،،،Cotton = (قطن)،،،defence = دفاع،،،allowance = علاوة،،،master = مسيطر،،،nation = ناس ،،،wise = واعظ،،،،alcohol= الكحول من مادة الكُحل العربية،،،إلى غيرها من الألفاظ الإنجليزية التي لها أصول عربية واضحة وضوحًا لا شية فيه.

وفي أحدث الدراسات الإحصائية للمفردات اللغوية تبيَّنَ تفوقُ اللغة العربية بجدارة على بقية اللغات بأكثر من 12 مليون كلمة مقابل اللغة الإنجليزية التي تحتل المركز الثاني بحوالي 600 ألف كلمة ...أي أن اللغة العربية تحتوي أكثر من ضعف كلمات اللغة الإنجليزية مجتمعة ... وهو ما يعطي اللغة العربية ثروة هائلة في الكلمات والمصطلحات والمرادفات التي تثري العلوم والفنون والمصطلحات العلمية والأدبية، وتوفي بمتطلبات التدريس في الجامعات لو فكَّر أهلها في تدريس العلوم باللغة العربية...!!!!!!!!
فهل بعد ذلك تكون العربية قاصرةً عن ملاحقة التقدم العلمي ومطاولة التسارع التقني؟!



التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان ; 12-17-2016 الساعة 10:33 AM

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 11,296
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 12-17-2016 - 08:20 AM ]


الردُّ على الحيثية الثالثة: أن مناهج تعليم العربية لم يتم تطويرها، وما هي إلا استنساخ.
أما هذا فلا نماري فيه، فإن مناهج تدريس العربية للناطقين بها ولغير الناطقين بها تحمل ما تحمل ويعلمه الجميع من مواطن الضَّعف وأسباب تنفير المتعلمين والمعلمين على حدٍّ سواء،,ولكن...!!!!!

هل ذلك بسببٍ من العربية نفسها وهل هو نابعٌ من إشكالية في جدار تكوينها وبنيان خصائصها؟!
هل ذلك ناشئ عن صفة ذاتية في العربية وبالتالي انطبعت مناهجها بتلك الصفات المنفِّرة التي تؤدي إلى تراجع مستويات الطلاب التعليمية، وكفاءتهم الفكرية، ومقدرتهم الثقافية؟!

إن تلك السِّهام الحادة كان ينبغي للأستاذة أن تصوِّبها شطر الغرض الصحيح والمرمى السديد، فما الجُرمُ الذي اقترفته اللغة العربية حتى تنال كلَّ هذا الظُّلم والإجحاف؟! وما هي الجَرِيرَةُ التي جرَّتها العربية على مناهجها حتى تُطعن في كل خاصِرَةٍ بكل هذه القسوة؟!

لا ينبغي أبدًا أن نعلق عيوب المناهج الدراسية والخُطط التعليمية على عاتق العربية كلما عزَّ علينا معرفة بيت الدَّاء رميناها به، من باب (رَمَتْنِي بِدَائِهَا وانْسَلَّتْ)...فإن العربية تحمل في ذاتيتها سبيل الإبداع والابتكار والخيال إذا رام المُمَنْهِجون أن ينهجوا بأبنائهم سبيل ذلك، وأرادوا أن يسلكوا بهم دربه.
لا نُجادل في أن مناهج العربية تحتاج إلى نهضة حقيقية، وتكاتف حقيقي، وتكامل شامل بين مؤسسات النهوض بالعربية الحكومية والخاصة لتقديم رؤًى علمية واقعية نابعة من مصادر العربية الأصيلة التي كانت سببًا لنهضة أسلافنا.
يقول العلامة ابن خلدون عن المناهج الدراسية التي كانت سائدة في الأندلس:
(وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتابة، وجعلوه أصلًا في التعليم، فلا يقتصرون لذلك عليه فقط، بل يخلطون في تعليمهم الولدان رواية الشعر، والترسل، وأخذهم بقوانين العربية وحفظها، وتجربة الخط والكتابة... إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة وقد شد بعض الشيء في العربية والشعر وأبصر بهما، وبرز في الخط والكتاب، وتعلق بأذيال العلم على الجملة"

ويقول الأستاذ الطاهر أحمد مكي في تفصيل رائع عن منهجية التعليم في الأندلس زمن النهضة:
"ويتلقى الأطفال العلم منذ صغرهم؛ إذ كان ميسورًا، يؤتى لهم بالمدرس إلى البيت، وإلا أرسل بهم إلى الكتاب الأقرب إلى مسكنه، وتخضع هذه المدارس الابتدائية نظريًّا لإشراف "المحتسب"، ويجمع المعلم أو المؤدب عددًا محدودًا من الأطفال في مكان صغير مفتوح على الشارع، يطلق عليه اسم "المصرية"، يدرس لهم بأجر برنامجًا معروفًا غير مكتوب، تحدده التقاليد، وبعقد محترم منه ومن ولي الطفل، وفي هذه المرحلة يحفظ الطفل جانبًا من القرآن الكريم، ويحفظ قصائد من الشعر، ومقتطفات من النثر، ويدرس شيئًا من النحو وقليلًا من الحساب، والكتابة والقراءة على الطريقة "الجملية"، ويبدو أنها لم تكن مقبولة من الكافة، ويدفع الأجر للمعلم في كتابه، أو جاء إلى البيت، طبقًا للعقد، ويكون سنويًّا، ويتضمن المادة أو المواد المطلوب تعليمها، وشكل التعليم، والزمن المخصص لها، وشروط دفع النفقات من مال يدفع آخر العام، أو مواد غذائية من دقيق وزيت تدفع شهريًّا، ومن العادات المتأصلة أن تقدم الهدايا للمعلم في عيدي الأضحى والفطر، وأخرى أجل وأكبر حين يختم الطفل القرآن.

ويتردد على بيوت القادرين، غالبًا، أكثر من معلم لتربية أطفالهم، وأحيانًا يقع الاتفاق على إكمال العمل، يقوم المعلم بتعليم الصبي، مقابل أجر معلوم، مادة معينة، أو مواد متعددة، وفي هذه الحالة يلزم ولي الأمر أن يقدم تقريرًا وافيًا عن عقلية الصبي وقدراته الذهنية.

ورغم أن التعليم أهلي، كانت المدارس المجانية كثيرة، ينفق عليها من ريع الحوانيت والعقارات والأراضي التي أوقفها الحكم الثاني، وآخرون غيره، وأسهم الشعب بدوره، يجمع الهبات، ويدعم المدارس، بعيدًا عن رقابة الدولة وتدخلها في النظم أو المناهج، ما دامت لا تستهدف نشر أفكار ضارة بأمن المجتمع وهدوئه، وقد تحقق في قرطبة المثل الأعلى الذي نطمح إليه: أن يكون التعليم الابتدائي مجانًا وإجباريًّا؛ مجانًا: لأن العاجزين لم يكونوا يحرمون منه لعجزهم، وإجباريًّا: بضغط من المجتمع نفسه، دون حاجة إلى أمر يصدر أو قانون يشرع؛ لأن التجار أصحاب الحرف والمصانع يرفضون أن يقبلوا في حوانيتهم عمالًا لا يعرفون القراءة والكتابة، حتى ولو كنت مهنهم لا تحتاج إليها، فإذا بلغ الطفل سن الحلم انتقل إلى مصنع أو متجر ليعمل، أو يواصل تعليمه إذا سمحت له ظروفه بذلك، وفيها يحضر الطالب المواد التي تعجبه، على الأستاذ الذي يطمئن إليه، ويقرأ في الكتاب الذي يراه نافعًا ومفيدًا، ويتعمق في درسه بالقدر الذي يسمح له به ذكاؤه ورغبته وإمكاناته، ومن الصعوبة تحديد متى يبدأ التعليم في المرحلة الأعلى ومتى ينتهي، وليس من الممكن كذلك تحديد المادة، أو المواد، التي يبدأ طلاب التعليم بدراستها: القرآن، أو الرياضيات، أو الطب، أو اللغة، أو الأدب؛ فقد كان الطلاب أحيانًا يجمعون بين أكثر من مادة في الوقت نفسه، ولكن يمكن القول: إن الطلاب كانوا يبدؤون دراسة النحو والتعمق فيه؛ ليعينهم على فهم بقية المواد الأخرى، وتليه دراسة المواد الدينية؛ من فقه وحديت وتفسير وأصول.

وكان هناك الطلاب المنتسبون، وهم الذين لا تمكنهم ظروفهم من حضور الدرس، فيعتمدون على الكتاب، وإذا وثقوا من أنفسهم تقدموا للأستاذ ليجيزهم، ويعتمد الطلاب على ذواكرهم كثيرًا، وكان فيهم من يحفظ آلاف القصائد من الشعر، ومن يحفظ كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني كاملًا، وفيه تتعدد الروايات وتتشابه ولا رابط بينها، ويتنوع محتواه من شعر ونثر وحكايات، ومن يحفظ القرآن لا يغيب عن ذاكرته حرف واحد منه، ومن يحفظ موطأ مالك، أو مدونة سحنون، أو ديوان المتنبي، أو كتاب الكامل للمبرد، نعم، وكان في الأندلس من يحفظ هذا دون حاجة إلى أن يكون عالمًا أو متخصصًا، ويقص علينا ابن بشكوال أنه كان في سوق قرطبة باعة عنب وتين يستطيع الواحد منهم أن يقرأ من الذاكرة أمامك كتاب "معاني القرآن" لأبي جعفر النحاس، أما أولئكم الذين لا تواتيهم ذواكرهم فيشعرون بخيبة أمل مريرة، ويحاولون ما استطاعوا أن يزيدوها حدة بالأدوية، وأشهر هذه شراب "البلاذر"، ويتخذ من ثمار شجرة هندية، يصفه الأطباء، ويتناوله القادرون، ليجعل ذواكرهم أشد حدة، وأصفى صفحة، وفيما بعد أسرفوا في الحفظ، وأقلوا من التفكير، وكان ذلك، فيما لحظ ابن خلدون، وراء تدهور الثقافة والعلم في أخريات أيام الأندلس؛ لأن المعرفة لا تتقدم بالحفاظ عليها، وإنما بتعهدها إنماءً وتجديدًا، وكان العمل بالتعليم العالي مناط تقدير المجتمع واحترامه، ويرفع العاملين فيه إلى مستوى كبار القوم، ممن جاءهم الجاه وراثة، وأساتذته في مستوى بقية الوظائف الكبرى عسكرية أو مدنية؛ كالولاة، والقضاة والقادة، ولكنها مهنة تميزت بأنها مفتوحة الأبواب أمام كل ذكي، وكان يعمل فيها من ينتسبون إلى طبقة الخاصة حبًّا في العلم، وطلبًا للمزيد من الجاه، والقادمون من تحت يجدون فيها الأمن والحماية والطريق إلى الشهرة، وعادة تلتقط الدولة خيرة الأساتذة وترشحهم للمناصب العالية، جلبًا لرضا العامة، وكسبًا لثقـتها، فلم تكن هناك أحزاب ولا صحافة ولا مجامع علمية ولا برلمان يلمع فيها الناس، وتظهر الكفاءات".

ويقول مكي أيضًا في معرض حديثه عن اللغة الرسمية للدولة الأندلسية زمن النهضة وكيف كانت لغة هوية وقومية وحضارة:
"وكانت اللغة العربية الفصحى اللغة القومية، ولأنها لغة ثقافة ووعاء حضارة لم توجد على بطحاء شبه الجزيرة الأيبيرية لغة أخرى تدخل معها في صراع، أو تقاوم زحفها، ولأنها لغة القرآن فرضت نفسها لغة للإدارة أيضًا، وأصبحت لغة الحديث في اجتماعات الأصدقاء المثقفين، وفي "الصالونات الأدبية"، وتحرير الرسائل والوثائق الرسمية، وفي الإبداع الأدبي شعرًا ونثرًا، ولغة التعليم بنوعيه، المبتدئ والعالي على السواء، وفي العلاقات الدولية، ومع المشرق بخاصة، أفرادًا أو على مستوى الدول، وكان التمكن منها شرطًا لتولي أي من المناصب العامة، والتفوق فيها الطريق الوحيد إلى النبل المكتسب والوظائف العليا، ومن ثم كان على الأندلسيين من غير المسلمين، يهودًا أو مستعربين، أن ينبغوا فيها إذا أرادوا أن يجدوا لهم مكانًا مرموقًا تحت شمس الخلافة، ونعرف من بينهم أدباء وشعراء كانوا يكتبون فيها شعرًا جميلًا ونثرًا راقيًا، ويعبر عن هذا الواقع زفرة أرسلها ألفارو مطران قرطبة، عام 854 م؛ أي: قبل الفترة التي نعرض لها بنحو قرن كامل، ولما يمضِ على الفتح الإسلامي غير مائة وأربعين عامًا، يقول: "من الذي يعكف اليوم بين أتباعنا من المؤمنين على دراسة الكتب المقدسة، أو يرجع إلى كتاب أي عالم من علمائها، ممن كتبوا في اللغة اللاتينية؟ من منهم يدرس الإنجيل أو الأنبياء أو الرسل؟ إننا لا نرى غير شبان مسيحيين هاموا حبًّا للغة العربية، يبحثون عن كتبها ويقتنونها، يدرسونها في شغف، ويعلقون عليها، ويتحدثون بها في طلاقة، ويكتبون بها في جمال وبلاغة، ويقولون فيها الشعر في رقة وأناقة، يا للحزن! مسيحيون يجهلون كتابهم وقانونهم ولاتينيَّتهم، وينسَون لغتهم نفسها، ولا يكاد الواحد منهم يستطيع أن يكتب رسالة معقولة لأخيه مسلِّمًا عليه، وتستطيع أن تجد جميعًا لا يحصى يظهر تفوقه وقدرته وتمكنه من اللغة العربية".

فهل كانت اللغة عاجزة آنئذٍ عن تربية جيل من العلماء الذين أضاؤوا الدنيا بعلومهم ومعارفهم؟! وهل كانت المشكلة في اللغة حينئذٍ، أم أن القضية قضيةُ إرادة وعزمٍ صادق وإيمان بأن اللغة ينبوع النهوض بالأمة ومفتاح انطلاقها وسرُّ سُؤْددها؟!


يا سيدتي إن المشكلة لا تكمن في العربية بَتَّةً، ولا في خصائصها، ومفرداتها، وذاتيتها، إن المشكلة الحقيقة تكمن فينا نحن أبناءها، نحن شعوبَها الناطقين بها، وفي إيماننا بعظمة هذه اللغة وجلالها وبهائها، إن مبدأ العلاج يكون منَّا نحن، علينا أن نؤمن إيمانًا يقينيًّا لا ريب فيه أن الله أقام الدين رِدْءًا لتلك اللغة وأقام اللغة لسانًا لهذا الدين، وجعل مصيرهما مستمسكًا بعروة وثقى لا انفصام لها هي القرآن العظيم، وهنا يكون المنطلق والمبدأ...أمة تستمسك بحبل لا ينقطع،،،أمة تُحبُّ لغتها وتوصل هذا الحب لأبنائها وأجيالها، فإن مَنْ لا يُحبُّ الشيء لنْ يدعو إليه، ومن لا يعرف قيمة الشيء لنْ يدُلَّ عليه ولن يأبَه به،،،،أمة تُمْضى بلغتها صَوَارِمَ عزائِمِهَا، وتكون لها جُنَّة تخِرُّ أعداؤها على أنْصَابِها، وتعود لها أزِمَّةُ الحضارة بعدما توارتْ بِحِجَابِها.

أُمَّةٌ تعرفُ لغتها تعرفُ أين ستكون!!!!!
وما توفيقي إلا بالله

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
هل تصمد اللغة العربية في عصر العولمة؟ مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 1 10-22-2019 10:29 AM
هل تصمد اللغة العربية في عصر العولمة؟ شمس البحوث و المقالات 0 09-04-2019 07:23 PM
أستاذة تاريخ تكشف أسباب ضعف المصريين في اللغة العربية مصطفى شعبان أخبار ومناسبات لغوية 0 07-29-2017 06:55 AM
توصيات تدعو إلى اعتماد اللغة العربية لتدريس العلوم في المغرب للعربية أنتمي أخبار ومناسبات لغوية 0 05-31-2015 07:39 AM
اللغة العربية تصلح لأن تكون لغة العلوم والأدب عبدالحميد قشطة البحوث و المقالات 0 02-22-2015 07:34 AM


الساعة الآن 01:44 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc. Trans by